13 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وَفِي كَمْ يُقْطَعُ ؟ وَقَطَعَ عَلِيٌّ مِنْ الْكَفِّ وَقَالَ قَتَادَةُ فِي امْرَأَةٍ سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ شِمَالُهَا : لَيْسَ إِلَّا ذَلِكَ . 6789 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ، تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، وَمَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ) كَذَا أَطْلَقَ فِي الْآيَةِ الْيَدَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْيُمْنَى إِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ قُطِعَتِ الشِّمَالُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً هَلْ يُجْزِئُ ؟ وَقُدِّمَ السَّارِقُ عَلَى السَّارِقَةِ ، وَقُدِّمَتِ الزَّانِيَةُ عَلَى الزَّانِي لِوُجُودِ السَّرِقَةِ غَالِبًا فِي الذُّكُورِيَّةِ ، وَلِأَنَّ دَاعِيَةَ الزِّنَا فِي الْإِنَاثِ أَكْثَرُ ، وَلِأَنَّ الْأُنْثَى سَبَبٌ فِي وُقُوعِ الزِّنَا ؛ إِذْ لَا يَتَأَتَّى غَالِبًا إِلَّا بِطَوَاعِيَتِهَا . وَقَوْلُهُ : بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ثُمَّ التَّثْنِيَةِ ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ السَّارِقِ ، فَلُوحِظَ فِيهِ الْمَعْنَى فَجُمِعَ ، وَالتَّثْنِيَةُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْجِنْسَيْنِ الْمُتَلَفَّظِ بِهِمَا ، وَالسَّرِقَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا وَيَجُوزُ كَسْرُ أَوَّلِهِ وَسُكُونُ ثَانِيهِ الْأَخْذُ خُفْيَةً ، وَعُرِّفَتْ فِي الشَّرْعِ بِأَخْذِ شَيْءٍ خُفْيَةً لَيْسَ لِلْآخِذِ أَخْذُهُ ، وَمَنِ اشْتَرَطَ الْحِرْزَ وَهُمُ الْجُمْهُورُ زَادَ فِيهِ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْحِرْزُ مُسْتَفَادٌ مِنْ مَعْنَى السَّرِقَةِ يَعْنِي فِي اللُّغَةِ ، وَيُقَالُ لِسَارِقِ الْإِبِلِ الْخَارِبُ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ، وَلِلسَّارِقِ فِي الْمِكْيَالِ مُطَفِّفٌ ، وَلِلسَّارِقِ فِي الْمِيزَانِ مُخْسِرٌ ، فِي أَشْيَاءَ أُخْرَى ذَكَرَهَا ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي كِتَابِ لَيْسَ . قَالَ الْمَازِرِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ : صَانَ اللَّهُ الْأَمْوَالَ بِإِيجَابِ قَطْعِ سَارِقِهَا ، وَخَصَّ السَّرِقَةَ لِقِلَّةِ مَا عَدَاهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا مِنَ الِانْتِهَابِ وَالْغَصْبِ وَلِسُهُولَةِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا عَدَا السَّرِقَةَ بِخِلَافِهَا وَشَدَّدَ الْعُقُوبَةَ فِيهَا لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ وَلَمْ يَجْعَلْ دِيَةَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا يُقْطَعُ فِيهِ حِمَايَةً لِلْيَدِ ، ثُمَّ لَمَّا خَانَتْ هَانَتْ ، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الشُّبْهَةِ الَّتِي نُسِبَتْ إِلَى أَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيِّ فِي قَوْلِهِ : يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٌ وُدِيَتْ مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ ؟ فَأَجَابَهُ الْقَاضي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ بِقَوْلِهِ : صِيَانَةُ الْعُضْوِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصُهَا صِيَانَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي وَشَرْحُ ذَلِكَ أَنَّ الدِّيَةَ لَوْ كَانَتْ رُبْعَ دِينَارٍ لَكَثُرَتِ الْجِنَايَاتُ عَلَى الْأَيْدِي ، وَلَوْ كَانَ نِصَابُ الْقَطْعِ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ لَكَثُرَتِ الْجِنَايَاتُ عَلَى الْأَمْوَالِ ، فَظَهَرَتِ الْحِكْمَةُ فِي الْجَانِبَيْنِ ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ صِيَانَةٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ ، وَقَدْ عَسُرَ فَهْمُ الْمَعْنَى الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ السَّرِقَةِ وَبَيْنَ النَّهْبِ وَنَحْوِهِ عَلَى بَعْضِ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ فَقَالَ : الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ دُونَ الْغَصْبِ وَغَيْرِهِ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى ، فَإِنَّ الْغَصْبَ أَكْثَرُ هَتْكًا لِلْحُرْمَةِ مِنَ السَّرِقَةِ ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْقِيَاسِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ فِي الْأَعْلَى فَلَا يُعْمَلُ بِهِ فِي الْمُسَاوِي ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَدِلَّةَ عَلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُتَكَلَّفَ لِإِيرَادِهَا ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَقَطَعَ عَلِيٌّ مِنَ الْكَفِّ ) أَشَارَ بِهَذَا الْأَثَرِ إِلَى الِاخْتِلَافِ فِي مَحَلِّ الْقَطْعِ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حَقِيقَةِ الْيَدِ فَقِيلَ : أَوَّلُهَا مِنَ الْمَنْكِبِ ; وَقِيلَ مِنَ الْمِرْفَقِ ، وَقِيلَ مِنَ الْكُوعِ ، وَقِيلَ مِنْ أُصُولِ الْأَصَابِعِ ، فَحُجَّةُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الْأَيْدِيَ عَلَى ذَلِكَ ، وَمِنَ الثَّانِي آيَةُ الْوُضُوءِ فَفِيهَا وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَمِنَ الثَّالِثِ آيَةُ التَّيَمُّمِ ، فَفِي الْقُرْآنِ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَسَحَ عَلَى كَفَّيْهِ فَقَطْ ، وَأَخَذَ بِظَاهِرِ الْأَوَّلِ بَعْضُ الْخَوَارِجِ ، وَنُقِلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَاسْتَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ ، وَالثَّانِي لَا نَعْلَمُ مَنْ قَالَ بِهِ فِي السَّرِقَةِ ، وَالثَّالِثُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، وَالرَّابِعُ نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو ثَوْرٍ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَقْطُوعَ الْيَدِ لُغَةً وَلَا عُرْفًا بَلْ مَقْطُوعُ الْأَصَابِعِ وَبِحَسَبِ هَذَا الِاخْتِلَافِ وَقَعَ الْخُلْفُ فِي مَحَلِّ الْقَطْعِ ، فَقَالَ بِالْأَوَّلِ الْخَوَارِجُ وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِمْ . وَأَلْزَمَ ابْنُ حَزْمٍ الْحَنَفِيَّةَ بِأَنْ يَقُولُوا بِالْقَطْعِ مِنَ الْمَرْفِقِ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ وَكَذَا التَّيَمُّمُ عِنْدَهُمْ ، قَالَ : وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِمْ قَدْرَ الْمَهْرِ عَلَى نِصَابِ السَّرِقَةِ ، وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ قَوْلًا شَاذًّا ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ الْأَخْذُ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ لِأَنَّ الْيَدَ قَبْلَ السَّرِقَةِ كَانَتْ مُحْتَرَمَةً ، فَلَمَّا جَاءَ النَّصُّ بِقَطْعِ الْيَدِ وَكَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي وَجَبَ أَنْ لَا يُتْرَكَ الْمُتَيَقَّنُ - وَهُوَ تَحْرِيمُهَا - إِلَّا بِمُتَيَقَّنٍ وَهُوَ الْقَطْعُ مِنَ الْكَفِّ . وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عَلِيٍّ فَوَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُجَبةَ بْنِ عَدِيٍّ أَنَّ عَلِيًّا قَطَعَ مِنَ الْمَفْصِلِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ مِنَ الْمَفْصِلِ ، وَأَوْرَدَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ حَدِّ السَّرِقَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ رَجَاءٍ ، عَنْ عَدِيٍّ رَفَعَهُ مِثْلَهُ . وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ مِثْلَهُ ، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : كَانَ عُمَرُ يَقْطَعُ مِنَ الْمَفْصِلِ وَعَلِيٌّ يَقْطَعُ مِنْ مُشْطِ الْقَدَمِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي حَيْوَةَ أَنَّ عَلِيًّا قَطَعَهُ مِنَ الْمَفْصِلِ ، وَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَطَعَ الْيَدَ مِنَ الْأَصَابِعِ وَالرِّجْلَ مِنْ مُشْطِ الْقَدَمِ ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ ، وَإِنْ كَانَ رِجَالُ السَّنَدِ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ . وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقْطَعُ الرِّجْلَ مِنَ الْكَعْبِ ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقْطَعُ مِنْ يَدِ السَّارِقِ الْخِنْصِرَ وَالْبِنْصِرَ وَالْوُسْطَى خَاصَّةً وَيَقُولُ : أَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَتْرُكَهُ بِلَا عَمَلٍ ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَقِيَ الْإِبْهَامُ وَالسَّبَّابَةُ وَقَطَعَ الْكَفَّ وَالْأَصَابِعَ الثَّلَاثَةَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَقِيَ الْكَفُّ أَيْضًا وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ قَطَعَ مِنَ الْكَفِّ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِحَذْفِ مِنْ بِلَفْظِ وَقَطَعَ عَلِيٌّ الْكَفَّ قَوْلُهُ : ( وَقَالَ قَتَادَةُ فِي امْرَأَةٍ سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ شِمَالُهَا : لَيْسَ إِلَّا ذَلِكَ ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْوَاسِطِيِّ ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ عَنْهُ ، هَكَذَا قَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ فِي شَرْحِهِ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فَذَكَرَ مِثْلَ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ : لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ قَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ . وَكَانَ سَاقَ بِسَنَدِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ سَارِقٍ قُدِّمَ لِيُقْطَعَ فَقَدَّمَ شِمَالَهُ فَقُطِعَتْ فَقَالَ : لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِذِكْرِهِ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ يُقْطَعُ مِنَ السَّارِقِ الْيَدُ الْيُمْنَى وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ : فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : هِيَ قِرَاءَتُنَا يَعْنِي أَصْحَابَ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَنَقَلَ فِيهِ عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ وَتُعُقِّبَ ، نَعَمْ قَدْ شَذَّ مَنْ قَالَ : إِذَا قُطِعَ الشِّمَالُ أَجْزَأَتْ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ النَّقْلِ عَنْ قَتَادَةَ ، وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ عَمْدًا وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاطِعِ وَوَجَبَ قَطْعُ الْيَمِينِ ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً وَجَبَتِ الدِّيَةُ وَيُجْزِئُ عَنِ السَّارِقِ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ قَوْلَانِ فِي السَّارِقِ ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَنْ سَرَقَ فَقُطِعَ ثُمَّ سَرَقَ ثَانِيًا فَقَالَ الْجُمْهُورُ : تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَالْيَدُ الْيُسْرَى ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَالرِّجْلُ الْيُمْنَى ، وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِآيَةِ الْمُحَارَبَةِ وَبِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَبِأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنَ الْآيَةِ أَنَّهَا فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فَإِذَا عَادَ السَّارِقُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ ثَانِيًا إِلَى أَنْ لَا يَبْقَى لَهُ مَا يُقْطَعُ ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ عُزِّرَ وَسُجِنَ ، وَقِيلَ : يُقْتَلُ فِي الْخَامِسَةِ قَالَهُ أَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ صَاحِبُ مَالِكٍ ، وَحُجَّتُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : اقْتُلُوهُ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ ، قَالَ : اقْطَعُوهُ ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ فَقَالَ : اقْتُلُوهُ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ إِلَى أَنْ قَالَ - فَأُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ فَقَالَ : اقْتُلُوهُ . قَالَ جَابِرٌ : فَانْطَلَقْنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ وَرَمَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ ، قَالَ النَّسَائِيُّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ رَاوِيهِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَابْنِ الْمُنْكَدِرِ ، وَالشَّافِعِيِّ : إِنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ خَاصٌّ بِالرَّجُلِ الْمَذْكُورِ فَكَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اطَّلَعَ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبُ الْقَتْلِ وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِقَتْلِهِ مِنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ . قُلْتُ : وَلِلْحَدِيثِ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بن حَاطِبٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِلِصٍّ فَقَالَ : اقْتُلُوهُ ، فَقَالُوا : إِنَّمَا سَرَقَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي قَطْعِ أَطْرَافِهِ الْأَرْبَعِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ : ثُمَّ سَرَقَ الْخَامِسَةَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْلَمَ بِهَذَا حِينَ قَالَ : اقْتُلُوهُ ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَتَلُوهُ . قَالَ النَّسَائِيُّ : لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا صَحِيحًا . قُلْتُ : نَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَقَدْ جَزَمَ الْبَاجِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ ثُمَّ قَالَ : وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ لَا يُقْتَلُ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ بِهِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ أَبُو مُصْعَبٍ صَاحِبُ مَالِكٍ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ : وَمَنْ سَرَقَ مِمَّنْ بَلَغَ الْحُلَمَ قُطِعَ يَمِينُهُ ، ثُمَّ إِنْ عَادَ فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى ، ثُمَّ إِنْ عَادَ فَيَدُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ إِنْ عَادَ فَرِجْلُهُ الْيُمْنَى ، فَإِنْ سَرَقَ فِي الْخَامِسَةِ قُتِلَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ انْتَهَى . وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ بِقَطْعِ الْيَدِ بَعْدَ الْيَدِ ، ثُمَّ الرِّجْلِ بَعْدَ الرِّجْلِ ، نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَلَا يَصِحُّ ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ فِي الثَّالِثَةِ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ إِنَّمَا قَطَعَ رِجْلَهُ وَكَانَ مَقْطُوعَ الْيَدِ ، وَرِجَالُ السَّنَدَيْنِ ثِقَاتٌ مَعَ انْقِطَاعِهِمَا ، وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ : تُقْطَعُ الرِّجْلُ الْيُسْرَى بَعْدَ الْيُمْنَى ثُمَّ لَا قَطْعٌ ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الضُّحَى أَنَّ عَلِيًّا نَحْوُهُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ مَعَ انْقِطَاعِهِ ، وَبِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ : كَانُوا يَقُولُونَ : لَا يُتْرَكُ ابْنُ آدَمَ مِثْلَ الْبَهِيمَةِ لَيْسَ لَهُ يَدٌ يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنْجِي بِهَا ، وَبِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ أَنَّ عُمَرَ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : اضْرِبْهُ وَاحْبِسْهُ فَفَعَلَ ، وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ . وَفِيهِ قَوْلٌ خَامِسٌ قَالَهُ عَطَاءٌ : لَا يُقْطَعُ شَيْءٌ مِنَ الرِّجْلَيْنِ أَصْلًا عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُ الظَّاهِرِيَّةِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : حَدِيثُ الْقَتْلِ فِي الْخَامِسَةِ مُنْكَرٌ وَقَدْ ثَبَتَ : لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ، وَثَبَتَ : السَّرِقَةُ فَاحِشَةٌ وَفِيهَا عُقُوبَةٌ ، وَثَبَتَ عَنِ الصَّحَابَةِ قَطْعُ الرِّجْلِ بَعْدَ الْيَدِ وَهُمْ يَقْرَءُونَ : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى الْجَزَاءِ فِي الصَّيْدِ ، وَإِنْ قُتِلَ خَطَأً وَهُمْ يَقْرَءُونَ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ وَيَمْسَحُونَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَهُمْ يَقْرَءُونَ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ ، وَإِنَّمَا قَالُوا جَمِيعَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ . أَحَدُهَا : حَدِيثُ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقَيْنِ الْأُولَى : قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرَةَ ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ : اقْتَصَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَسَائِرُ مَنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَلَى عَمْرَةَ ، وَرَوَاهُ يُونُسُ عَنْهُ فَزَادَ مَعَ عَمْرَةَ عُرْوَةَ . قُلْتُ : وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ بَعْضَ الضُّعَفَاءِ وَهُوَ إِسْحَاقُ الْحُنَيْنِيُّ - بِمُهْمَلَةٍ وَنُونَيْنِ مُصَغَّرٌ - رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَكَذَا رَوَى عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَانِ الْإِسْنَادَانِ لَيْسَا صَحِيحَيْنِ وَقَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ تَابَعَهُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى ، وَحَمَوَيْهِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَرِوَايَةُ يُونُسَ بِجَمْعِهِمَا صَحِيحَةٌ . قُلْتُ : وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ عَمْرَةَ وَبِسَمَاعِ عَمْرَةَ لَهُ مِنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ . قَوْلُهُ : ( تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ ، وَفِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ ، وَكَذَا عِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَمْرَةَ . قَوْلُهُ : ( فَصَاعِدًا ) قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ : يَخْتَصُّ هَذَا بِالْفَاءِ ، وَيَجُوزُ ثَمَّ بَدَلُهَا وَلَا تَجُوزُ الْوَاوُ ، وَقَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ أَيْ وَلَوْ زَادَ ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إِذَا زَادَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا صَاعِدًا . قُلْت : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَمْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَمَا فَوْقَهُ بَدَلَ فَصَاعِدًا وَهُوَ بِمَعْنَاهُ . قَوْلُهُ : ( وَتَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، وَمَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ) أَيْ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى عَمْرَةَ ثُمَّ سَاقَ رِوَايَةَ يُونُسَ وَلَيْسَ فِي آخِرِهِ فَصَاعِدًا ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ حَرْمَلَةَ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِإِثْبَاتِهَا ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ وَهُوَ ابْنُ مُسَافِرٍ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنِ اللَّيْثِ عَنْهُ نَحْوَ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ وَقَلَّدَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ أَنَّ الذُّهْلِيَّ أَخْرَجَهُ فِي عِلَلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ ، وَرَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا وُجُودَ لَهُ بَلْ لَيْسَ لِرَوْحٍ وَلَا لِمُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا رِوَايَةٌ أَصْلًا ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ فَوَصَلَهَا أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ ، وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ وَقَلَّدَهُ شَيْخُنَا أَيْضًا أَنَّ الذُّهْلِيَّ أَخْرَجَهُ عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْهُ . قُلْتُ : وَلَا وُجُودَ لَهُ أَيْضًا ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ مَعْمَرٍ فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ ، وَسَاقَهُ النَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ : تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا وَوَصَلَهَا أَيْضًا هُوَ وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ فِي آخِرِهِ : قَالَ سَعِيدٌ : نَبَّلْنَا مَعْمَرًا رُوِّينَاهُ عَنْهُ وَهُوَ شَابٌّ ، وَهُوَ بِنُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ : صَيَّرْنَاهُ نَبِيلًا . قُلْتُ : وَسَعِيدٌ أَكْبَرُ مِنْ مَعْمَرٍ وَقَدْ شَارَكَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ شُيُوخِهِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ لَكِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْهُ مَقْرُونًا بِرِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وَفِي كَمْ يُقْطَعُ · ص 99 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا · ص 277 باب قول الله تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا . أي هذا باب في ذكر قول الله تعالى : والسارق والسارقة إلى آخره ، إنما ترجم الباب بهذه الآية الكريمة لبيان أن قطع يد السارق ثبت بالقرآن ، وبالأحاديث أيضا ، وأطلق اليد ، والمراد منها اليمين يدل عليه قراءة ابن مسعود : والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما رواه الثوري ، عن جابر بن يزيد ، عن عامر بن شراحيل الشعبي ، عن ابن مسعود ، والسرقة على وزن فعلة ، بفتح الفاء وكسر العين من سرق يسرق ، من باب ضرب يضرب ، وهي في اللغة أخذ الشيء خفية بغير إذن صاحبه مالا كان أو غيره ، وفي الشرع : هي أخذ مكلف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة محرزة بمكان أو حافظ ، وفي المقدار خلاف سنذكره . وفي كم يقطع أي في مقدار كم من المال يقطع ، وفيه خلاف كثير فقالت الظاهرية : يقطع في القليل والكثير ، ولا نصاب له ، وعند الحنفية عشرة دراهم ، وعند الشافعي : ربع دينار ، وعند مالك قدر ثلاثة دراهم ، وروى ابن أبي شيبة عن أبي هريرة ، وعن أبي سعيد أنهما قالا : لا تقطع اليد إلا في أربعة دراهم فصاعدا ، وقطع ابن الزبير في نعلين ، وقال ابن معمر : كانوا يتسارقون السياط ، فقال عثمان : لئن عدتم لأقطعن فيه ، وكان عروة بن الزبير والزهري وسليمان بن يسار يقولون : ثمن المجن خمسة دراهم ، وحكى أبو عمر في استذكاره عن عثمان البتي : يقطع في درهم ، وروى منصور عن الحسن أنه كان : لا يوقت في السرقة شيئا ، ويتلو وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ وفي رواية قتادة عنه أجمع على درهمين ، وذكر عن النخعي أربعون درهما ، وعن ابن الزبير أنه قطع في نصف درهم ، وعن زياد في درهمين ، وعن أبي سعيد في أربعة ، وقيل : تقطع في كل ما له قيمة قل أو كثر . وقطع علي رضي الله عنه من الكف . أي قطع علي بن أبي طالب يد السارق من الكف ، رواه أبو بكر عن وكيع عن سمرة ابن معبد أبي عبد الرحمن قال : رأيت أبا خيرة مقطوعا من المفصل ، فقلت : من قطعك ، فقال : الرجل الصالح علي ، أما إنه لم يظلمني ، وحكى ابن التين عن بعضهم قطع اليد من الإبط ، وهو بعيد عجيب ، وروى سعيد بن منصور عن حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار قال : كان عمر رضي الله تعالى عنه يقطع من المفصل ، وعلي يقطع من مشط القدم ، وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي خيرة أن عليا قطعه من المفصل ، وذكر الشافعي في كتاب اختلاف علي وابن مسعود أن عليا كان يقطع من يد السارق الخنصر والبنصر والوسطى خاصة ، ويقول أستحي من الله أن أتركه بلا عمل ، ووقع في بعض نسخ البخاري وقطع علي الكف بدون كلمة من . وقال قتادة في امرأة سرقت فقطعت شمالها ليس إلا ذلك . وصله أحمد في تاريخه عن محمد بن الحسن الواسطي عن عوف الأعرابي عنه هكذا ، وقال قتادة : قال مالك وابن الماجشون : لا يجزئ ذلك ، وإذا تعمد القاطع قطع شماله قال الأبهري : فيه نظر ، ويجوز أن يقال : عليه القود ، وعن مالك وأبي حنيفة : إذا غلط القاطع فقطع اليسرى أنه يجزئ عن قطع اليمين ، ولا إعادة عليه ، وعن الشافعي وأحمد على القاطع المخطئ الدية ، وفي وجوب إعادة القطع قولان عند الشافعي ، وروايتان عند أحمد رحمه الله . 18 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب عن عمرة عن عائشة ، قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم : تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا . مطابقته لقوله في الترجمة في كم يقطع ظاهرة ، والحديث يوضحها أيضا ؛ لأنها مبهمة وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن ابن شهاب ، عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصاري . والحديث أخرجه بقية الجماعة ، فمسلم في الحدود أيضا ، عن يحيى بن يحيى وآخرين وأبو داود فيه عن أحمد بن حنبل ، والترمذي فيه عن علي بن حجر ، والنسائي في القطع عن إسحاق بن إبراهيم وغيره وابن ماجه في الحدود ، عن أبي مروان محمد بن عثمان ، وقال المزي : روي هذا الحديث عن الزهري عن عروة وحده ، وروي عنه عن عمرة وحدها ، وروي عنه ، وعنها جميعا ، وروي عنه عن عمرة عن عائشة . قوله : اليد أي يد السارق قوله : فصاعدا نصب على الحال المؤكدة ، أي ذهب ربع دينار حال كونه صاعدا إلى ما فوقه ، ويؤيده ما وقع في رواية مسلم ، عن سليمان بن يسار ، عن عمرة فما فوقه ، وقال صاحب المحكم : يختص هذا بالفاء ، ويجوز ثم بدلها ، ولا يجوز الواو ، واحتجت الشافعية بهذا الحديث على أن ربع الدينار أصل في القطع ، ونص فيه لا فيما سواه قالوا : وحديث ثمن المجن أنه كان ثلاثة دراهم لا ينافي هذا ؛ لأنه إذ ذاك كان الدينار اثني عشر درهما فهي ثمن ربع دينار ، فأمكن الجمع بهذا الطريق ، ويروى هذا عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم ، وبه يقول عمر بن عبد العزيز ومالك والليث بن سعد والأوزاعي وإسحاق في رواية وأبو ثور وداود بن علي الظاهري ، وقال أحمد : إذا سرق من الذهب ربع دينار قطعت وإذا سرق من الدراهم ثلاثة دراهم قطعت ، وعنه أن نصابها ربع دينار أو ثلاثة دراهم ، أو قيمة ثلاثة دراهم من العروض والتقويم بالدراهم خاصة والأثمان أصول لا يقوم بعضها ببعض ، وعنه أن نصابها ثلاثة دراهم ، أو قيمة ذلك من الذهب والعروض ، وقال عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأيمن الحبشي وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر : لا تقطع حتى يكون عشرة دراهم مضروبة ، وقال الكاساني : وروي عن عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود مثل مذهبنا ، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي ، حدثنا ابن أبي داود وعبد الرحمن بن عمر والدمشقي قالا : نا أحمد بن خالد الوهبي ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال : كان قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم ، ورواه النسائي ، حدثنا عبيد الله بن سعد أنا عمي ، حدثنا أبي عن ابن إسحاق ، حدثني عمرو بن شعيب أن عطاء بن أبي رباح ، حدثه أن عبد الله بن عباس كان يقول : ثمنه عشرة دراهم ، وأخرج النسائي أيضا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عشرة دراهم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا · ص 279 تابعه عبد الرحمن بن خالد وابن أخي الزهري ومعمر عن الزهري . أي تابع إبراهيم بن سعد عبد الرحمن بن خالد الفهمي المصري واليها وتابعه أيضا ابن أخي الزهري ، وهو محمد بن عبد الله بن مسلم ، وتابعه أيضا معمر بن راشد ، وهؤلاء الثلاثة تابعوا إبراهيم بن سعد في روايتهم عن الزهري في الاقتصار على عمرة أما متابعة عبد الرحمن بن خالد وابن أخي الزهري ؛ فقال صاحب التلويح ، وتبعه صاحب التوضيح فرواها محمد بن يحيى الذهلي في كتابه علل أحاديث الزهري عن روح بن عبادة ومحمد بن بكر عنهما ، وقال بعضهم : قرأت بخط مغلطاي وقلده شيخنا ابن الملقن أن الذهلي أخرجه في علل أحاديث الزهري عن محمد بن بكر وروح بن عبادة جميعا عن عبد الرحمن ، وهذا الذي قاله لا وجود له ، بل ليست لروح ، ولا لمحمد بن بكر عن عبد الرحمن رواية أصلا . قلت :أراد بمغلطاي صاحب التلويح ، وبشيخه صاحب التوضيح ، وهذا منه كلام لا وجه له من وجوه الأول أنه ناف ، والمثبت مقدم ، والثاني أن عدم اطلاعه على ذلك لا يستلزم عدم اطلاع صاحب التلويح عليه أيضا ، والثالث فيه القدح لصاحب التلويح مع أنه تبعه شيخه باعترافه ، فلا يترك كلام شيخين عارفين بهذه الصنعة مع اطلاعهما على كتب كثيرة من هذا الفن ، ويصغى إلى كلام من يطعن في الأكابر ، والرابع أن نفي رواية روح ، ورواية محمد بن بكر عن عبد الرحمن بن خالد يحتاج إلى معرفة تاريخ زمانهم ، فلا يحكم بذلك بلا دليل ، وأما متابعة معمر فرواها مسلم في صحيحه عن إسحاق بن إبراهيم وابن حميد كلاهما عن عبد الرزاق عن معمر ، ولكن لم يسق لفظه .