30 - بَاب فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَكَانَ الْأَسْوَدُ إِذَا فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ ذَهَبَ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ وَجَاءَ أَنَسُ إِلَى مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى جَمَاعَةً 645 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً . قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ) أَشَارَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ إِلَى أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ يُنَافِي التَّرْجَمَةَ الَّتِي قَبْلَهَا ، ثُمَّ أَطَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ ، وَيَكْفِي مِنْهُ أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ وَاجِبًا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ ذَا فَضِيلَةٍ ، وَلَكِنَّ الْفَضَائِلَ تَتَفَاوَتُ ، فَالْمُرَادُ مِنْهَا بَيَانُ زِيَادَةِ ثَوَابِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ الْأَسْوَدُ ) أَيِ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ أَحَدُ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَفْظُهُ إِذَا فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ . وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ لَوْلَا ثُبُوتُ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَهُ لَمَا تَرَكَ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَالْمُبَادَرَةَ إِلَى خَلَاصِ الذِّمَّةِ وَتَوَجَّهَ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ ، كَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْمُنِيرِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ الْإِشَارَةَ بِأَثَرِ الْأَسْوَدِ ، وَأَنَسٍ إِلَى أَنَّ الْفَضْلَ الْوَارِدَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مَقْصُورٌ عَلَى مَنْ جَمَعَ فِي الْمَسْجِدِ دُونَ مَنْ جَمَعَ فِي بَيْتِهِ مَثَلًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لِأَنَّ التَّجْمِيعَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِالْمَسْجِدِ لَجَمَّعَ الْأَسْوَدُ فِي مَكَانِهِ وَلَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ لِطَلَبِ الْجَمَاعَةِ وَلَمَا جَاءَ أَنَسٌ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي رِفَاعَةَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ . قَوْلُهُ : ( وَجَاءَ أَنَسٌ ) وَصَلَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ : مَرَّ بِنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فِي مَسْجِدِ بَنِي ثَعْلَبَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ قَالَ : وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَفِيهِ فَأَمَرَ رَجُلًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ثُمَّ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الْجَعْدِ ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيِّ ، عَنِ الْجَعْدِ نَحْوُهُ وَقَالَ مَسْجِدُ بَنِي رِفَاعَةَ وَقَالَ فَجَاءَ أَنَسٌ فِي نَحْوِ عِشْرِينَ مِنْ فِتْيَانِهِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ إِرَادَةِ التَّجْمِيعِ فِي الْمَسْجِدِ . قَوْلُهُ : ( صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ ) بِالْمُعْجَمَةِ أَيِ الْمُنْفَرِدِ ، يُقَالُ فَذَّ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذَا بَقِيَ مُنْفَرِدًا وَحْدَهُ . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ وَسِيَاقُهُ أَوْضَحُ وَلَفْظُهُ : صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ . قَوْلُهُ : ( بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ عَامَّةُ مَنْ رَوَاهُ قَالُوا : خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَّا ابْنَ عُمَرَ فَإِنَّهُ قَالَ : سَبْعًا وَعِشْرِينَ . قُلْتُ : لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ ، عَنْ نَافِعٍ فَقَالَ فِيهِ : خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ، لَكِنَّ الْعُمَرِيَّ ضَعِيفٌ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَهِيَ شَاذَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِرِوَايَةِ الْحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأَصْحَابِ نَافِعٍ وَإِنْ كَانَ رَاوِيهَا ثِقَةً . وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ فَلَيْسَتْ مُغَايِرَةٌ لِرِوَايَةِ الْحُفَّاظِ لِصِدْقِ الْبِضْعِ عَلَى السَّبْعِ ، وَأَمَّا غَيْرُ ابْنِ عُمَرَ فَصَحَّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمِ ، وَعَنْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ عِنْدَ السَّرَّاجِ ، وَوَرَدَ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ عَنْ مُعَاذٍ ، وَصُهَيْبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَكُلُّهَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى خمس وَعِشْرِينَ سِوَى رِوَايَةِ أُبَيٍّ فَقَالَ : أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ عَلَى الشَّكِّ ، وَسِوَى رِوَايَةٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ قَالَ فِيهَا : سَبْعٌ وَعِشْرُونَ وَفِي إِسْنَادِهَا شَرِيكٌ الْقَاضِي وَفِي حِفْظِهِ ضَعْفٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي عَوَانَةَ بِضْعًا وَعِشْرِينَ وَلَيْسَتْ مُغَايِرَةً أَيْضًا لِصِدْقِ الْبِضْعِ عَلَى الْخَمْسِ ، فَرَجَعَتِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا إِلَى الْخَمْسِ وَالسَّبْعِ إِذْ لَا أَثَرَ لِلشَّكِّ ، وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهِمَا أَرْجَحُ فَقِيلَ رِوَايَةُ الْخَمْسِ لِكَثْرَةِ رُوَاتِهَا ، وَقِيلَ رِوَايَةُ السَّبْعِ لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةٌ مِنْ عَدْلٍ حَافِظٍ ، وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْحَدِيثِ وَهُوَ مُمَيِّزُ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ ، فَفِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ دَرَجَةً أَوْ حَذْفُ الْمُمَيِّزِ ، إِلَّا طُرُقَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَفِي بَعْضِهَا ضِعْفًا وَفِي بَعْضِهَا جُزْءًا وَفِي بَعْضِهَا دَرَجَةً وَفِي بَعْضِهَا صَلَاةً وَوَقَعَ هَذَا الْأَخِيرُ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْأَثِيرِ : إِنَّمَا قَالَ دَرَجَةً وَلَمْ يَقُلْ جُزْءًا وَلَا نَصِيبًا وَلَا حَظًّا وَلَا نَحْوَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ مِنْ جِهَةِ الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ فَوْقَ هَذِهِ بِكَذَا وَكَذَا دَرَجَةً ، لِأَنَّ الدَّرَجَاتِ إِلَى جِهَةِ فَوْقُ ، فَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ لَفْظُ دَرَجَةٍ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ، لَكِنْ نَفْيُهُ وُرُودَ الْجُزْءِ مَرْدُودٌ ، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ ، وَكَذَلِكَ الضِّعْفُ ، وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَ رِوَايَتَيِ الْخَمْسِ وَالسَّبْعِ بِوُجُوهٍ : مِنْهَا أَنَّ ذِكْرَ الْقَلِيلِ لَا يَنْفِي الْكَثِيرَ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ لَا يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الْعَدَدِ ، لَكِنْ قَدْ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَحُكِيَ عَنْ نَصِّهِ ، وَعَلَى هَذَا فَقِيلَ وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي : لَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ بِالْخَمْسِ ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِزِيَادَةِ الْفَضْلِ فَأَخْبَرَ بِالسَّبْعِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّارِيخِ ، وَبِأَنَّ دُخُولَ النَّسْخِ فِي الْفَضَائِلِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، لَكِنْ إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْمَنْعِ تَعَيَّنَ تَقَدُّمُ الْخَمْسِ عَلَى السَّبْعِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْفَضْلَ مِنَ اللَّهِ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ لَا النَّقْصَ . ثَالِثُهَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْعَدَدَيْنِ بِاخْتِلَافِ مُمَيِّزِهِمَا ، وَعَلَى هَذَا فَقِيلَ : الدَّرَجَةُ أَصْغَرُ مِنَ الْجُزْءِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ الْجُزْءُ رُوِيَ عند الدَّرَجَةُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْجُزْءُ فِي الدُّنْيَا وَالدَّرَجَةُ فِي الْآخِرَةِ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغَايُرِ . رَابِعُهَا الْفَرْقُ بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ وَبُعْدِهِ . خَامِسُهَا الْفَرْقُ بِحَالِ الْمُصَلِّي كَأَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ أَوْ أَخْشَعَ . سَادِسُهَا الْفَرْقُ بِإِيقَاعِهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ . سَابِعُهَا الْفَرْقُ بِالْمُنْتَظِرِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهِ . ثَامِنُهَا الْفَرْقُ بِإِدْرَاكِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا . تَاسِعُهَا الْفَرْقُ بِكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ وَقِلَّتِهِمْ . عَاشِرُهَا السَّبْعُ مُخْتَصَّةٌ بِالْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ وَقِيلَ بِالْفَجْرِ وَالْعَصْرِ وَالْخَمْسُ بِمَا عَدَا ذَلِكَ . حَادِي عَشَرَهَا السَّبْعُ مُخْتَصَّةٌ بِالْجَهْرِيَّةِ وَالْخَمْسُ بِالسِّرِّيَّةِ ، وَهَذَا الْوَجْهُ عِنْدِي أَوْجَهُهَا لِمَا سَأُبَيِّنُهُ . ثُمَّ إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي هَذَا الْعَدَدِ الْخَاصِّ غَيْرُ مُحَقَّقَةِ الْمَعْنَى . وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ ، عَنِ التُّورِبِشْتِيِّ مَا حَاصِلُهُ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ ، بَلْ مَرْجِعُهُ إِلَى عِلْمِ النُّبُوَّةِ الَّتِي قَصَرَتْ عُلُومَ الْأَلِبَّاءِ عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَتِهَا كُلِّهَا ، ثُمَّ قَالَ : وَلَعَلَّ الْفَائِدَةَ هِيَ اجْتِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ مُصْطَفِّينَ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ ، وَالِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ ، وَإِظْهَارُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُ ذَلِكَ . وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا قَدَّمْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَغَفَلَ عَنْ مُرَادِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ ، لَكِنْ أَشَارَ الْكِرْمَانِيُّ إِلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ كَوْنَ الْمَكْتُوبَاتِ خَمْسًا فَأُرِيدَ الْمُبَالَغَةُ فِي تَكْثِيرِهَا فَضُرِبَتْ فِي مِثْلِهَا فَصَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ . ثُمَّ ذَكَرَ لِلسَّبْعِ مُنَاسَبَةً أَيْضًا مِنْ جِهَةِ عَدَدِ رَكَعَاتِ الْفَرَائِضِ وَرَوَاتِبِهَا ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْحَسَنَةُ بِعَشْرٍ لِلْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ آخَرُ بَلَغَتْ عِشْرِينَ ثُمَّ زِيدَ بِقَدْرِ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، أَوْ يُزَادُ عَدَدَ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ ، وَلَا يَخْفَى فَسَادُ هَذَا . وَقِيلَ : الْأَعْدَادُ عَشَرَاتٌ وَمِئُينَ ، وَأُلُوفٌ وَخَيْرُ الْأُمُورِ الْوَسَطُ فَاعْتُبِرَتِ الْمِائَةُ وَالْعَدَدُ الْمَذْكُورُ رُبْعُهَا ، وَهَذَا أَشَدُّ فَسَادًا مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ . وَقَرَأْتُ بِخَطِّ شَيْخِنَا الْبُلْقِينِيِّ فِيمَا كَتَبَ عَلَى الْعُمْدَةِ : ظَهَرَ لِي فِي هَذَيْنِ الْعَدَدَيْنِ شَيْءٌ لَمْ أُسْبَقْ إِلَيْهِ ، لِأَنَّ لَفْظَ ابْنِ عُمَرَ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ ، وَمَعْنَاهُ الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَحْكُومِ لَهُ بِذَلِكَ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ ، وَأَدْنَى الْأَعْدَادِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ فِيهَا ذَلِكَ ثَلَاثَةٌ حَتَّى يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَتَى بِحَسَنَةٍ وَهِيَ بِعَشَرَةٍ فَيَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهِ ثَلَاثُونَ ، فَاقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْفَضْلِ الزَّائِدِ ، وَهُوَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ دُونَ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ ذَلِكَ . انْتَهَى . وَظَهَرَ لِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمَاعَةِ إِمَامٌ وَمَأْمُومٌ ، فَلَوْلَا الْإِمَامُ مَا سُمِّيَ الْمَأْمُومُ ، وَكَذَا عَكْسُهُ ، فَإِذَا تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَى مَنْ صَلَّى جَمَاعَةً بِزِيَادَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةٍ حُمِلَ الْخَبَرُ الْوَارِدُ بِلَفْظِهَا عَلَى الْفَضْلِ الزَّائِدِ ، وَالْخَبَرُ الْوَارِدُ بِلَفْظِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ عَلَى الْأَصْلِ وَالْفَضْلِ . وَقَدْ خَاضَ قَوْمٌ فِي تَعْيِينِ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلدَّرَجَاتِ الْمَذْكُورَةِ ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : وَمَا جَاءُوا بِطَائِلٍ . وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - يَعْنِي ثَالِثَ أَحَادِيثِ الْبَابِ - إِشَارَةً إِلَى بَعْضِ ذَلِكَ ، وَيُضَافُ إِلَيْهِ أُمُورٌ أُخْرَى وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ فَصَّلَهَا ابْنُ بَطَّالٍ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّارِحِينَ ، وَتَعَقَّبَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ وَاخْتَارَ تَفْصِيلًا آخَرَ أَوْرَدَهُ ، وَقَدْ نَقَّحْتُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَحَذَفْتُ مَا لَا يَخْتَصُّ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ : فَأَوَّلُهَا إِجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ ، وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَالْمَشْيُ إِلَى الْمَسْجِدِ بِالسَّكِينَةِ ، وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ دَاعِيًا ، وَصَلَاةُ التَّحِيَّةِ عِنْدَ دُخُولِهِ كُلُّ ذَلِكَ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ ، سَادِسُهَا انْتِظَارُ الْجَمَاعَةِ ، سَابِعُهَا صَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ وَاسْتِغْفَارُهُمْ لَهُ ، ثَامِنُهَا شَهَادَتُهُمْ لَهُ ، تَاسِعُهَا إِجَابَةُ الْإِقَامَةِ ، عَاشِرُهَا السَّلَامَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ حِينَ يَفِرُّ عِنْدَ الْإِقَامَةِ ، حَادِيَ عَاشِرَهَا الْوُقُوفُ مُنْتَظِرًا إِحْرَامَ الْإِمَامِ أَوِ الدُّخُولُ مَعَهُ فِي أَيِّ هَيْئَةٍ وَجدَهُ عَلَيْهَا ، ثَانِيَ عَشَرَهَا إِدْرَاكُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ كَذَلِكَ ، ثَالِثَ عَشَرَهَا : تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ وَسَدُّ فُرَجِهَا ، رَابِعَ عَشَرَهَا جَوَابُ الْإِمَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، خَامِسَ عَشَرَهَا الْأَمْنُ مِنَ السَّهْوِ غَالِبًا ، وَتَنْبِيهُ الْإِمَامِ إِذَا سَهَا بِالتَّسْبِيحِ أَوِ الْفَتْحِ عَلَيْهِ ، سَادِسَ عَشَرَهَا حُصُولُ الْخُشُوعِ وَالسَّلَامَةِ عَمَّا يُلْهِي غَالِبًا ، سَابِعَ عَشَرَهَا تَحْسِينُ الْهَيْئَةِ غَالِبًا ، ثَامِنَ عَشَرَهَا احْتِفَافُ الْمَلَائِكَةِ بِهِ ، تَاسِعَ عَشَرَهَا التَّدَرُّبُ عَلَى تَجْوِيدِ الْقِرَاءَةِ وَتَعَلُّمِ الْأَرْكَانِ وَالْأَبْعَاضِ ، الْعِشْرُونَ إِظْهَارُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ ، الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ إِرْغَامُ الشَّيْطَانِ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الطَّاعَةِ وَنَشَاطِ الْمُتَكَاسِلِ ، الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ السَّلَامَةُ مِنْ صِفَةِ النِّفَاقِ وَمِنْ إِسَاءَةِ غَيْرِهِ الظَّنَّ بِأَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاةَ رَأْسًا ، الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْإِمَامِ ، الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الِانْتِفَاعُ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَعَوْدُ بَرَكَةِ الْكَامِلِ عَلَى النَّاقِصِ ، الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ قِيَامُ نِظَامِ الْأُلْفَةِ بَيْنَ الْجِيرَانِ ، وَحُصُولُ تَعَاهُدِهِمْ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ . فَهَذِهِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ خَصْلَةً ، وَرَدَ فِي كُلٍّ مِنْهَا أَمْرٌ أَوْ تَرْغِيبٌ يَخُصُّهُ ، وَبَقِيَ مِنْهَا أَمْرَانِ يَخْتَصَّانِ بِالْجَهْرِيَّةِ ، وَهُمَا الْإِنْصَاتُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ وَالِاسْتِمَاعُ لَهَا ، وَالتَّأْمِينُ عِنْدَ تَأْمِينِهِ لِيُوَافِقَ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ ، وَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ أَنَّ السَّبْعَ تَخْتَصُّ بِالْجَهْرِيَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهَاتٌ ) : ( الْأَوَّلُ ) مُقْتَضَى الْخِصَالِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا اخْتِصَاصُ التَّضْعِيفِ بِالتَّجَمُّعِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي نَظَرِي كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِالْمَسْجِدِ فَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَهِيَ الْمَشْيُ وَالدُّخُولُ وَالتَّحِيَّةُ ، فَيُمْكِنُ أَنْ تُعَوَّضَ مِنْ بَعْضِ مَا ذُكِرَ مِمَّا يَشْتَمِلُ عَلَى خَصْلَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْأَخِيرَتَيْنِ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ غَيْرُ مَنْفَعَةِ عَوْدِ بَرَكَةِ الْكَامِلِ عَلَى النَّاقِصِ ، وَكَذَا فَائِدَةُ قِيَامِ نِظَامِ الْأُلْفَةِ غَيْرُ فَائِدَةِ حُصُولِ التَّعَاهُدِ ، وَكَذَا فَائِدَةُ أَمْنِ الْمَأْمُومِينَ مِنَ السَّهْوِ غَالِبًا غَيْرُ تَنْبِيهِ الْإِمَامِ إِذَا سَهَا . فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يُعَوَّضَ بِهَا الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فَيَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ . ( الثَّانِي ) لَا يَرِدُ عَلَى الْخِصَالِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا كَوْنُ بَعْضِ الْخِصَالِ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ مَنْ صَلَّى جَمَاعَةً دُونَ بَعْضٍ كَالتَّبْكِيرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ وَانْتِظَارِ إِحْرَامِ الْإِمَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لِأَنَّ أَجْرَ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِقَاصِدِهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَلَوْ لَمْ يَقَعْ كَمَا سَبَقَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثُ ) مَعْنَى الدَّرَجَةِ أَوِ الْجُزْءِ حُصُولُ مِقْدَارِ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُورِ لِلْمُجْمِعِ ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إِلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ خِلَافَ ذَلِكَ قَالَ : وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مُبَيَّنًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ . انْتَهَى . وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِلَفْظِ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ ، وَفِي أُخْرَى : صَلَاةٌ مَعَ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً يُصَلِّيهَا وَحْدَهُ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ نَحْوُهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : كُلُّهَا مِثْلُ صَلَاتِهِ ، وَهُوَ مُقْتَضَى لَفْظِ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ حَيْثُ قَالَ تُضَعَّفُ لِأَنَّ الضِّعْفَ كَمَا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْمِثْلُ إِلَى مَا زَادَ لَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلَى الْمِثْلَيْنِ ، تَقُولُ : هَذَا ضِعْفُ الشَّيْءِ ، أَيْ مِثْلُهُ أَوْ مِثْلَاهُ فَصَاعِدًا ، لَكِنْ لَا يُزَادُ عَلَى الْعَشَرَةِ . وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تُضَعَّفُ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَتَيِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ تَفْضُلُ أَيْ تَزِيدُ ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقَةِ فِي بَابِ مَسَاجِدِ السُّوقِ يُرِيدُ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تُسَاوِي صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ وَتَزِيدُ عَلَيْهَا الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ فَيَكُونُ لِمُصَلِّي الْجَمَاعَةِ ثَوَابُ سِتٍّ أَوْ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ مِنْ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ · ص 153 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب فَضْلِ صَلاةِ الجَمَاعَةِ · ص 22 30 - باب فَضْلِ صَلاةِ الجَمَاعَةِ وكان الأسود إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر . وجاء أنس إلى مسجد قَدْ صلي فِيهِ ، فأذن وأقام ، وصلى جماعة . هاهنا مسألتان : إحداهما : أن من فاتته الجماعة فِي مسجد لَمْ يجد فِيهِ جماعةً فإنه يذهب إلى مسجد آخر لتحصيل الجماعة ، كما فعله الأسود . وَقَالَ حماد بْن زيد : كَانَ ليث بْن أبي سليم إذا فاتته الصلاة فِي مسجد حيه اكترى حماراً ، فطاف عَلِيهِ المساجد حَتَّى يدرك جماعةً . ونص الإمام أحمد عَلَى أن من فاتته الجماعة فِي مسجد حيه أَنَّهُ يذهب إلى مسجد آخر ليدرك الجماعة ، قَالَ : وإن فاتته تكبيرة الإحرام مَعَ الإمام فِي مسجد حيه صلى معهم ، ولم يذهب إلى مسجد آخر لإدراك تكبيرة الإحرام مَعَ إمامه . وحكي عَن هشيم ، أَنَّهُ كَانَ يذهب إلى مسجد آخر لإدراك تكبيرة الإحرام مَعَ الإمام . ومذهب مَالِك : أن من وجد مسجداً قَدْ جمع أهله ، فإن طمع بإدراك جماعة فِي مسجد غيره خرج إليها ، وإن كانوا جماعةً فلا بأس أن يخرجوا فيجمعوا كراهة إعادة الجماعة عندهم فِي المسجد ، كما سيأتي . واستثنوا من ذَلِكَ المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد بيت المقدس ، فقالوا : يصلوا فيها أفذاذاً ، هُوَ أعظم لأجورهم من الجماعة خارج المسجد ، ذكره فِي ( تهذيب المدونة ) . المسألة الثانية : أن من دَخَلَ مسجداً قَدْ صلي فِيهِ جماعة ، فإنه يصلي فِيهِ جماعة مرة ثانية ، صح ذَلِكَ عَن أنس بْن مَالِك ، كما علقه عَنْهُ البخاري ، واحتج بِهِ الإمام أحمد . وَهُوَ من رِوَايَة الجعد أَبِي عُثْمَان ، أَنَّهُ رأى أَنَس بْن مَالِك دَخَلَ مسجداً قَدْ صلي فِيهِ ، فأذن وأقام وصلى بأصحابه . وقد رواه غير واحد من الثقات ، عَن الجعد ، وخرجه عَبْد الرزاق والأثرم وابن أَبِي شيبة والبيهقي وغيرهم فِي ( تصانيفهم ) من طرق متعددة عَن الجعد . وقد روي عَن أَنَس من وجه آخر ؛ وأنه رَوَى فِي ذَلِكَ حديثاً مرفوعاً . خرجه ابن عدي من طريق عباد بْن منصور ، قَالَ : رأيت أَنَس بْن مَالِك دَخَلَ مسجداً بعد العصر ، وقد صلى القوم ، ومعه نفر من أصحابه ، فأمهم ، فلما انفتل قيل لَهُ : أليس يكره هَذَا ؟ فَقَالَ : دَخَلَ رَجُل المسجد ، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ، فقام قائماً ينظر ، فَقَالَ : ( مَا لك ؟ ) قَالَ : أريد أن أصلي ، فَقَالَ : ( أما رَجُل يصلي مَعَ هَذَا ؟ ) فدخل رَجُل ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلوا جميعاً . وعباد بْن منصور ، تكلموا فِيهِ . وقد اختلف النَّاس فِي هَذه المسألة فِي موضعين : أحدهما : أن من دَخَلَ مسجداً قَدْ صلي فِيهِ فصلى وحده أو جماعة ، هَلْ يؤذن ويقيم ، أم يكفيه أذان الجماعة الأولى وإقامتهم ؟ فِيهِ قولان مشهوران للعلماء ، قَدْ سبق ذكرهما فِي مواضع من الكتاب . ومذهب أَبِي حنيفة وأصحابه وسفيان وإسحاق ؛ أَنَّهُ يجزئهم الأذان والإقامة الأولى ، وَهُوَ نَصَّ أحمد ، وقد جعله صاحب ( المغني ) المذهب ، وَهُوَ كما قَالَ ؛ لكن أحمد لا يكره إعادة الأذان والإقامة . وروي عَن طائفة من السلف كراهة إعادتهما ، منهم : عَبْد الرحمن بْن أَبِي ليلى وغيره ، وحكي - أيضاً - عن أَبِي يوسف ومحمد . وعن الشَّعْبِيّ ، قَالَ : إذا صلى فِي المسجد جماعة فإن إقامتهم تجزئ عمن صلى صلاة إلى الصلاة الأخرى . وَقَالَ الزُّهْرِيّ : يقيم ، ولم يذكر الأذان . وعن قتادة ، قَالَ : إن لَمْ يسمع الإقامة أقام ، ثُمَّ صلى . والموضع الثاني : إعادة الجماعة فِي مسجد قَدْ صلى فِيهِ إمامه الراتب . واختلف العلماء فِي ذَلِكَ : فمنهم : من كرهه ، وَقَالَ يصلون فِيهِ وحداناً ، روي ذَلِكَ عَن سَالِم وأبي قلابة ، وحكاه بعض العلماء عَن سَعِيد بْن المُسَيِّب والحسن والنخعي والضحاك والقاسم بْن مُحَمَّد والزهري وغيرهم ، وَهُوَ قَوْلِ الليث والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومالك ، وحكاه الترمذي فِي ( كتابه ) عَن ابن المبارك والشافعي ، وقد رواه الربيع عَن الشَّافِعِيّ ، وأنه لَمْ يفعله السلف ، بل قَدْ عابه بعضهم . وكان هَذَا القول هُوَ المعمول بِهِ فِي زمن بني أمية ؛ حذراً من أن يظن بمن صلى جماعة بعد جماعة المسجد الأولى أَنَّهُ مخالف للسلطان مفتئت عَلِيهِ ، لا يرى الصلاة مَعَهُ ، ولا مَعَ من أقامه فِي إمامة المساجد . وقد استدل بعضهم لهذا بما رَوَى معاوية بْن يَحْيَى ، عَن خَالِد الحذاء ، عَن عَبْد الرحمن بْن أَبِي بكرة ، عَن أَبِيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة ، فوجد النَّاس قَدْ صلوا ، فمال إلى منزله ، فجمع أهله ، فصلى بهم . خرجه الطبراني . ومعاوية بْن يَحْيَى لا يحتج بِهِ . وذهب أكثر العلماء إلى جواز إعادة الجماعة فِي المساجد فِي الجملة كما فعله أَنَس بْن مَالِك ، منهم : عَطَاء وقتادة ومكحول ، وَهُوَ قَوْلِ إِسْحَاق وأبي يوسف ومحمد وداود . واختلف فِيهِ عَن الْحَسَن والنخعي ، فروي عنهما كالقولين . والمشهور : أَنَّهُ يكره ذَلِكَ فِي مسجدي مكة والمدينة خاصة ، ويجوز فيما سواهما . ومن تأخري أصحابه من ألحق بمسجدي مكة والمدينة المسجد الأقصى فِي الكراهة . وعن أحمد رِوَايَة أخرى : لا يكره بحال . ومن أصحابنا من كرهه فِي المساجد العظام الَّتِيْ يتولى السلطان عادة ترتيب أئمتها كالجوامع ونحوها ؛ لئلا يتطرق بذلك إلى الافتئات عَلِيهِ ، ولم يكرهه فِي المساجد الَّتِيْ يرتب أئمتها جيرانها . وحكي عَن الشَّافِعِيّ أَنَّهُ يكره إعادة الجماعة فِي مساجد الدروب ونحوها دون مساجد الأسواق الَّتِيْ يكثر فيها تكرار الجماعات ؛ لكثرة استطراق النَّاس إليها ؛ دفعاً للحاجة . ومتى لَمْ يكن للمسجد إمام راتب لَمْ يكره إعادة الجماعة فِيهِ عِنْدَ أحد من العلماء ، مَا خلا الليث بْن سعد ، فإنه كره الإعادة فِيهِ أيضاً . واستدل من لَمْ يكره الإعادة بحديث أَبِي سَعِيد الْخُدرِيَّ ، قَالَ : جَاءَ رجلٌ وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : ( أيكم يتجر عَلَى هَذَا ؟ ) فقام رَجُل ، فصلى مَعَهُ . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي - وهذا لفظه ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيْث حسن - ، وابن خزيمة وابن حبان فِي ( صحيحهما ) ، والحاكم ، وَقَالَ : صحيح الإسناد . وقد قواه الإمام أحمد وأخذ بِهِ ، وَهُوَ مشكل عَلَى أصله ؛ فإنه يكره إعادة الجماعة فِي مسجد المدينة . وقد اعتذر الإمام أحمد عَنْهُ من وجهين : أحدهما : أن رغبة الصَّحَابَة فِي الصلاة مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَتْ متوفرة ، وإنما كَانَ يتخلف من لَهُ عذر ، وأما بعده فليس كذلك ، فكره تفريق الجماعات فِي المسجدين الفاضلين توقيراً للجماعة فيهما . والثاني : أن هَذَا يغتفر فِي الجماعة القليلة دون الكثيرة ، ولهذا لَمْ يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من واحد بالصلاة مَعَهُ . وكذلك قَالَ أحمد فِي الجماعة تفوتهم الجمعة : إنهم إن كانوا ثَلاَثَة صلوا جماعةً ، فإن كثروا فتوقف فِي صلاتهم جماعةً ، وَقَالَ : لا أعرفه . ومأخذه فِي ذَلِكَ : أن فِي إظهار صلاة الظهر يوم الجمعة فِي المساجد افتئاتاً عَلَى الأئمة ، ويتستر بِهِ أهل البدع إلى ترك الجمعة ، وصلاة الظهر فِي المساجد كسائر الأيام . وقد كره طائفة من السلف لمن فاتته الجمعة أن يصلوا جماعة ، منهم : الْحَسَن وأبو قلابة ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة . ورويت الرخصة فِيهِ عَن ابن مَسْعُود وإياس بْن معاوية ، وَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيّ وأحمد وإسحاق . وعن أحمد رِوَايَة : أَنَّهُ يكره صلاة الظهر جماعة إذا كثروا ، ولا يكره إذا قلوا ، وقد ذكرناها آنفاً . ومن أصحابنا من كره الجماعة فِي مكان الجمعة خاصة . واختلف فِيهِ عَن الثوري ومالك . وروي عَن حذيفة وزيد بْن ثابت أن من فاتته الجمعة لا يصلي الظهر فِي المسجد بالكلية حياء من النَّاس . قَالَ حذيفة : لا خير فيمن لا حياء فِيهِ . وَقَالَ زيد : من لا يستحي من النَّاس لا يستحي من الله . وقد روي فِي حَدِيْث أَنَس الموقوف الَّذِي علقه البخاري زيادة : أَنَّهُ أمر بعض أصحابه فأذن وصلى ركعتين ، ثُمَّ أمره فأقام ، ثُمَّ تقدم أَنَس فصلى بهم . خرجه عَبْد الرزاق ، عَن جَعْفَر بْن سُلَيْمَان ، عَن الجعد ، عَن أَنَس . وخرجه الجوزجاني من رِوَايَة ابن علية ، عَن الجعد ، قَالَ : كنا فِي مسجد بني رِفَاعَة ، فجاء أَنَس بْن مَالِك ومعه نفر ، وقد صلينا صلاة الصبح ، فَقَالَ : أصليتم ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فأذن رَجُل من القوم ، ثُمَّ صلوا ركعتين ، ثُمَّ أقام ، ثُمَّ تقدم أَنَس فصلى بهم . وهذا يدل عَلَى أن من دَخَلَ مسجداً قَدْ صلي فِيهِ والوقت باقٍ ، فإنه يجوز لَهُ أن يتطوع قَبْلَ صلاة المكتوبة ، ويصلي السنن الرواتب قَبْلَ الفرائض ، وَهُوَ قَوْلِ الأكثرين ، منهم : . . . وأبو حنيفة ومالك والشافعي . وقالت طائفة : يبدأ بالمكتوبة ، منهم : ابن عُمَر ، رواه مَالِك وأيوب وابن جُرَيْج ، عَن نافعٍ ، عَنْهُ . وكذا روي عَن عَبْد الرحمن بْن أَبِي ليلى والشعبي والنخعي وعطاء ، وَهُوَ قَوْلِ الثوري والحسن بْن حي والليث بْن سعد . وعن الْحَسَن ، قَالَ : ابدأ بالمكتوبة إلا ركعتي الفجر . وكذا قَوْلِ الثوري . واختلفت الرواية عَن أحمد فِي ذَلِكَ : فنقل عَنْهُ ابن منصور وصالح وحنبل : يبدأ بالمكتوبة ، واستدل فِي رِوَايَة ابن منصور وصالح بما روي عَن ابن عُمَر . ونقل عَنْهُ أبو الْقَاسِم البغوي فِي الرَّجُلُ يخرج إلى المسجد فيجدهم قَدْ صلوا ، ووجد رجلاً يتطوع : أيتطوع حَتَّى يجيء الرَّجُلُ ؟ قَالَ : إن شاء تطوع . ومن كره ذَلِكَ جعل الدخول إلى المسجد لإرادة الصلاة المكتوبة كإقامة الصلاة ، فلا يبدأ قبلها بشيء وإنما يشرع التطوع لمن ينتظر الإمام ؛ لأنه إذا لَمْ يخرج إلى النَّاس لَمْ يمنعوا من التطوع . ولو كَانَتْ الصلاة فِي غير مسجد فله أن يتطوع قَبْلَ المكتوبة ، قاله عَطَاء وغيره . وقياس هَذَا : أن الإمام إذا حضر المسجد ، فإنه يكره لَهُ أن يتطوع قَبْلَ المكتوبة أيضاً . وقد ذكرنا فيما تقدم فِي ( بَاب : متى يقوم النَّاس إذا رأوا الإمام ) الحَدِيْث الَّذِي خرجه أبو داود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ حِينَ تقام الصلاة فِي المسجد إذا رآهم قليلاً جلس ثُمَّ صلى ، وإذا رآهم جماعة صلى . وخرجه البيهقي ، ولفظه : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يخرج بعد النداء إلى المسجد ، فإذا رأى أهل المسجد قليلاً جلس حَتَّى يرى منهم جماعة ثُمَّ يصلي . وقد تقدم فِي ( بَاب : القيام للصلاة ) الحَدِيْث المرسل ، أن النبي صلى الله عليه وسلم جَاءَ وبلال فِي الإقامة فجلس .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل صلاة الجماعة · ص 165 ( باب فضل صلاة الجماعة ) أي هذا باب في بيان فضل الصلاة بالجماعة ، وفي بعض النسخ : باب فضل صلاة الجماعة ، لا يقال : إن بين هذه الترجمة وبين الباب الذي قبله منافاة ؛ لأن هذه في بيان الفضيلة وتلك في بيان الوجوب ، لأنا نقول : كون الشيء متصفا بالوجوب لا ينافي اتصافه بالفضيلة . ( وكان الأسود إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر ) . مطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة وهي أن الأسود بن يزيد التابعي الكبير كان إذا تفوته الصلاة بالجماعة في مسجد يذهب إلى مسجد آخر ليصلي فيه بالجماعة ، ووصل هذا التعليق أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد صحيح ولفظه : " إذا فاتته الجماعة في مسجد قومه ذهب إلى مسجد آخر " وقال صاحب ( التوضيح ) وقد روي ذلك عن حذيفة وسعيد بن جبير ، وذكر الطحاوي عن الكوفيين ومالك إن شاء صلى في مسجده وحده ، وإن شاء أتى مسجدا آخر تطلب فيه الجماعة إلا أن مالكا قال : إلا أن يكون في المسجد الحرام أو في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يخرج منه ويصلي فيه وحده لأن الصلاة في هذين المسجدين أعظم أجرا ممن صلى في جماعة ، وقال الحسن البصري : ما رأينا المهاجرين يبتغون المساجد ، وفي ( مختصر ابن شعبان ) عن مالك : من صلى في جماعة فلا يعيد في جماعة إلا في مسجد مكة والمدينة . ( وجاء أنس إلى مسجد قد صلي فيه فأذن وأقام وصلى جماعة ) مطابقته للترجمة ظاهرة كالتي قبلها ، وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية ، عن الجعد أبي عثمان ، عنه ، وعن هشيم ، أخبرنا يونس بن عبيد ، حدثني أبو عثمان فذكره ، ووصله أيضا أبو يعلى في مسنده من طريق الجعد ، قال : مر بنا أنس بن مالك فذكر نحوه ، وأخرجه البيهقي من طريق أبي عبد الصمد العمي نحوه ، وقال : مسجد بني رفاعة ، وقال : فجاء أنس في نحو عشرين من فتيانه . انتهى . واختلف العلماء في الجماعة بعد الجماعة في المسجد ، فروي عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود في مسجد قد جمع فيه ، وهو قول عطاء والحسن في رواية ، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وأشهب عملا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : " صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ " . الحديث ، وقالت طائفة : لا يجمع في مسجد جمع فيه مرتين ، روي ذلك عن سالم والقاسم وأبي قلابة ، وهو قول مالك والليث وابن المبارك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي ، وقال بعضهم : إنما كره ذلك خشية افتراق الكلمة وأن أهل البدع يتطرقون إلى مخالفة الجماعة ، وقال مالك والشافعي : إذا كان المسجد على طريق الإمام له أن يجمع فيه قوم بعد قوم ، وحاصل مذهب الشافعي أنه لا يكره في المسجد المطروق وكذا غيره إن بعد مكان الإمام ولم يخف فيه . 41 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة . مطابقته للترجمة ظاهرة . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وفيه بين مالك والنبي صلى الله عليه وسلم اثنان . وأخرجه مسلم والنسائي أيضا في الصلاة ، ولفظ مسلم : " صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده " رواه من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع . قوله : " صلاة الفرد " والرواية المشهورة " صلاة الفذ " بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة ، ومعناه المنفرد يقال : فذ الرجل من أصحابه إذا بقي وحده ، وقد استقصينا الكلام في لفظ سبع وعشرين درجة في باب الصلاة في مسجد السوق فيما مضى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل صلاة الجماعة · ص 166 42 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا الليث قال : حدثني ابن الهاد ، عن عبد الله بن خباب ، عن أبي سعيد الخدري ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : عبد الله بن يوسف التنيسي ، والليث بن سعد ، ويزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي ، وعبد الله بن خباب بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف باء أخرى ، الأنصاري التابعي ، وليس هو بابن الخباب بن الأرت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سعيد الخدري سعد بن مالك . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه السماع ، وفيه أن رواته ما بين مصري ومدني ، وهذا الحديث ساقط في بعض النسخ ثابت في الأطراف لأبي مسعود وخلف . ( قلت ) : هو ساقط في رواية كريمة ، وثابت في رواية الباقين ، وهو من أفراد البخاري ، وذكره أبو نعيم هنا بعد حديث ابن عمر ، وذكره الإسماعيلي في أول الباب الذي قبله . ( ذكر معناه ) قوله : تفضل صلاة الفذ كذا هو في عامة نسخ البخاري ، وعزاه ابن الأثير إليه في ( شرح المسند ) بلفظ : على صلاة الفذ ثم أولها بأن تفضل لما كانت بمعنى تزيد ، وهي تتعدى بعلى أعطاها معناها فعداها بها ، وإلا فهي متعدية بنفسها ، قال : وأما الذي في مسلم أفضل من صلاة الفذ ، فجاء بها بلفظ أفعل التي هي للتفضيل والتكثير في المعنى المشترك ، وهي أبلغ من تفضل على ما لا يخفى ، وقد ذكرنا أن الفذ هو المنفرد ، ولغة عبد القيس الفنذ بالنون وهي غنة لا نون حقيقة . قوله : بخمس وعشرين وفي رواية الأصيلي خمسا وعشرين زاد ابن حبان وأبو داود من وجه آخر ، عن أبي سعيد فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة أي : بلغت صلاته خمسين صلاة ، والمعنى يحصل له أجر خمسين صلاة ، وذلك يحصل له في الصلاة مع الجماعة لأن الجماعة لا تتأكد في حق المسافر لوجود المشقة ، فإذا صلاها منفردا لا يحصل له هذا التضعيف ، وإنما يحصل له إذا صلاها مع الجماعة خمسة وعشرون لأجل أنه صلاها مع الجماعة ، وخمسة وعشرون أخرى للتي هي ضعف تلك لأجل أنه أتم ركوع صلاته وسجودها ، وهو في السفر الذي هو مظنة التخفيف ، فمن أمعن نظره فيه علم أن الإشكال الذي أورده بعضهم فيه من لزوم زيادة ثواب المندوب على الواجب غير وارد .