9- بَاب الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْأَيْمَانِ 6718 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ ، مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ ، ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ فَأُتِيَ بِإِبِلٍ ، فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ ، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ : لَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا فَحَمَلَنَا ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ بَلْ اللَّهُ حَمَلَكُمْ ، إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي ، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وكفرت . قَوْلُهُ : ( بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْأَيْمَانِ ) ، وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ : الْيَمِينِ ، وَعَلَيْهَا شَرْحُ ابْنِ بَطَّالٍ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الثُّنْيَا بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ النُّونِ ، بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ، وَيُقَالُ لَهَا : الثَّنْوَى أَيْضًا بِوَاوٍ بَدَلَ الْيَاءِ مَعَ فَتْحِ أَوَّلِهِ ، وَهِيَ مِنْ ثَنَيْتُ الشَّيْءَ إِذَا عَطَفْتَهُ كَأَنَّ الْمُسْتَثْنِي عَطَفَ بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ ؛ لِأَنَّهَا فِي الِاصْطِلَاحِ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ ، وَأَدَاتُهَا إِلَّا وَأَخَوَاتُهَا ، وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى التَّعَالِيقِ ، وَمِنْهَا التَّعْلِيقُ عَلَى الْمَشِيئَةِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ، فَإِذَا قَالَ : لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اسْتَثْنَى ، وَكَذَا إِذَا قَالَ : لَا أَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَمِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ أَنْ يَقُولَ : إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ، أَوْ إِلَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَوْ أَتَى بِالْإِرَادَةِ وَالِاخْتِيَارِ بَدَلَ الْمَشِيئَةِ جَازَ ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ إِذَا أَثْبَتَ أَوْ فَعَلَ إِذَا نَفَى لَمْ يَحْنَثْ ، فَلَوْ قَالَ : إِلَّا إِنْ غَيَّرَ اللَّهُ نِيَّتِي ، أَوْ بَدَّلَ ، أَوْ إِلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ يَظْهَرَ ، أَوْ إِلَّا أَنْ أَشَاءَ أَوْ أُرِيدَ ، أَوْ أَخْتَارَ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ أَيْضًا ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِالْمُسْتَثْنَى بِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي الْقَصْدُ إِلَيْهِ بِغَيْرِ لَفْظٍ ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ خَرَّجَ - مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ : إِنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ - أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُجْزِئُ بِالنِّيَّةِ ، لَكِنْ نُقِلَ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّ مَالِكًا نَصَّ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّلَفُّظِ بِالْيَمِينِ وَأَجَابَ الْبَاجِيُّ بِالْفَرْقِ أَنَّ الْيَمِينَ عَقْدٌ ، وَالِاسْتِثْنَاءَ حَلٌّ ، وَالْعَقْدُ أَبْلَغُ مِنَ الْحَلِّ ، فَلَا يُلْتَحَقُ بِالْيَمِينِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِهِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْحَلِفِ . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا سَكَتَ أَوْ قَطَعَ كَلَامَهُ فَلَا ثُنْيَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُشْتَرَطُ وَصْلُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ ، وَوَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ نَسَقًا فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سُكُوتٌ انْقَطَعَ إِلَّا إِنْ كَانَتْ سَكْتَةَ تَذَكُّرٍ أَوْ تَنَفُّسٍ أَوْ عِيٍّ أَوِ انْقِطَاعِ صَوْتٍ ، وَكَذَا يَقْطَعُهُ الْأَخْذُ فِي كَلَامٍ آخَرَ . وَلَخَّصَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ ، فَقَالَ : شَرْطُهُ الِاتِّصَالُ لَفْظًا أَوْ في مَا في حُكْمِهِ كَقَطْعِهِ لِتَنَفُّسٍ أَوْ سُعَالٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَمْنَعُ الِاتِّصَالَ عُرْفًا ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَقْطَعُهُ مَا يَقْطَعُهُ الْقَبُولُ عَنِ الْإِيجَابِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَنْقَطِعُ بِالْكَلَامِ الْيَسِيرِ الْأَجْنَبِيِّ ، وَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ بِهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ ، وَفِي وَجْهٍ لَوْ تَخَلَّلَ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَمْ يَنْقَطِعْ ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ النَّوَوِيُّ وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ يُؤَيِّدُهُ حَيْثُ قَالَ : تَذَكُّرٍ فَإِنَّهُ مِنْ صُوَرِ التَّذَكُّرِ عُرْفًا ، وَيُلْتَحَقُ بِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَنَحْوُهَا ، وَعَنْ طَاوُسٍ ، وَالْحَسَنِ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوَهُ ، وَقَالَ : مَا دَامَ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ ، وَعَنْ إِسْحَاقَ مِثْلُهُ ، وَقَالَ : إِلَّا أَنْ يَقَعَ السُّكُوتُ ، وَعَنْ قَتَادَةَ : إِذَا اسْتَثْنَى قَبْلَ أَنْ يَقُومَ أَوْ يَتَكَلَّمَ ، وَعَنْ عَطَاءٍ : قَدْرَ حَلْبِ نَاقَةٍ ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ : بَعْدَ سَنَتَيْنِ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَقْوَالٌ ، مِنْهَا : لَهُ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ، وَعَنْهُ : كَقَوْلِ سَعِيدٍ ، وَعَنْهُ : شَهْرٌ ، وَعَنْهُ : سَنَةٌ ، وَعَنْهُ : أَبَدًا . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَهَذَا لَا يُؤْخَذُ عَلَى ظَاهِرِهِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَحْنَثَ أَحَدٌ فِي يَمِينِهِ ، وَأَنْ لَا تُتَصَوَّرَ الْكَفَّارَةُ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى الْحَالِفِ ، قَالَ : وَلَكِنَّ وَجْهَ الْخَبَرِ سُقُوطُ الْإِثْمِ عَنِ الْحَالِفِ لِتَرْكِهِ الِاسْتِثْنَاءَ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِذَا نَسِيَ أَنْ يَقُولَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ يَسْتَدْرِكُهُ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الْحَالِفَ إِذَا قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنِ انْقَضَى كَلَامُهُ أَنَّ مَا عَقَدَهُ بِالْيَمِينِ يَنْحَلُّ ، وَحَاصِلُهُ حَمْلُ الِاسْتِثْنَاءِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ عَلَى لَفْظِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَطْ ، وَحَمْلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى التَّبَرُّكِ . وَعَلَى ذَلِكَ حُمِلَ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا - ثَلَاثًا : ثُمَّ سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَوْ عَلَى السُّكُوتِ لِتَنَفُّسٍ أَوْ نَحْوِهِ ، وَكَذَا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي سُؤَالِ مَنْ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ غَدًا أُجِيبُكُمْ فَتَأَخَّرَ الْوَحْيُ ، فَنَزَلَتْ : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَقَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، مَعَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَرِدْ هَكَذَا مِنْ وَجْهٍ ثَابِتٍ . وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِ اتِّصَالِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْكَلَامِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ يُفِيدُ بَعْدَ قَطْعِ الْكَلَامِ لَقَالَ : فَلْيَسْتَثْنِ ; لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنَ التَّكْفِيرِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ - تَعَالَى - لِأَيُّوبَ : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ فَإِنَّ قَوْلَهُ : اسْتَثْنِ أَسْهَلُ مِنَ التَّحَيُّلِ لِحَلِّ الْيَمِينِ بِالضَّرْبِ ، وَلَلَزِمَ مِنْهُ بُطْلَانُ الْإِقْرَارَاتِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ ، فَيُسْتَثْنَى مَنْ أَقَرَّ أَوْ طَلَّقَ أَوْ أَعَتَقَ بَعْدَ زَمَانٍ ، وَيَرْتَفِعُ حُكْمُ ذَلِكَ ، فَالْأَوْلَى تَأْوِيلُ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَدِ اخْتُلِفَ : هَلْ يُشْتَرَطُ قَصْدُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ أَوْ لَا ؟ حَكَى الرَّافِعِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ ، وَنَقَلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى اشْتِرَاطِ وُقُوعِهِ قَبْلَ فَرَاغِ الْكَلَامِ ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ الِانْفِصَالِ يَنْشَأُ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ مَثَلًا وَهُوَ وَاضِحٌ ، وَنَقْلُهُ مُعَارَضٌ بِمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ مُتَّصِلًا بِهِ كَفَى ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : مَنْ حَلَفَ ، فَقَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ عَقَّبَ الْحَلِفَ بِالِاسْتِثْنَاءِ بِاللَّفْظِ ، وَحِينَئِذٍ يَتَحَصَّلُ ثَلَاثُ صُوَرٍ : أَنْ يَقْصِدَ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ مِنْ أَثْنَائِهِ ، وَلَوْ قَبْلَ فَرَاغِهِ أَوْ بَعْدَ تَمَامِهِ ، فَيَخْتَصُّ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ فِي الثَّالِثِ ، وَأَبْعَدَ مَنْ فَهِمَ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ فِي الثَّانِي أَيْضًا ، وَالْمُرَادُ بِالْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ إِجْمَاعُ مَنْ قَالَ : يُشْتَرَطُ الِاتِّصَالُ ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ ثَابِتٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : يُشْتَرَطُ الِاسْتِثْنَاءُ قَبْلَ تَمَامِ الْيَمِينِ ، قَالَ : وَالَّذِي أَقُولُ : إِنَّهُ لَوْ نَوَى الِاسْتِثْنَاءَ مَعَ الْيَمِينِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا وَلَا اسْتِثْنَاءً ، وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَقَعَ بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ فَيَحُلُّهَا الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِلُ بِالْيَمِينِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ : لَا أَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا قَصَدَ بِهِ التَّبَرُّكَ فَقَطْ ، فَفَعَلَ يَحْنَثُ ، وَإِنْ قَصَدَ الِاسْتِثْنَاءَ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَطْلَقَ أَوْ قَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الْحَلِفِ أَوْ أَخَّرَهُ هَلْ يَفْتَرِقُ الْحُكْمُ ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ : وَاتَّفَقُوا عَلَى دُخُولِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي كُلِّ مَا يُحْلَفُ بِهِ إِلَّا الْأَوْزَاعِيَّ فَقَالَ : لَا يَدْخُلُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ ، وَكَذَا جَاءَ عَنْ طَاوُسٍ وَعَنْ مَالِكٍ ، مِثْلُهُ : وَعَنْهُ : إِلَّا الْمَشْيَ ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَاللَّيْثُ : يَدْخُلُ فِي الْجَمِيعِ إِلَّا الطَّلَاقَ ، وَعَنْ أَحْمَدَ يَدْخُلُ الْجَمِيعَ إِلَّا الْعِتْقَ وَاحْتَجَّ بِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لَهُ وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنْ مُعَاذٍ رَفَعَهُ : إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ تُطَلَّقْ ، وَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ حُرٌّ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ حُمَيْدُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ لَا يَدْخُلُ فِي الطَّلَاقِ بِأَنَّهُ لَا تُحِلُّهُ الْكَفَّارَةُ ، وَهِيَ أَغْلَظُ عَلَى الْحَالِفِ مِنَ النُّطْقِ بِالِاسْتِثْنَاءِ ، فَلَمَّا لَمْ يَحُلَّهُ الْأَقْوَى لَمْ يَحُلَّهُ الْأَضْعَفُ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : الِاسْتِثْنَاءُ أَخُو الْكَفَّارَةِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ إِلَّا الْيَمِينُ الشَّرْعِيَّةُ ، وَهِيَ الْحَلِفُ بِاللَّهِ قَوْلُهُ : حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ ; لِأَنَّ قُتَيْبَةَ لَمْ يُدْرِكْ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ ، وَغَيْلَانُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ . قَوْلُهُ : فَأُتِيَ بِإِبِلٍ ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، وَكَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي : بِشَائِلٍ بَعْدَ الْمُوَحَّدَةِ شِينٌ مُعْجَمَةٌ ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ ثُمَّ لَامٌ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : إِنْ صَحَّتْ فَأَظُنُّهَا شَوَائِلَ ، كَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَفْظَ شَائِلٍ خَاصٌّ بِالْمُفْرَدِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : جَاءَ هَكَذَا بِلَفْظِ الْوَاحِدِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَمْعُ كَالسَّامِرِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : نَاقَةٌ شَائِلَةٌ وَنُوقٌ شَائِلٌ الَّتِي جَفَّ لَبَنُهَا ، وَشَوَّلَتِ الْإِبِلُ بِالتَّشْدِيدِ لَصِقَتْ بُطُونُهَا بِظُهُورِهَا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : نَاقَةٌ شَائِلٌ قَلَّ لَبَنُهَا ، وَأَصْلُهُ مِنْ شَالَ الشَّيْءُ إِذَا ارْتَفَعَ كَالْمِيزَانِ ، وَالْجَمْعُ شَوْلٌ كَصَاحِبٍ وَصَحْبٍ ، وَجَاءَ شَوَائِلُ جَمْعُ شَائِلٍ ، وَفِيمَا نُقِلَ مِنْ خَطِّ الدِّمْيَاطِيِّ الْحَافِظِ : الشَّائِلُ : النَّاقَةُ الَّتِي تَشُولُ بِذَنَبِهَا اللِّقَاحَ ، وَلَيْسَ لَهَا لَبَنٌ ، وَالْجَمْعُ شُوَّلٌ بِالتَّشْدِيدِ كَرَاكِعٍ وَرُكَّعٍ ، وَحَكَى قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدَّلَائِلِ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ : إِذَا أَتَى عَلَى النَّاقَةِ مِنْ يَوْمِ حَمْلِهَا سَبْعَةُ أَشْهُرٍ جَفَّ لَبَنُهَا فَهِيَ شَائِلَةٌ ، وَالْجَمْعُ شَوْلٌ بِالتَّخْفِيفِ ، وَإِذَا شَالَتْ بِذَنَبِهَا بَعْدَ اللِّقَاحِ فَهِيَ شَائِلٌ ، وَالْجَمْعُ شُوَّلٌ بِالتَّشْدِيدِ ، وَهَذَا تَحْقِيقٌ بَالِغٌ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْمَطَالِعِ أَنَّ شَائِلَ جَمْعُ شَائِلَةٍ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ . قَوْلُهُ فَأَمَرَ لَنَا ، أَيْ : أَمَرَ أَنَّا نُعْطَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : بِثَلَاثِ ذَوْدٍ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ ، وَقِيلَ : الصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الذَّوْدَ مُؤَنَّثٌ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي السَّلِيلِ عَنْ زَهْدَمٍ كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدِهِ وَتَوْجِيهُ الْأُخْرَى أَنَّهُ ذُكِّرَ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الذَّوْدِ ، أَوْ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ، أَوِ الرِّوَايَةُ بِالتَّنْوِينِ وَذَوْدٌ إِمَّا بَدَلٌ فَيَكُونُ مَجْرُورًا ، أَوْ مُسْتَأْنَفٌ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا ، وَالذَّوْدُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ مِنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْعَشْرِ ، وَقِيلَ : إِلَى السَّبْعِ ، وَقِيلَ : مِنَ الِاثْنَيْنِ إِلَى التِّسْعِ مِنَ النُّوقِ ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ : لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ ، وَالْكَثِيرُ أَذْوَادٌ ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْإِنَاثِ ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الذُّكُورِ أَوْ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ : وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ الذَّوْدَ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ بِخِلَافِ مَا أَطْلَقَ الْجَوْهَرِيُّ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ : خَمْسُ ذَوْدٍ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : اللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّهُمَا يَصِحُّ . قُلْتُ : لَعَلَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يَحْصُلُ مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِلَفْظِ : خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ ، فَلَعَلَّ رِوَايَةَ الثَّلَاثِ بِاعْتِبَارِ ثَلَاثَةِ أَزْوَاجٍ ، وَرِوَايَةَ الْخَمْسِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَحَدَ الْأَزْوَاجِ كَانَ قَرِينَهُ تَبَعًا ، فَاعْتَدَّ بِهِ تَارَةً وَلَمْ يَعْتَدَّ بِهِ أُخْرَى ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بِأَنَّهُ أَمَرَ لَهُمْ بِثَلَاثِ ذَوْدٍ أَوَّلًا ، ثُمَّ زَادَهُمُ اثْنَيْنِ فَإِنَّ لَفْظَ زَهْدَمٍ : ثُمَّ أُتِيَ بِنَهْبِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى فَأَعْطَانِي خَمْسَ ذَوْدٍ ، فَوَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ زَهْدَمٍ جُمْلَةُ مَا أَعْطَاهُمْ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْلَانَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ مَبْدَأُ مَا أَمَرَ لَهُمْ بِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ : خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ . وَقَدْ مَضَى فِي الْمَغَازِي بِلَفْظٍ أَصْرَحَ مِنْهَا ، وَهُوَ قَوْلُهُ : سِتَّةُ أَبْعِرَةٍ ، فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنْ تَكُونَ السَّادِسَةُ كَانَتْ تَبَعًا وَلَمْ تَكُنْ ذُرْوَتُهَا مَوْصُوفَةً بِذَلِكَ . قَوْلُهُ : إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي كِتَابِهِ : الثَّمِينُ فِي اسْتِثْنَاءِ الْيَمِينِ لَمْ يَقَعْ قَوْلُهُ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي أَكْثَرِ الطُّرُقِ لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى ، وَسَقَطَ لَفْظُ : وَاللَّهِ مِنْ نُسْخَةِ ابْنِ الْمُنِيرِ ، فَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى يَمِينٌ ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ فِي الْأُصُولِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِهِ بَيَانَ صِيغَةِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْمَشِيئَةِ ، وَأَشَارَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ إِلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهَا لِلتَّبَرُّكِ لَا لِلِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ . قَوْلُهُ : إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ . كَذَا وَقَعَ لَفْظُ : وَكَفَّرْتُ مُكَرَّرًا فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْأَيْمَانِ · ص 610 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْأَيْمَانِ · ص 613 6719 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، وَقَالَ : إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي ، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ . قَوْلُهُ : حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ، وَحَمَّادٌ أَيْضًا هُوَ ابْنُ زَيْدٍ . قَوْلُهُ : وَقَالَ : إِلَّا كَفَّرْتُ ، يَعْنِي : سَاقَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَلَكِنَّهُ قَالَ : كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي ، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ . فَزَادَ فِيهِ التَّرَدُّدَ فِي تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ وَتَأْخِيرِهَا . وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِالتَّرْدِيدِ فِيهِ أَيْضًا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الاستثناء في الأيمان · ص 223 باب الاستثناء في الأيمان أي هذا باب في بيان حكم الاستثناء في الأيمان ، وفي بعض النسخ : في اليمين ، والمراد بالاستثناء هنا لفظ إن شاء الله ، وليس المراد به الاستثناء الاصطلاحي نحو : والله لأفعلن كذا إن شاء الله تعالى ، أو قال : والله لأفعلن كذا إن شاء الله . وفيه اختلاف للعلماء ، فقال إبراهيم والحسن والثوري وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والليث وجمهور العلماء : شرطه أن يتصل بالحلف ، وقال مالك : إذا سكت أو قطع كلامه فلا استثناء ، وقال الشافعي : يشترط وصل الاستثناء بالكلام الأول ، ووصله أن يكون نسقا ، فإن كان بينهما سكوت انقطع إلا إذا كان لتذكر أو تنفس أو عي أو انقطاع صوت . وقال الحسن البصري وطاوس : للحالف الاستثناء مالم يقم من مجلسه . وقال قتادة : أو يتكلم ، وقال أحمد : له الاستثناء ما دام في ذلك الأمر ، وبه قال إسحق إلا أن يكون سكوت ثم عود إلى ذلك الأمر . وقال عطاء : إن له ذلك قدر حلب الناقة الغزيرة ، وقال سعيد بن جبير : له ذلك إلى بعد أربعة أشهر ، وقال مجاهد : له ذلك بعد سنتين ، وقال ابن عباس : يصح ذلك ولو بعد حين . فقيل : أراد به سنة ، وقيل : أبدا . حكاه ابن القصار ، واختلفوا أيضا في الاستثناء في الطلاق والعتق فقال ابن أبي ليلى والأوزاعي والليث ومالك : لا يجوز الاستثناء في الطلاق ، وروي مثله عن ابن عباس وابن المسيب والشعبي وعطاء والحسن ومكحول وقتادة والزهري . وقال طاوس والنخعي والحسن وعطاء في رواية ، وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه وإسحاق : يجوز الاستثناء . 11 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا حماد ، عن غيلان بن جرير ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبي موسى الأشعري قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين أستحمله ، فقال : والله لا أحملكم ، ما عندي ما أحملكم . ثم لبثنا ما شاء الله ، فأتي بإبل فأمر لنا بثلاثة ذود ، فلما انطلقنا قال بعضنا لبعض : لا يبارك الله لنا ، أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نستحمله فحلف أن لا يحملنا فحملنا ، فقال أبو موسى : فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له ، فقال : ما أنا حملتكم بل الله حملكم ، إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير وكفرت . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : إني والله إن شاء الله ، قيل : إن قوله : إن شاء الله لم يقع في أكثر الطرق لحديث أبي موسى ، وليس كذلك بل هو ثابت في الأصول ، وأراد البخاري بإيراده بيان صفة الاستثناء بالمشيئة ، وعن أبي موسى المديني : إنما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك للتبرك لا للاستثناء وهو خلاف الظاهر . وحماد في السند هو ابن زيد لأن قتيبة لم يدرك حماد بن سلمة ، وغيلان بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ابن جرير بفتح الجيم ، وأبو بردة بضم الباء الموحدة وسكون الراء اسمه عامر ، وقيل : الحارث يروي عن أبيه أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري . والحديث مضى في النذر عن أبي النعمان محمد بن الفضل ، ومضى الكلام فيه . قوله : أستحمله أي أطلب منه ما يحملنا وأثقالنا ، قوله : فأتي بإبل كذا في رواية الأكثرين ، ووقع في رواية الأصليي وأبي ذر عن السرخسي والمستملي بشائل بالشين المعجمة والهمزة بعد الألف أي قطيع من الإبل . وقال الخطابي : جاء بلفظ الواحد والمراد به الجمع كالسامر ، يقال : ناقة شائل إذا قل لبنها ، وقال الكرماني : وفي بعض الروايات شوائل ، وقال ابن بطال في رواية أبي ذر : بشائل مكان قوله : بإبل ، وأظنه بشوائل إن صحت الرواية ، وبخط الدمياطي : الشائل بلا هاء الناقة التي تشول بذنبها للقاح ولا لبن لها أصلا ، والجمع شول مثل راكع وركع ، والشائلة بالتاء هي التي جف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية . قوله : بثلاثة ذود ، وفي رواية أبي ذر : بثلاث ذود وهو الصواب لأن الذود مؤنث ، والذود بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وبالدال المهملة من الثلاث إلى العشرة . وقيل : إلى السبع ، وقيل : من الاثنين إلى التسع من النوق ولا واحد له من لفظه ، والكثير أذواد ، والأكثر على أنه خاص بالإناث ، وقد يطلق على الذكور ، فإن قلت : مضى في المغازي بلفظ خمس ذود ، قلت : الجمع بينهما بأنه يحمل على أنه أمر لهم أولا بثلاثة ثم زادهم اثنين . قوله : فحملنا بفتح الميم واللام ، قوله : إني والله إن شاء الله هذا موضع الاستثناء فيه ، قوله : إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير وكفرت كذا وقع لفظ كفرت مكررا في رواية السرخسي ، وبقية الكلام مضت في النذر . 12 - حدثنا أبو النعمان ، حدثنا حماد ، وقال : إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير أو أتيت الذي هو خير وكفرت . أبو النعمان هو محمد بن الفضل ، وحماد هو ابن زيد ، وأراد بذكر طريق أبي النعمان هذا بيان التخيير بين تقديم الكفارة على الحنث وتأخيرها عنه ، وفيه الخلاف وقد ذكرناه . وقال الكرماني : أو هو شك من الراوي . قلت : كذا أخرجه أبو داود عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد بالترديد أيضا .