6865 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيٍّ حَدَّثَهُ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ - حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ - حَدَّثَهُ - وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَقِيتُ كَافِرًا ، فَاقْتَتَلْنَا ، فَضَرَبَ يَدِي بِالسَّيْفِ ، فَقَطَعَهَا ، ثُمَّ لَاذَ بِشَجَرَةٍ وَقَالَ : أَسْلَمْتُ لِلَّهِ ، آقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقْتُلْهُ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ طَرَحَ إِحْدَى يَدَيَّ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا . آقْتُلُهُ ؟ قَالَ : لَا ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ ، وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ هُوَ اللَّيْثِيُّ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ هُوَ ابْنُ عَدِيٍّ ، أَيِ ابْنُ الْخِيَارِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ النَّوْفَلِيُّ ، لَهُ إِدْرَاكٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الْمَعْرُوفُ : ابْنِ الْأَسْوَدِ . قَوْلُهُ ( إِنْ لَقِيتُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ : إِنِّي لَقِيتُ كَافِرًا فَاقْتَتَلْنَا فَضَرَبَ يَدِي فَقَطَعَهَا ، وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ ، وَالَّذِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِخِلَافِهِ ، وَإِنَّمَا سَأَلَ الْمِقْدَادَ عَنِ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ بِلَفْظِ : أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ الْحَدِيثَ وَهُوَ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ لَاذَ بِشَجَرَةٍ ) أَيِ الْتَجَأَ إِلَيْهَا ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ ، وَالشَّجَرَةُ مِثَالٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَسْلَمْتُ لِلَّهِ ) أَيْ دَخَلْتُ فِي الْإِسْلَامِ . قَوْلُهُ : ( فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْقَتْلُ لَيْسَ سَبَبًا لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْآخَرِ ، لَكِنْ عِنْدَ النُّحَاةِ مُؤَوَّلٌ بِالْإِخْبَارِ ، أَيْ هُوَ سَبَبٌ لِإِخْبَارِي لَكَ بِذَلِكَ ، وَعِنْدَ الْبَيَانِيِّينَ الْمُرَادُ لَازِمُهُ كَقَوْلِهِ : يُبَاحُ دَمُكَ إِنْ عَصَيْتَ . قَوْلُهُ : ( وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْكَافِرَ مُبَاحُ الدَّمِ بِحُكْمِ الدِّينِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ، فَإِذَا أَسْلَمَ صَارَ مُصَانَ الدَّمِ كَالْمُسْلِمِ ، فَإِنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُ بَعْدَ ذَلِكَ صَارَ دَمُهُ مُبَاحًا بِحَقِّ الْقِصَاصِ كَالْكَافِرِ بِحَقِّ الدِّينِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إِلْحَاقَهُ فِي الْكُفْرِ كَمَا تَقَوَّلَهُ الْخَوَارِجُ مِنْ تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِ بِالْكَبِيرَةِ ، وَحَاصِلُهُ اتِّحَادُ الْمَنْزِلَتَيْنِ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَأْخَذِ ، فَالْأَوَّلُ أَنَّهُ مِثْلُكَ فِي صَوْنِ الدَّمِ ، وَالثَّانِي أَنَّكَ مِثْلُهُ فِي الْهَدَرِ . وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ : مَعْنَاهُ أنَّكَ صِرْتَ قَاتِلًا كَمَا كَانَ هُوَ قَاتِلًا ، قَالَ : وَهَذَا مِنَ الْمَعَارِيضِ ، لِأَنَّهُ أَرَادَ الْإِغْلَاظَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ دُونَ بَاطِنِهِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَاتِلٌ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ صَارَ كَافِرًا بِقَتْلِهِ إِيَّاهُ . وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْمُهَلَّبِ مَعْنَاهُ فَقَالَ : أَيْ أَنَّكَ بِقَصْدِكَ لِقَتْلِهِ عَمْدًا آثِمٌ كَمَا كَانَ هُوَ بِقَصْدِهِ لِقَتْلِكَ آثِمًا ، فَأَنْتُمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْعِصْيَانِ . وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنْتَ عِنْدَهُ حَلَالُ الدَّمِ قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ وَكُنْتَ مِثْلَهُ فِي الْكُفْرِ كَمَا كَانَ عِنْدَكَ حَلَالَ الدَّمِ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ : إنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ كَمَا أَنَّكَ مَغْفُورٌ لَكَ بِشُهُودِ بَدْرٍ . وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ ابْنِ الْقَصَّارِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ أَيْ فِي إِبَاحَةِ الدَّمِ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ رَدْعَهُ وَزَجْرَهُ عَنْ قَتْلِهِ لَا أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا قَالَ : أَسْلَمْتُ حَرُمَ قَتْلُهُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْكَافِرَ مُبَاحُ الدَّمِ وَالْمُسْلِمَ الَّذِي قَتَلَهُ إِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَرَفَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَإِنَّمَا قَتَلَهُ مُتَأَوِّلًا فَلَا يَكُونُ بِمَنْزِلَتِهِ فِي إِبَاحَتِهِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي مُخَالَفَةِ الْحَقِّ وَارْتِكَابِ الْإِثْمِ وَإِنِ اخْتَلَفَ النَّوْعُ فِي كَوْنِ أَحَدِهِمَا كُفْرًا وَالْآخَرِ مَعْصِيَةً . وَقِيلَ : الْمُرَادُ إِنْ قَتَلْتَهُ مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِهِ فَأَنْتَ مِثْلُهُ فِي الْكُفْرِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْمِثْلِيَّةِ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ وَأَنْتَ مَغْفُورٌ لَكَ بِشُهُودِ بَدْرٍ . وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ أَيْضًا عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ أَوَّلَهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ : يُفَسِّرُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي فِي آخِرِ الْبَابِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّائِذُ بِالشَّجَرَةِ الْقَاطِعُ لِلْيَدِ مُؤْمِنًا يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ غَلَبُوهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَأَنْتَ شَاكٌّ فِي قَتْلِكَ إِيَّاهُ أَنَّى يُنْزِلُهُ اللَّهُ مِنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأ كَمَا كَانَ هُوَ مَشْكُوكًا فِي إِيمَانِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ، ثُمَّ قَالَ : فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَطَعَ يَدَ الْمُؤْمِنِ وَهُوَ مِمَّنْ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ فَجَازَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا جَازَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ وَلَوْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ فَإِنَّ دَمَهُ يَكُونُ هَدَرًا ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُقِدِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ يَدِ الْمِقْدَادِ لِأَنَّهُ قَطَعَهَا مُتَأَوِّلًا . قُلْتُ : وَعَلَيْهِ مُؤَاخَذَاتٌ : مِنْهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ بِهَذَا التَّكَلُّفِ مَعَ ظُهُورِ اخْتِلَافِهِمَا ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قِصَّةُ أُسَامَةَ الْآتِيَةُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ حَيْثُ حَمَلَ عَلَى رَجُلٍ أَرَادَ قَتْلَهُ فَقَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ فَقَتَلَهُ ظَنًّا أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ مُتَعَوِّذًا مِنَ الْقَتْلِ ، وَكَانَ الرَّجُلُ فِي الْأَصْلِ مُسْلِمًا ، فَالَّذِي وَقَعَ لِلْمِقْدَادِ نَحْوُ ذَلِكَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ وَأَمَّا قِصَّةُ قَطْعِ الْيَدِ فَإِنَّمَا قَالَهَا مُسْتَفْتِيًا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَوْ وَقَعَتْ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ، وَإِنَّمَا تَضَمَّنَ الْجَوَابُ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِهِ لِكَوْنِهِ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ فَحُقِنَ دَمُهُ وَصَارَ مَا وَقَعَ مِنْهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ عَفْوًا . وَمِنْهَا أَنَّ فِي جَوَابِهِ عَنْ الِاسْتِشْكَالِ نَظَرًا لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَدْفَعَ بِالْقَوْلِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ عِنْدَ إِرَادَةِ الْمُسْلِمِ قَتْلَهُ إِنِّي مُسْلِمٌ فَيَكُفُّ عَنْهُ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَادِرَ لِقَطْعِ يَدِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ وَنَحْوِهِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ إِسْلَامِ مَنْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِلَّهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ كَافٍ فِي الْكَفِّ ، عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَهُوَ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ السُّؤَالِ عَنِ النَّوَازِلِ قَبْلَ وُقُوعِهَا بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَرْجِيحُهُ ، وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَنْدُرُ وُقُوعُهُ ، وَأَمَّا مَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عَادَةً فَيُشْرَعُ السُّؤَالُ عَنْهُ لِيُعْلَمَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ · ص 197 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ · ص 198 6866 وقال حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمِقْدَادِ : إِذَا كَانَ رَجُلٌ ممن يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ فَقَتَلْتَهُ ، فَكَذَلِكَ كُنْتَ أَنْتَ تُخْفِي إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ مِنْ قَبْلُ . الحديث الخامس ، قَوْلُهُ : ( وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ ) هُوَ الْقَصَّابُ الْكُوفِيُّ لَا يُعْرَفُ اسْمُ أَبِيهِ ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْبَزَّارُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَطَاءِ بْنِ مُقَدَّمٍ وَالِدِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيِّ ، عَنْ حَبِيبٍ وَفِي أَوَّلِهِ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَرِيَّةً فِيهَا الْمِقْدَادُ ، فَلَمَّا أَتَوْهُمْ وَجَدُوهُمْ تَفَرَّقُوا وَفِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ لَمْ يَبْرَحْ فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ الْمِقْدَادُ فَقَتَلَهُ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا مِقْدَادُ قَتَلْتَ رَجُلًا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَكَيْفَ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا الْآيَةَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمِقْدَادِ : كَانَ رَجُلًا مُؤْمِنًا يُخْفِي إِيمَانَهُ إِلَخْ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ حَبِيبٌ وَتَفَرَّدَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ عَنْهُ . قُلْتُ : قَدْ تَابَعَ أَبَا بَكْرٍ ، سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لَكِنَّهُ أَرْسَلَهُ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ وَكِيعٍ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ كَذَلِكَ ، وَلَفْظُ وَكِيعٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : خَرَجَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ فِي سَرِيَّةٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا إِلَى قَوْلِهِ : فَنَزَلَتْ وَلَمْ يَذْكُرِ الْخَبَرَ الْمُعَلَّقَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَبَيَّنْتُ الِاخْتِلَافَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَطَرِيقَ الْجَمْعِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 32 5 - حدثنا عبدان ، حدثنا عبد الله ، حدثنا يونس ، عن الزهري ، حدثنا عطاء بن يزيد أن عبيد الله بن عدي حدثه أن المقداد بن عمرو الكندي حليف بني زهرة حدثه ، وكان شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يا رسول الله ، إن لقيت كافرا فاقتتلنا فضرب يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ بشجرة ، وقال : أسلمت لله ، أقتله بعد أن قالها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتله ، قال : يا رسول الله ، فإنه طرح إحدى يدي ثم قال ذلك بعد ما قطعها أقتله ؟ قال : لا تقتله ، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال . مطابقته للآية المذكورة من حيث إن فيه نهيا عظيما عن قتل النفس التي أسلمت لله . وعبدان هو لقب عبد الله بن عثمان يروي عن عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن عطاء بن يزيد من الزيادة الليثي ، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الياء آخر الحروف النوفلي ، له إدراك عن المقداد بن عمرو ، وهو المعروف بالمقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه . والحديث مضى في المغازي في غزوة بدر ، عن أبي عاصم ، عن ابن جريج ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن قتيبة ، وغيره ، وأخرجه أبو داود ، والنسائي فيه جميعا عن قتيبة فأبو داود في الجهاد ، والنسائي في السير . قوله : إن لقيت كذا في رواية الأكثرين بكلمة إن الشرطية ، وفي رواية أبي ذر إني لقيت بصيغة الإخبار عن الماضي ، وظاهر هذا يقتضي أن سؤال المقداد عن الذي وقع له في نفس الأمر لأنه سأل عن الحكم في ذلك إذا وقع ، والذي وقع في غزوة بدر بلفظ : أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار الحديث ، وهذا يؤيد رواية الأكثرين ، قوله : فضرب بالسيف قال الكرماني : كيف قطع يده وهو ممن يكتم إيمانه ، فأجاب بقوله : دفعا للصائل أو السؤال كان على سبيل الفرض والتمثيل لا سيما وفي بعض الروايات : إن لقيت بحرف الشرط ، قوله : ثم لاذ بشجرة أي التجأ إليها ، وفي رواية الكشميهني : ثم لاذ مني أي منع نفسه مني ، وقال : أسلمت لله أي دخلت في الإسلام ، قوله : أقتله أي أأقتله وهمزة الاستفهام فيه مقدرة ، قوله : بعد أن قالها أي بعد أن قال كلمة الإسلام ، قوله : فإن قتلته أي بعد أن قال أسلمت لله إلخ قاله الكرماني ، قوله : بمنزلتك أي الكافر مباح الدم قبل الكلمة فإذا قالها صار محظور الدم كالمسلم ، فإن قتله المسلم بعد ذلك صار دمه مباحا بحق القصاص كالكافر بحق الدين ، فالتشبيه في إباحة الدم لا في كونه كافرا ، وقيل : معناه أنت بقصد قتله آثما كان هو أيضا بقصد قتلك آثما ، فالتشبيه بالإثم انتهى ، قلت : قوله الأول كلام الخطابي نقله عنه ، وحاصله اتحاد المنزلتين مع اختلاف المأخذ ، فالأول أنه مثلك في صون الدم ، والثاني أنك مثله في الهدر ، وقوله الثاني كلام المهلب ، وقال الداودي : معناه أنك صرت قاتلا كما كان هو قاتلا ، قال : وهذا من المعاريض لأنه أراد الإغلاظ بظاهر اللفظ دون باطنه ، وإنما أراد أن كلا منهما قاتل ، ولم يرد أنه صار كافرا بقتله إياه ، وقيل : إن قتلته مستحلا لقتله في الكفر فأنت مستحل مثله ، والحاصل من هذا كله النهي عن قتل من يشهد بالإسلام ، واحتج بعضهم بقوله : أسلمت لله على صحة إسلام من قال ذلك ، ولم يزد عليه ، ورد ذلك بأنه كان ذلك في الكف على أنه ورد في بعض طرقه أنه قال : لا إله إلا الله ، وهي رواية معمر عن الزهري عند مسلم في هذا الحديث .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 33 وقال حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد ، عن ابن عباس ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم للمقداد : إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار ، فأظهر إيمانه فقتلته فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل . مطابقته لحديث المقداد من حيث إن المعنى قريب ، وحبيب ضد العدو ابن أبي عمرة بفتح العين المهملة وسكون الميم وبالراء القصاب الكوفي ، وسعيد هو ابن جبير . وهذا التعليق وصله البزار ، والدارقطني في الأفراد ، والطبراني في الكبير من رواية أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم والد محمد بن أبي بكر المقدمي ، عن حبيب بن أبي ثابت ، وفي أوله : بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سرية فيها المقداد ، فلما أتوهم وجدوهم تفرقوا ، وفيهم رجل له مال كثير لم يبرح ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فأهوى إليه المقداد فقتله ، الحديث ، وفيه : فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا مقداد ، قتلت رجلا قال : لا إله إلا الله ؟ فكيف لك بلا إله إلا الله ، فأنزل الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا الآية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمقداد : كان رجل مؤمن يخفي إيمانه إلخ .