21 - بَاب لَا يَسْعَى إِلَى الصَّلَاةِ وَلْيَأْتِ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ ، وَقَالَ : مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ، وقَالَهُ أَبُو قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 636 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ ، وَلَا تُسْرِعُوا ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا . قَوْلُهُ : ( بَابٌ لَا يَسْعَى إِلَى الصَّلَاةِ إِلَخْ ) سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ السَّرَخْسِيِّ ، وَثُبُوتُهَا أَصْوَبُ لِقَوْلِهِ فِيهَا وَقَالَهُ أَبُو قَتَادَةَ لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي التَّرْجَمَةِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَعَادَ الضَّمِيرُ إِلَى الْمَتْنِ السَّابِقِ فَيَكُونُ ذِكْرُ أَبِي قَتَادَةَ تَكْرَارًا بِلَا فَائِدَةٍ لِأَنَّهُ سَاقَهُ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ) أَيْ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَهُوَ آدَمُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْهُ ، أَيْ أَنَّ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَ بِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ شَيْخَيْنِ ، حَدَّثَاهُ بِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْمَشْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ عَنْ آدَمَ فَقَالَ فِيهِ عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ ، وَجَزَمَ بِأَنَّهُ عِنْدَهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا ، قَالَ : وَكَانَ رُبَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا . وَأَمَّا التِّرْمِذِيُّ ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَحْدَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ وَحْدَهُ ، قَالَ : وَقَوْلُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَصَحُّ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَهَذَا عَمَلٌ صَحِيحٌ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَ بِهِ عَنْهُمَا . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْمَشْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَحْدَهُ فَتَرَجَّحَ مَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ . قَوْلُهُ : ( إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ ) هُوَ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ ، لِأَنَّ الْمُسْرِعَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يَتَرَجَّى إِدْرَاكَ فَضِيلَةِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَهَى عَنِ الْإِسْرَاعِ ، فَغَيْرُهُ مِمَّنْ جَاءَ قَبْلَ الْإِقَامَةِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْإِسْرَاعِ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ إِدْرَاكُ الصَّلَاةِ كُلِّهَا ، فَيَنْهَى عَنِ الْإِسْرَاعِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى . وَقَدْ لَحَظَ فِيهِ بَعْضُهُمْ مَعْنًى غَيْرَ هَذَا فَقَالَ : الْحِكْمَةُ فِي التَّقْيِيدِ بِالْإِقَامَةِ أَنَّ الْمُسْرِعَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يَصِلُ إِلَيْهَا وَقَدِ انْبَهَرَ فَيَقْرَأُ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، فَلَا يَحْصُلُ لَهُ تَمَامُ الْخُشُوعِ فِي التَّرْتِيلِ وَغَيْرِهِ ، بِخِلَافِ مَنْ جَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ قَدْ لَا تُقَامُ فِيهِ حَتَّى يَسْتَرِيحَ . انْتَهَى . وَقَضِيَّةُ هَذَا : أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْإِسْرَاعُ لِمَنْ جَاءَ قَبْلَ الْإِقَامَةِ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ قَوْلِهِ إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ ، لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا قَبْلَ الْإِقَامَةِ ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي بِالْإِقَامَةِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحَامِلُ فِي الْغَالِبِ عَلَى الْإِسْرَاعِ . قَوْلُهُ : ( وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ : وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ ، بِغَيْرِ بَاءٍ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، وَضَبَطَهَا الْقُرْطُبِيُّ شَارِحُهُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ ، وَضَبَطَهَا النَّوَوِيُّ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ، وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ دُخُولَ الْبَاءِ قَالَ : لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ لِثُبُوتِ زِيَادَةِ الْبَاءِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَحَدِيثِ : عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ ، وَحَدِيثِ : فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ، وَحَدِيثِ فَعَلَيْكَ بِالْمَرْأَةِ قَالَهُ لِأَبِي طَلْحَةَ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ ، وَحَدِيثِ عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ قَالَتْهُ عَائِشَةُ لِعُمَرَ ، وَحَدِيثِ عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ ، وَحَدِيثِ عَلَيْكَ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِكَ وَغَيْرِ ذَلِكَ . ثُمَّ إِنَّ الَّذِي عَلَّلَ بِهِ هَذَا الْمُعْتَرِضُ غَيْرُ مُوَفٍّ بِمَقْصُودِهِ ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ امْتِنَاعُ تَعَدِّيهِ بِالْبَاءِ ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهِ لُغَتَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَائِدَةٌ : الْحِكْمَةُ فِي هَذَا الْأَمْرِ تُسْتَفَادُ مِنْ زِيَادَةٍ وَقَعَتْ فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَهُوَ فِي صَلَاةٍ ، أَيْ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي ، فَيَنْبَغِي لَهُ اعْتِمَادُ مَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي اعْتِمَادُهُ وَاجْتِنَابُ مَا يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي اجْتِنَابُهُ . قَوْلُهُ : ( وَالْوَقَارُ ) قَالَ عِيَاضٌ ، وَالْقُرْطُبِيُّ : هُوَ بِمَعْنَى السَّكِينَةِ ، وَذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الظَّاهِرُ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا ، وَأَنَّ السَّكِينَةَ التَّأَنِّي فِي الْحَرَكَاتِ وَاجْتِنَابِ الْعَبَثِ ، وَالْوَقَارِ فِي الْهَيْئَةِ ، كَغَضِّ الْبَصَرِ ، وَخَفْضِ الصَّوْتِ ، وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ . قَوْلُهُ : ( وَلَا تُسْرِعُوا ) فِيهِ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَوَّلَ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ لَا تَفْعَلُوا أَيِ الِاسْتِعْجَالَ الْمُفْضِي إِلَى عَدَمِ الْوَقَارِ ، وَأَمَّا الْإِسْرَاعُ الَّذِي لَا يُنَافِي الْوَقَارَ كَمَنْ خَافَ فَوْتَ التَّكْبِيرَةِ فَلَا ، وَهَذَا مَحْكِيٌّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ الْعَلَاءِ الَّتِي فِيهَا فَهُوَ فِي صَلَاةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ : نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الصَّلَاةِ شَيْئًا لَكَانَ مُحَصِّلًا لِمَقْصُودِهِ لِكَوْنِهِ فِي صَلَاةٍ ، وَعَدَمُ الْإِسْرَاعِ أَيْضًا يَسْتَلْزِمُ كَثْرَةَ الْخُطَا ، وَهُوَ مَعْنًى مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ ، وَرَدَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ كَحَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَنَّ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةً وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مَرْفُوعًا : إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ ، لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ الْيُمْنَى ، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً ، وَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ الْيُسْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ سَيِّئَةً ، فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ غُفِرَ لَهُ ، فَإِنْ أَتَى وَقَدْ صَلَّوْا بَعْضًا ، وَبَقِيَ بَعْضٌ ، فَصَلَّى مَا أَدْرَكَ وَأَتَمَّ مَا بَقِيَ كَانَ كَذَلِكَ ، وَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ ، وَقَدْ صَلَّوْا فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ ، كَانَ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْفَاءُ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ إِذَا بَيَّنْتُ لَكُمْ مَا هُوَ أَوْلَى بِكُمْ ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا . قُلْتُ : أَوِ التَّقْدِيرُ : إِذَا فَعَلْتُمْ فمَا أَدْرَكْتُمْ ، أَيْ فَعَلْتُمُ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنَ السَّكِينَةِ وَتَرْكِ الْإِسْرَاعِ . وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى حُصُولِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَقِيلَ : لَا تُدْرَكُ الْجَمَاعَةُ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ ، فَقَدْ أَدْرَكَ ، وَقِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْجَوَابَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْأَوْقَاتِ ، وَأَنَّ فِي الْجُمُعَةِ حَدِيثًا خَاصًّا بِهَا . وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى اسْتِحْبَابِ الدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ فِي أَيِّ حَالَةٍ وُجِدَ عَلَيْهَا ، وَفِيهِ حَدِيثٌ أَصْرَحُ مِنْهُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مَرْفُوعًا مَنْ وَجَدَنِي رَاكِعًا أَوْ قَائِمًا أَوْ سَاجِدًا ، فَلْيَكُنْ مَعِي عَلَى حَالَتِي الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ) أَيْ أَكْمِلُوا ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ فَاقْضُوا وَحَكَمَ مُسْلِمٌ فِي التَّمْيِيزِ عَلَيْهِ بِالْوَهْمِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ ، مَعَ أَنَّهُ أَخْرَجَ إِسْنَادَهُ فِي صَحِيحِهِ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ ، وَكَذَا رَوَى أَحْمَدُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ فَاقْضُوا وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ فَأَتِمُّوا . وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ، فَرِوَايَةُ الْجُمْهُورِ : فَأَتِمُّوا وَوَقَعَ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ سُفْيَانَ فَاقْضُوا كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهُ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، فَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ أَيْضًا ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِثْلَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : وَوَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَاخْتُلِفَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : وَكَذَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلْيَقْضِ . قُلْتُ : وَرِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ ، وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ وَرَدَ بِلَفْظِ فَأَتِمُّوا وَأَقَلُّهَا بِلَفْظِ فَاقْضُوا وَإِنَّمَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ إِذَا جَعَلْنَا بَيْنَ الإتمام وَالْقَضَاءِ مُغَايَرَةً ، لَكِنْ إِذَا كَانَ مَخْرَجُ الْحَدِيثِ وَاحِدًا وَاخْتُلِفَ فِي لَفْظِهِ مِنْهُ ، وَأَمْكَنَ رَدُّ الِاخْتِلَافِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ كَانَ أَوْلَى ، وَهُنَا كَذَلِكَ ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَى الْفَائِتِ غَالِبًا لَكِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْأَدَاءِ أَيْضًا ، وَيَرِدُ بِمَعْنَى الْفَرَاغِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا وَيَرِدُ بِمَعَانٍ أُخَرَ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ : فَاقْضُوا عَلَى مَعْنَى الْأَدَاءِ أَوِ الْفَرَاغِ ، فَلَا يُغَايِرُ قَوْلَهُ فَأَتِمُّوا ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِرِوَايَةِ فَاقْضُوا عَلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ الْمَأْمُومُ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ حَتَّى اسْتُحِبَّ لَهُ الْجَهْرُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ ، وَتَرْكُ الْقُنُوتِ ، بَلْ هُوَ أَوَّلُهَا ، وَإِنْ كَانَ آخِرَ صَلَاةِ إِمَامِهِ ، لِأَنَّ الْآخِرَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ شَيْءٍ تَقَدَّمَهُ ، وَأَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَشَهَّدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَلَوْ كَانَ مَا يُدْرِكُهُ مَعَ الْإِمَامِ آخِرًا لَهُ لَمَا احْتَاجَ إِلَى إِعَادَةِ التَّشَهُّدِ . وَقَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ : إِنَّهُ مَا تَشَهَّدَ إِلَّا لِأَجْلِ السَّلَامِ ، لِأَنَّ السَّلَامَ يَحْتَاجُ إِلَى سَبْقِ تَشَهُّدٍ ، لَيْسَ بِالْجَوَابِ النَّاهِضِ عَلَى دَفْعِ الْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ لِذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَقَدْ عَمِلَ بِمُقْتَضَى اللَّفْظَيْنِ الْجُمْهُورُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا . إِنَّ مَا أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ إِلَّا أَنَّهُ يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي فَاتَهُ مِنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ ، لَكِنْ لَمْ يَسْتَحِبُّوا لَهُ إِعَادَةَ الْجَهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ ، وَكَأَنَّ الْحُجَّةَ فِيهِ قَوْلُهُ مَا أَدْرَكْتَ مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِكَ وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَعَنْ إِسْحَاقَ ، وَالْمُزَنِيِّ : لَا يَقْرَأُ إِلَّا أُمَّ الْقُرْآنِ فَقَطْ وَهُوَ الْقِيَاسُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا لَمْ تُحْسَبْ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ لِلْأَمْرِ بِإِتْمَامِ مَا فَاتَهُ ، لِأَنَّهُ فَاتَهُ الْوُقُوفُ وَالْقِرَاءَةُ فِيهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٍ ، بَلْ حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ عَنْ كُلِّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالضُّبَعِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّةِ ، وَقَوَّاهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ حَيْثُ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ تِلْكَ الرَّكْعَةِ ، وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ صِفَةِ الصَّلَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا يَسْعَى إِلَى الصَّلَاةِ وَلْيَأْتِ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ · ص 138 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب لا يسعى إلى الصلاة وليأتها بالسكينة والوقار · ص 565 21 - باب لا يسعى إلى الصلاة ، وليأتها بالسكينة والوقار وقال : ( ما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) - : وقاله أبو قتادة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . حديث أبي قتادة ، تقدم في الباب الماضي .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب لا يسعى إلى الصلاة وليأتها بالسكينة والوقار · ص 565 قال : 636 - حدثنا آدم : حدثنا ابن أبي ذئب : حدثنا الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ، وعليكم السكينة والوقار ، ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) . كان الزهري يروي هذا الحديث ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ويرويه - أيضا - عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة . وقد رواه جماعة من أصحابه عنه ، عن سعيد وحده . ورواه آخرون منهم ، عنه ، عن أبي سلمة وحده . وجمع بعضهم بينهما ، منهم : عبيد الله بن عمر . وروي - أيضا - كذلك ، عن ابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد ويونس بن يزيد . قال الدارقطني : هو محفوظ ، كان الزهري ربما أفرده عن أحدهما ، وربما جمعه . قلت : وقد خرجه البخاري في ( كتاب الجمعة ) من ( صحيحه ) هذا ، عن آدم ، عن ابن أبي ذئب بالجمع بينهما ، ومن طريق شعيب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة وحده . وخرجه مسلم من رواية إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، عنهما . وخرجه أبو داود من طريق يونس كذلك . وكلام الترمذي في ( جامعه ) يدل على أن الصحيح رواية من رواه عن الزهري عن سعيد وحده . والصحيح : أنه صحيح عن الزهري ، عنهما ، وتصرف الشيخين في ( صحيحيهما ) يشهد لذلك . قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ، ولا تسعوا ) أمر بالمشي ونهي عن الإسراع إلى الصلاة لمن سمع الإقامة ، وليس سماع الإقامة شرطا للنهي ، وإنما خرج مخرج الغالب ؛ لأن الغالب أن الاستعجال إنما يقع عند سماع الإقامة خوف فوت إدراك التكبيرة أو الركعة ، فهو كقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ والرهن جائز في السفر وغيره . وكذلك قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا وقد ذكرنا أن التيمم يجوز عند عدم الماء في السفر والحضر . وكذلك قوله تعالى : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ويجوز أن يدعوا إخوانا وموالي وإن علم آباؤهم ؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لزيد : ( أنت أخونا ومولانا ) مع علمه بأبيه . وقد سبق حديث أبي قتادة ( إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة ) ، من غير اشتراط سماع الإقامة . وقد أجمع العلماء على استحباب المشي بالسكينة إلى الصلاة ، وترك الإسراع والهرولة في المشي ، ولما في ذلك من كثرة الخطى إلى المساجد . وسيأتي أحاديث فضل المشي فيما بعد - إن شاء الله تعالى . وهذا ما لم يخش فوات التكبيرة الأولى والركعة ، فإن خشي فواتها ، ورجا بالإسراع إدراكها ، فاختلفوا : هل يسرع حينئذ ، أم لا ؟ وفيه قولان . أحدهما : أنه يسعى لإدراكهما . وروي عن ابن مسعود ، أنه سعى لإدراك التكبيرة . ونحوه عن ابن عمر ، والأسود ، وعبد الرحمن بن يزيد ، وسعيد بن جبير . وعن أبي مجلز : الإسراع إذا خاف من فوت الركعة . وقال إسحاق : لا بأس بالإسراع لإدراك التكبيرة . ورخص فيه مالك . وقال أحمد - في رواية مهنا - : ولا بأس – إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى - أن يسرع شيئا ، ما لم يكن عجلة تقبح ؛ جاء عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يعجلون شيئا إذا تخوفوا فوت التكبيرة الأولى ، وطمعوا في إدراكها . وبوب النسائي في ( سننه ) على ( الإسراع إلى الصلاة من غير سعي ) ، وخرج فيه حديث أبي رافع ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – إذا صلى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل ، يتحدث عندهم حتى ينحدر للمغرب . قال أبو رافع : فبينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يسرع إلى المغرب مررنا بالبقيع - وذكر الحديث . وهذا إنما يدل على إسراع الإمام إذا خاف الإبطاء على الجماعة ، وقد قرب الوقت . والقول الثاني : أنه لا يسرع بكل حال . وروي عن أبي ذر ، وزيد بن ثابت ، وأنس بن مالك ، وأبي هريرة ، وعطاء ، وحكاه ابن عبد البر عن جمهور العلماء ، وهو قول الثوري . ونقله ابن منصور وغيره عن أحمد ، وقال : العمل على حديث أبي هريرة . وحديث أبي هريرة : دليل ظاهر على أنه لا يسرع لخوف فوت التكبيرة الأولى ، ولا الركعة ؛ فإنه قال : ( فإذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ، ولا تسرعوا ) ، فدل على أنه ينهى عن الإسراع مع خوف فوات التكبيرة أو الركعة . وفي ( مسند الإمام أحمد ) من حديث أبي بكرة ، أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم راكع ، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - صوت نعلي أبي بكرة وهو يحفز ، يريد أن يدرك الركعة ، فلما انصرف قال : ( من الساعي ؟ ) قال أبو بكرة : أنا ، قال : ( زادك الله حرصا ، ولا تعد ) . وفي إسناده من يجهل حاله . وخرجه البخاري في ( كتاب القراءة خلف الإمام ) بإسناد آخر فيه ضعف - أيضا - عن أبي بكرة - بمعناه ، وفي حديثه : قال : إن أبا بكرة قال : يا رسول الله ، خشيت أن تفوتني ركعة معك ، فأسرعت المشي ، فقال له : ( زادك الله حرصا ، ولا تعد ، صل ما أدركت ، واقض ما سبقت ) . ولو سمع الإقامة وهو مشتغل ببعض أسباب الصلاة كالوضوء والغسل أو غيرهما ، فقال عطاء : لا يعجل عن ذلك - يعني : أنه يتمه من غير استعجال . وسيأتي حديث : ( لا تعجل عن عشائك ) في موضعه من الكتاب - إن شاء الله تعالى . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( عليكم السكينة والوقار ) ، هو بالرفع على أن الجملة مبتدأ وخبر ، ويروى بالنصب على الإغراء - : ذكره أبو موسى المديني . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا ) ، هذه الرواية المشهورة عن الزهري ، التي رواها عنه عامة أصحابه الحفاظ . ورواه ابن عيينة ، عن الزهري ، وقال في روايته : ( وما فاتكم فاقضوا ) . خرج حديثه الإمام أحمد والنسائي . وذكر أبو داود أن ابن عيينة تفرد بهذه اللفظة - يعني : عن الزهري . وذكر البيهقي بإسناده ، عن مسلم ، أنه قال : أخطأ ابن عيينة في هذه اللفظة . قلت : قد توبع عليها . وخرجه الإمام أحمد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، وقال في حديثه : ( فاقضوا ) . قال معمر : ولم يذكر سجودا . وكذا رواها بحر السقاء ، عن الزهري ، وقال في حديثه ( وليقض ما سبقه ) وبحر ، فيه ضعف . ورواها - أيضا - بنحو رواية بحر : سليمان بن كثير ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة . خرجه البخاري في ( كتاب القراء خلف الإمام ) . ورويت لفظة ( القضاء ) من غير رواية الزهري : وروى شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ائتوا [الصلاة] وعليكم السكينة ، فصلوا ما أدركتم ، واقضوا ما سبقكم ) . خرجه أبو داود . وخرجه الإمام أحمد من رواية عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه . ورويت عن أبي هريرة من وجوه أخر : فخرج مسلم طريق ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا ثوب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم ، ولكن ليمش ؛ وعليه بالسكينة والوقار ، صل ما أدركت ، واقض ما سبقك ) . قال أبو داود : وكذا قال أبو رافع ، عن أبي هريرة . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث حميد ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا جاء أحدكم فليمش نحوا مما كان يمشي ، فليصل ما أدركه ، وليقض ما سبقه ) . وخرج البزار من حديث سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها ، إلا أنه يقضي ما فاته ) . وهذا حديث آخر غير الذي قبله . وبالجملة ، فرواية من روى ( فأتموا ) أكثر . وقد استدل الإمام أحمد برواية من روى ( فاقضوا ) ، ورجحها . قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله - يعني : أحمد - أرأيت قول من قال : يجعل من أدرك مع الإمام أول صلاته ، ومن قال : يجعله آخر صلاته ، أي شيء الفرق بينهما ؟ قال : من أجل القراءة فيما يقضي . قلت له : فحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : على أي القولين يدل عندك ؟ قال : على أنه يقضي ما فاته ؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( صلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم ) . وقال في رواية ابنه صالح : يروى عن أنس وأبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( صل ما أدركت واقض ما سبقك ) . قال : ويروي غيره على أنه قال : يقرأ فيما أدرك . وقال غيره : يقرأ فيما يقضي . قال ابن مسعود : ما أدركت من الصلاة فهو آخر صلاتك . انتهى . وروى عبد الرزاق في ( كتابه ) ، عن معمر ، عن قتادة ، أن عليا قال : ما أدركت من الإمام فهو أول صلاتك ، واقض فيما سبقك به من القراءة . وأن ابن مسعود قال : اقرأ فيما فاتك . وعن مالك ، عن نافع ، أن ابن عمر كان إذا فاته شيء من الصلاة مع الإمام التي يعلن فيها بالقراءة ، فإذا سلم الإمام قام عبد الله فقرأ لنفسه . وروى الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد : حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، أن ابن عمر كان إذا سبق بالأوليين قرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب وسورة . قلت : أما القراءة فيما يقضي فمتفق عليها ؛ لأن حكم متابعة الإمام قد انقطعت عنه بسلام إمامه قبل فراغ صلاته ، فهو فيما بقي من الصلاة منفرد ، يقرأ كما يقرأ المنفرد بصلاته ، لا يقول أحد من العلماء : إنه لا يقرأ فيها لاستمرار حكم ائتمامه بالإمام . ولكن من يقول من السلف : إن المصلي يقرأ في ركعتين ويسبح في ركعتين ، كما يقوله الكوفيون وغيرهم ، يقول : إذا أدرك الإمام في ركعتين من الرباعية أنه لا يقرأ معهم ؛ لأنهم لا يرون قراءة المأموم وراء إمامه بحال ، ويقولون : إذا قام يقضي ما فاته من الركعتين ، فإنه يقرأ ، ولا يجزئه أن يسبح ، فإنه قد صار منفردا في بقية صلاته ، فلا بد [له] من القراءة ، سواء فاته ركعة أو ركعتان ، فإن فاته ثلاث ركعات قرأ في ركعتين ، وله أن يسبح في الثالثة . وهذا كله قول سفيان الثوري . وحكى سفيان وأصحابه وابن عمر ، أنه إذا أدرك ركعتين مع الإمام لم يقرأ فيما أدركه معه ، وقرأ في الركعتين إذا قضاهما . وعن علي : أن ما أدركه فهو أول صلاته ، فيقرأ فيه ما سبقه به الإمام من القراءة . ظاهر هذا : أن عليا لم ير القراءة فيما يقضيه ، وأنهم أرادوا أنه لا يقرأ فيه ما زاد على الفاتحة . وممن قال : يقرأ فيما يقضي : عبيدة السلماني ، وابن سيرين ، وأبو قلابة ، والنخعي . وروى عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن جابر ، عن الشعبي : أن جندبا ومسروقا أدركا ركعة من المغرب ، فقرأ جندب ولم يقرأ مسروق خلف الإمام ، فلما سلم الإمام قاما يقضيان ، فجلس مسروق في الثانية والثالثة ، وقام جندب إلى الثالثة ولم يجلس ، فلما انصرفا أتيا ابن مسعود ، فقال : كل قد أصاب ، ونفعل كما فعل مسروق . وعن معمر ، عن جعفر الجزري ، عن الحكم : أن جندبا ومسروقا أدركا ركعة من المغرب ، فقرأ أحدهما في الركعتين الأخريين ما فاته من القراءة ، ولم يقرأ الآخر في ركعة ، فسئل ابن مسعود ، فقال : كلاهما محسن ، وأنا أصنع كما صنع هذا الذي قرأ في الركعتين . وأكثر العلماء على أنه يقرأ في ركعات الصلاة كلها ، يقرأ في الركعتين الأوليين بالحمد وسورة وفي الأخريين بالحمد وحدها . وعلى هذا ؛ إذا أدرك المسبوق من الرباعية أو المغرب ركعتين ، يقرأ فيما يقضي من الركعتين بالحمد وحدها ، أو بالحمد وسورة ؟ على قولين ، أشهرهما أنه يقضي بالحمد وسورة . وهذا هو المنصوص عن مالك ، والشافعي ، وأحمد . ونص الشافعي على أن ما أدركه مع الإمام فهو أول صلاته . وعن مالك في ذلك روايتان منصوصتان : أحدهما : هو أول صلاته . والثانية : هو آخرها . وكذلك عن أحمد ، ولكن أكثر الروايات عنه ، أنه آخر صلاته . وأما مذهب أبي حنيفة وأصحابه ، فهو أن ما أدركه مع الإمام آخر صلاته ، وما يقضيه أولها . وهو قول الحسن بن حي وسفيان الثوري . وعلى قول هؤلاء لا إشكال في أنه يقرأ فيما يقضي [بالحمد] وسورة . قال ابن المنذر : واختلفوا في الذي يدركه المأموم من صلاة الإمام . فقالت طائفة : يجعله أول صلاته ، روي هذا القول عن عمر وعلي وأبي الدرداء ، ولا يثبت ذلك عنهم ، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وإسحاق والمزني . وقالت طائفة : يجعل ما أدرك مع الإمام آخر صلاته ، كذلك قال ابن عمر . وبه قال مجاهد وابن سيرين ومالك والثوري والشافعي وأحمد . قال ابن المنذر : وبالأول نقول . انتهى . وأنكر ابن عبد البر نقل ابن المنذر ذلك عن مالك والشافعي والثوري وأحمد ، وقال : إنما أخذه من قولهم في القراءة [في القضاء] . قال : وثبت عن ابن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز : ما أدركت فاجعله أول صلاتك . قال : والذي يجيء على أصولهم - إن لم يثبت عنهم نص في ذلك - ما قاله المزني وإسحاق وداود وعبد العزيز بن الماجشون . يعني : أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد وحدها ؛ لأنه آخر صلاته . قال : وهذا أطرد في القياس . قال : فأما من يقول : ما أدركه فهو أول صلاته ، وما يقضيه آخرها ، ثم يقول : يقرأ فيه بالحمد وسورة ، فكيف يصح هذا على قوله ؟ وروى حرب الكرماني بإسناده عن مكحول ، قال : ما أدركت فاجعله أول صلاتك ، تقرأ في أولها بأم القرآن وسورة بينك وبين نفسك . قلت : وهذا ظاهر في أنه لا يقرأ فيما يقضي بسورة مع الحمد . وروى بإسناده - أيضا - عن بقية ، عن الزبيدي ، قال : يقرأ فيما يقضي بأم القرآن وسورة بقدر الذي فاته مع الإمام . قال : وأما الأوزاعي فكان يقول : يقرأ بأم القرآن . قال بقية : وبه نأخذ . وروى - أيضا - بإسناده عن ثابت بن عجلان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك ، واقرأ فيه بفاتحة الكتاب وسورة . وهذا يدل - أيضا - على أنه لا يقرأ فيما يقضي زيادة على الحمد . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة - مثل قول ابن عباس . وقد اتفقت النصوص عن أحمد على أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة . واختلف قوله في مأخذ ذلك : فنقل عنه هارون الحمال ، أن مأخذ ذلك أن ما أدركه آخر صلاته وما يقضيه أولها . قال : فقيل له : قد حكي عنك أنك قلت : يقرأ بفاتحة الكتاب ويجعل ما أدرك أول صلاته . فأنكر ذلك . وهذا يحتمل أن يكون إنكاره للقول بأنه يقتصر على الحمد فيما يقضي تفريعا على ذلك ؛ فإن القول بأن ما أدركه أول صلاته مشهور عنه ، قد نقله عنه غير واحد ، فإن كان مراده الأول كان قوله بأن القراءة فيما يقضي بالحمد وسورة لا يختلف قوله فيه مع قوله : إن ما يقضيه أول صلاته أو آخرها ، وهذا هو المذهب عند أبي موسى وغيره من متقدمي الأصحاب . وقد نقل عبد الله والأثرم وغيرهما أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة ، مع قوله : آخر صلاته . وإن كان مراده الثاني كان القول : يقرأ الحمد وسورة فيما يقضيه ، مبنيا على الاختلاف فيما يقضيه : هل هو أول صلاته ، أو آخرها . وهذا هو قول القاضي أبي يعلى ومن بعده من أصحابنا . وأنكر بعض المتأخرين منهم أن يصح القول بقراءة الحمد وسورة فيما يقضيه على كلا القولين ، إلا على قول من يرى استحباب القراءة بالحمد وسورة في كل ركعة من الصلاة كلها ، أو على أن من نسي قراءة السورة في الأوليين قرأها في الأخريين . وهذا المأخذ الثاني لا يصح ؛ فإنه لا نسيان هاهنا . وللمسألة مأخذان لم يذكرهما هذا القائل : أحدهما : الاحتياط ، ونص عليه أحمد في رواية صالح وعبد الله وغيرهما ، قال : يكون جلوسه على أول صلاته وفي القراءة يحتاط فيقرأ فيما يقضي . يعني : أنه إن أدرك ركعة من الرباعية تشهد عقيب قضاء ركعة ، فيجعل ما أدرك أول صلاته في الجلوس للتشهد ؛ ويقرأ في ركعتين فيما يقضي بالحمد وسورة احتياطا لقراءة السورة ؛ فإنها سنة مؤكدة ، فيحتاط لها ، ويأتي بها في الركعات كلها ؛ للاختلاف في أول صلاته وآخرها . والمأخذ الثاني : أنه إذا أدرك مع الإمام ركعتين من الرباعية ، فإنه لا يتمكن من قراءة السورة مع الحمد معه غالبا ، فإذا صلى معه ركعتين قرأ فيهما بالحمد وحدها ، ثم قضى ركعتين ؛ فإنه ينبغي أن يقرأ فيهما سورة مع الفاتحة ؛ لئلا تخلو هذه الصلاة من قراءة سورة مع الفاتحة ، مع حصول الاختلاف في استحباب قراءة السورة فيما يقضيه ، فالاحتياط أن يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة . أما لو كان قد قرأ فيما أدرك مع الإمام سورة مع الفاتحة ؛ فإنه لا يعيد السورة فيما يقضيه ، لا سيما عند من يقول : إن ما أدركه هو أول صلاته . ولهذا قال قتادة : إذا أمكنك الإمام فاقرأ في الركعتين اللتين بقيتا سورة ، سورة ، تجعلهما أول صلاتك . ذكره عبد الرزاق ، عن معمر ، عنه . ولم أجد لأحمد ولا لغيره من الأئمة نصا صريحا أنه يقرأ بالحمد وسورة فيما أدركه خلف الإمام ، ثم يعيد ذلك فيما يقضيه ، بل نص على أن من أدرك ركعة من الوتر وقضى ما فاته أنه لا يعيد القنوت . وعلله أبو حفص البرمكي بأنه قد قنت مع الإمام فلا يعيد كما لو سجد معه للسهو . قال : ويحتمل أنه لم يعده لأنه أدرك آخر الصلاة . ونص الشافعي على أن المسبوق بركعتين من الرباعية يقرأ فيما يقضي بالفاتحة وسورتين . فاختلف أصحابه على طريقين : أحدهما : أن في استحباب السورة له القولان في استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخريين ، وأن الشافعي إنما فرع نصه هذا على قوله باستحباب قراءة السورة في كل الركعات ، وهذا قاله أبو علي الطبري . والطريق الثاني : قاله أبو إسحاق ، أنه يستحب للمسبوق قراءة السورة قولا واحدا ، وإن قيل : لا يستحب لغيره قراءة في الأخريين ؛ لأن المسبوق لم يقرأ السورة في الأوليين ، ولا أدرك قراءة الإمام السورة ، فاستحب له ؛ لئلا تخلو صلاته من سورتين . وهذا الطريق هو الصحيح عندهم ، وعليه أكثر أصحابهم . وأما الجهر بالقراءة في العشاء وثالثة المغرب ، فأكثرهم على أنه لا يجهر . وحكوا في جهره قولين للشافعي . ومنهم من قال : نص في ( الإملاء ) على أنه يجهر ؛ لأن الجهر فاته فيتدارك ، ونص في غيره على أنه لا يجهر ؛ لأن سنة آخر الصلاة الإسرار بالقراءة ، فلا تفوته . وبهذا يفرق بينه وبين السورة . وصرح بعضهم بأنه لو كان الإمام بطيء القراءة فأمكن المسبوق أن يقرأ معه السورة فيما أدرك فقرأها ، لم يعدها في الأخريين ، إلا على قولهم : يقرأ بالسورة في الركعات كلها ، وهو حسن موافق لما ذكره . وهاهنا مأخذ ثالث ؛ وقد صرح به غير واحد من السلف ، وقد روي عن علي ما يدل عليه ، وصرح به الترمذي وغيره ، وهو : أن من أدرك مع الإمام ركعتين فقد فاته معه ركعتان بسورتيهما ، فيشرع له قضاء ما فاته على وجهه . لكن ؛ هل يقضيه فيما أدرك مع الإمام ، أو فيما يقضيه بعد قراءته . فالمروي عن علي أنه يقضيه فيما أدركه مع الإمام ، وقال : هو أول صلاته . وقال ابن مسعود وغيره : فيما يقضي لنفسه وحده منفردا . فإما أن يكون مأخذهم أنه أول صلاته ، وإما أن يكون مأخذهم أن القضاء إنما يكون بعد مفارقة الإمام ما أدرك ، ويقضي ما سبق ، ولا يكون في حال متابعته ، وإن كان آخر صلاته . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين وأبي قلابة ، قالا : يصلي مع الإمام ما أدرك ، ويقضي ما سبق به مع الإمام من القراءة . مثل قول ابن مسعود . وقال عمرو بن دينار : ما فاتك فاقضه كما فاتك . وروى ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن المغيرة ، عن جهم بن الأسود ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : اقرأ فيما تقضي بما قرأ به الإمام . خرجه عبد الله ابن الإمام أحمد . وروى الأعمش ، عن إبراهيم ، قال : إنما القراءة في القضاء . قال : وقال لي سعيد بن جبير : تقرأ فيما تدرك . والمروي عن أبي سعيد يدل على أنه يستحب أن يقرأ فيما يقضيه بالسورتين اللتين قرأ بهما الإمام ؛ لتكون قراءته لهما قضاء بما فاته مع الإمام حقيقة . وأيضا ؛ فإن [عامة] الكوفيين لا يرون القراءة خلف الإمام ، وقد اختلفوا في القراءة هاهنا خلفه فيما أدركه ؛ لأنه قضاء للقراءة الثانية ، فرأى القراءة علي وسعيد بن جبير ، ولم يره ابن مسعود وعلقمة والنخعي والأكثرون منهم . وأما إذا أدرك ركعة من الرباعية أو المغرب ، فإنه يجلس للتشهد عقب قضاء ركعة ، كما قاله ابن مسعود وعلقمة ، وقاله سعيد بن المسيب . وهو المشهور عن أحمد . وأخذ أحمد في هذه المسألة بما روي عن ابن مسعود ، وفي الأولى بما روي عن ابن عمر ، وقاله ابن مسعود - أيضا . ومن أصحابنا من بنى هذا على قول أحمد : إن ما يقضيه آخر صلاته . قال : فإن قلنا : هو أول صلاته ، تشهد عقب قضاء ركعتين . وقال الأكثرون : بل في المسألة روايتان غير مبنيتين على هذا الأصل . وهذا هو الذي يدل عليه كلام الإمام أحمد صريحا ؛ فإنه أخذ في القراءة بقول ابن عمر ، وفي الجلوس بقول ابن مسعود ، وجمع بينهما . وابن مسعود مع قوله بهذا ، فإنه قد قال : ما أدركه فهو آخر صلاته ، كما سبق عنه . وزعم صاحب ( المغني ) من أصحابنا أن ذلك كله جائز . ويشكل عليه : أن أحمد نص في رواية مهنا على أنه إذا تشهد عقب ركعتين سجد للسهو . وكلام ابن مسعود يدل على جواز الأمرين كما سبق عنه . وقد تبين بهذا : أن أكثر العلماء ليس لهم في هذه المسألة قول مطرد . ولا خلاف أن التشهد الأخر في حق المسبوق هو الذي في آخر صلاته ، الذي يسلم عقيبه ، فأما التشهد الأول ، فإن وقع عقيب ركعتين من صلاة المسبوق ، فإنه يتشهد فيه معه . واختلفوا : هل يتم التشهد مع الإمام بالدعاء أم ينتهي إلى قوله : ( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) ، ثم يردده ؟ على قولين . والثاني : قول الحسن وأحمد ، والأول : ظاهر كلام عطاء . فإن كان تشهد الإمام في موضع وتر من صلاة المأموم ، فإنه يتابعه في جلوسه بغير خلاف . وهل يتشهد معه فيه ، أم لا ؟ على قولين : أحدهما : يتشهد معه ، وهو قول الحسن وابن المسيب وعطاء ونافع والزهري والثوري . وأحمد ، قال : أحب إلي أن يتشهد . والثاني : لا يتشهد ، وهو قول النخعي ومكحول وعمرو بن دينار ، وحكاه ابن المنذر عن الحسن - أيضا . وقال النخعي : يسبح - يعني : بدل التشهد . وقال الأوزاعي : يكتفي بالتسبيح . وأكثر العلماء على أنه لا سجود عليه للسهو لزيادة هذا الجلوس متابعة للإمام ، وحكي عن ابن عمر أنه كان يسجد كذلك للسهو . وعن أبي سعيد الخدري وعن عطاء وطاوس ومجاهد ، وهو قول الحسن . وروي عن عطاء ، عن أبي سعيد وابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وابن الزبير ، أنهم كانوا يسجدون سجدتي السهو إذا أدرك الإمام في وتر . قال الإمام أحمد : لم يسمعه عطاء منهم ، بينه وبينهم رجل . يعني : أن في الإسناد مجهول . والصحيح : قول الجمهور . وفي ( صحيح مسلم ) عن المغيرة ، أنه غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - تبوكا ، فتبرز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتوضأ ، وصب عليه المغيرة ، ثم أقبل . قال المغيرة : وأقبلت حتى نجد الناس قدموا عبد الرحمن بن عوف ، فصلى بهم ، فأدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الآخرة ، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتم صلاته ، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته أقبل عليهم ، ثم قال : ( أحسنتم ) - أو ( أصبتم ) - يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها . ولم يذكر المغيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد للسهو . وخرجه أبو داود من وجه آخر عن المغيرة ، وفيه : فلما سلم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى الركعة التي سبق بها ، ولم يزد عليها شيئا . وخرجه البخاري في ( القراءة خلف الإمام ) والطبراني والبيهقي من وجه آخر عن المغيرة ، وفيه : فصلينا ما أدركنا ، وقضينا ما سبقنا . وقد روى معمر : ليصل ما أدرك ، وليقض ما سبق . قال معمر : ولم يذكر سجودا . يعني : أنه لو كان عليه سجود في بعض الأحوال لما أخر بيانه ؛ لأنه وقت حاجة . وكذلك استدل به كثير من الأئمة بعده ، منهم الإمام أحمد والشافعي . وفي حديث المغيرة : أن المسبوق إنما يقوم إذا سلم الإمام ، ولا يقوم حتى يسلم إمامه التسليمتين معا ، نص عليه سفيان والشافعي وأحمد ؛ لأن التسليمة الثانية مختلف في وجوبها ، [فإذا] لم يأت بها الإمام لم يخرج من صلاته بيقين . قالت طائفة : ويستحب أن لا يقوم حتى ينحرف الإمام ، لعله أن يذكر سجود سهو ، إلا أن يطول ذلك فيقوم ويدعه ، وهذا قول عطاء والشعبي وأحمد . وكان ابن عمر إذا سلم الإمام يقضي ما سبق به ، وإن لم يقم الإمام . وقال أصحاب الشافعي : إن مكث المسبوق بعد سلام إمامه جالسا ، وطال جلوسه ، فإن كان موضع تشهده الأول جاز ، ولم تبطل صلاته ؛ لأنه محسوب من صلاته ، لكنه يكره له تطويله ، وإن لم يكن في موضع تشهده لم يجز أن يجلس بعد تسليم إمامه ؛ لأن جلوسه كان للمتابعة وقد زالت ، فإن فعل عالما بطلت صلاته ، وإن كان ساهيا لم تبطل ، ويسجد للسهو . ولو سبق جماعة ببعض الصلاة ، ثم قاموا بعد سلام الإمام ، فهل لهم أن يقلوا جماعة يؤمهم أحدهم ؟ فيه قولان : أحدهما : نعم ، وهو قول عطاء وابن سابط . والثاني : لا ، وهو قول الحسن . وعن أحمد فيه روايتان ، وللشافعية وجهان . ومأخذهما : هل يجوز الانتقال من الائتمام إلى نية الإمام ؟ وأما مأخذ الحسن ، فالظاهر أنه كراهة إعادة الجماعة في مسجد مرتين . قال القاضي من أصحابنا والشافعية : ولو كان ذلك في الجمعة لم يجز ؛ لأن الجمعة لا تقام في مسجد واحد مرتين في يوم . وقال أبو [علي] الحسن بن البناء : في هذا نظر ؛ لأن الجمعة تقام عندنا في مواضع للحاجة ، وإن سبق بعضها بعضا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار · ص 151 ( باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار ) أي هذا باب يذكر فيه لا يسعى الرجل إلى الصلاة إلى آخره ، وسقطت هذه الترجمة من رواية الأصيلي ومن رواية أبي ذر عن غير السرخسي ، وفي بعض نسخ السراج باب ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ، قاله أبو قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والأوجه ما مشينا عليه . ( وقال : ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ، قاله أبو قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم ) أي قال صلى الله عليه وسلم والضمير المنصوب في قاله يرجع إلى المذكور في الترجمة وهو قوله : " ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " والمعنى قاله عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي رواه البخاري في الباب السابق . 32 - حدثنا آدم قال : حدثنا ابن أبي ذئب قال : حدثنا الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ، وعليكم بالسكينة والوقار ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة قد ذكروا غير مرة ، وأخرجه من طريقين : الأول : عن آدم بن أبي إياس ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة. الثاني : عن آدم أيضا ، عن ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في سبعة مواضع ، وفيه أن الزهري حدث عن شيخين عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ، وقد جمع البخاري بينهما في باب المشي إلى الجمعة عن آدم فقال فيه : عن سعيد وأبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة ، وكذلك أخرجه مسلم من طريق إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، عنهما ، والترمذي أخرجه من طريق يزيد بن زريع ، عن معمر ، عن الزهري ، عن ابن أبي سلمة وحده ، ومن طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد وحده ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون ما خلا شيخ البخاري فإنه عسقلاني . ( ذكر معناه ) قوله : " إذا سمعتم الإقامة " أي : إقامة الصلاة إنما ذكر الإقامة تنبيها على ما سواها لأنه إذا نهى عن إتيانها مسرعا في حال الإقامة مع خوف فوت بعضها فقبل الإقامة أولى ، ويقال : الحكمة في التقييد بالإقامة أن المسرع إذا أقيمت الصلاة يصل إليها ، وقد انبهر فيقرأ في تلك الحالة فلا يحصل له تمام الخشوع في الترتيل وغيره بخلاف من جاء قبل ذلك ، فإن الصلاة قد لا تقام حتى يستريح . قوله : " فعليكم بالسكينة " كذا في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره " وعليكم السكينة " بالنصب بلا باء ، وكذا في رواية مسلم من طريق يونس ، وضبطها القرطبي الشارح بالنصب على الإغراء ، وضبطها النووي بالرفع على أنها جملة في موضع الحال ، وقيل : دخول الباء لا وجه له لأنه متعد بنفسه كما في قوله تعالى : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ورد بأنها زائدة للتأكيد ولم تدخل للتعدية ، وجاء في الأحاديث كثير من ذلك نحو " عليكم برخصة الله تعالى " ، " فعليه بالصوم فإنه له وجاء " ، " وعليكم بقيام الليل " ونحو ذلك ، وقال بعضهم : ثم إن الذي علل بقوله لأنه متعد بنفسه غير موف بمقصوده إذ لا يلزم من كونه يتعدى بنفسه امتناع تعديته بالباء . انتهى . ( قلت ) : هذا القائل لم يشم شيئا من علم التصريف ونفى الملازمة غير صحيح . قوله : " والوقار " قال عياض والقرطبي : وهو بمعنى السكينة وذكر على سبيل التأكيد ، وقال النووي : السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث ، والوقار في الهيئة كغض البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات . قوله : " ولا تسرعوا " فيه زيادة تأكيد ولا منافاة بينه وبين قوله تعالى : فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وإن كان معناه يشعر بالإسراع لأن المراد بالسعي الذهاب يقال : سعيت إلى كذا ، أي : ذهبت إليه ، والسعي أيضا جاء بمعنى العمل وبمعنى القصد والحكمة في منع الإسراع أنه ينافي الخشوع ، وتركه أيضا يستلزم كثرة الخطى ، وهو أمر مندوب مطلوب وردت فيه أحاديث منها : حديث مسلم رواه عن جابر " إن بكل خطوة درجة " . قوله : " فما أدركتم " الفاء فيه جزاء شرط محذوف أي : إذا بينت لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا . قوله : " وما فاتكم فأتموا " أي : أكملوا وقد بينا اختلاف الألفاظ فيه في الباب السابق . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الدلالة على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزء من الصلاة لقوله : " فما أدركتم فصلوا " ولم يفصل بين القليل والكثير . وفيه استحباب الدخول مع الإمام في أي : حالة وجده عليها . وفيه الحث على التأني والوقار عند الذهاب إلى الصلاة ، ومنه استدل قوم على أن من أدرك الإمام راكعا لم تحسب له تلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته وقد فاته القيام والقراءة فيه ، وهو أيضا مذهب من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام ، وهو قول أبي هريرة أيضا واختاره ابن خزيمة ، وعند أصحابنا ، وهو قول الجمهور أنه يكون مدركا لتلك الركعة لحديث أبي بكرة حيث ركع دون الصف فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : " زادك الله حرصا ولا تعد " ولم يأمره بإعادة تلك الركعة ، وروى أبو داود من حديث معاوية ابن أبي سفيان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تبادروني بركوع ولا سجود فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت ، وإني قد بدنت " وهذا يدل على أن المقتدي إذا لحق الإمام وهو في الركوع ، فلو شرع معه ما لم يرفع رأسه يصير مدركا لتلك الركعة ، فإذا شرع وقد رفع رأسه لا يكون مدركا لتلك الركعة ، ولو ركع المقتدي قبل الإمام فلحقه الإمام قبل قيامه يجوز عندنا خلافا لزفر رحمه الله .