16 - بَاب ذَوِي الْأَرْحَامِ 6747 - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ : حَدَّثَكُمْ إِدْرِيسُ ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ قَالَ : كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْأَنْصَارِيُّ الْمُهَاجِرِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ قَالَ : نَسَخَتْهَا وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ قَوْلُهُ : ( بَابُ ذَوِي الْأَرْحَامِ ) أَيْ بَيَانِ حُكْمِهِمْ هَلْ يَرِثُونَ أَوْ لَا؟ وَهُمْ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ : الْخَالُ ، وَالْخَالَة ، وَالْجَدُّ لِلْأُمِّ ، وَوَلَدُ الْبِنْتِ ، وَوَلَدُ الْأُخْتِ ، وَبِنْتُ الْأَخِ ، وَبِنْتُ الْعَمِّ ، وَالْعَمَّةُ ، وَالْعَمُّ لِلْأُمِّ ، وَابْنُ الْأَخِ لِلْأُمِّ ، وَمَنْ أَدْلَى بِأَحَدٍ مِنْهُمْ ، فَمَنْ وَرَّثَهُمْ قَالَ : أَوْلَاهُمْ أَوْلَادُ الْبِنْتِ ، ثُمَّ أَوْلَادُ الْأُخْتِ وَبَنَاتُ الْأَخِ ، ثُمَّ الْعَمُّ وَالْعَمَّةُ وَالْخَالُ وَالْخَالَةُ ، وَإِذَا اسْتَوَى اثْنَانِ قُدِّمَ الْأَقْرَبُ إِلَى صَاحِبِ فَرْضٍ أَوْ عَصَبَةٍ . قَوْلُهُ : ( إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) هُوَ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ حَدَّثَكُمْ إِدْرِيسُ ) أَيِ ابْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ وَالِدُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَطَلْحَةُ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ مُصَرِّفٍ ، وَقَدْ نَسَبَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ الصَّلْتِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : سَمِعَ إِدْرِيسُ مِنْ طَلْحَةَ ، وَأَبُو أُسَامَةَ مِنْ إِدْرِيسَ ، وَقَدْ صَرَّحَ هُنَا بِالثَّانِي . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ : حَدَّثَنِي إِدْرِيسُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنِ الْهَنْجَانِيِّ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، وَكَذَا عِنْدَ الطَّبَرِيِّ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ . قَوْلُهُ : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) . قَالَ : كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْأَنْصَارِيُّ الْمُهَاجِرِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمْ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ قَالَ : نَسَخَتْهَا وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ نَسَخَتْهَا وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمَنْسُوخَةَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالنَّاسِخَةَ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ قَالَ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ بَيَانُ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ : فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ نُسِخَتْ . قُلْتُ : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَفَالَةِ التَّفْسِيرُ مِنْ رِوَايَةِ الصَّلْتِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ مِثْلُ مَا عَزَاهُ لِلطَّبَرِيِّ ، فَكَانَ عَزْوُهُ إِلَى مَا فِي الْبُخَارِيِّ أَوْلَى ، مَعَ أَنَّ فِي سِيَاقِهِ فَائِدَةً أُخْرَى وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ وَرَثَةً ، فَأَفَادَ تَفْسِيرَ الْمَوَالِي بِالْوَرَثَةِ ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ : وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ابْتِدَاءُ شَيْءٍ يُرِيدُ أَنْ يُفَسِّرَهُ أَيْضًا ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الصَّلْتِ ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ وَبَقِيَ قَوْلُهُ نَسَخَتْهَا مُشْكِلًا كَمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ . وَقَدْ أَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ فَقَالَ : الضَّمِيرُ فِي نَسَخَتْهَا عَائِدٌ عَلَى الْمُؤَاخَاةِ لَا عَلَى الْآيَةِ ، وَالضَّمِيرُ فِي نَسَخَتْهَا وَهُوَ الْفَاعِلُ الْمُسْتَتِرُ يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ وَقَوْلُهُ : وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ ، وَأَصْلُ الْكَلَامِ لَمَّا نَزَلَتْ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ نَسَخَتْ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : فَاعِلُ نَسَخَتْهَا آيَةُ : جَعَلْنَا ، وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَعْنِي . قُلْتُ : وَوَقَعَ فِي سِيَاقِهِ هُنَا أَيْضًا مَوْضِعٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ : يَرِثُ الْأَنْصَارِيُّ الْمُهَاجِرِيَّ ، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ الصَّلْتِ بِالْعَكْسِ ، وَأَجَابَ عَنْهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِثْبَاتُ الْوِرَاثَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْجُمْلَةِ . قُلْتُ : وَالْأَوْلَى أَنْ يُقْرَأَ الْأَنْصَارِيَّ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ فَتَتَّحِدُ الرِّوَايَتَانِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الصَّلْتِ مَوْضِعٌ ثَالِثٌ مُشْكِلٌ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنَ النَّصْرِ إِلَخْ ، وَظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنَّ قَوْلَهُ مِنَ النَّصْرِ يَتَعَلَّقُ بِـ : عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ : فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو كُرَيْبٍ فِي رِوَايَتِهِ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ النِّسَاءِ عِدَّةُ طُرُقٍ لِذَلِكَ مَعَ إِعْرَابِ الْآيَةِ ، وَالْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ الْمُعَاقَدَةِ الْمَذْكُورَةِ وَنَسْخِهَا بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ ، وَالْمُرَادُ بِإِيرَادِ الْحَدِيثِ هُنَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ نَسَخَ حُكْمَ الْمِيرَاثِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ النَّاسِخَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْأَنْفَالِ : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ . قُلْتُ : كَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ يَرْوُونَ الْحَدِيثَ مِنْ حِفْظِهِمْ فَتَقْصُرُ عِبَارَاتُهُمْ خُصُوصًا الْعَجَمُ فَلَا يَبِينُ لِلْكَلَامِ رَوْنَقٌ مِثْلَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مُرَادَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِتِلْكَ الْأُخُوَّةِ وَيَرَوْنَهَا دَاخِلَةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ نُسِخَ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَبَقِيَ النَّصْرُ وَالرِّفَادَةُ وَجَوَازُ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانُ السَّبَبِ فِي إِرْثِهِمْ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَلْحَقُ بِهِ الرَّجُلُ فَيَكُونُ تَابِعَهُ ، فَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ صَارَ لِأَقَارِبِهِ الْمِيرَاثُ وَبَقِيَ تَابِعُهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ ، فَنَزَلَتْ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ فَكَانُوا يُعْطُونَهُ مِنْ مِيرَاثِهِ ، ثُمَّ نَزَلَتْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَنُسِخَ ذَلِكَ . قُلْتُ : وَالْعَوْفِيُّ ضَعِيفٌ ، وَالَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ ، وَتَصْحِيحُ السِّيَاقِ قَدْ ظَهَرَ مِنْ نَفْسِ الرِّوَايَةِ ، وَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ قَدَّمَ بَعْضَ الْأَلْفَاظِ عَلَى بَعْضٍ ، وَحَذَفَ مِنْهَا شَيْئًا ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ سَاقَهَا عَلَى الِاسْتِقَامَةِ ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُمْ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ ، وَلَيْسَ بِعَصَبَةٍ ، فَذَهَبَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ إِلَى مَنْعِهِمُ الْمِيرَاثَ ، وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ إِلَى تَوْرِيثِهِمْ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ ; لِأَنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ مُجْمَلَةٌ وَآيَةَ الْمَوَارِيثِ مُفَسِّرَةٌ ، وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِعَصَبَتِهِ وَأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الْقَوْلِ بِظَاهِرِهَا فَجَعَلُوا مَا يَخْلُفُهُ الْمَعْتُوقُ إِرْثًا لِعَصَبَتِهِ دُونَ مَوَالِيهِ فَإِنْ فُقِدُوا فَلِمَوَالِيهِ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ . وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْرِيثِهِمْ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : رَأَى أَهْلُ الْعِرَاقِ رَدَّ مَا بَقِيَ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ إِذَا لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِمْ وَعَلَى الْعَصَبَةِ ، فَإِنْ فُقِدُوا أَعْطَوْا ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُنَزِّلُ كُلَّ ذِي رَحِمٍ مَنْزِلَةَ مَنْ يَجُرُّ إِلَيْهِ ، وَأَخْرَجَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ جَعَلَ الْعَمَّةَ كَالْأَبِ وَالْخَالَةَ كَالْأُمِّ فَقَسَمَ الْمَالَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ، وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرُدُّ عَلَى الْبِنْتِ دُونَ الْأُمِّ ، وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ حَدِيثُ الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ إِذَا كَانَ عَصَبَةً ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ السَّلْبَ كَقَوْلِهِمُ : الصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ السُّلْطَانَ ; لِأَنَّهُ خَالُ الْمُسْلِمِينَ ، حَكَى هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب ذَوِي الْأَرْحَامِ · ص 29 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ذوي الأرحام · ص 247 باب ذوي الأرحام أي هذا باب في بيان حكم ذوي الأرحام هل يرثون أم لا ؟ ومن هم ؟ وذوو الأرحام جمع ذي الرحم ، وهو خلاف الأجنبي . والأرحام جمع الرحم ، والرحم في الأصل منبت الولد ووعاؤه في البطن ، ثم سميت القرابة والوصلة من جهة الولادة رحما ، وفي الشريعة عبارة عن كل قريب ليس بذي سهم ولا عصبة . وقال ابن الأثير : وذوو الرحم هم الأقارب ، ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب ، ويطلق في الفرائض على الأقارب من جهة النساء ، يقال : ذوو رحم محرم ومحرم هو من لا يحل نكاحه كالأم والبنت والأخت والعمة والخالة ، انتهى . وقال في التلويح : ذوو الأرحام هم الذين لا سهم لهم في الكتاب والسنة من قرابة الميت وليسوا بعصبة البنات ، كأولادها وأولاد الأخوات ، وأولاد الإخوة لأم ، وبنات الأخ ، والعمة ، والخالة ، وعمة الأب ، والعم أخو الأب لأمه ، والجد أبي الأم ، والجدة أم أبي الأم ، ومن أدلى بهم . واختلفوا في هذا الباب ، فقالت طائفة : إذا لم يكن للميت وارث له فرض مسمى فماله لموالي العتاقة الذين أعتقوه ، فإن لم يكن فماله لبيت مال المسلمين ولا يرث من فرض له من ذوي الأرحام ، روي هذا عن أبي بكر وزيد بن ثابت وابن عمر . ورواية عن علي رضي الله تعالى عنهم ، وهو قول أهل المدينة والزهري وأبي الزناد وربيعة ومالك ، وروي عن مكحول والأوزاعي ، وبه قال الشافعي ، وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس ومعاذ وأبو الدرداء يورثون ذوي الأرحام ولا يعطون الولاء مع الرحم شيئا ، وبتوريث ذوي الأرحام قال ابن أبي ليلى والنخعي وعطاء وجماعة من التابعين ، وهو قول الكوفيين وأحمد وإسحاق . 24 - حدثني إسحاق بن إبراهيم ، قال : قلت لأبي أسامة : حدثكم إدريس ، حدثنا طلحة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ولكل جعلنا موالي والذين عاقدت أيمانكم ، قال : كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصاري المهاجري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم ، فلما نزلت ولكل جعلنا موالي قال : نسختها والذين عاقدت أيمانكم . مطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ من قوله : جعلنا موالي لأن الموالي الورثة ، وكذا فسر ابن عباس في هذا الحديث لأنه ذكره في الكفالة بقوله : حدثنا الصلت بن محمد ، حدثنا أبو أسامة بن إدريس ، عن طلحة بن مصرف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ولكل جعلنا موالي ، قال : ورثة الحديث ، ولفظ الورثة يطلق على ذوي الأرحام ، فترجم بقوله : باب ذوي الأرحام لكنه مبهم لا يفهم منه أنهم يرثون أم لا ، ولكن ذكره هذا الحديث بهذا السياق يدل على أنهم لا يرثون ، ولكن في هذا السياق نظر لأنه يشعر بأن قوله : والذين عاقدت أيمانكم هو ناسخ ، والصواب أنه هو المنسوخ نبه عليه الطبري وغيره في رواية عن ابن عباس ، وجمهور السلف على أن الناسخ لهذه الآية هو قوله تعالى وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ روي هذا عن ابن عباس وقتادة والحسن ، وهو الذي أثبته أبو عبيد في ناسخه ومنسوخه . وفيه قول آخر روى الزهري ، عن المسيب قال : أمر الله تعالى الذين تبنوا غير أبنائهم في الجاهلية وورثوهم في الإسلام أن يجعلوا لهم نصيبا في الوصية ورد الميراث إلى ذي الرحم والعصبة . وقالت طائفة : قوله تعالى والذين عاقدت أيمانكم محكمة ، وإنما أمر الله المؤمنين أن يعطوا الحلفاء أنصبائهم من النصرة والنصيحة والرفادة وما أشبه ذلك دون الميراث ، ذكره أيضا الطبري عن ابن عباس وهو قول مجاهد والسدي . وقال فقهاء الأمصار والعراق والكوفة والبصرة وجماعة من العلماء في سائر الآفاق بتوريث ذوي الأرحام ، وقد روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث المقدام بن معدي كرب : الخال وارث من لا وارث له ، يعقل عنه ويرثه . وصححه ابن حبان والحاكم ، وروى الترمذي مرفوعا محسنا عن عمر رضي الله تعالى عنه : الخال وارث من لا وارث له . وأخرجه النسائي من حديث عائشة ، وأخرجه عبد الرزاق أيضا عن ابن جريج عن عمرو بن مسلم ، حدثنا طاوس عنها رضي الله تعالى عنها : فإن قلت : روى الحاكم من حديث عبد الله بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : أقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على حمار ، فلقيه رجل فقال : يا رسول الله ، رجل ترك عمة وخالة لا وارث له غيرهما ، فرفع رأسه إلى السماء ، فقال : اللهم رجل ترك عمته وخالته لا وارث له غيرهما ، ثم قال : أين السائل ؟ قال : ها أنا ذا ، قال : لا ميراث لهما ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد . قلت : عبد الله بن جعفر المديني فيه مقال ، قال أبو حاتم : منكر الحديث جدا ، يحدث عن الثقات بالمناكير يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال الجرجاني : واهي الحديث ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وعنه : ليس بثقة ، وأخرجه الدارقطني من حديث أبي عاصم موقوفا . وشيخ البخاري في هذا الحديث هو إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه ، وأبو أسامة هو حماد بن أسامة ، وإدريس هو ابن يزيد من الزيادة ابن عبد الرحمن الأودي ، وطلحة هو ابن مصرف بكسر الراء المشددة وبالفاء . والحديث أخرجه النسائي وأبو داود جميعا في الفرائض عن هارون بن عبد الله عن أبي أسامة . قوله : يرث الأنصاري بالرفع لأنه فاعل ، وقوله : المهاجري بالنصب مفعوله ، وليست الياء فيه للنسبة وإنما هي للمبالغة كما يقال : الأحمري في الأحمر ، وقيل : زيدت فيه ياء النسبة للمشاكلة ، وقال الكرماني : أين العائد إلى اسم كان . قلت : وضع المهاجري مكانه ، واللازم في مثله الارتباط بينهما سواء كان بالضمير أو بغيره ، وقال أيضا : تقدم في سورة النساء بالعكس ، وقال : يرث المهاجري الأنصاري . قلت : المقصود منهما بيان إثبات الوراثة بينهما في الجملة ، ثم قال : وفيه أمر آخر عكس ذلك وهو أنه قال ثمة : ولكل جعلنا ، والمنسوخ : والذين عاقدت ، والمفهوم هنا عكسه . قلت : فاعل نسختها آية ولكل جعلنا ، والذين عاقدت منصوب على العناية أي أعني والذين عاقدت ، وقيل : الضمير في نسختها عائد على المؤاخاة لا على الآية ، والضمير في نسختها وهو الفاعل المستتر يعود على قوله : ولكل جعلنا موالي وقوله : والذين عاقدت أيمانكم بدل من الضمير ، وأصل الكلام لما نزلت وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ نسخت والذين عاقدت أيمانكم .