8 - بَاب الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ عَاصِمٌ : مَانِعٌ قَالَ مُجَاهِدٌ : سَدًّا عَنْ الْحَقِّ : يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ ، دَسَّاهَا أَغْوَاهَا 6611 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ : بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ . قَوْلُهُ ( بَابٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ ) أَيْ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ بِأَنْ حَمَاهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْهَلَاكِ أَوْ مَا يَجُرُّ إِلَيْهِ ، يُقَالُ : عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الْمَكْرُوهِ : وَقَاهُ وَحَفِظَهُ ، وَاعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ لَجَأْتُ إِلَيْهِ ، وَعِصْمَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِفْظُهُمْ مِنَ النَّقَائِصِ وَتَخْصِيصُهُمْ بِالْكِمَالَاتِ النَّفِيسَةِ وَالنُّصْرَةِ وَالثَّبَاتِ فِي الْأُمُورِ وَإِنْزَالِ السَّكِينَةِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ أَنَّ الْعِصْمَةَ فِي حَقِّهِمْ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ الْجَوَازِ . قَوْلُهُ : ( عَاصِمٌ مَانِعٌ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي قِصَّةِ نُوحٍ وَابْنِهِ : قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ عِكْرِمَةُ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ عَنْهُ ، وَقَالَ الرَّاغِبُ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ : لا عَاصِمَ الْيَوْمَ أَيْ لَا شَيْءَ يَعْصِمُ مِنْهُ ، وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَعْصُومٍ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الْعَاصِمَ بِمَعْنَى الْمَعْصُومِ ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ ، فَأَيُّهُمَا حَصَلَ حَصَلَ الْآخَرُ . قَوْلُهُ : قَالَ مُجَاهِدٌ : سَدًّا عَنِ الْحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ : سَدًّا بِتَشْدِيدِ الدَّالِ بَعْدَهَا أَلِفٌ ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ نَجِيحٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى : وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا قَالَ : عَنِ الْحَقِّ ، وَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ شِبْلٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( سَدًّا ) قَالَ : عَنِ الْحَقِّ ، وَقَدْ يَتَرَدَّدُونَ ، وَرَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ : سُدًى بِتَخْفِيفِ الدَّالِ مَقْصُورَةً ، وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْكَرْمَانِيِّ ، فَزَعَمَ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا : أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَيْ مُهْمَلًا مُتَرَدِّدًا فِي الضَّلَالَةِ ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ إِلَّا اللَّفْظَ الَّذِي أَوْرَدْتُهُ قَالَ مُجَاهِدٌ : سَدًّا ... إِلَخْ ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ التَّفَاسِيرِ الَّتِي تُسَاقُ بِالْأَسَانِيدِ لِمُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى كَلَامًا ، وَلَمْ أَرَ قَوْلَهُ : فِي الضَّلَالَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّقُولِ بِالسَّنَدِ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ : لِضَلَالَةٍ بَدَلَ قَوْلِهِ : فِي الضَّلَالَةِ . قَوْلُهُ : ( دَسَّاهَا : أَغْوَاهَا ) قَالَ الْفِرْيَابِيُّ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى : وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا قَالَ مَنْ أَغْوَاهَا ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : دَسَّاهَا قَالَ : قَالَ أَحَدُهُمَا : أَغْوَاهَا ، وَقَالَ الْآخَرُ : أَضَلَّهَا ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : دَسَّاهَا أَصْلُهُ : دَسَسْتُ ، لَكِنَّ الْعَرَبَ تَقْلِبُ الْحَرْفَ الْمُضَاعَفَ إِلَى الْيَاءِ ، مِثْلَ : تَظَنَّنَتْ مِنَ الظَّنِّ ، فَتَقُولُ : تَظَنَّيْتُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَ النُّونِ ، وَمُنَاسَبَةُ هَذَا التَّفْسِيرِ لِلتَّرْجَمَةِ تُؤْخَذُ مِنَ الْمُرَادِ بِفَاعِلِ دَسَّاهَا ، فَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ اللَّهُ ، أَيْ : قَدْ أَفْلَحَ صَاحِبُ النَّفْسِ الَّتِي زَكَّاهَا اللَّهُ ، وَخَابَ صَاحِبُ النَّفْسِ الَّتِي أَغْوَاهَا اللَّهُ ، وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ صَاحِبُ النَّفْسِ إِذَا فَعَلَ الطَّاعَاتِ ، فَقَدْ زَكَّاهَا ، وَإِذَا فَعَلَ الْمَعَاصِيَ فَقَدْ أَغْوَاهَا ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِلتَّرْجَمَةِ . وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : مُنَاسَبَةُ التَّفْسِيرَيْنِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ كَانَ سُدًى ، وَكَانَ مُغْوًى . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : مَا اسْتُخْلِفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَالْبِطَانَةُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ : اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ ، وَالْمُرَادُ : مَنْ يَطَّلِعُ عَلَى بَاطِنِ حَالِ الْكَبِيرِ مِنْ أَتْبَاعِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ · ص 510 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المعصوم من عصم الله · ص 155 باب المعصوم من عصم الله أي : هذا باب يذكر فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : المعصوم من عصمه الله بأن حماه عن الوقوع في الهلاك ، يقال : عصمه الله من المكروه وقاه وحفظه ، والفرق بين عصمة المؤمنين وعصمة الأنبياء عليهم السلام أن عصمة الأنبياء بطريق الوجوب ، وفي حق غيرهم بطريق الجواز . عاصم مانع أشار به إلى تفسير لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي : لا مانع . قال مجاهد : سدا عن الحق يترددون في الضلالة . أي : قال مجاهد في تفسير سدى في قوله عز وجل : أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى بقوله : يترددون في الضلالة ، وقال بعضهم : سدا بتشديد الدال بعدها ألف ، ووصله ابن أبي حاتم من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه في قوله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا قال : عن الحق ثم قال : ورأيته في بعض نسخ البخاري سدى بتخفيف الدال مقصور ، وعليه شرح الكرماني ثم قال : ولم أر في شيء من نسخ البخاري إلا الذي أوردته . انتهى . قلت : هذا كلام ينقض آخره أوله لأنه قال أولا : ورأيته في بعض نسخ البخاري سدى بتخفيف الدال ، ثم قال : ولم أر في شيء من نسخ البخاري إلا الذي أوردته ، ومع هذا هو لم يطلع على جميع نسخ البخاري ، وهذا لا يتصور إلا بالتعسف في النسخ التي في مدينته ، وأما النسخ التي في بلاد كرمان وبلخ وخراسان فمن أين يتصور له الاطلاع عليهما . دَسَّاهَا أغواها . أشار بهذا إلى تفسير قوله تعالى : وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا بقوله : أغواها ، وأخرج الطبري بسند صحيح عن حبيب بن ثابت ، عن مجاهد وسعيد بن جبير في قوله : دَسَّاهَا قال أحدهما : أغواها ، وقال الآخر : أضلها ، وقال الكرماني : مناسبة الآيتين بالترجمة بيان أن من لم يعصمه الله كان سدى ومغوى . 18 - حدثنا عبدان ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا يونس ، عن الزهري قال : حدثني أبو سلمة ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما استخلف خليفة إلا له بطانتان : بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه ، والمعصوم من عصم الله . مطابقته للترجمة في آخر الحديث ، وعبدان لقب عبد الله بن عثمان المروزي ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، ويونس هو ابن يزيد الأيلي ، والزهري هو محمد بن مسلم ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأحكام عن أصبغ ، وأخرجه النسائي في البيعة وفي السير عن يونس بن عبد الأعلى . قوله : بطانتان البطانة بكسر الباء الموحدة الصاحب الوليجة المشاور وهو اسم جنس يشمل الواحد والجمع . قوله : ويحضه أي : يحثه . قوله : وبطانة تأمره بالشر قال الكرماني : لفظ تأمره دليل على أنه لا يشترط في الأمر العلو ولا الاستعلاء .