42 - بَاب كَمْ التَّعْزِيرُ وَالْأَدَبُ ؟ 6848 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي بُرْدةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ . 6849 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ ، عَمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا عُقُوبَةَ فَوْقَ عَشْرِ ضَرَبَاتٍ ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ . 6850 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، إِذْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ ، فَحَدَّثَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تَجْلِدُوا فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( كَمِ التَّعْزِيرُ وَالْأَدَبُ ) التَّعْزِيرُ مَصْدَرُ عَزَّرَهُ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَزْرِ وَهُوَ الرَّدُّ وَالْمَنْعُ ، وَاسْتُعْمِلَ فِي الدَّفْعِ عَنِ الشَّخْصِ كَدَفْعِ أَعْدَائِهِ عَنْهُ وَمَنْعِهِمْ مِنْ إِضْرَارِهِ ، وَمِنْهُ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَكَدَفْعِهِ عَنْ إِتْيَانِ الْقَبِيحِ ، وَمِنْهُ عَزَّرَهُ الْقَاضِي أَيْ أَدَّبَهُ لِئَلَّا يَعُودَ إِلَى الْقَبِيحِ ، وَيَكُونُ بِالْقَوْلِ وَبِالْفِعْلِ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ . وَالْمُرَادُ بِالْأَدَبِ فِي التَّرْجَمَةِ التَّأْدِيبُ ، وَعَطَفَهُ عَلَى التَّعْزِيرِ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ يَكُونُ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ ، وَالتَّأْدِيبَ أَعَمُّ مِنْهُ ، وَمِنْهُ تَأْدِيبُ الْوَلَدِ وَتَأْدِيبُ الْمُعَلِّمِ ، وَأَوْرَدَ الْكَمِّيَّةَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ إِشَارَةً إِلَى الِاخْتِلَافِ فِيهَا كَمَا سَأَذْكُرُهُ ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ . الْأَوَّلُ : قَوْلُهُ : ( عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) يَعْنِي ابْنَ الْأَشَجِّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ ، أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ إِذْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ فَحَدَّثَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ فَقَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ جَابِرٍ : ثُمَّ خَطَّ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ جَابِرٍ فَصَارَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ صَوَابٌ ، وَأَصْوَبُ مِنْهُ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ بِلَفْظِ ابْنٍ بَدَلَ عَنْ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادٍ : ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِسَنَدِهِ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، قَالَ أَبُو حَفْصٍ يَعْنِي عَمْرَو بْنَ عَلِيٍّ الْمَذْكُورَ : هُوَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ . وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيَّ ، وَوَقَعَ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ مِنْ رِوَايَةِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ عَمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ سَمَّاهُ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَهُوَ أَوْثَقُ مِنْ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ فِيهِ : عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ . قُلْتُ : قَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ مِثْلَ رِوَايَةِ فُضَيْلٍ ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ . قُلْتُ : وَهَذَا لَا يُعَيِّنُ أَحَدَ التَّفْسِيرَيْنِ ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ جَابِرٍ ، وَأَبِي بُرْدَةَ أَنْصَارِيٌّ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : لَمْ يُدْخِلِ اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَبِي بُرْدَةَ أَحَدًا ، وَقَدْ وَافَقَهُ سَعِيدُ بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ يَزِيدَ ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَتِهِ كَذَلِكَ ، وَحَاصِلُ الِاخْتِلَافِ : هَلْ هُوَ عَنْ صَحَابِيٍّ مُبْهَمٍ أَوْ مُسَمًّى؟ الرَّاجِحُ الثَّانِي ، ثُمَّ الرَّاجِحُ أَنَّهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ ، وَهَلْ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَبِي بُرْدَةَ وَاسِطَةٌ وَهُوَ جَابِرٌ أَوْ لَا؟ الرَّاجِحُ الثَّانِي أَيْضًا ، وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ الِاخْتِلَافَ ثُمَّ قَالَ : الْقَوْلُ قَوْلُ اللَّيْثِ وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَخَالَفَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ التَّتَبُّعِ فَقَالَ : الْقَوْلُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، وَقَدْ تَابَعَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ . قُلْتُ : وَلَمْ يَقْدَحْ هَذَا الِاخْتِلَافُ عَنِ الشَّيْخَيْنِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ كَيْفَمَا دَارَ يَدُورُ عَلَى ثِقَةٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَعَ لَهُ فِيهِ مَا وَقَعَ لِبُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ فِي تَحْدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ ، لِسُلَيْمَانَ بِحَضْرَةِ بُكَيْرٍ ثُمَّ تَحْدِيثِ سُلَيْمَانَ ، بُكَيْرًا بِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَوْ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ سَمِعَ أَبَا بُرْدَةَ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ أَبَاهُ وَثَبَّتَهُ فِيهِ أَبُوهُ فَحَدَّثَ بِهِ تَارَةً بِوَاسِطَةِ أَبِيهِ وَتَارَةً بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَادَّعَى الْأَصِيلِيُّ أَنَّ الْحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ لِاضْطِرَابِهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ثِقَةٌ فَقَدْ صُرِّحَ بِسَمَاعِهِ ، وَإِبْهَامُ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ ، وَقَدِ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَصْحِيحِهِ وَهُمَا الْعُمْدَةُ فِي التَّصْحِيحِ ، وَقَدْ وَجَدْتُ لَهُ شَاهِدًا بِسَنَدٍ قَوِيٍّ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ أَخْرَجَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ رَفَعَهُ : لَا يَحِلُّ أَنْ يُجْلَدَ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ وَلَهُ شَاهِدٌ آخَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ سَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( لَا يُجْلَدُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِصِيغَةِ النَّفْيِ ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالْجَزْمِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا بِصِيغَةِ النَّهْيِ لَا تَجْلِدُوا . قَوْلُهُ : ( فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، وَحَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا : لَا عُقُوبَةَ فَوْقَ عَشْرِ ضَرَبَاتٍ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الشَّارِعِ عَدَدٌ مِنَ الْجَلْدِ أَوِ الضَّرْبِ مَخْصُوصٌ أَوْ عُقُوبَةٌ مَخْصُوصَةٌ ، وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَشُرْبُ الْمُسْكِرِ وَالْحِرَابَةُ وَالْقَذْفُ بِالزِّنَا وَالْقَتْلُ وَالْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ وَالْقَتْلُ فِي الِارْتِدَادِ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ الْأَخِيرَيْنِ حَدًّا ، وَاخْتُلِفَ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ يَسْتَحِقُّ مُرْتَكِبُهَا الْعُقُوبَةَ هَلْ تُسَمَّى عُقُوبَتُهُ حَدًّا أَوْ لَا ، وَهِيَ جَحْدُ الْعَارِيَةِ وَاللِّوَاطُ وَإِتْيَانُ الْبَهِيمَةِ وَتَحْمِيلُ الْمَرْأَةِ الْفَحْلَ مِنَ الْبَهَائِمِ عَلَيْهَا وَالسِّحَاقُ وَأَكْلُ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، وَكَذَا السِّحْرُ وَالْقَذْفُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَتَرْكُ الصَّلَاةِ تَكَاسُلًا وَالْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ وَالتَّعْرِيضُ بِالزِّنَا . وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ حَقُّ اللَّهِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الْعَصْرِيِّينَ قَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى بِأَنَّ تَخْصِيصَ الْحَدِّ بِالْمُقَدَّرَاتِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، وَأَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ أَوَّلَ الْأَمْرِ كَانَ يُطْلِقُ الْحَدَّ عَلَى كُلِّ مَعْصِيَةٍ كَبُرَتْ أَوْ صَغُرَتْ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهُ خُرُوجٌ عَنِ الظَّاهِرِ وَيَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ، قَالَ : وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّا إِذَا أَجَزْنَا فِي كُلِّ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ أَنْ يُزَادَ عَلَى الْعَشْرِ لَمْ يَبْقَ لَنَا شَيْءٌ يَخْتَصُّ الْمَنْعُ بِهِ ؛ لِأَنَّ مَا عَدَا الْحُرُمَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا الزِّيَادَةُ هُوَ مَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، وَأَصْلُ التَّعْزِيرِ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ فِيمَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ فَلَا يَبْقَى لِخُصُوصِ الزِّيَادَةِ مَعْنًى . قُلْتُ : وَالْعَصْرِيُّ الْمُشَارُ إِلَيْهِ أَظُنُّهُ ابْنَ تَيْمِيَّةَ ، وَقَدْ تَقَلَّدَ صَاحِبُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ الْمَقَالَةَ الْمَذْكُورَةَ فَقَالَ : الصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُدُودِ هُنَا الْحُقُوقُ الَّتِي هِيَ أَوَامِرُ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ ، وَهِيَ الْمُرَادُ بِقولِهِ : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَفِي أُخْرَى : فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَقَالَ : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا وَقَالَ : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا قَالَ : فَلَا يُزَادُ عَلَى الْعَشْرِ فِي التَّأْدِيبَاتِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِمَعْصِيَةٍ كَتَأْدِيبِ الْأَبِ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَرَاتِبِ الْمَعَاصِي ، فَمَا وَرَدَ فِيهِ تَقْدِيرٌ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُسْتَثْنَى فِي الْأَصْلِ ، وَمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَقْدِيرٌ فَإِنْ كَانَ كَبِيرَةً جَازَتِ الزِّيَادَةُ فِيهِ وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَدِّ كَمَا فِي الْآيَاتِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا وَالْتَحَقَ بِالْمُسْتَثْنَى ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرَةً فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِمَنْعِ الزِّيَادَةِ ، فَهَذَا يَدْفَعُ إِيرَادَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ عَلَى الْعَصْرِيِّ الْمَذْكُورِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ مُرَادَهُ . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالتَّعْزِيرِ بِلَفْظِ : لَا تُعَزِّرُوا فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَدْلُولِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ اللَّيْثُ ، وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ : تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَشْرِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَبْلُغُ أَدْنَى الْحُدُودِ ، وَهَلِ الِاعْتِبَارُ بِحَدِّ الْحُرِّ أَوِ الْعَبْدِ؟ قَوْلَانِ ، وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ يُسْتَنْبَطُ كُلُّ تَعْزِيرٍ مِنْ جِنْسِ حَدِّهِ وَلَا يُجَاوِزُهُ ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ : لَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدُّ وَلَمْ يُفَصِّلْ ، وَقَالَ الْبَاقُونَ : هُوَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بَالِغًا مَا بَلَغَ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي ثَوْرٍ . وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى : لَا تَجْلِدْ فِي التَّعْزِيرِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ ، وَعَنْ عُثْمَانَ ثَلَاثِينَ ، وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ بَلَغَ بِالسَّوْطِ مِائَةً ، وَكَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَعَطَاءٍ : لَا يُعَزَّرُ إِلَّا مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ، وَمَنْ وَقَعَ مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً مَعْصِيَةٌ لَا حَدَّ فِيهَا فَلَا يُعَزَّرُ ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَبْلُغُ أَرْبَعِينَ ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي يُوسُفَ لَا يُزَادُ عَلَى خَمْسٍ وَتِسْعِينَ جَلْدَةً ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَبِي يُوسُفَ : لَا يَبْلُغُ ثَمَانِينَ ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ ، وَمِنْهَا قَصْرُهُ عَلَى الْجَلْدِ . وَأَمَّا الضَّرْبُ بِالْعَصَا مَثَلًا وَبِالْيَدِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ لَكِنْ لَا يُجَاوِزُ أَدْنَى الْحُدُودِ ، وَهَذَا رَأْيُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الرِّوَايَةِ الْوَارِدَةِ بِلَفْظِ الضَّرْبِ ، وَمِنْهَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ دَلَّ عَلَى نَسْخِهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ قَالَ بِهِ بَعْضُ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَحَدِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَمِنْهَا مُعَارَضَةُ الْحَدِيثِ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ يُخَالِفُ الْحُدُودَ . وَحَدِيثُ الْبَابِ يَقْتَضِي تَحْدِيدَهُ بِالْعَشْرِ فَمَا دُونَهَا فَيَصِيرُ مِثْلَ الْحَدِّ ، وَبِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ مَوْكُولٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى التَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ لَا مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ ؛ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ شُرِعَ لِلرَّدْعِ ؛ فَفِي النَّاسِ مَنْ يَرْدَعُهُ الْكَلَامُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرْدَعُهُ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ ، فَلِذَلِكَ كَانَ تَعْزِيرُ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَدَّ لَا يُزَادُ فِيهِ ، وَلَا يُنْقَصُ فَاخْتَلَفَا ، وَبِأَنَّ التَّخْفِيفَ وَالتَّشْدِيدَ مُسَلَّمٌ لَكِنْ مَعَ مُرَاعَاةِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ وَبِأَنَّ الرَّدْعَ لَا يُرَاعَى فِي الْأَفْرَادِ بِدَلِيلِ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَرْدَعُهُ الْحَدُّ ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُجْمَعُ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ ، فَلَوْ نُظِرَ إِلَى كُلِّ فَرْدٍ لَقِيلَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْحَدِّ أَوِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ . وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الْجُمْهُورَ قَالُوا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ ، وَعَكَسَهُ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْقَوْلُ بِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَاعْتَذَرَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا هَذَا الْحَدِيثُ فَكَانَ يَرَى الْعُقُوبَةَ بِقَدْرِ الذَّنْبِ ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ بَلَغَهُ مَا عَدَلَ عَنْهُ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب كَمْ التَّعْزِيرُ وَالْأَدَبُ · ص 182 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كم التعزير والأدب · ص 22 باب كم التعزير والأدب . أي هذا باب فيه كم التعزير ، وأشار بلفظ كم إلى الخلاف في عدد التعزير على ما يجيء عن قريب ، والتعزير مصدر ، من عزر بالتشديد مأخوذ من العزر ، وهو الرد ، والمنع ، واستعمل في الدفع عن الشخص لدفع أعدائه عنه ، ومنعهم عن إضراره ، ومنه : عزره القاضي إذا أدبه لئلا يعود إلى القبيح ، ويكون بالقول والفعل بحسب ما يليق بالمعزر ، قوله : والأدب بمعنى التأديب ، وهو أعم من التعزير ، ومنه تأديب الوالد ، وتأديب المعلم ، وقال الأزهري ، وأبو زيد : الأدب اسم يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل . واختلف العلماء في مبلغ التعزير على أقوال أحدها : لا يزاد على عشر جلدات إلا في حد ، وهو قول أحمد ، وإسحاق ، والثاني : روي عن الليث أنه قال : يحتمل أن لا يتجاوز بالتعزير عشرة أسواط ، ويحتمل ما سوى ذلك ، والثالث : أن لا يبلغ فوق عشرين سوطا ، والرابع : أن لا يبلغ أكثر من ثلاثين جلدة ، وهما مرويان عن عمر رضي الله تعالى عنه ، والخامس : قال الشافعي في قوله الآخر : لا يبلغ عشرين سوطا ، والسادس : قال أبو حنيفة ، ومحمد : لا يبلغ به أربعين سوطا بل ينقص منه سوطا ، وبه قال الشافعي في قول ، والسابع : قال ابن أبي ليلى ، وأبو يوسف : أكثره خمسة وسبعون سوطا ، والثامن : قال مالك : التعزير ربما كان أكثر من الحد إذا أدى الإمام اجتهاده إلى ذلك ، وروي مثله عن أبي يوسف ، وأبي ثور ، والتاسع : قال الليث : لا يتجاوز تسعة وأقل ، وبه قال أهل الظاهر نقله ابن حزم ، والعاشر : قال الطحاوي : ولا يجوز اعتبار التعزير بالحدود لأنهم لم يختلفوا في أن التعزير موكول إلى اجتهاد الإمام فيخفف تارة ، ويشدد أخرى . 39 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليث ، حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن بكير بن عبد الله ، عن سليمان بن يسار ، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله ، عن أبي بردة رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله . مطابقته للترجمة من حيث إنه بين قوله في الترجمة كم لتعزير ، وفيه بحث يأتي عن قريب . ويزيد من الزيادة ابن أبي حبيب بفتح الحاء المهملة أبو رجاء المصري ، واسم أبي حبيب سويد ، وبكير بضم الباء الموحدة ابن عبد الله بن الأشج ، وسليمان بن أبي يسار ضد اليمين ، وعبد الرحمن بن جابر بن عبد الله الأنصاري ، وفي رواية الأصيلي ، عن أبي أحمد الجرجاني عبد الرحمن عن جابر ، ثم خط على قوله : عن جابر ، فصار عن عبد الرحمن ، عن أبي بردة بضم الباء الموحدة ، اسمه هانئ بكسر النون ابن نيار بكسر النون ، وتخفيف الياء آخر الحروف الأوسي الحارثي الأنصاري المدني خال البراء بن عازب شهد بدرا ، وسمع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وروى عنه جابر بن عبد الله عند الشيخين ، وعبد الرحمن بن جابر عند البخاري ههنا . وأخرجه مسلم في الحدود ، عن أحمد بن عيسى ، وأخرجه أبو داود فيه عن قتيبة ، عن الليث به ، وعن أحمد بن صالح ، عن ابن وهب به ، وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة ، وعن محمد بن أبي عبد الرحمن المنقري ، عن أبيه ، عن سعيد بن أبي أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن بكير ، عن سليمان ، عن عبد الرحمن بن فلان ، عن أبي بردة به ، وعن محمد بن وهب الحراني ، عن محمد بن سلمة ، عن أبي عبد الرحيم ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن بكير ، عن سليمان ، عن عبد الرحمن بن جابر ، عن أبيه ، عن أبي بردة ، وفي المحاربة عن محمد بن عبد الله بن بزيغ ، عن فضيل بن سليمان نحوه ، وابن ماجه في الحدود ، عن محمد بن رمح التجيبي ، عن الليث به ، وفي حديث أبي لهيعة حدثني بكير ، عن سليمان ، عن عبد الرحمن بن جابر ، حدثني أبو بردة به ، وقال الدارقطني : قال مسلم : عن عبد الرحمن بن جابر ، عن رجل من الأنصار ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال حفص بن ميسرة : عن عبد الرحمن بن جابر ، عن أبيه ، قال : والقول قول الليث ومن تابعه ، وفي موضع آخر : حديث عمرو بن الحارث ، عن بكير ، عن سليمان ، عن عبد الرحمن بن جابر ، عن أبيه ، عن أبي بردة صحيح ، وقال البيهقي : هذا حديث ثابت ، وأحسن ما يصار إليه في هذا ما ثبت عن بكير ، فذكره ، قال : وقد أقام إسناده عمرو بن الحارث ، فلا يضره تقصير من قصره ، فإن قلت : قال ابن المنذر : في إسناده مقال ، ونقل ابن بطال ، عن الأصيلي أنه اضطرب حديث عبد الله بن جابر . فوجب تركه لاضطرابه ولوجود عمل الصحابة والتابعين بخلافه قلت : رد عليه بأن عبد الرحمن ثقة صرح بسماعه وإبهام الصحابي لا يضر وقد اتفق الشيخان على تصحيحه وهم العمدة في الصحيح ، ولا يضر هذا الاختلاف عندهما في صحة الحديث لأنه كيف ما دار يدور على ثقة ، وحاصل الاختلاف هل هو صحابي مبهم أو مسمى ؟ فالراجح الثاني ، وإبهام الصحابي أيضا لا يضر ، فالراجح أنه أبو بردة بن نيار ، وهل بين عبد الرحمن ، وأبي بردة واسطة وهو أبوه جابر أو لا ؟ فالراجح هو الثاني أيضا . قوله : إلا في حد من حدود الله ظاهره أن المراد بالحد ما ورد فيه من الشارع عدد من الجلد أو الضرب المخصوص أو عقوبة وقيل : المراد بالحد حق الله ، وقيل : المراد بالحد ههنا الحقوق التي هي أوامر الله تعالى ونواهيه ، وهي المراد بقوله : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وفي آية أخرى : فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وقال : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا وقال : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا ومعنى الحديث : لا يزاد على العشر في التأديبات التي لا تتعلق بمعصية كتأديب الأب ولده الصغير ، وقيل : يحتمل أن يفرق بين مراتب المعاصي فما ورد فيه تقدير لا يزاد عليه وما لم يرد فيه التقدير فإن كان كبيرة جازت الزيادة فيه ، وكان مالك يرى العقوبة بقدر الذنب ، ويرى ذلك موكولا إلى اجتهاد الأئمة ، وإن جاوز ذلك الحد ، وقال الداودي : لم يبلغ مالكا هذا الحديث يعني حديث الباب ، وقال ابن القصار : لما كان طريق التعزير إلى اجتهاد الإمام على حسب ما يغلب على ظنه أنه يردع به وكان في الناس من يردعه الكلام ، وفيهم من لا يردعه مائة سوط ، وهي عنده كضرب المزوجة فلم يكن للتحديد فيه معنى ، وكان مفوضا إلى ما يؤديه اجتهاده بأن يردع مثله ، وقال المهلب : ألا يرى أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد المواصلين في النكال ، فكذلك يجوز للإمام أن يزيد فيه على حسب اجتهاده ، فيجب أن يضرب كل واحد على قدر عصيانه للسنة ، ومعاندته أكثر مما يضرب الجاهل ، ولو كان في شيء من ذلك حد لم يجز خلافه ، وقال ابن حزم : الحد في سبعة أشياء : الردة ، والحرابة قبل أن يقدر عليه ، والزنا ، والقذف بالزنا ، وشرب المسكر أسكر أم لم يسكر ، والسرقة ، وجحد العارية ، وأما سائر المعاصي فإنما فيها التعزير فقط ، وهو الأدب ، ومن الأشياء التي رأى فيها قوم من المتقدمين حدا واجبا السكر ، والقذف بالخمر ، والتعريض ، وشرب الدم ، وأكل الخنزير ، والميتة ، وفعل قوم لوط ، وإتيان البهيمة ، وسحق النساء ، وترك الصلاة غير جاحد لها ، والفطر في رمضان ، والسحر .