حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب رفع الصوت بالنداء

ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني ، عن أبيه ، أنه أخبره ، أن أبا سعيد الخدري قال له : إني أراك تحب الغنم والبادية ، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء ؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس [ولا شيء] إلا شهد له يوم القيامة . قال أبو سعيد : سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . كذا روى مالك هذا الحديث .

ورواه ابن عيينة ، عن شيخه ، فقال : عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة . قال الشافعي : أصاب مالك في اسم الرجل ، وأخطأ ابن عيينة فيما أرى . وذكر الإمام أحمد هذا المعنى أيضا .

وقد تقدم بهذا الإسناد في أوائل كتاب الإيمان حديث : يوشك [ أن يكون] خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال - الحديث ، وذكرنا الاختلاف في إسناده على مالك ، وأنه سماه بعضهم عنه كما سماه ابن عيينة ، والصحيح خلافه . وروى هذا الحديث عبد العزيز بن الماجشون ، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، كما رواه مالك ، إلا أنه لم يرفعه . وما تضمنه حديث أبي سعيد من سكنى البادية بالغنم فقد سبق القول فيه مستوفى في كتاب الإيمان عند الكلام على حديثه المشار إليه .

وما تضمنه من الأذان للصلاة بالبادية ، فيأتي بسط القول فيه عند تبويب البخاري على الأذان في السفر إن شاء الله . أما الأمر برفع الصوت في الأذان ، فإنما هو من قول أبي سعيد ، واستدل له بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يسمع صوت المؤذن - الحديث . كذا رواه ابن عيينة صريحا ، وكذا ما قبله كله من قول أبي سعيد .

وقد رُوي نحوه عن أبي هريرة . روى وكيع وأبو نعيم في كتابيهما : ثنا أبو العنبس سعيد بن كثير ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : ارفع صوتك بالأذان ؛ فإنه يشهد لك كل شيء سمعك . لفظ وكيع ، وخرجه عنه ابن شيبة .

ولفظ أبي نعيم ، قال : من أذن فليسمع ؛ فإنه يشهد له يوم القيامة ما انتهى إليه صوته من سمعه . وخرج ابن أبي شيبة بإسناده ، عن الزبير بن عدي ، عن رجل ، عن ابن عمر ، أنه قال لرجل : ما عملك ؟ قال : الأذان . قال : نعم العمل عملك ؛ يشهد لك كل شيء سمعك .

روى وكيع ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، قال : المؤذن يشهد له كل رطب ويابس سمعه . ورواه غيره عن الأعمش ، عن مجاهد - مرسلا ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال الدارقطني : هو أشبه .

قال : ورواه عمار بن رزيق ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر - مرفوعا . قال : ورواه محمد بن عبيد الطنافسي وعمرو بن عبد الغفار ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة - مرفوعا . وقد خرجه الإمام أحمد من رواية عمار بن رزيق كما تقدم ، ومن رواية زائدة عن الأعمش ، عن رجل ، عن ابن عمر - مرفوعا .

ورواه عبد الله بن بشر ، عن الأعمش كرواية عمار بن رزيق . وروي عن إسماعيل بن زكريا ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس - مرفوعا . قال الدارقطني في موضع من علله : الصحيح : الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر - مرفوعا .

وهذا يخالف قوله في مسند أبي هريرة : إن إرساله أصح . ورواه إبراهيم بن طهمان ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر - موقوفا . ورواه حفص بن غياث ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة - مرفوعا .

وروي مرفوعا من وجه آخر : من رواية شعبة ، عن موسى بن أبي عثمان ، عن أبي يحيى ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : المؤذن يغفر له مد صوته ، ويشهد له كل رطب ويابس . خرجه أبو داود والنسائي . وخرجه ابن ماجه ، وعنده : ويستغفر له كل رطب ويابس .

وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . وقال ابن حبان : أبو يحيى هو سمعان مولى أسلم ، [حدثني] أبي يحيى . وموسى بن أبي عثمان كوفي ، أثنى عليه سفيان ، ووصفه بالخير .

وقال أبو حاتم : شيخ . وله طريق آخر : من رواية منصور بن المعتمر ؛ واختلف عليه : فرواه وهيب ، عن منصور ، عن يحيى بن عباد أبي هبيرة ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وسأل وهيب منصورا ، عن عطاء هذا ، فقال : هو رجل .

قال : وليس ابن أبي رباح ولا ابن يسار . وكذا رواه زائدة وفضيل بن عياض ، عن منصور ، عن ابن عباد ، عن عطاء - رجل من أهل المدينة - عن أبي هريرة - موقوفا غير مرفوع . وكذا رواه جرير ، عن منصور ، عن يحيى بن عباد ، عن رجل من أهل المدينة ، عن أبي هريرة - موقوفا .

ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن منصور ، عن عباد بن أنس ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وخرجه عنه الإمامان : أحمد وإسحاق في مسنديهما . قال أبو زرعة الرازي والدارقطني : حديث معمر وهم ، والصحيح : حديث منصور .

قلت : ويشهد لقول منصور : أن أبا أسامة رواه عن الحسن بن الحكم ، عن أبي هبيرة يحيى بن عباد ، عن شيخ من الأنصار ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وخرجه عنه ابن أبي شيبة في كتابه . قال الدارقطني : الصحيح : قول زائدة وفضيل بن عياض وجرير ، عن منصور .

يعني : الموقوف ، والله أعلم . وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث قتادة ، عن أبي إسحاق الكوفي ، عن البراء بن عازب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : المؤذن يغفر له مد صوته ، ويصدقه من سمعه من رطب ويابس ، وله مثل أجر من صلى معه . وأبو إسحاق هذا ، قال أحمد : ما أظنه السبيعي .

وذكر الترمذي في العلل أنه لا يعرف لقتادة سماعا من أبي إسحاق الكوفي . وقوله : لا يسمع مدى صوت المؤذن : المدى : الغاية حيث ينتهي الصوت . وقوله : كل رطب ويابس يدل على أن الجمادات سواء كانت رطبة أو يابسة فإن لها سماعا في الدنيا وشهادة في الآخرة .

فدل ذلك على صحة أشياء مختلف في بعضها : منها : إدراك الجمادات ونطقها . وقد أثبت ذلك جمهور السلف ، سواء كانت رطبة أو يابسة ، كما دل عليه قوله : يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وقوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وخص الحسن التسبيح بما كان رطبا قبل أن ييبس . والجمهور على خلافه .

وأما من قال : تسبيحها : دلالاتها على صانعها بلسان الحال ، فقول ضعيف جدا ، والأدلة الكثيرة تبطله . ومنها : أن الجمادات [...] يوم القيامة . وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن أنيس في سؤال الحجر والعود .

والحديث الصحيح : أن الغال يأتي بما غل من بقر وغنم وصامت ورقاع تخفق . وأن مانع الزكاة يجعل له ماله صفائح يكوى به . كما دل عليه قوله : يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ وأما قوله في الحديث الآخر : يغفر له مدى صوته .

فقيل : معناه : لو كانت ذنوبه أجساما لغفر له منها قدر ما يملأ المسافة التي بينه وبين منتهى صوته . وقيل : معناه : تمد له الرحمة بقدر مد الأذان . وقال الخطابي : معناه أنه يستكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت ، فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت .

ورفع الصوت بالأذان مستحب ؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن زيد لما رأى الأذان في منامه : ألقه على بلال ؛ فإنه أندى صوتا منك . خرجه أبو داود وغيره . والمؤذن ، إما أن يؤذن لنفسه ، أو يؤذن للجماعة ؛ فإن أذن للجماعة فلا يحصل الإتيان بالأذان المشروع في حقهم حتى يسمعهم .

قال الإمام أحمد في رواية حنبل ، في رجل ضعيف الصوت ، لا يرفع صوته ولا يخرج من المسجد ، فإذا كان يسمع أهل المسجد والجيران فلا بأس . قال القاضي أبو يعلى : ظاهر هذا أنه إذا لم يسمع الجيران لم يصب سنة الأذان ؛ لأن القصد من الأذان الإعلام ، فإذا لم يسمع الجيران لم يوجد المقصود . فأما كمال السنة فهو : أن يرفع صوته نهاية جهده ، ولا يزيد على ذلك حتى يخشى على نفسه ضررا .

قال أحمد في رواية حنبل : يرفع صوته ما استطاع . وقال الميموني : رأيت أحمد وهو يؤذن ، صوتا بين الصوتين ، وكان إلى خفض الصوت أقرب . قال القاضي : ظاهر هذا أنه لا يرفع صوته رفعا يخرجه عن طبعه .

ومن الأصحاب من جعل هذه رواية ثانية ؛ بأن التوسط في رفع الصوت أفضل . وفي المراسيل لأبي داود ، عن ابن سيرين : أن بلالا جعل أصبعيه في أذنيه في بعض أذانه ، أو في إقامته ، بصوت ليس بالرفيع ولا بالوضيع . ومتى خافت ببعضه فهو كمخافتته بكله عند أصحابنا .

وإن كان يؤذن لنفسه فله أن يسر به ؛ لأنه لا يعلم غيره . وقال أصحاب الشافعي : يستحب له أن يرفع صوته ما أمكنه ، بحيث لا يلحقه ضرر ، فإن أسر به لم يصح على الصحيح عندهم . ولهم وجه : أنه يصح ، كما لو أسر بالقراءة في صلاة الجهر .

ووجه ثالث : يصح إن سر بعضه خاصة ، ونص عليه الشافعي في [مكان] . قال الماوردي منهم : لو سمع واحدا من الجماعة أجزأه ؛ لأن الجماعة تحصل بهما . وأما من يؤذن لنفسه ، فيجزئه أن يسمع نفسه على الصحيح عندهم .

وقيل : يشترط إسماع من عنده . والمذهب الأول . ومتى رفع صوته رفعا يخشى على نفسه الضرر منه كره .

وقد قال عمر لأبي محذورة لما سمعه يؤذن بمكة : أما خشيت أن ينشق مريطاؤك ؟ ذكره أبو عبيد وغيره . والمريطاء : بالمد والقصر . قال أبو عبيد : والمحفوظ : المد .

قال : وهو قول الأصمعي . قال : وقال الأحمر : هي مقصورة . قال : وقال أبو عمرو : تمد وتقصر .

وهي ما بين السرة والعانة - : قاله أبو عبيد والأكثرون . وقيل : ما بين الصدر والعانة .

ورد في أحاديث10 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث