حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب هل يخرج من المسجد لعلة

( باب هل يخرج من المسجد لعلة ) أي : هذا باب يذكر فيه : هل يخرج الرجل من المسجد بعد إقامة الصلاة لأجل علة ؟ أي : ضرورة ، وذلك مثل أن يكون محدثا أو جنبا أو كان حاقنا أو حصل به رعاف أو نحو ذلك أو كان إماما بمسجد آخر . ( فإن قلت ) : روي عن أبي هريرة أنه رأى رجلا يخرج من المسجد بعد أن أذن المؤذن بالعصر فقال : أما هذا فقد عصى أبا القاسم ، رواه مسلم والأربعة . ( قلت ) : هذا محمول على من خرج بغير ضرورة وقد أوضح ذلك ما رواه الطبراني في ( الأوسط ) من طريق سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولفظه : " لا يسمع النداء في مسجدي ثم يخرج منه إلا لحاجة ، ثم لا يرجع إليه إلا منافق " .

ج٥ / ص١٥٥35 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف ، حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف ، قال : على مكانكم ، فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء وقد اغتسل . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبو القاسم القريشي ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري .

( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده ، وفيه رواية ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض ، وهم صالح بن كيسان فإنه رأى عبد الله بن عمر ، والزهري ، وأبو سلمة ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون . وأخرج البخاري في كتاب الغسل في باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب يخرج كما هو ولا يتيمم ، حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا عثمان بن عمر قال : حدثنا يونس ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : " أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما ، فخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب ، فقال لنا : مكانكم ، ثم رجع فاغتسل ، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر ، فكبر وصلينا معه " وقد قلنا هناك : إنه أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ، وتكلمنا بما فيه الكفاية ، ولنتكلم هنا بما يتعلق بالحديث المذكور . فقوله : " خرج " أي : من الحجرة ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون خروجه في حال الإقامة ، ويحتمل أن تكون الإقامة تقدمت خروجه ، وهو ظاهر في الرواية التي في الباب الذي بعده لتعقيب الإقامة بالتسوية وتعقيب التسوية بخروجه جميعا بالفاء .

( قلت ) : ليس فيه الاحتمالان اللذان ذكرهما ، بل معنى الحديثين سواء لأن الجملتين أعني قوله : " وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف " وقعتا حالين ، والمعنى أنه خرج والحال أنهم أقاموا الصلاة وعدلوا الصفوف ، وكذلك معنى الحديث الثاني لأن الفاء فيه ليست للتعقيب كما ظنه هذا القائل ، وإنما هذه الفاء تسمى فاء الحال ، والمعنى حال إقامة الصلاة وتعديل الصفوف خرج النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : السنة أن تكون الإقامة بنظر الإمام فلم أقيمت قبل خروجه ؟ وتقدم حديث : " لا تقوموا حتى تروني " فلم عدلت الصفوف قبل ذلك ؟ . ( قلت ) : لفظ قد يقرب الماضي من الحال ، فمعناه خرج في حال الإقامة وفي حال التعديل ، فلا يلزم المحذوران المذكوران أو علموا بالقرائن خروجه أو أذن له في الإقامة ولهم في القيام . انتهى .

( قلت ) : لا حاجة إلى قوله بأن لفظ قد يقرب الماضي من الحال لأن الجملة التي دخلت عليها لفظة قد حالية كما ذكرنا ، والأصل أن الجملة الفعلية الماضية إذا وقعت حالا تدخل عليها قد كما تدخل الواو على الجملة الاسمية إذا وقعت حالا ، وإذا دخلت الجملة الفعلية الواقعة حالا عن لفظة قد ظاهرا تقدر فيها كما في قوله تعالى : أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أي : قد حصرت . قوله : " وعدلت " أي : سويت . قوله : " حتى إذا قام في مصلاه انتظرناه أن يكبر انصرف " وفي رواية مسلم من طريق يونس ، عن الزهري " قبل أن يكبر فانصرف " ، وفيه دليل على أنه انصرف قبل أن يدخل في الصلاة .

( فإن قلت ) : يعارضه ما رواه أبو داود وابن حبان " عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الفجر فكبر ثم أومأ إليهم " وما رواه مالك من طريق عطاء بن يسار مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار بيده أن امكثوا . ( قلت ) : إذا قلنا إنهما واقعتان فلا تعارض وإلا فالذي في الصحيح أصح . قوله : " انتظرنا " جملة حالية عامل في الظرف .

قوله : " أن يكبر " كلمة أن مصدرية أي : انتظرنا تكبيره . قوله : " انصرف " أي : إلى الحجرة وهو جواب إذا . قوله : " قال " استئناف .

قوله : " على مكانكم " أي : توقفوا على مكانكم والزموا موضعكم . قوله : " فمكثنا " من المكث وهو اللبث . قوله : " على هيئتنا " بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الهمزة بعدها التاء المثناة من فوق ، أي : على الهيئة والصورة التي كنا عليها وهي قيامهم في الصفوف المعدلة ، وفي رواية الكشميهني على " هينتنا " بكسر الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون وكسر التاء المثناة من فوق ، والهينة الرفق والتأني ، ورواية الجماعة أصوب وأوجه .

قوله : " ينطف " بكسر الطاء وضمها أي : يقطر كما صرح به في الرواية التي تأتي بعد هذه ، وهذه الجملة حال وكذا ج٥ / ص١٥٦قوله : " وقد اغتسل " وماء نصب على التمييز وفي رواية الدارقطني من وجه آخر عن أبي هريرة فقال : " إني كنت جنبا فنسيت أن أغتسل " . ( ومما يستفاد من هذا الحديث ) جواز النسيان على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمر العبادة للتشريع ، وطهارة الماء المستعمل ، وانتظار الجماعة لإمامهم ما دام في سعة من الوقت ، وجواز الفصل بين الإقامة والصلاة لأن قوله : " فصلى " ظاهر في أن الإقامة لم تعد ، والظاهر أنه مقيد بالضرورة ، وعن مالك إذا بعدت الإقامة من الإحرام تعاد . ( قلت ) : الظاهر أنه إذا لم يكن له عذر ، وفيه أنه لا حياء في أمر الدين .

، وفيه جواز الكلام بين الإقامة والصلاة ، وجواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث ، وفيه أنه لا يجب على من احتلم في المسجد فأراد الخروج منه أن يتيمم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث