9 - بَاب : تَكُونُ فِتْنَةٌ ؛ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ 7081 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ إِبْرَاهِيمُ : وَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَتَكُونُ فِتَنٌ ؛ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي ، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ . 7082 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَتَكُونُ فِتَنٌ ؛ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي ، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ ، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ : تَكُونُ فِتْنَةٌ ؛ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ) كَذَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ الْحَدِيثِ ، وَأَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ عَمُّهُ ، وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ؛ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَمِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَكَأَنَّهُ صَحَّحَ أَنَّ لِابْنِ شِهَابٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ . وَلَفْظُ الْحَدِيثَيْنِ سَوَاءٌ إِلَّا مَا سَأُبَيِّنُهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُمَا جَمِيعًا ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَلَمْ يَسُقِ الْبُخَارِيُّ لَفْظَ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَسَاقَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، وَفِي أَوَّلِهِ : تَكُونُ فِتْنَةٌ ؛ النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ ، وَالْيَقْظَانُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ . قَوْلُهُ : ( سَتَكُونُ فِتَنٌ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي : فِتْنَةٌ ؛ بِالْإِفْرَادِ . قَوْلُهُ : ( الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ بِسَنَدِهِ فِيهِ فِي أَوَّلِهِ : النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ ، وَالْيَقْظَانُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَاعِدِ . وَالْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورُ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَهُوَ مِنْ شُيُوخِهِ ، ثُمَّ وَجَدْتُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، وَكَانَ أَخْرَجَهُ أَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ كَرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، فَكَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ كَانَ يَذْكُرُهُ تَامًّا وَنَاقِصًا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَرْشَةَ بْنِ الْحُرِّ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي يَعْلَى مِثْلُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَقَدْ وَجَدْتُ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ : النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمُضْطَجِعِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْيَقْظَانِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهُ قَابَلَهُ بِالْقَاعِدِ . قَوْلُهُ : ( وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي ) فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الرَّاكِبِ ، وَالرَّاكِبُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمُجْرِي ، قَتْلَاهَا كُلُّهَا فِي النَّارِ . قَوْلُهُ : ( خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي ) فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا وَزَادَ : أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ فَمَنْ كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ الْحَدِيثَ . قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فِي قَوْلِهِ : وَالْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ؛ أَيِ : الْقَاعِدُ فِي زَمَانِهَا عَنْهَا . قَالَ : وَالْمُرَادُ بِالْقَائِمِ الَّذِي لَا يَسْتَشْرِفُهَا ، وَبِالْمَاشِي مَنْ يَمْشِي فِي أَسْبَابِهِ لِأَمْرٍ سِوَاهَا ، فَرُبَّمَا يَقَعُ بِسَبَبِ مَشْيِهِ فِي أَمْرٍ يَكْرَهُهُ . وَحَكَى ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَكُونُ مُبَاشِرًا لَهَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ، يَعْنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ فِي ذَلِكَ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَعْلَاهُمْ فِي ذَلِكَ السَّاعِي فِيهَا بِحَيْثُ يَكُونُ سَبَبًا لِإِثَارَتِهَا ، ثُمَّ مَنْ يَكُونُ قَائِمًا بِأَسْبَابِهَا وَهُوَ الْمَاشِي ، ثُمَّ مَنْ يَكُونُ مُبَاشِرًا لَهَا وَهُوَ الْقَائِمُ ، ثُمَّ مَنْ يَكُونُ مَعَ النَّظَّارَةِ وَلَا يُقَاتِلُ وَهُوَ الْقَاعِدُ ، ثُمَّ مَنْ يَكُونُ مُجْتَنِبًا لَهَا وَلَا يُبَاشِرُ وَلَا يَنْظُرُ وَهُوَ الْمُضْطَجِعُ الْيَقْظَانُ ، ثُمَّ مَنْ لَا يَقَعُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ رَاضٍ وَهُوَ النَّائِمُ ، وَالْمُرَادُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ فِي هَذِهِ الْخَيْرِيَّةِ مَنْ يَكُونُ أَقَلَّ شَرًّا مِمَّنْ فَوْقَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ؛ أَيْ تَطَلَّعَ لَهَا بِأَنْ يَتَصَدَّى وَيَتَعَرَّضَ لَهَا وَلَا يُعْرِضُ عَنْهَا ، وَضُبِطَ أَيْضًا مِنَ الشَّرَفِ وَمِنَ الْإِشْرَافِ . قَوْلُهُ : ( تَسْتَشْرِفُهُ ) ؛ أَيْ تُهْلِكُهُ بِأَنْ يُشْرِفَ مِنْهَا عَلَى الْهَلَاكِ ، يُقَالُ : اسْتَشْرَفْتُ الشَّيْءَ عَلَوْتُهُ وَأَشْرَفْتُ عَلَيْهِ ، يُرِيدُ : مَنِ انْتَصَبَ لَهَا انْتَصَبَتْ لَهُ ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا أَعْرَضَتْ عَنْهُ . وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ طَلَعَ فِيهَا بِشَخْصِهِ قَابَلَتْهُ بِشَرِّهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ : مَنْ خَاطَرَ فِيهَا بِنَفْسِهِ أَهْلَكَتْهُ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ : مَنْ غَالَبَهَا غَلَبَتْهُ . قَوْلُهُ : ( فَمَنْ وَجَدَ فِيهَا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : مِنْهَا . قَوْلُهُ : ( مَلْجَأً ) ؛ أَيْ : يَلْتَجِئُ إِلَيْهِ مِنْ شَرِّهَا . قَوْلُهُ : ( أَوْ مَعَاذًا ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ بِمَعْنَى الْمَلْجَأِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَرُوِّينَاهُ بِالضَّمِّ ؛ يَعْنِي : مُعَاذًا . قَوْلُهُ : ( فَلْيَعُذْ بِهِ ) ؛ أَيْ : لِيَعْتَزِلْ فِيهِ لِيَسْلَمَ مِنْ شَرِّ الْفِتْنَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ : فَلْيَسْتَعِذْ . وَوَقَعَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ، وَلَفْظُهُ : فَإِذَا نَزَلَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ - وَذَكَرَ الْغَنَمَ وَالْأَرْضَ - قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ؟ قَالَ : يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقَّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ ثُمَّ لِيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ . وَفِيهِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالْحَثُّ عَلَى اجْتِنَابِ الدُّخُولِ فِيهَا وَأَنَّ شَرَّهَا يَكُونُ بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ بِهَا ، وَالْمُرَادُ بِالْفِتْنَةِ مَا يَنْشَأُ عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ حَيْثُ لَا يُعْلَمُ الْمُحِقُّ مِنَ الْمُبْطِلِ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : اخْتَلَفَ السَّلَفُ فَحَمَلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْعُمُومِ وَهُمْ مَنْ قَعَدَ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْقِتَالِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُطْلَقًا كَسَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَأَبِي بَكْرَةَ فِي آخَرِينَ ، وَتَمَسَّكُوا بِالظَّوَاهِرِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِلُزُومِ الْبُيُوتِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : بَلْ بِالتَّحَوُّلِ عَنْ بَلَدِ الْفِتَنِ أَصْلًا . ثُمَّ اخْتَلَفُوا ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِذَا هَجَمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَكُفُّ يَدَهُ وَلَوْ قُتِلَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : بَلْ يُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ مَالِهِ وَعَنْ أَهْلِهِ وَهُوَ مَعْذُورٌ إِنْ قَتَلَ أَوْ قُتِلَ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِذَا بَغَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْإِمَامِ فَامْتَنَعَتْ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا وَنَصَبَتِ الْحَرْبَ وَجَبَ قِتَالُهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَحَارَبَتْ طَائِفَتَانِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ قَادِرٍ الْأَخْذُ عَلَى يَدِ الْمُخْطِئِ وَنَصْرُ الْمُصِيبَ ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَفَصَّلَ آخَرُونَ فَقَالُوا : كُلُّ قِتَالٍ وَقَعَ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ لَا إِمَامَ لِلْجَمَاعَةِ فَالْقِتَالُ حِينَئِذٍ مَمْنُوعٌ ، وَتَنْزِلُ الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الْفِتْنَةَ أَصْلُهَا الِابْتِلَاءُ ، وَإِنْكَارُ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَمَنْ أَعَانَ الْمُحِقَّ أَصَابَ وَمَنْ أَعَانَ الْمُخْطِئَ أَخْطَأَ ، وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَهِيَ الْحَالَةُ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْقِتَالِ فِيهَا . وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي حَقِّ نَاسٍ مَخْصُوصِينَ ، وَأَنَّ النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ . وَقِيلَ : إِنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ مَخْصُوصَةٌ بِآخِرِ الزَّمَانِ حَيْثُ يَحْصُلُ التَّحَقُّقُ أَنَّ الْمُقَاتَلَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ . وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَتَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : أَيَّامَ الْهَرْجِ . قُلْتُ : وَمَتَى ؟ قَالَ : حِينَ لَا يَأْمَنُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ · ص 33 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم · ص 190 باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم أي هذا باب يذكر فيه تكون . . . إلى آخره ، وهذه الترجمة بعض الحديث . 30 - حدثنا محمد بن عبيد الله ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة . قال إبراهيم : وحدثني صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، من تشرف لها تستشرفه ، فمن وجد فيها ملجأ أو معاذا فليعذ به . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ومحمد بن عبيد الله - مصغرا - ابن محمد مولى عثمان بن عفان الأموي ، وإبراهيم بن سعد يروي عن أبيه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن عمه أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة . والحديث أخرجه مسلم في الفتن أيضا عن إسحاق بن منصور . قوله ( ستكون فتن ) ، وفي رواية المستملي فتنة ، والمراد جميع الفتن ، وقيل : هي الاختلاف الذي يكون بين أهل الإسلام بسبب افتراقهم على الإمام ، ولا يكون المحق فيها معلوما بخلاف علي ومعاوية . قوله ( القاعد فيها ) أي : في الفتن ( خير من القائم ) إشارة إلى أن شرها يكون بحسب التعلق بها ، وزاد الإسماعيلي : والنائم فيها خير من اليقظان ، واليقظان فيها خير من القاعد . ولمسلم : اليقظان فيها خير من النائم ، وللبزار : ستكون فتن ، ثم تكون فتن بزيادة : والمضطجع خير من القاعد فيها . ولأبي داود : المضطجع فيها خير من الجالس ، والجالس خير من القائم . ومعنى القاعد خير من القائم الذي لا يستشرفها . وقال الداودي : الظاهر أنه إنما أراد أن يكون فيها قاعدا ، وحكى ابن التين عنه أن الظاهر أن المراد من يكون مباشرا لها في الأحوال كلها ، يعني أن بعضهم في ذلك أشد من بعض فأعلاهم في ذلك الساعي فيها بحيث يكون سببا لإثارتها ، ثم من يكون قائما بأسبابها وهو الماشي ، ثم من يكون مباشرا لها وهو القائم ، ثم من يكون مع النظارة ولا يقاتل وهو القاعد ، ثم من يكون محسنا لها ولا يباشر ولا ينظر وهو المضطجع اليقظان ، ثم من لا يقع منه شيء من ذلك ولكنه راض وهو النائم ، والمراد بالأفضلية في هذه الخيرية من يكون أقل شرا ممن فوقه على التفصيل المذكور . قوله ( من تشرف ) بفتح التاء المثناة من فوق والشين المعجمة وتشديد الراء على وزن تفعل ، أي : تطلع لها بأن يتصدر ويتعرض لها ولا يعرض عنها . وقال الكرماني : ويروى من يشرف من الإشراف . قوله ( تستشرفه ) أي : تهلكه بأن يشرف منها على الهلاك ، يقال : استشرفت الشيء علوته وأشرفت عليه . قوله ( ملجأ ) أي : موضعا يلتجأ إليه من شرها . قوله ( أو معاذا ) بفتح الميم وبالعين المهملة وبالذال المعجمة ، أي : موضع العوذ ، وهو بمعنى الالتجاء أيضا . وقال ابن التين : رويناه بالضم يعني بضم الميم . قوله ( فليعذ به ) جواب قوله ( فمن وجد ) .