4 - بَاب إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ وَغَيْرُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُصَرِّحْ ، نَحْوَ قَوْلِهِ : السَّامُ عَلَيْكَ 6926 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : السَّامُ عَلَيْكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَعَلَيْكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ ؟ قَالَ : السَّامُ عَلَيْكَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَقْتُلُهُ ؟ قَالَ : لَا ، إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا : وَعَلَيْكُمْ . 6927 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : السَّامُ عَلَيْكَ ، فَقُلْتُ : بَلْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ ، فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ . قُلْتُ : أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا ؟ قَالَ : قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ . 6928 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ سَامٌ عَلَيْكَ ، فَقُلْ : عَلَيْكَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ أَوْ غَيْرُهُ ) أَيِ الْمُعَاهَدُ وَمَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ . قَوْلُهُ : ( بِسَبِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ وَتَنْقِيصُهُ ، وَقَوْلُهُ : وَلَمْ يُصَرِّحْ تَأْكِيدٌ فَإِنَّ التَّعْرِيضَ خِلَافُ التَّصْرِيحِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ قَوْلُهُ : ( نَحْوَ قَوْلِهِ السَّامُ عَلَيْكُمْ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : السَّامُ عَلَيْكَ بِالْإِفْرَادِ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي لَفْظِ عَلَيْكَ بِالْإِفْرَادِ ، وَتَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ مَعَ شَرْحِهَا فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالسَّبِّ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَطْلَقَ التَّعْرِيضَ عَلَى مَا يُخَالِفُ التَّصْرِيحَ وَلَمْ يَرِدِ التَّعْرِيضُ الْمُصْطَلَحُ وَهُوَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ لَفْظًا فِي حَقِيقَتِهِ يُلَوِّحُ بِهِ إِلَى مَعْنًى آخَرَ يَقْصِدُهُ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : حَدِيثُ الْبَابِ يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، لِأَنَّ الْجَرْحَ أَشَدُّ مِنَ السَّبِّ ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ يَخْتَارُ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبُتَّ الْحُكْمَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ قَتْلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ أَنْ لَا يَجِبَ قَتْلُهُ ؛ حَيْثُ لَا مَصْلَحَةَ فِي تَرْكِهِ ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَرِيحًا وَجَبَ قَتْلُهُ ، وَنَقَلَ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا هُوَ قَذْفٌ صَرِيحٌ كَفَرَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ ، فَلَوْ تَابَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَتْلُ ؛ لِأَنَّ حَدَّ قَذْفِهِ الْقَتْلُ وَحَدَّ الْقَذْفِ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ ، وَخَالَفَهُ الْقَفَّالُ فَقَالَ : كَفَرَ بِالسَّبِّ فَيَسْقُطُ الْقَتْلُ بِالْإِسْلَامِ ، وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ : يَزُولُ الْقَتْلُ وَيَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ ، وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ ، فَإِنْ عَرَّضَ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَأَمَّا أَهْلُ الْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ كَالْيَهُودِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : يُقْتَلُ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَيُقْتَلُ بِغَيْرِ اسْتِتَابَةٍ . وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنِ اللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ مِثْلَهُ فِي حَقِّ الْيَهُودِيِّ وَنَحْوِهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ فِي الْمُسْلِمِ : هِيَ رِدَّةٌ يُسْتَتَابُ مِنْهَا . وَعَنِ الْكُوفِيِّينَ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا عُزِّرَ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَهِيَ رِدَّةٌ . وَحَكَى عِيَاضٌ خِلَافًا هَلْ كَانَ تَرْكُ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّصْرِيحِ أَوْ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ ؟ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يَقْتُلِ الْيَهُودَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمُ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ وَلَا أَقَرُّوا بِهِ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِمْ بِعِلْمِهِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يُظْهِرُوهُ وَلَوَوْهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ تَرَكَ قَتْلَهُمْ . وَقِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يُحْمَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى السَّبِّ بَلْ عَلَى الدُّعَاءِ بِالْمَوْتِ الَّذِي لَابُدَّ مِنْهُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ : وَعَلَيْكُمْ ، أَيِ : الْمَوْتُ نَازِلٌ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ ، فَلَا مَعْنَى لِلدُّعَاءِ بِهِ ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الِاسْتِئْذَانِ ، وَكَذَا مَنْ قَالَ : السَّأَمُ بِالْهَمْزِ بِمَعْنَى السَّآمَةِ هُوَ دُعَاءٌ بِأَنْ يَمَلُّوا الدِّينَ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي السَّبِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ قَتْلِ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهَدٍ فَتُرِكَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ هَلْ يَنْتَقِضُ بِذَلِكَ عَهْدُهُ ؟ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ . وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِأَصْحَابِهِمْ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَوْ صَدَرَ مِنْ مُسْلِمٍ لَكَانَ رِدَّةً ، وَأَمَّا صُدُورُهُ مِنَ الْيَهُودِ فَالَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ أَشَدُّ مِنْهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْتُلْهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ دِمَاءَهُمْ لَمْ تُحْقَنْ إِلَّا بِالْعَهْدِ وَلَيْسَ فِي الْعَهْدِ أَنَّهُمْ يَسُبُّونَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنْ سَبَّهُ مِنْهُمْ تَعَدَّ الْعَهْدَ فَيَنْتَقِضُ فَيَصِيرُ كَافِرًا بِلَا عَهْدٍ فَيُهْدَرُ دَمُهُ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلُّ مَا يَعْتَقِدُونَهُ لَا يُؤَاخَذُونَ بِهِ لَكَانُوا لَوْ قَتَلُوا مُسْلِمًا لَمْ يُقْتَلُوا ؛ لِأَنَّ مِنْ مُعْتَقَدِهِمْ حِلَّ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مُسْلِمًا قُتِلَ ، فَإِنْ قِيلَ إِنَّمَا يُقْتَلُ بِالْمُسْلِمِ قِصَاصًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ وَلَوْ أَسْلَمَ وَلَوْ سَبَّ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُقْتَلْ . قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ فَلَا يُهْدَرُ ، وَأَمَّا السَّبُّ فَإِنَّ وُجُوبَ الْقَتْلِ بِهِ يَرْجِعُ إِلَى حَقِّ الدِّينِ فَيَهْدِمُهُ الْإِسْلَامُ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ تَرْكَ قَتْلِ الْيَهُودِ إِنَّمَا كَانَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ أَوْ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُعْلِنُوا بِهِ أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا وَهُوَ أَوْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ وَغَيْرُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُصَرِّحْ نَحْوَ قَوْلِهِ السَّامُ عَلَيْكَ · ص 293 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي ولم يصرح نحو قوله السام عليك · ص 82 باب إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصرح نحو قوله : السام عليك . أي هذا باب فيما عرض بتشديد الراء من التعريض ، وهو خلاف التصريح ، وهو نوع من الكناية . قوله : وغيره أي وغير الذمي نحو المعاهد ومن يظهر الإسلام . قوله : بسب النبي صلى الله عليه وسلم أي بتنقيصه ولكن لم يصرح بل بالتعريض نحو قوله السام بفتح السين المهملة وتخفيف الميم ، وهو الموت . قوله : عليك هكذا بالإفراد في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره عليكم ، فقيل : ليس فيه تعريض السب ، وأجيب بأنه لم يرد به التعريض المصطلح عليه ، وهو أن يستعمل لفظا في حقيقته يلوح به إلى معنى آخر يقصده ، والظاهر أن البخاري اختار في هذا مذهب الكوفيين ، فإن عندهم أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه فإن كان ذميا عزر ولا يقتل ، وهو قول الثوري ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : إن كان مسلما صار مرتدا بذلك ، وإن كان ذميا لا ينتقض عهده ، وقال الطحاوي : وقول اليهودي لرسول الله صلى الله عليه وسلم السام عليك لو كان مثل هذا الدعاء من مسلم لصار به مرتدا يقتل ، ولم يقتل الشارع القائل به من اليهود ؛ لأن ما هم عليه من الشرك أعظم من سبه ، فإن قلت من أين يعلم أن البخاري اختار في هذا مذهب الكوفيين ولم يصرح بالجواب في الترجمة ؟ قلت : عدم تصريحه يدل على ذلك ، إذ لو اختار غيره لصرح به ، ويؤيده أن حديث الباب لا يدل على قتل من يسبه من أهل الذمة ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقتله ، فإن قلت : إنما لم يقتله لمصلحة التأليف أو لعدم قيام البينة بالتصريح . قلت : لم يقتلهم بما هو أعظم منه ، وهو الشرك كما ذكرناه على أن قوله السام عليك الدعاء بالموت ، والموت لا بد منه ، فإن قلت : قتل النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن الأشرف فإنه قال : من لكعب بن الأشرف فإنه يؤذي الله ورسوله ، ووجه إليه من قتله غيلة وقتل أبا رافع ، قال البزار : كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه ، وفي حديث آخر : أن رجلا كان يسبه ، فقال : من يكفيني عدوي ؟ فقال خالد : أنا فبعثه إليه فقتله . قال ابن حزم : وهو حديث صحيح مسند رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم رجل من بلقين ، وقال ابن المديني ، وهو اسمه ، وبه يعرف ، وذكر عبد الرزاق أنه - صلى الله عليه وسلم - سبه رجل فقال : من يكفيني عدوي ؟ فقال الزبير : أنا فقتله . قلت : الجواب في هذا كله أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقتلهم بمجرد سبهم ، وإنما كانوا عونا عليه ، ويجمعون من يحاربونه ، ويؤيده ما رواه البزار ، عن ابن عباس أن عقبة بن أبي معيط نادى يا معاشر قريش ما لي أقتل من بينكم صبرا ؟ فقال له - صلى الله تعالى عليه وسلم - بكفرك وافترائك على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على أن هؤلاء كلهم لم يكونوا من أهل الذمة ، بل كانوا مشركين يحاربون الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم . 8 - حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا شعبة ، عن هشام بن زيد بن أنس بن مالك قال : سمعت أنس بن مالك يقول : مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : السام عليك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وعليك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتدرون ما يقول؟ قال السام عليك . قالوا : يا رسول الله ألا نقتله ؟! قال : لا إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، وهشام بن زيد يروي عن جده أنس بن مالك ، والحديث أخرجه النسائي في اليوم والليلة عن زيد بن حزم . قوله : السام عليك هكذا عليك بالإفراد ، ولم يختلف أحد أن لفظ عليك بالإفراد في حديث أنس ، وكذا في رواية الكشميهني في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ، وهذا الحديث الذي يليه ، وفي رواية غيره عليكم ، وكذا الخلاف في حديث ابن عمر الذي بعده . قوله : ألا نقتله كلمة ألا للتحضيض . قوله : قال لا أي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتلوه . وفيه حجة ظاهرة للكوفيين منهم أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ، فإن قلت : الواو في وعليك تقتضي التشريك . قلت : معناه وعليك ما تستحق من اللعنة والعذاب ، أو ثمة مقدر ، أي وأنا أقول وعليك أو الموت مشترك ، أي نحن وأنتم كلنا نموت ، قاله الكرماني .