5 - بَاب رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا وَإِلَّا فَاعْتَزِلْنَا 609 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ : إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْله : ( بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : لَمْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمِ رَفْعِ الصَّوْتِ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَةِ الْأَذَانِ ، وَهُوَ لَمْ يَنُصَّ فِي أَصْلِ الْأَذَانِ عَلَى حُكْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ بَابُ الثَّوَابِ عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ . قَوْله : ( وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ أَنَّ مُؤَذِّنًا أَذَّنَ فَطَرِبَ فِي أَذَانِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ . . فَذَكَرَهُ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْمُؤَذِّنِ وَأَظُنُّهُ مِنْ بَنِي سَعْدِ الْقَرَظِ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ حَيْثُ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِ مِنَ التَّطْرِيبِ الْخُرُوجَ عَنِ الْخُشُوعِ ، لَا أَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي يَحْيَى الْكَعْبِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَابْنِ عَدِيٍّ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ ، ثُمَّ غَفَلَ فَذَكَرَهُ فِي الثِّقَاتِ . قَوْله : ( عَنْ أَبِيهِ ) زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي سَعِيدٍ وَكَانَتْ أُمُّهُ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِهِ ، لَكِنْ قَلَبَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فَقَالَ : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ مَالِكٍ وَوَافَقَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونُ . وَزَعَمَ أَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ رِوَايَتَهُ ، لَكِنْ لَمْ نَجِدْ ذَلِكَ وَلَا ذَكَرَهَا خَلَفٌ قَالَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ . وَاسْمُ أَبِي صَعْصَعَةَ عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْدُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غُنْمِ بْنِ مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ ، مَاتَ أَبُو صَعْصَعَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَحَابِيٌّ ، رَوَى ابْنُ شَاهِينَ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ حَدِيثًا سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي سِيَاقِهِ أَنَّ جَدَّهُ كَانَ بَدْرِيًّا ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْمَغَازِي لَمْ يَذْكُرُوهُ فِيهِمْ وَإِنَّمَا ذَكَرُوا أَخَاهُ قَيْسَ بْنَ أَبِي صَعْصَعَةَ . قَوْله : ( أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ ) أَيْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . قَوْله : ( تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ ) أَيْ لِأَجْلِ الْغَنَمِ ؛ لِأَنَّ مُحِبَّهَا يَحْتَاجُ إِلَى إِصْلَاحِهَا بِالْمَرْعَى ، وَهُوَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ وَهِيَ الصَّحْرَاءُ الَّتِي لَا عِمَارَةَ فِيهَا . قَوْله : ( فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَوْ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ ؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ قَدْ لَا تَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ حَيْثُ لَا غَنَمَ . قَوْله : ( فَأَذَّنْتُ لِلصَّلَاةِ ) أَيْ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ ، وَلِلْمُصَنَّفِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ بِالصَّلَاةِ أَيْ أَعْلَمْتُ بِوَقْتِهَا . قَوْله : ( فَارْفَعْ ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَذَانَ مَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ كَانَ مُقَرَّرًا عِنْدَهُمْ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى الْأَمْرِ بِالرَّفْعِ دُونَ أَصْلِ التَّأْذِينِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الرَّافِعِيُّ لِلْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى اسْتِحْبَابِ أَذَانِ الْمُنْفَرِدِ ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ حَقُّ الْوَقْتِ ، وَقِيلَ : لَا يُسْتَحَبُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ لِاسْتِدْعَاءِ الْجَمَاعَةِ لِلصَّلَاةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ مَنْ يَرْجُو جَمَاعَةً أَوْ لَا . قَوْلُهُ : ( بِالنِّدَاءِ ) أَيْ بِالْأَذَانِ . قَوْلُهُ : ( لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ ) أَيْ غَايَةَ صَوْتِهِ ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : غَايَةُ الصَّوْتِ تَكُونُ أَخْفَى مِنِ ابْتِدَائِهِ ، فَإِذَا شَهِدَ لَهُ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ وَوَصَلَ إِلَيْهِ مُنْتَهَى صَوْتِهِ فَلَأَنْ يَشْهَدُ لَهُ مَنْ دَنَا مِنْهُ وَسَمِعَ مُبَادِيَ صَوْتِهِ أَوْلَى . قَوْله ( جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ ) ظَاهِرُهُ يَشْمَلُ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ ، فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ شَجَرٌ وَلَا مَدَرٌ وَلَا حَجَرٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَنَحْوُهُ لِلنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَلَا شَيْءَ وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى غَيْرِ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قَوْلُهُ وَلَا شَيْءَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي قَوْلِهِ جِنٌّ لِأَنَّهُمْ يَسْتَخْفُونَ عَنِ الْأَبْصَارِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمُرَادُ كُلُّ مَا يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ مِنَ الْحَيَوَانِ حَتَّى مَا لَا يَعْقِلُ دُونَ الْجَمَادَاتِ . وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا . قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ ، تَقَرَّرَ فِي الْعَادَةِ أَنَّ السَّمَاعَ وَالشَّهَادَةَ وَالتَّسْبِيحَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ حَيٍّ ، فَهَلْ ذَلِكَ حِكَايَةٌ عَنْ لِسَانِ الْحَالِ لِأَنَّ الْمَوْجُودَاتِ نَاطِقَةٌ بِلِسَانِ حَالِهَا بِجَلَالِ بَارِيهَا ، أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ؟ وَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيهَا الْحَيَاةَ وَالْكَلَامَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ النَّارِ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ أَنَّ الْبَقَرَةَ قَالَتْ : إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ اهـ . وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ : إِنَّ قَوْلَهُ هُنَا وَلَا شَيْءَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْآيَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، وَمَا عَرَفْتُ وَجْهَ هَذَا التَّعَقُّبِ فَإِنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الِاحْتِمَالِ ، وَنَقْلِ الِاخْتِلَافِ ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْآيَةَ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي كَوْنِهَا عَلَى عُمُومِهَا ، وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ فِي تَسْبِيحِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ هَلْ هُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوِ الْمَجَازِ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَائِدَةٌ ) : السِّرُّ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّهَا تَقَعُ عِنْدَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنَّ أَحْكَامَ الْآخِرَةِ جَرَتْ عَلَى نَعْتِ أَحْكَامِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا مِنْ تَوْجِيهِ الدَّعْوَى وَالْجَوَابِ وَالشَّهَادَةِ ، قَالَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ . وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الشَّهَادَةِ اشْتِهَارُ الْمَشْهُودِ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْفَضْلِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ ، وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ يَفْضَحُ بِالشَّهَادَةِ قَوْمًا فَكَذَلِكَ يُكْرِمُ بِالشَّهَادَةِ آخَرِينَ . قَوْله : ( إِلَّا شَهِدَ لَهُ ) لِلْكُشْمِيهَنِيِّ إِلَّا يَشْهَدُ لَهُ ، وَتَوْجِيهُهُمَا وَاضِحٌ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : أَيْ هَذَا الْكَلَامَ الْأَخِيرَ وَهُوَ قَوْلُهُ إِنَّهُ لَا يَسْمَعُ إِلَخْ . قُلْتُ : وَقَدْ أَوْرَدَ الرَّافِعِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الشَّرْحِ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي سَعِيدٍ : إِنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَسَاقَهُ إِلَى آخِرِهِ ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ وَإِمَامُهُ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ ، وَابْنُ دَاوُدَ شَارِحُ الْمُخْتَصَرِ وَغَيْرُهُمْ ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ ، وَأَجَابَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ قَوْلَ أَبِي سَعِيدٍ : سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِدٌ عَلَى كُلِّ مَا ذُكِرَ اهـ . وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَلَفْظُهُ : قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : إِذَا كُنْتَ فِي الْبَوَادِي فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَا يَسْمَعُ فَذَكَرَهُ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا أَذَّنْتَ فَارْفَعْ صَوْتَكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ فَذَكَرَهُ . فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَ الْغَنَمِ وَالْبَادِيَةِ مَوْقُوفٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ لِيَكْثُرَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ مَا لَمْ يُجْهِدْهُ أَوْ يَتَأَذَّى بِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ حُبَّ الْغَنَمِ وَالْبَادِيَةِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ نُزُولِ الْفِتْنَةِ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَدِّي وَمُسَاكَنَةِ الْأَعْرَابِ وَمُشَارَكَتِهِمْ فِي الْأَسْبَابِ بِشَرْطِ حَظٍّ مِنَ الْعِلْمِ وَأَمْنٍ مِنْ غَلَبَةِ الْجَفَاءِ . وَفِيهِ أَنَّ أَذَانَ الْفَذِّ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَ فِي قَفْرٍ وَلَوْ لَمْ يُرْتَجَ حُضُورُ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ ، لِأَنَّهُ إِنْ فَاتَهُ دُعَاءُ الْمُصَلِّينَ فَلَمْ يَفُتْهُ اسْتِشْهَادُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ · ص 104 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب رفع الصوت بالنداء · ص 429 5 - باب رفع الصوت بالنداء وقال عمر بن عبد العزيز : أذن أذانا سمحا ، وإلا فاعتزلنا . قال وكيع : ثنا سفيان ، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين المكي ، أن مؤذنا أذن فطرب في أذانه ، فقال له عمر بن عبد العزيز : أذن أذانا سمحا ، وإلا فاعتزلنا . وخرج الدارقطني هذا مرفوعا من حديث ابن عباس ، وإسناده لا يصح . وروي عن ابن عمر ، أنه قال لمؤذن : إني أبغضك في الله ؛ إنك تبغي في أذانك . يشير إلى أنه يتجاوز الحد المشروع بتمطيطه والتطريب فيه . وفي رواية : أنه قال : إنك تختال في أذانك . كأنه يشير إلى التفخيم في صوته والتشادق والتكبر . وقال أحمد في التطريب في الأذان : هو محدث . يعني : أنه لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم . والقول في الأذان بالتطريب كالقول في قراءة القرآن بالتلحين . وكرهه مالك والشافعي - أيضا . وقال إسحاق : هو بدعة . نقله عنه إسحاق بن منصور . ونقل عنه حرب ، قال : التسميح أحب إلي ، فإن كان يؤذن بأجر فإني أكرهه - يعني : التطريب - وإن من كان بغير أجر ، وكان أنشط للعامة فلا بأس . وقد يستدل لذلك بقول ابن عمر : إني أبغضك في الله ؛ إنك تحسن صوتك - يعني : في الأذان - لأجل الدراهم . وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب رفع الصوت بالنداء · ص 430 قال البخاري - رحمه الله - : 609 - ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني ، عن أبيه ، أنه أخبره ، أن أبا سعيد الخدري قال له : إني أراك تحب الغنم والبادية ، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء ؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس [ولا شيء] إلا شهد له يوم القيامة . قال أبو سعيد : سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . كذا روى مالك هذا الحديث . ورواه ابن عيينة ، عن شيخه ، فقال : عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة . قال الشافعي : أصاب مالك في اسم الرجل ، وأخطأ ابن عيينة فيما أرى . وذكر الإمام أحمد هذا المعنى أيضا . وقد تقدم بهذا الإسناد في أوائل كتاب الإيمان حديث : يوشك [ أن يكون] خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال - الحديث ، وذكرنا الاختلاف في إسناده على مالك ، وأنه سماه بعضهم عنه كما سماه ابن عيينة ، والصحيح خلافه . وروى هذا الحديث عبد العزيز بن الماجشون ، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، كما رواه مالك ، إلا أنه لم يرفعه . وما تضمنه حديث أبي سعيد من سكنى البادية بالغنم فقد سبق القول فيه مستوفى في كتاب الإيمان عند الكلام على حديثه المشار إليه . وما تضمنه من الأذان للصلاة بالبادية ، فيأتي بسط القول فيه عند تبويب البخاري على الأذان في السفر إن شاء الله . أما الأمر برفع الصوت في الأذان ، فإنما هو من قول أبي سعيد ، واستدل له بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يسمع صوت المؤذن - الحديث . كذا رواه ابن عيينة صريحا ، وكذا ما قبله كله من قول أبي سعيد . وقد رُوي نحوه عن أبي هريرة . روى وكيع وأبو نعيم في كتابيهما : ثنا أبو العنبس سعيد بن كثير ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : ارفع صوتك بالأذان ؛ فإنه يشهد لك كل شيء سمعك . لفظ وكيع ، وخرجه عنه ابن شيبة . ولفظ أبي نعيم ، قال : من أذن فليسمع ؛ فإنه يشهد له يوم القيامة ما انتهى إليه صوته من سمعه . وخرج ابن أبي شيبة بإسناده ، عن الزبير بن عدي ، عن رجل ، عن ابن عمر ، أنه قال لرجل : ما عملك ؟ قال : الأذان . قال : نعم العمل عملك ؛ يشهد لك كل شيء سمعك . روى وكيع ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، قال : المؤذن يشهد له كل رطب ويابس سمعه . ورواه غيره عن الأعمش ، عن مجاهد - مرسلا ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال الدارقطني : هو أشبه . قال : ورواه عمار بن رزيق ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر - مرفوعا . قال : ورواه محمد بن عبيد الطنافسي وعمرو بن عبد الغفار ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة - مرفوعا . وقد خرجه الإمام أحمد من رواية عمار بن رزيق كما تقدم ، ومن رواية زائدة عن الأعمش ، عن رجل ، عن ابن عمر - مرفوعا . ورواه عبد الله بن بشر ، عن الأعمش كرواية عمار بن رزيق . وروي عن إسماعيل بن زكريا ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس - مرفوعا . قال الدارقطني في موضع من علله : الصحيح : الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر - مرفوعا . وهذا يخالف قوله في مسند أبي هريرة : إن إرساله أصح . ورواه إبراهيم بن طهمان ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر - موقوفا . ورواه حفص بن غياث ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة - مرفوعا . وروي مرفوعا من وجه آخر : من رواية شعبة ، عن موسى بن أبي عثمان ، عن أبي يحيى ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : المؤذن يغفر له مد صوته ، ويشهد له كل رطب ويابس . خرجه أبو داود والنسائي . وخرجه ابن ماجه ، وعنده : ويستغفر له كل رطب ويابس . وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . وقال ابن حبان : أبو يحيى هو سمعان مولى أسلم ، [حدثني] أبي يحيى . وموسى بن أبي عثمان كوفي ، أثنى عليه سفيان ، ووصفه بالخير . وقال أبو حاتم : شيخ . وله طريق آخر : من رواية منصور بن المعتمر ؛ واختلف عليه : فرواه وهيب ، عن منصور ، عن يحيى بن عباد أبي هبيرة ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وسأل وهيب منصورا ، عن عطاء هذا ، فقال : هو رجل . قال : وليس ابن أبي رباح ولا ابن يسار . وكذا رواه زائدة وفضيل بن عياض ، عن منصور ، عن ابن عباد ، عن عطاء - رجل من أهل المدينة - عن أبي هريرة - موقوفا غير مرفوع . وكذا رواه جرير ، عن منصور ، عن يحيى بن عباد ، عن رجل من أهل المدينة ، عن أبي هريرة - موقوفا . ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن منصور ، عن عباد بن أنس ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وخرجه عنه الإمامان : أحمد وإسحاق في مسنديهما . قال أبو زرعة الرازي والدارقطني : حديث معمر وهم ، والصحيح : حديث منصور . قلت : ويشهد لقول منصور : أن أبا أسامة رواه عن الحسن بن الحكم ، عن أبي هبيرة يحيى بن عباد ، عن شيخ من الأنصار ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وخرجه عنه ابن أبي شيبة في كتابه . قال الدارقطني : الصحيح : قول زائدة وفضيل بن عياض وجرير ، عن منصور . يعني : الموقوف ، والله أعلم . وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث قتادة ، عن أبي إسحاق الكوفي ، عن البراء بن عازب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : المؤذن يغفر له مد صوته ، ويصدقه من سمعه من رطب ويابس ، وله مثل أجر من صلى معه . وأبو إسحاق هذا ، قال أحمد : ما أظنه السبيعي . وذكر الترمذي في العلل أنه لا يعرف لقتادة سماعا من أبي إسحاق الكوفي . وقوله : لا يسمع مدى صوت المؤذن : المدى : الغاية حيث ينتهي الصوت . وقوله : كل رطب ويابس يدل على أن الجمادات سواء كانت رطبة أو يابسة فإن لها سماعا في الدنيا وشهادة في الآخرة . فدل ذلك على صحة أشياء مختلف في بعضها : منها : إدراك الجمادات ونطقها . وقد أثبت ذلك جمهور السلف ، سواء كانت رطبة أو يابسة ، كما دل عليه قوله : يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وقوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وخص الحسن التسبيح بما كان رطبا قبل أن ييبس . والجمهور على خلافه . وأما من قال : تسبيحها : دلالاتها على صانعها بلسان الحال ، فقول ضعيف جدا ، والأدلة الكثيرة تبطله . ومنها : أن الجمادات [...] يوم القيامة . وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن أنيس في سؤال الحجر والعود . والحديث الصحيح : أن الغال يأتي بما غل من بقر وغنم وصامت ورقاع تخفق . وأن مانع الزكاة يجعل له ماله صفائح يكوى به . كما دل عليه قوله : يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ وأما قوله في الحديث الآخر : يغفر له مدى صوته . فقيل : معناه : لو كانت ذنوبه أجساما لغفر له منها قدر ما يملأ المسافة التي بينه وبين منتهى صوته . وقيل : معناه : تمد له الرحمة بقدر مد الأذان . وقال الخطابي : معناه أنه يستكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت ، فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت . ورفع الصوت بالأذان مستحب ؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن زيد لما رأى الأذان في منامه : ألقه على بلال ؛ فإنه أندى صوتا منك . خرجه أبو داود وغيره . والمؤذن ، إما أن يؤذن لنفسه ، أو يؤذن للجماعة ؛ فإن أذن للجماعة فلا يحصل الإتيان بالأذان المشروع في حقهم حتى يسمعهم . قال الإمام أحمد في رواية حنبل ، في رجل ضعيف الصوت ، لا يرفع صوته ولا يخرج من المسجد ، فإذا كان يسمع أهل المسجد والجيران فلا بأس . قال القاضي أبو يعلى : ظاهر هذا أنه إذا لم يسمع الجيران لم يصب سنة الأذان ؛ لأن القصد من الأذان الإعلام ، فإذا لم يسمع الجيران لم يوجد المقصود . فأما كمال السنة فهو : أن يرفع صوته نهاية جهده ، ولا يزيد على ذلك حتى يخشى على نفسه ضررا . قال أحمد في رواية حنبل : يرفع صوته ما استطاع . وقال الميموني : رأيت أحمد وهو يؤذن ، صوتا بين الصوتين ، وكان إلى خفض الصوت أقرب . قال القاضي : ظاهر هذا أنه لا يرفع صوته رفعا يخرجه عن طبعه . ومن الأصحاب من جعل هذه رواية ثانية ؛ بأن التوسط في رفع الصوت أفضل . وفي المراسيل لأبي داود ، عن ابن سيرين : أن بلالا جعل أصبعيه في أذنيه في بعض أذانه ، أو في إقامته ، بصوت ليس بالرفيع ولا بالوضيع . ومتى خافت ببعضه فهو كمخافتته بكله عند أصحابنا . وإن كان يؤذن لنفسه فله أن يسر به ؛ لأنه لا يعلم غيره . وقال أصحاب الشافعي : يستحب له أن يرفع صوته ما أمكنه ، بحيث لا يلحقه ضرر ، فإن أسر به لم يصح على الصحيح عندهم . ولهم وجه : أنه يصح ، كما لو أسر بالقراءة في صلاة الجهر . ووجه ثالث : يصح إن سر بعضه خاصة ، ونص عليه الشافعي في [مكان] . قال الماوردي منهم : لو سمع واحدا من الجماعة أجزأه ؛ لأن الجماعة تحصل بهما . وأما من يؤذن لنفسه ، فيجزئه أن يسمع نفسه على الصحيح عندهم . وقيل : يشترط إسماع من عنده . والمذهب الأول . ومتى رفع صوته رفعا يخشى على نفسه الضرر منه كره . وقد قال عمر لأبي محذورة لما سمعه يؤذن بمكة : أما خشيت أن ينشق مريطاؤك ؟ ذكره أبو عبيد وغيره . والمريطاء : بالمد والقصر . قال أبو عبيد : والمحفوظ : المد . قال : وهو قول الأصمعي . قال : وقال الأحمر : هي مقصورة . قال : وقال أبو عمرو : تمد وتقصر . وهي ما بين السرة والعانة - : قاله أبو عبيد والأكثرون . وقيل : ما بين الصدر والعانة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب رفع الصوت بالنداء · ص 113 ( باب رفع الصوت بالنداء ) أي هذا باب في بيان رفع الصوت بالنداء ، أي : رفع المؤذن صوته بالأذان قال ابن المنير : لم ينص على حكم رفع الصوت ؛ لأنه من صفة الأذان وهو لم ينص في أصل الأذان على حكم . قلت : هو في الحقيقة صفة المؤذن لا صفة الأذان ولا يحتاج إلى نص الحكم ظاهرا لأن حديث الباب يدل على أن المراد ثواب رفع المؤذن صوته ، فيكون تقدير كلامه : باب في بيان ثواب رفع المؤذن صوته عند الأذان كما ترجم النسائي : باب الثواب على رفع الصوت بالأذان ( وقال عمر بن عبد العزيز : أذن أذانا سمحا وإلا فاعتزلنا ) مطابقة هذا الأثر للترجمة ما قاله الداودي : لعل هذا المؤذن لم يكن يحسن مد الصوت إذا رفع بالأذان فعلمه وليس أنه نهاه عن رفع الصوت . قلت : كأنه كان يطرب في صوته ويتنغم ولا ينظر إلى مد الصوت مجردا عن ذلك ، فأمره عمر بن عبد العزيز بالسماحة وهي السهولة وهو أن يسمح بترك التطريب ويمد صوته ، ويدل على ذلك ما رواه الدارقطني بإسناد فيه لين من حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كان له مؤذن يطرب فقال له صلى الله عليه وسلم : المؤذن سهل سمح ، فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن ، ويحتمل أن هذا المؤذن لم يكن يفصح في كلامه ويغمغم ، فأمره عبد العزيز بالسماحة في أذانه وهي ترك الغمغمة بإظهار الفصاحة ، وهذا لا يكون إلا بمد الصوت بحدة . وروى مجاشع عن هارون بن محمد ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤذن لكم إلا فصيح ) وقال ابن عدي : هارون هذا لا يعرف ، وأما التعليق المذكور فرواه ابن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن سفيان ، عن عمر بن سعد ، عن أبي الحسن أن مؤذنا أذن فطرب في أذانه ، فقال له عمر بن عبد العزيز : أذن أذانا سمحا وإلا فاعتزلنا . قوله : ( أذن ) بلفظ الأمر من الفعل وهو خطاب لمؤذنه ، قوله : ( سمحا ) أي : سهلا بلا نغمات وتطريب ، قوله : ( فاعتزلنا ) أي : فاترك منصب الأذان . 7 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني ، عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري قال له : إني أراك تحب الغنم والبادية ، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء ، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة . قال أبو سعيد : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . مطابقته للترجمة في قوله : ( فارفع صوتك بالنداء ) . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : عبد الله بن يوسف التنيسي . الثاني : الإمام مالك بن أنس . الثالث : عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة بالمهملات المفتوحات إلا العين الأولى فإنها ساكنة الأنصاري المازني بالزاي والنون مات في خلافة أبي جعفر ، ومنهم من ينسبه إلى جده واسم أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار ، مات أبو صعصعة في الجاهلية وابنه عبد الرحمن صحابي . الرابع : أبوه عبد الله بن عبد الرحمن . الخامس : أبو سعيد الخدري . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، والإخبار كذلك في موضع واحد ، وبصيغة الإفراد في موضع واحد ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن عبد الرحمن بن عبد الله من أفراد البخاري ، وفيه أن رواته مدنيون ما خلا شيخ البخاري . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في ذكر الجن عن قتيبة ، وفي التوحيد عن إسماعيل ، وعن أبي نعيم عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه ، ذكره خلف وحده وقال أبو القاسم : لم أجده ولا ذكره أبو مسعود ، وأخرجه النسائي في الصلاة ، عن محمد بن سلمة ، عن ابن القاسم ، عن مالك به ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن الصباح ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد به كذا يقول سفيان . ( ذكر معناه ) قوله : ( قال له ) أي : قال أبو سعيد لعبد الله بن عبد الرحمن ، قوله : ( والبادية ) أي : وتحب البادية أيضا لأجل الغنم ؛ لأن محب الغنم يحتاج إلى إصلاحها بالمرعى ، وهو في الغالب يكون في البادية وهي الصحراء التي لا عمارة فيها ، قوله : ( فإذا كنت في غنمك ) أي بين غنمك ، وكلمة في تأتي بمعنى بين كما في قوله تعالى : فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وفي المخصص الغنم جمع لا واحد له من لفظه ، وقال أبو حاتم: وهي أنثى ، وعن صاحب العين الجمع أغنام وأغانم وغنوم وفي المحكم ثنوه ، فقالوا : غنمان وفي الجامع هو اسم لجمع الضأن والمعز ، وفي الصحاح موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعا ، قوله : ( أو باديتك ) كلمة أو هنا يحتمل أن تكون للشك من الراوي أو تكون للتنويع ؛ لأنه قد يكون في غنم بلا بادية وقد يكون في بادية بلا غنم ، وقد يكون فيهما معا وقد لا يكون فيهما معا وعلى كل حال لا يترك الأذان ، قوله : ( فأذنت للصلاة ) أي : لأجل الصلاة ، وفي رواية للبخاري في بدء الخلق ( بالصلاة ) والباء للسببية ومعناهما قريب ، قوله : ( بالنداء ) أي : الأذان ، قوله : ( مدى صوت ) أي : لا يسمع غاية صوت المؤذن ، قال التوربشتي : إنما ورد البيان على الغاية مع حصول الكفاية بقوله : ( لا يسمع صوت المؤذن ) تنبيها على أن آخر ما ينتهي إليه صوته يشهد له كما يشهد له الأولون وقال القاضي البيضاوي : غاية الصوت تكون أخفى لا محالة ، فإذا شهد له من بعد عنه ووصل إليه همس صوته ، فلأنه يشهد له من هو أدنى منه ، وسمع مبادي صوته أولى قوله : ( ولا شيء ) هذا من عطف العام على الخاص ؛ لأن الجن والإنس يدخلان في شيء وهو يشمل الحيوانات والجمادات ، قيل : إنه مخصوص بمن تصح منه الشهادة ممن يسمع كالملائكة ، نقله الكرماني وقيل : المراد به كل ما يسمع المؤذن من الحيوان حتى ما لا يعقل دون الجمادات وقيل : عام حتى في الجمادات أيضا والله تعالى يخلق لها إدراكا وعقلا وهو غير ممتنع عقلا ولا شرعا ، وقال ابن بزيزة : تقرر في العادة أن السماع والشهادة والتسبيح لا يكون إلا من حي ، فهل ذلك إلا حكاية على لسان الحال ؛ لأن الموجودات ناطقة بلسان حالها بجلال باريها ، قوله : ( إلا شهد له ) وفي رواية الكشميهني : ( إلا يشهد له ) والمراد من الشهادة وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا اشتهاره يوم القيامة فيما بينهم بالفضل وعلو الدرجة وكما أن الله يفضح قوما بشهادة الشاهدين كذلك يكرم قوما بها تجميلا لهم وتكميلا لسرورهم وتطمينا لقلوبهم ، قوله : ( سمعته من رسول الله عليه الصلاة والسلام ) قال الكرماني : أي سمعت هذا الكلام الأخير وهو قوله : ( فإنه لا يسمع ) إلى آخره . قلت : أشار بذلك إلى أن من قوله : ( إني أراك ) إلى قوله : ( فإنه لا يسمع ) موقوف ويؤيد ذلك ما رواه ابن خزيمة من رواية ابن عيينة ولفظه : ( قال أبو سعيد : إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالنداء ، فإني سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول : لا يسمع مدى صوت المؤذن ، فذكره ورواه يحيى القطان أيضا عن مالك بلفظ : إن النبي عليه الصلاة والسلام قال : إذا أذنت فارفع صوتك فإنه لا يسمع ، فذكره وقد أورد الغزالي والرافعي والقاضي حسين هذا الحديث وجعلوه كله مرفوعا ، ولفظه : إن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأبي سعيد : إنك رجل تحب الغنم ، وساقوه إلى آخره ورده النووي وتصدى ابن الرفعة للجواب عنهم بأنهم فهموا أن قول أبي سعيد : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجع إلى كل ما ذكر ، والصواب مع النووي لما ذكرناه . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه استحباب رفع الصوت بالأذان ليكثر من يشهد له ، ولو أذن على مكان مرتفع ليكون أبعد لذهاب الصوت ، وكان بلال رضي الله تعالى عنه يؤذن على بيت امرأة من بني النجار بيتها أطول بيت حول المسجد ، وفيه العزلة عن الناس خصوصا في أيام الفتن ، وفيه اتخاذ الغنم والمقام بالبادية وهو من فعل السلف ، وفيه أن أذان المنفرد مندوب ولو كان في برية ؛ لأنه إن لم يحضر من يصلي معه يحصل له شهادة من سمعه من الحيوانات والجمادات ، وللشافعي في أذان المنفرد ثلاثة أقوال أصحها نعم لحديث أبي سعيد الخدري هذا ، والثاني وهو القديم : لا يندب له لأن المقصود من الأذان الإبلاغ والإعلام وهذا لا ينتظم في المنفرد ، والثالث : إن رجى حضور جماعة أذن لإعلامهم وإلا فلا ، وحمل حديث أبي سعيد على أنه كان يرجو حضور غلمانه ، وفيه أن الجن يسمعون أصوات بني آدم ، وفيه أن بعض الخلق يشهد لبعض .