6921 - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، وَالْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؟ قَالَ : مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ . قَوْلُهُ : ( سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ . قَوْلُهُ : ( قَالَ رَجُلٌ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : ظَاهِرُهُ خِلَافُ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ ، وَقَالَ تَعَالَى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ قَالَ : وَوَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا مَضَى ، فَإِنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ غَايَةَ الْإِسَاءَةِ وَرَكِبَ أَشَدَّ الْمَعَاصِي وَهُوَ مُسْتَمِرُّ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُؤَاخَذُ بِمَا جَنَاهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَيُبَكَّتُ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْكُفْرِ كَأَنْ يُقَالَ لَهُ : أَلَسْتَ فَعَلْتَ كَذَا وَأَنْتَ كَافِرٌ فَهَلَّا مَنَعَكَ إِسْلَامُكَ عَنْ مُعَاوَدَةِ مِثْلِهِ ؟ انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ أَوَّلَ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْأَوَّلِ بِالتَّبْكِيتِ وَفِي الْآخِرِ بِالْعُقُوبَةِ ، وَالْأَوْلَى قَوْلُ غَيْرِهِ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسَاءَةِ الْكُفْرُ ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ الْإِسَاءَةِ وَأَشَدُّ الْمَعَاصِي فَإِذَا ارْتَدَّ وَمَاتَ عَلَى كُفْرِهِ كَانَ كَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ فَيُعَاقَبْ عَلَى جَمِيعِ مَا قَدَّمَهُ ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ حَدِيثِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ وَأَوْرَدَ كُلًّا فِي أَبْوَابِ الْمُرْتَدِّينَ . وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ : مَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ بِالتَّمَادِي عَلَى مُحَافَظَتِهِ وَالْقِيَامِ بِشَرَائِطِهِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أَيْ فِي عَقْدِهِ بِتَرْكِ التَّوْحِيدِ أُخِذَ بِكُلِّ مَا أَسْلَفَهُ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فَعَرَضْتُهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا : لَا مَعْنَى لِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا ، وَلَا تَكُونُ الْإِسَاءَةُ هُنَا إِلَّا الْكُفْرَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . قُلْتُ : وَبِهِ جَزَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ . وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ مَعْنَى : مَنْ أَحْسَنَ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَمَنْ أَسَاءَ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ . وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَوْنِيِّ : مَعْنَى مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ أَيْ أَسْلَمَ إِسْلَامًا صَحِيحًا لَا نِفَاقَ فِيهِ وَلَا شَكَّ ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أَيْ أَسْلَمَ رِيَاءً وَسُمْعَةً ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ ، وَلِغَيْرِهِ : مَعْنَى الْإِحْسَانِ الْإِخْلَاصُ حِينَ دَخَلَ فِيهِ وَدَوَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى مَوْتِهِ ، وَالْإِسَاءَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُخْلِصْ إِسْلَامَهُ كَانَ مُنَافِقًا فَلَا يَنْهَدِمُ عَنْهُ مَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيُضَافُ نِفَاقُهُ الْمُتَأَخِّرُ إِلَى كُفْرِهِ الْمَاضِي فَيُعَاقَبُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ . قُلْتُ : وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَطَّابِيَّ حَمَلَ قَوْلَهُ : فِي الْإِسْلَامِ عَلَى صِفَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ مَاهِيَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى صِفَةٍ فِي نَفْسِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ أَوْجَهُ . ( تَنْبِيهٌ ) : حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا يُقَابِلُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْمَاضِيَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مُعَلَّقًا عَنْ مَالِكٍ ، فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ الْمَعَاصِيَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يُكْتَبُ عَلَيْهِ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَمِلَ الْحَسَنَاتِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يُكْتَبُ لَهُ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي تَوْجِيهِ الثَّانِي عِنْدَ شَرْحِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِيءَ هُنَا بَعْضُ مَا ذَكَرَ هُنَاكَ كَقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ مَعْنَى كِتَابَةِ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْخَيْرِ فِي الْكُفْرِ أَنَّهُ كَانَ سَبَبًا لِعَمَلِهِ الْخَيْرَ فِي الْإِسْلَامِ . ثُمَّ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَهُوَ مِنْ رُءُوسِ الْحَنَابِلَةِ مَا يَدْفَعُ دَعْوَةَ الْخَطَّابِيِّ ، وَابْنِ بَطَّالٍ الْإِجْمَاعَ الَّذِي نَقَلَاهُ ، وَهُوَ مَا نُقِلَ عَنِ الْمَيْمُونِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ : إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَفِيهِ أَنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي كَانَ الْكَافِرُ يَفْعَلُهَا فِي جَاهِلِيَّتِهِ إِذَا أَصَرَّ عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهَا لِأَنَّهُ بِإِصْرَارِهِ لَا يَكُونُ تَابَ مِنْهَا وَإِنَّمَا تَابَ مِنَ الْكُفْرِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ ذَنْبُ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ لِإِصْرَارِهِ عَلَيْهَا ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَلِيمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَتَأَوَّلَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ قَوْلَهُ : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا سَلَفَ مِمَّا انْتَهَوْا عَنْهُ . قَالَ : وَالِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ هِيَ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ مَعَ الْإِقْلَاعِ عَنْهُ وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ ، وَالْكَافِرُ إِذَا تَابَ مِنَ الْكُفْرِ وَلَمْ يَعْزِمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَى الْفَاحِشَةِ لَا يَكُونُ تَائِبًا مِنْهَا فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالْمُسْلِمِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِإِسْلَامِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ، وَالْأَخْبَارُ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ كَحَدِيثِ أُسَامَةَ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتْلَ الَّذِي قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، حَتَّى قَالَ فِي آخِرِهِ : حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنَّنِي كُنْتُ أَسْلَمْتُ يَوْمئِذٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِثْمِ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ · ص 278 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة · ص 76 3 - حدثني محمد بن الحسين بن إبراهيم ، أخبرنا عبيد الله بن موسى ، أخبرنا شيبان ، عن فراس ، عن الشعبي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، ما الكبائر ؟ قال : الإشراك بالله قال : ثم ماذا قال: ثم عقوق الوالدين قال : ثم ماذا قال اليمين الغموس ، قلت : وما اليمين الغموس ، قال : الذي يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب مطابقته للترجمة في قوله : الإشراك بالله . وعبيد الله هو ابن موسى العبسي الكوفي ، وهو أحد مشايخ البخاري ، روى عنه في الإيمان بلا واسطة ، وشيبان هو ابن عبد الرحمن النحوي ، وفراس بكسر الفاء ، وتخفيف الراء ، وبالسين المهملة ابن يحيى المكتب ، والشعبي هو عامر بن شراحيل ، وعبد الله بن عمرو بن العاص . والحديث مضى في النذور عن محمد بن مقاتل ، وفي الديات ، عن ابن بشار ، عن غندر ومضى الكلام فيه . قوله الإشراك بالله ، قيل : هو مفرد كيف طابق السؤال بلفظ الجمع ، وأجيب بأنه لما قال : ثم ماذا علم أنه سائل عن أكثر من الواحد ، وقيل : فيه مضاف مقدر ، تقديره : ما أكبر الكبائر ، قيل : قد تقدم في أول كتاب الديات قريبا أنه قال : ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ، وأجيب : لعل حال ذلك السائل يقتضي تغليظ أمر القتل والزجر عنه ، وحال هذا تغليظ أمر العقوق . قوله : الغموس ، أي يغمس صاحبها في الإثم أو النار . قوله : يقتطع ، أي يأخذ قطعة من ماله لنفسه ، وهو على سبيل المثال ، وأما حقيقتها فهي اليمين الكاذبة التي يتعمدها صاحبها عالما أن الأمر بخلافه . قوله : قلت قال الكرماني : إما لعبد الله ، وإما لبعض الرواة عنه . 4 - حدثنا خلاد بن يحيى ، حدثنا سفيان ، عن منصور والأعمش ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رجل : يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية ؟ قال : من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر لأن منهم من قال : المراد بالإساءة في الإسلام الارتداد من الدين ، فيدخل في قوله : في إثم من أشرك بالله . وخلاد بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام ابن يحيى بن صفوان أبو محمد السلمي الكوفي ، سكن مكة ، وسفيان الثوري ، ومنصور هو ابن المعتمر والأعمش سليمان ، وأبو وائل شقيق بن سلمة . والحديث أخرجه مسلم في الإيمان ، عن عثمان ، عن جرير . قوله : أنؤاخذ الهمزة فيه للاستفهام ، ونؤاخذ على صيغة المجهول من المؤاخذة ، يقال : فلان أخذ بذنبه ، أي حبس ، وجوزي عليه وعوقب به . قوله : من أحسن في الإسلام الإحسان في الإسلام الاستمرار على دينه وترك المعاصي . قوله : ومن أساء . الإساءة في الإسلام الارتداد عن دينه . قوله : أخذ بالأول ، أي بما عمل في الكفر . قوله : والآخر أي بما عمل في الإسلام ، وقال الخطابي : ظاهره خلاف ما أجمع عليه الأمة من أن الإسلام يجب ما قبله ، وقال تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وتأويله أن يعير بما كان منه في الكفر ، ويبكت به كأنه يقال له : أليس قد فعلت كذا وكذا وأنت كافر ، فهلا منعك إسلامك من معاودة مثله إذا أسلمت ، ثم يعاقب على المعصية التي اكتسبها ، أي في الإسلام ، وقال الكرماني : يحتمل أن يكون معنى أساء في الإسلام ألا يكون صحيح الإسلام ، أو لا يكون إيمانه خالصا ، بأن يكون منافقا ونحوه .