9 - بَاب مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ 6882 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ ؛ مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ ، وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ) أَيْ بَيَانِ حُكْمِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ ، وَثَبَتَ ذِكْرُ أَبِيهِ فِي هَذَا السَّنَدِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي نُسْخَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَكَذَا فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيِ ابْنِ مُطْعِمٍ . قَوْلُهُ : ( أَبْغَضُ ) هُوَ أَفْعَلُ مِنَ الْبُغْضِ ، قَالَ وَهُوَ شَاذٌّ وَمِثْلُهُ أَعْدَمُ مِنَ الْعَدَمِ إِذَا افْتَقَرَ ، قَالَ : وَإِنَّمَا يُقَالُ أَفْعَلُ مِنْ كَذَا لِلْمُفَاضَلَةِ فِي الْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ ، قَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ : الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُمْ أَبْغَضُ أَهْلِ الْمَعَاصِي إِلَى اللَّهِ ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ : أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ ، وَإِلَّا فَالشِّرْكُ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي . قَوْلُهُ : ( مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ ) أَصْلُ الْمُلْحِدِ هُوَ الْمَائِلُ عَنِ الْحَقِّ ، وَالْإِلْحَادُ الْعُدُولُ عَنِ الْقَصْدِ ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ مُرْتَكِبَ الصَّغِيرَةِ مَائِلٌ عَنِ الْحَقِّ ، وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ فِي الْعُرْفِ مُسْتَعْمَلَةٌ لِلْخَارِجِ عَنِ الدِّينِ فَإِذَا وُصِفَ بِهِ مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً كَانَ فِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى عِظَمِهَا ، وَقِيلَ إِيرَادُهُ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُشْعِرٌ بِثُبُوتِ الصِّفَةِ ، ثُمَّ التَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى عِظَمِ الذَّنْبِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي عَدِّ الْكَبَائِرِ مُسْتَحِلَّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ . وَأَخْرَجَ الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : مَا مِنْ رَجُلٍ يَهُمُّ بِسَيِّئَةٍ فَتُكْتَبُ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنَّ رَجُلًا لَوْ هَمَّ بِعَدَنِ أَبْيَنَ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ إِلَّا أَذَاقَهُ اللَّهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ شُعْبَةُ أَنَّ السُّدِّيَّ رَفَعَهُ لَهُمْ ، وَكَانَ شُعْبَةُ يَرْوِيهِ عَنْهُ مَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ مَوْقُوفًا ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّ فِعْلَ الصَّغِيرَةِ فِي الْحَرَمِ أَشَدُّ مِنْ فِعْلِ الْكَبِيرَةِ فِي غَيْرِهِ ، وَهُوَ مُشْكِلٌ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِلْحَادِ فِعْلُ الْكَبِيرَةِ ، وَقَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ ؛ فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ الْآيَةَ يُفِيدُ ثُبُوتَ الْإِلْحَادِ وَدَوَامَهُ ، وَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أَيْ مَنْ يَكُونُ إِلْحَادُهُ عَظِيمًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ) أَيْ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عِنْدَ شَخْصٍ فَيَطْلُبُهُ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ مُشَارَكَةٌ كَوَالِدِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ قَرِيبِهِ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مَنْ يُرِيدُ بَقَاءَ سِيرَةِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ إِشَاعَتَهَا أَوْ تَنْفِيذَهَا . وَسُنَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَمِدُونَهُ مِنْ أَخْذِ الْجَارِ بِجَارِهِ وَالْحَلِيفِ بِحَلِيفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا جَاءَ الْإِسْلَامُ بِتَرْكِهِ كَالطِّيَرَةِ وَالْكَهَانَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ رَفَعَهُ : إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ ، أَوْ طَلَبَ بِدَمِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ سُنَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( وَمُطَّلِبٌ ) بِالتَّشْدِيدِ مُفْتَعِلٌ مِنَ الطَّلَبِ فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً وَأُدْغِمَتْ وَالْمُرَادُ مَنْ يُبَالِغُ فِي الطَّلَبِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْمَعْنَى الْمُتَكَلِّفُ لِلطَّلَبِ ، وَالْمُرَادُ الطَّلَبُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ لَا مُجَرَّدُ الطَّلَبِ ، أَوْ ذَكَرَ الطَّلَبَ لِيَلْزَمَ الزَّجْرُ فِي الْفِعْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى . وَقَوْلُهُ : بِغَيْرِ حَقٍّ احْتِرَازٌ عَمَّنْ يَقَعُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ لَكِنْ بِحَقٍّ كَطَلَبِ الْقِصَاصِ مَثَلًا . وَقَوْلُهُ : لِيُهَرِيقَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْعَزْمَ الْمُصَمَّمَ يُؤَاخَذُ بِهِ ، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَفْتُ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى سَبَبٍ فَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ مَكَّةَ لِعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : قُتِلَ رَجُلٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ يَعْنِي فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْتَى عَلَى اللَّهِ مِنْ ثَلَاثَةٍ : رَجُلٍ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ أَوْ قَتَلَ بِذَحْلٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . وَمِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ : إِنَّ أَجْرَأَ النَّاسِ عَلَى اللَّهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ فِيهِ : وَطَلَبَ بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ · ص 219 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من طلب دم امرئ بغير حق · ص 44 باب من طلب دم امرئ بغير حق . أي هذا باب في بيان حكم من طلب دم رجل بغير حق . 21 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن عبد الله بن أبي حسين ، حدثنا نافع بن جبير ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أبغض الناس إلى الله ثلاثة : ملحد في الحرم ، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية ، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة ، وعبد الله بن أبي حسين هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المدني النوفلي ، نسب إلى جده ، ونافع بن جبير بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ابن مطعم القرشي المدني والحديث من أفراده . قوله : أبغض الناس أفعل التفضيل هنا بمعنى المفعول من البغض ، والبغض من الله إرادة إيصال المكروه ، قوله : الناس أي المسلمين ، قوله : ملحد بضم الميم وهو المائل عن الحق العادل عن القصد ، أي الظالم ، فإن قلت : مرتكب الصغيرة مائل عن الحق ، قلت : هذه الصيغة في العرف تستعمل للخارج عن الدين ، فإذا وصف بها من ارتكب معصية كان في ذلك إشارة إلى عظمها ، وقيل : إيراده بالجملة الاسمية مشعر بثبوت الصفة ، والتنكير للتعظيم فيكون في ذلك إشارة إلى عظم الذنب ، وقيل : معناه الظلم في أرض الحرم بتغييرها عن وصفها أو تبديل أحكامها ، قوله : ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية أي طالب في الإسلام طريقة الجاهلية كالنياحة مثلا ، وفي التوضيح : ومبتغ ، روي بالغين يعني من الابتغاء ، وهو الطلب وبالعين المهملة من التتبع ، والذي شرحه ابن بطال الأول ، فإن قيل : هذه صغيرة ، أجيب بأن معنى الطلب سنيتها ليس فعلها بل إرادة بقاء تلك القاعدة ، وإشاعتها ، وتنفيذها بل جميع قواعدها لأن اسم الجنس المضاف عام ، ولهذا لم يقل فاعلها ، قوله : ومطلب بضم الميم وتشديد الطاء وكسر اللام وأصله متطلب لأنه من باب الافتعال ، فأبدلت التاء طاء وأدغمت الطاء في الطاء ، ومعناه متكلف للطلب ، قوله : بغير حق احترازا عمن يفعل ذلك بحق كالقصاص مثلا ، قوله : ليهريق بفتح الهاء وسكونها ، وقال الكرماني : الإهراق هو المحظور المستحق لمثل هذا الوعيد لا مجرد الطلب ، ثم أجاب بقوله : المراد الطلب المرتب عليه المطلوب ، أو ذكر الطلب ليلزم في الإهراق بالطريق الأولى ، وقال المهلب : المراد بهؤلاء الثلاثة أنهم أبغض أهل المعاصي إلى الله تعالى فهو كقوله : أكبر الكبائر وإلا فالشرك أبغض إلى الله من جميع المعاصي .