24 - باب هَلْ يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ لِعِلَّةٍ 639 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتْ الصُّفُوفُ حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ انْصَرَفَ ، قَالَ : عَلَى مَكَانِكُمْ فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً وَقَدْ اغْتَسَلَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ هَلْ يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ لِعِلَّةٍ ) أَيْ لِضَرُورَةٍ ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى تَخْصِيصِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ أَنْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَقَالَ : أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ فَإِنَّ حَدِيثَ الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَيْسَ لَهُ ضَرُورَةٌ ، فَيُلْحَقُ بِالْجُنُبِ الْمُحْدِثُ وَالرَّاعِفُ وَالْحَاقِنُ وَنَحْوُهُمْ ، وَكَذَا مَنْ يَكُونُ إِمَامًا لِمَسْجِدٍ آخَرَ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِالتَّخْصِيصِ وَلَفْظُهُ : لَا يَسْمَعُ النِّدَاءَ فِي مَسْجِدٍ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ إِلَّا مُنَافِقٌ . قَوْلُهُ : ( خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى خَرَجَ فِي حَالِ الْإِقَامَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِقَامَةُ تَقَدَّمَتْ خُرُوجَهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، لِتَعْقِيبِ الْإِقَامَةِ بِالتَّسْوِيَةِ ، وَتَعْقِيبِ التَّسْوِيَةِ بِخُرُوجِهِ جَمِيعًا بِالْفَاءِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ الْجُمْلَتَيْنِ وَقَعَتَا حَالًا أَيْ خَرَجَ وَالْحَالُ أَنَّ الصَّلَاةَ أُقِيمَتْ وَالصُّفُوفُ عُدِّلَتْ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَفْظُ قَدْ تُقَرِّبُ الْمَاضِي مِنَ الْحَالِ ، وَكَأَنَّهُ خَرَجَ فِي حَالِ الْإِقَامَةِ وَفِي حَالِ التَّعْدِيلِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا إِنَّمَا شَرَعُوا فِي ذَلِكَ بِإِذْنٍ مِنْهُ ، أَوْ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ . قُلْتُ : وَتَقَدَّمَ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلنَّهْيِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَتُهُمْ لَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ : لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ ) أَيْ سُوِّيَتْ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ فَانْصَرَفَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ إِذَا ذَكَرَ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ مِنْ أَبْوَابِ الْغُسْلِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يُونُسَ بِلَفْظِ فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ ذَكَرَ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ انْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ ، وَهُوَ مُعَارِضٌ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ، فَكَبَّرَ ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَيْهِمْ ، وَلِمَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ فِي صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ أَنِ امْكُثُوا ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ قَوْلِهِ كَبَّرَ عَلَى أَرَادَ أَنْ يُكَبِّرَ ، أَوْ بِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ ، أَبْدَاهُ عِيَاضٌ ، وَالْقُرْطُبِيُّ احْتِمَالًا ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّهُ الْأَظْهَرُ ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ حِبَّانَ كَعَادَتِهِ ، فَإِنْ ثَبَتَ وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ ، وَدَعْوَى ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ الشَّافِعِيَّ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَطَاءٍ عَلَى جَوَازِ تَكْبِيرِ الْمَأْمُومِ قَبْلَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ ، قَالَ : فَنَاقَضَ أَصْلَهُ فَاحْتَجَّ بِالْمُرْسَلِ ، مُتَعَقَّبُهُ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَرُدُّ الْمَرَاسِيلَ مُطْلَقًا ، بَلْ يَحْتَجُّ مِنْهَا بِمَا يَعْتَضِدُ ، وَالْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ . قَوْلُهُ : ( انْتَظَرْنَا ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، وَقَوْلُهُ : ( انْصَرَفَ ) أَيْ إِلَى حُجْرَتِهِ وَهُوَ جَوَابُ إِذَا ، وَقَوْلُهُ : ( قَالَ ) اسْتِئْنَافٌ أَوْ حَالٌ . قَوْلُهُ : ( عَلَى مَكَانِكُمْ ) أَيْ كُونُوا عَلَى مَكَانِكُمْ . قَوْلُهُ : ( عَلَى هَيْئَتِنَا ) بِفَتْحِ الْهَاءِ بَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُمُ امْتَثَلُوا أَمْرَهُ فِي قَوْلِهِ عَلَى مَكَانِكُمْ فَاسْتَمَرُّوا عَلَى الْهَيْئَةِ - أَيِ الْكَيْفِيَّةِ - الَّتِي تَرَكَهُمْ عَلَيْهَا ، وَهِيَ قِيَامُهُمْ فِي صُفُوفِهِمُ الْمُعْتَدِلَةِ . وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَى هِينَتِنَا بِكَسْرِ الْهَاءِ وَبَعْدَ الْيَاءِ نُونٌ مَفْتُوحَةٌ ، وَالْهِينَةُ الرِّفْقُ ، وَرِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ أَوْجَهُ . قَوْلُهُ : ( يَنْطِفُ ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا أَيْ يَقْطُرُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَدِ اغْتَسَلَ ) زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ : إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَنَسِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا مَضَى فِي كِتَابِ الْغُسْلِ جَوَازُ النِّسْيَانِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِي أَمْرِ الْعِبَادَةِ لِأَجْلِ التَّشْرِيعِ ، وَفِيهِ طَهَارَةُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ ، وَجَوَازُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ فَصَلَّى ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِقَامَةَ لَمْ تُعَدْ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالضَّرُورَةِ وَبِأَمْنِ خُرُوجِ الْوَقْتِ . وَعَنْ مَالِكٍ إِذَا بَعُدَتِ الْإِقَامَةُ مِنَ الْإِحْرَامِ تُعَادُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ . وَفِيهِ أَنَّهُ لَا حَيَاءَ فِي أَمْرِ الدِّينِ ، وَسَبِيلُ مَنْ غَلَبَ أَنْ يَأْتِيَ بِعُذْرٍ مُوهِمٍ كَأَنْ يُمْسِكَ بِأَنْفِهِ لِيُوهِمَ أَنَّهُ رُعِفَ . وَفِيهِ جَوَازُ انْتِظَارِ الْمَأْمُومِينَ مَجِيءَ الْإِمَامِ قِيَامًا عِنْدَ الضَّرُورَةِ ، وَهُوَ غَيْرُ الْقِيَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ . وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنِ احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ . وَجَوَازُ الْكَلَامِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ . وَجَوَازُ تَأْخِيرِ الْجُنُبِ الْغُسْلَ عَنْ وَقْتِ الْحَدَثِ . ( فَائِدَةٌ : وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ - أَيِ الْبُخَارِيِّ - إِذَا وَقَعَ هَذَا لِأَحَدِنَا يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قِيلَ : فَيَنْتَظِرُونَ الْإِمَامَ قِيَامًا أَوْ قُعُودًا ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ قَبْلَ التَّكْبِيرِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْعُدُوا ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ انْتَظَرُوهُ قِيَامًا . وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هَلْ يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ لِعِلَّةٍ · ص 143 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب هل يخرج من المسجد لعلة · ص 594 24 - باب هل يخرج من المسجد لعلة ؟ 639 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله : ثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج وقد أقيمت الصلاة ، وعدلت الصفوف ، حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر ، انصرف . قال : ( على مكانكم ) ، فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء ، وقد اغتسل . مقصود البخاري بهذا الباب : أنه يجوز لمن كان في المسجد بعد الأذان أو بعد الإقامة أن يخرج منه لعذر . والعذر نوعان : أحدهما : ما يحتاج إلى الخروج معه من المسجد ، ثم يعود لإدراك الصلاة فيه ، مثل أن يذكر أنه على غير طهارة ، أو ينتقض وضوؤه حينئذ ، أو يدافعه الأخبثان ، فيخرج للطهارة ، ثم يعود فيلحق الصلاة في المسجد . وعلى هذا : دل حديث أبي هريرة المخرج في هذا الباب . والثاني : أن يكون العذر مانعا من الصلاة في المسجد كبدعة إمامه ونحوه ، فيجوز الخروج منه - أيضا - للصلاة في غيره ، كما فعل ابن عمر - رضي الله عنه . روى أبو داود من حديث أبي يحيى القتات ، عن مجاهد ، قال : كنت مع ابن عمر ، فثوب رجل في الظهر أو العصر ، فقال : اخرج بنا ؛ فإن هذه بدعة . وأبو يحيى هذا ، مختلف فيه . وقد استدل طائفة من أصحابنا بهذا الحديث ، وأخذوا به . وأما الخروج بعد الأذان لغير عذر ، فمنهي عنه عند أكثر العلماء . قال سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب : إذا أذن المؤذن وأنت في المسجد ، فلا تخرج حتى تصلي . قال ابن المسيب : يقال : لا يفعله إلا منافق . قال : وبلغنا أن من خرج بين الأذان والإقامة لغير الوضوء أنه سيصاب . ذكره مالك في ( الموطأ ) عنه . قال أصحابنا : لا يجوز ذلك . وقال أصحاب الشافعي : هو مكروه . قال الترمذي في ( جامعه ) : العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان ، إلا من عذر : أن يكون على غير وضوء ، أو أمر لا بد منه . ويروى عن إبراهيم النخعي ، أنه قال : يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة . قال أبو عيسى الترمذي : وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه . والمروي عن إبراهيم في هذا : ما رواه مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : إذا سمعت الإقامة وأنت في المسجد فلا تخرج . فمفهومه : جواز الخروج قبل الإقامة . وقد حمله الترمذي على العذر ، ويشهد لذلك : ما رواه وكيع ، عن عقبة أبي المغيرة ، قال : دخلنا مسجد إبراهيم وقد صلينا العصر ، وأذن المؤذن ، فأردنا أن نخرج ، فقال إبراهيم : صلوا . وقد دل على النهي عن ذلك ما روى أبو الشعثاء سليم بن الأسود ، قال : كنا قعودا في المسجد مع أبي هريرة ، فأذن المؤذن ، فقام رجل من المسجد يمشي ، فأتبعه أبو هريرة بصره ، حتى خرج من المسجد ، فقال أبو هريرة : أما هذا فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - . وخرجه الإمام أحمد ، وزاد : ثم قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا كنتم في المسجد ، فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي ) . وهذا كله إذا أذن المؤذن في وقت الصلاة ، فإذا أذن قبل الوقت ، فإن كان لغير الفجر فلا عبرة بهذا الأذان ؛ لأنه غير مشروع ، وإن كان للفجر فيجوز الخروج من المسجد بعد الأذان قبل طلوع الفجر للمؤذن - : نص عليه الإمام أحمد . وغير المؤذن في معناه ؛ فإن حكم المؤذن في الخروج بعد الأذان من المسجد كحكم غيره في النهي عند أكثر العلماء ، ونص عليه أحمد ، وإسحاق ، وقال : لا نعلم أحدا من السلف فعل خلاف ذلك . ورخص فقهاء أهل الكوفة ، منهم : سفيان وغيره في أن يخرج المؤذن من المسجد بعد أذانه للأكل في بيته .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هل يخرج من المسجد لعلة · ص 154 ( باب هل يخرج من المسجد لعلة ) أي : هذا باب يذكر فيه : هل يخرج الرجل من المسجد بعد إقامة الصلاة لأجل علة ؟ أي : ضرورة ، وذلك مثل أن يكون محدثا أو جنبا أو كان حاقنا أو حصل به رعاف أو نحو ذلك أو كان إماما بمسجد آخر . ( فإن قلت ) : روي عن أبي هريرة أنه رأى رجلا يخرج من المسجد بعد أن أذن المؤذن بالعصر فقال : أما هذا فقد عصى أبا القاسم ، رواه مسلم والأربعة . ( قلت ) : هذا محمول على من خرج بغير ضرورة وقد أوضح ذلك ما رواه الطبراني في ( الأوسط ) من طريق سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولفظه : " لا يسمع النداء في مسجدي ثم يخرج منه إلا لحاجة ، ثم لا يرجع إليه إلا منافق " . 35 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف ، حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف ، قال : على مكانكم ، فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء وقد اغتسل . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبو القاسم القريشي ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده ، وفيه رواية ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض ، وهم صالح بن كيسان فإنه رأى عبد الله بن عمر ، والزهري ، وأبو سلمة ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون . وأخرج البخاري في كتاب الغسل في باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب يخرج كما هو ولا يتيمم ، حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا عثمان بن عمر قال : حدثنا يونس ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : " أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما ، فخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب ، فقال لنا : مكانكم ، ثم رجع فاغتسل ، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر ، فكبر وصلينا معه " وقد قلنا هناك : إنه أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ، وتكلمنا بما فيه الكفاية ، ولنتكلم هنا بما يتعلق بالحديث المذكور . فقوله : " خرج " أي : من الحجرة ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون خروجه في حال الإقامة ، ويحتمل أن تكون الإقامة تقدمت خروجه ، وهو ظاهر في الرواية التي في الباب الذي بعده لتعقيب الإقامة بالتسوية وتعقيب التسوية بخروجه جميعا بالفاء . ( قلت ) : ليس فيه الاحتمالان اللذان ذكرهما ، بل معنى الحديثين سواء لأن الجملتين أعني قوله : " وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف " وقعتا حالين ، والمعنى أنه خرج والحال أنهم أقاموا الصلاة وعدلوا الصفوف ، وكذلك معنى الحديث الثاني لأن الفاء فيه ليست للتعقيب كما ظنه هذا القائل ، وإنما هذه الفاء تسمى فاء الحال ، والمعنى حال إقامة الصلاة وتعديل الصفوف خرج النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : السنة أن تكون الإقامة بنظر الإمام فلم أقيمت قبل خروجه ؟ وتقدم حديث : " لا تقوموا حتى تروني " فلم عدلت الصفوف قبل ذلك ؟ . ( قلت ) : لفظ قد يقرب الماضي من الحال ، فمعناه خرج في حال الإقامة وفي حال التعديل ، فلا يلزم المحذوران المذكوران أو علموا بالقرائن خروجه أو أذن له في الإقامة ولهم في القيام . انتهى . ( قلت ) : لا حاجة إلى قوله بأن لفظ قد يقرب الماضي من الحال لأن الجملة التي دخلت عليها لفظة قد حالية كما ذكرنا ، والأصل أن الجملة الفعلية الماضية إذا وقعت حالا تدخل عليها قد كما تدخل الواو على الجملة الاسمية إذا وقعت حالا ، وإذا دخلت الجملة الفعلية الواقعة حالا عن لفظة قد ظاهرا تقدر فيها كما في قوله تعالى : أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أي : قد حصرت . قوله : " وعدلت " أي : سويت . قوله : " حتى إذا قام في مصلاه انتظرناه أن يكبر انصرف " وفي رواية مسلم من طريق يونس ، عن الزهري " قبل أن يكبر فانصرف " ، وفيه دليل على أنه انصرف قبل أن يدخل في الصلاة . ( فإن قلت ) : يعارضه ما رواه أبو داود وابن حبان " عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الفجر فكبر ثم أومأ إليهم " وما رواه مالك من طريق عطاء بن يسار مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار بيده أن امكثوا . ( قلت ) : إذا قلنا إنهما واقعتان فلا تعارض وإلا فالذي في الصحيح أصح . قوله : " انتظرنا " جملة حالية عامل في الظرف . قوله : " أن يكبر " كلمة أن مصدرية أي : انتظرنا تكبيره . قوله : " انصرف " أي : إلى الحجرة وهو جواب إذا . قوله : " قال " استئناف . قوله : " على مكانكم " أي : توقفوا على مكانكم والزموا موضعكم . قوله : " فمكثنا " من المكث وهو اللبث . قوله : " على هيئتنا " بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الهمزة بعدها التاء المثناة من فوق ، أي : على الهيئة والصورة التي كنا عليها وهي قيامهم في الصفوف المعدلة ، وفي رواية الكشميهني على " هينتنا " بكسر الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون وكسر التاء المثناة من فوق ، والهينة الرفق والتأني ، ورواية الجماعة أصوب وأوجه . قوله : " ينطف " بكسر الطاء وضمها أي : يقطر كما صرح به في الرواية التي تأتي بعد هذه ، وهذه الجملة حال وكذا قوله : " وقد اغتسل " وماء نصب على التمييز وفي رواية الدارقطني من وجه آخر عن أبي هريرة فقال : " إني كنت جنبا فنسيت أن أغتسل " . ( ومما يستفاد من هذا الحديث ) جواز النسيان على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمر العبادة للتشريع ، وطهارة الماء المستعمل ، وانتظار الجماعة لإمامهم ما دام في سعة من الوقت ، وجواز الفصل بين الإقامة والصلاة لأن قوله : " فصلى " ظاهر في أن الإقامة لم تعد ، والظاهر أنه مقيد بالضرورة ، وعن مالك إذا بعدت الإقامة من الإحرام تعاد . ( قلت ) : الظاهر أنه إذا لم يكن له عذر ، وفيه أنه لا حياء في أمر الدين . ، وفيه جواز الكلام بين الإقامة والصلاة ، وجواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث ، وفيه أنه لا يجب على من احتلم في المسجد فأراد الخروج منه أن يتيمم .