24 - بَاب إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ 6690 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بن مالك ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ ، قَالَ : سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ : إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ . قَوْلُهُ : بَابُ إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ ) ، كَذَا للْجَمِيعُ إِلَّا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَعِنْدَهُ الْقُرْبَةُ بَدَلُ التَّوْبَةِ ، وَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ . قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَقَوْلُهُ أَهْدَى أَيْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ أَوْ جَعَلَهُ هَدِيَّةً لِلْمُسْلِمِينَ . وَهَذَا الْبَابُ هُوَ أَوَّلُ أَبْوَابِ النُّذُورِ ، وَالنَّذْرُ فِي اللُّغَةِ الْتِزَامُ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، وَفِي الشَّرْعِ الْتِزَامُ الْمُكَلَّفِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا ، وَهُوَ قِسْمَانِ : نَذْرُ تَبَرُّرٍ وَنَذْرُ لَجَاجٍ ، وَنَذْرُ التَّبَرُّرِ قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ ابْتِدَاءً كَـ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ كَذَا ، وَيُلْتَحَقُ بِهِ مَا إِذَا قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ كَذَا شُكْرًا عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ مِنْ شِفَاءِ مَرِيضِي مَثَلًا ، وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُهُمُ الِاتِّفَاقَ عَلَى صِحَّتِهِ وَاسْتِحْبَابِهِ وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ . وَالثَّانِي : مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ مُعَلَّقًا بِشَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِهِ إِذَا حَصَلَ لَهُ كَإِنْ قَدِمَ غَائِبِي أَوْ كَفَانِي شَرَّ عَدُوِّي فَعَلَيَّ صَوْمُ كَذَا مَثَلًا . وَالْمُعَلَّقُ لَازِمٌ اتِّفَاقًا وَكَذَا الْمُنَجَّزُ فِي الرَّاجِحِ . وَنَذْرُ اللَّجَاجِ قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا يُعَلِّقُهُ عَلَى فِعْلِ حَرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ ، فَلَا يَنْعَقِدُ فِي الرَّاجِحِ إِلَّا إِنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَوْ كَانَ فِي فِعْلِهِ مَشَقَّةٌ فَيَلْزَمُهُ وَيُلْتَحَقُ بِهِ مَا يُعَلِّقُهُ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ . وَالثَّانِي : مَا يُعَلِّقُهُ عَلَى فِعْلِ خِلَافِ الْأُولَى أَوْ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكِ مُسْتَحَبٍّ ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ : الْوَفَاءُ أَوْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوِ التَّخَيُّيرُ بَيْنَهُمَا ، وَاخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ، وَجَزَمَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِي الْجَمِيعِ وَالْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ أَصْلًا قَوْلُهُ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ) ، هُوَ وَالِدُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّاوِي عَنْهُ ، وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ سُورَةِ بَرَاءَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ . قَالَ أَحْمَدُ : وَحَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَوْلُهُ : سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ فِي حَدِيثِهِ : وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ، أَيِ : الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَخَلُّفِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَلَامِهِ وَكَلَامِ رَفِيقَيْهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ مَعَ شَرْحِهِ فِي الْمَغَازِي لَكِنْ بِوَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . قَوْلُهُ : فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ : إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ ، بِنُونٍ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ، أَيْ : أَعْرَى مِنْ مَالِي كَمَا يَعْرَى الْإِنْسَانُ إِذَا خَلَعَ ثَوْبَهُ قَوْلُهُ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ . زَادَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ بِهَذَا السَّنَدِ : فَقُلْتُ : إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ : إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَالِي كُلَّهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ صَدَقَةً ، قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَنِصْفَهُ ، قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَثُلُثَهُ . قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ : وَإِنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي كُلِّهُ صَدَقَةً ، قَالَ : يُجْزِي عَنْكَ الثُّلُثُ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ عَلَى عَشَرَةِ مَذَاهِبَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يَلْزَمُهُ الثُّلُثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَنُوزِعَ فِي أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِ النَّذْرِ وَلَا بِمَعْنَاهُ ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ نَجَّزَ النَّذْرَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَهُ فَاسْتَأْذَنَ ، وَالِانْخِلَاعُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي صُدُورِ النَّذْرِ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُؤَكِّدَ أَمْرَ تَوْبَتِهِ بِالتَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ مَالِهِ شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى - عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ . وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ : كَانَ الْأَوْلَى لكَعْبٍ أَنْ يَسْتَشِيرَ وَلَا يَسْتَبِدَّ بِرَأْيِهِ ، لَكِنْ كَأَنَّهُ قَامَتْ عِنْدَهُ حَالٌ لِفَرَحِهِ بِتَوْبَتِهِ ظَهَرَ لَهُ فِيهَا أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فِي الشُّكْرِ ، فَأَوْرَدَ الِاسْتِشَارَةَ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ ، انْتَهَى . وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ فِي كَوْنِهِ جَزَمَ بِأَنَّ مِنْ تَوْبَتِهِ أَنْ يَنْخَلِعَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ إِلَّا ، أَنَّهُ نَجَّزَ ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : لَمْ يَبُتَّ كَعْبٌ الِانْخِلَاعَ بَلِ اسْتَشَارَ هَلْ يَفْعَلُ أَوْ لَا ؟ قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتَفْهَمَ وَحُذِفَتْ أَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْكَثِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وُجُوبَ الْوَفَاءِ لِمَنِ الْتَزَمَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْقُرْبَةِ ، وَقِيلَ : إِنْ كَانَ مَلِيًّا لَزِمَهُ ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ وَوَافَقَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَزَادَ : وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا يُخْرِجُ قَدْرَ زَكَاةِ مَالِهِ ، وَالْأَخِيرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ وَابْنِ أَبِي لُبَابَةَ لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ أَصْلًا ، وَعَنْ قَتَادَةَ يَلْزَمُ الْغَنِيَّ الْعُشْرُ وَالْمُتَوَسِّطَ السُّبُعُ وَالْمُمْلَقَ الْخُمُسُ ، وَقِيلَ : يَلْزَمُ الْكُلُّ إِلَّا فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ ، فَكَفَّارَتُهُ يَمِينٌ ، وَعَنْ سَحْنُونٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَجَمَاعَةٍ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ ، وَعَنِ النَّخَعِيِّ يَلْزَمُهُ الْكُلُّ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ . وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمُنَاسَبَةُ حَدِيثِ كَعْبٍ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ مَعْنَى التَّرْجَمَةِ أَنَّ مَنْ أَهْدَى أَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِذَا تَابَ مِنْ ذَنْبٍ أَوْ إِذَا نَذَرَ هَلْ يَنْفُذُ ذَلِكَ إِذَا نَجَّزَهُ أَوْ عَلَّقَهُ ؟ وَقِصَّةُ كَعْبٍ مُنْطَبِقَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ التَّنْجِيزُ ، لَكِنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ تَنْجِيزٌ كَمَا تَقَرَّرَ ، وَإِنَّمَا اسْتَشَارَ فَأُشِيرَ عَلَيْهِ بِإِمْسَاكِ الْبَعْضِ ، فَيَكُونُ الْأَوْلَى لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَجِّزَ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، أَوْ يُعَلِّقَهُ أَنْ يُمْسِكَ بَعْضَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ نَجَّزَهُ لَمْ يَنْفُذْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ إِلَى أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ الْمَالِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ، فَمَنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى ذَلِكَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الصَّبْرَ لَمْ يُمْنَعْ وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَإِيثَارُ الْأَنْصَارِ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْمُهَاجِرِينَ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ : لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى ، وَفِي لَفْظِ : أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : فِي حَدِيثِ كَعْبٍ أَنَّ لِلصَّدَقَةِ أَثَرًا فِي مَحْوِ الذُّنُوبِ ، وَمِنْ ثَمَّ شُرِعَتِ الْكَفَّارَةُ الْمَالِيَّةُ ، وَنَازَعَهُ الْفَاكِهَانِيُّ فَقَالَ : التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا وَظَاهِرُ حَالِ كَعْبٍ أَنَّهُ أَرَادَ فِعْلَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الشُّكْرِ . قُلْتُ : مُرَادُ الشَّيْخِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ كَعْبٍ : إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي إِلَخْ أَنَّ لِلصَّدَقَةِ أَثَرًا فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِحُصُولِهَا مَحْوُ الذُّنُوبِ ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ عَلَى الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ · ص 581 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة · ص 203 باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة أي هذا باب يذكر فيه إذا أهدى شخص ماله أي جعله هدية للمسلمين أو تصدق به على وجه النذر أو على وجه التوبة بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الواو . وهكذا هو في رواية الجميع إلا الكشميهني فإن في روايته إلا القربة بضم القاف وسكون الراء ، وجوابه محذوف تقديره : هل ينفذ ذلك إذا نجزه أو علقه ؟ وهذا الباب أول أبواب النذور لأن الكتاب كان في الأيمان والنذور ، وفرغ من أبواب الأيمان وشرع في أبواب النذور وهو جمع نذر ، وهو إيجاب شيء من عبادة أو صدقة أو نحوهما على نفسه تبرعا ، يقال : نذرت الشيء أنذر وأنذر بالكسر والضم نذرا ، ويقال : النذر في اللغة التزام خير أو شر ، وفي الشرع : التزام المكلف شيئا لم يكن عليه منجزا أو معلقا ، والنذر نوعان : نذر تبرر ، ونذر لجاج . فالأول على قسمين ، أحدهما ما يتقرب به ابتداء كقوله : لله علي أن أصوم كذا مطلقا أو أصوم شكرا على أن شفى الله مريضي ونحوه . وقيل : الاتفاق على صحته في الوجهين ، وعن بعض الشافعية في الوجه الثاني أنه لا ينعقد ، والثاني من القسمين ما يتقرب به معلقا ، كقوله : إن قدم فلان من سفره فعلي أن أصوم كذا وهذا لازم اتفاقا . ونذر اللجاج كذلك على قسمين : أحدهما ما يعلقه على فعل حرام أو ترك واجب فلا ينعقد ، والقسم الآخر ما يتعلق بفعل مباح أو ترك مستحب أو خلاف الأولى ، ففيه ثلاثة أقوال للعلماء : الوفاء ، أو كفارة يمين ، أو التخيير بينهما عند الشافعية . وعند المالكية : لا ينعقد أصلا ، وعند الحنفية : يلزمه كفارة اليمين في الجميع . 64 - حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي ، قال : سمعت كعب بن مالك في حديثه وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فقال في آخر حديثه : إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك . مطابقته للترجمة من حيث إن كعب بن مالك جعل من توبته انخلاعه من ماله صدقة إلى الله ورسوله ، قيل : فيه نظر لأنه ليس في الانخلاع المذكور ما يدل على النذر منه ، والترجمة فيها النذر ، ويمكن الجواب بأن يقال : إن في الانخلاع معنى الالتزام وفي الالتزام معنى النذر ، ولم يذكر هذا أحد من الشراح . وأحمد بن صالح أبو جعفر المصري يروي عن عبد الله بن وهب المصري ، عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . والحديث مضى بطوله في كتاب المغازي . وكعب بن مالك هو أحد الثلاثة الذين خلفوا ونزلت الآية فيه وفي صاحبيه ، وهما مرارة بضم الميم وهلال . قوله : في حديثه أي في حديث تخلفه عن غزوة تبوك ، قوله : أن أنخلع كلمة أن مصدرية ، و أنخلع من الانخلاع أي أن أعرى من مالي كما يعرى الإنسان إذا خلع ثوبه . قوله : أمسك عليك بعض مالك ، وفي رواية أبي داود عن أحمد بن صالح بهذا السند ، فقلت : إني أمسك سهمي الذي بخيبر ، قوله : فهو خير لك أي إمساك بعض مالك خير لك ، وعين البعض في رواية لأبي داود ، قال : يجزئ عنك الثلث . اختلف العلماء فيمن نذر أن يتصدق بجميع ماله على عشرة أقوال : الأول : يلزمه ثلث ماله ، وبه قال مالك . الثاني : إنه إن كان مليا فكذلك وإن كان فقيرا فكفارة يمين ، وبه قال الليث وابن وهب . الثالث : إن كان متوسطا يخرج بحصة الثلث ، وهو قول ربيعة . الرابع : يخرج ما لا يضر به ، وهو قول سحنون من المالكية . الخامس : يخرج زكاة ماله ، يروى ذلك عن ربيعة أيضا . السادس : يخرج جميع ماله ، وهو قول إبراهيم النخعي . السابع : إن علقه بشرط ، كقوله : إن شفى الله مريضي أو إن دخلت الدار فالقياس أن يلزمه إخراج كل ماله ، وهو قول أبي حنيفة . الثامن : إن أخرج نذره مخرج التبرر ، مثل : إن شفى الله مريضي فيلزمه جميع ماله وإن كان لجاجا وغضبا فيقصد منع نفسه من فعل مباح ، كأن دخلت الدار فهو بالخيار إن شاء أن يفي بذلك أو يكفر كفارة يمين ، وهو قول الشافعي . التاسع : لا يلزمه شيء أصلا ، وهو قول ابن أبي ليلى وطاوس والشعبي . العاشر : يحبس لنفسه من ماله قوت شهرين ثم يتصدق بمثله إذا أفاد ، وهو قول زفر .