21 - بَاب الشَّهَادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي وِلَايَة الْقَضَاء أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ لِلْخَصْمِ وَقَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي ، وَسَأَلَهُ إِنْسَانٌ الشَّهَادَةَ فَقَالَ : ائْتِ الْأَمِيرَ حَتَّى أَشْهَدَ لَكَ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : قَالَ عُمَرُ ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ - زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ - وَأَنْتَ أَمِيرٌ ، فَقَالَ : شَهَادَتُكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ : صَدَقْتَ . وقَالَ عُمَرُ : لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُ آيَةَ الرَّجْمِ بِيَدِي ، وَأَقَرَّ مَاعِزٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالزِّنَا أَرْبَعًا فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْهَدَ مَنْ حَضَرَهُ . وَقَالَ حَمَّادٌ : إِذَا أَقَرَّ مَرَّةً عِنْدَ الْحَاكِمِ رُجِمَ . وَقَالَ الْحَكَمُ : أَرْبَعًا . 7170 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بن عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ ، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ : مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ ، فَقُمْتُ لِأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلِي فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لِي ، فَجَلَسْتُ ، ثُمَّ بَدَا لِي ، فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ : سِلَاحُ هَذَا الْقَتِيلِ الَّذِي يَذْكُرُ عِنْدِي . قَالَ : فَأَرْضِهِ مِنْهُ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : كَلَّا ، لَا يُعْطِهِ أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، قَالَ : فقام رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدَّاهُ إِلَيَّ ، فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا ، فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ اللَّيْثِ : فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدَّاهُ إِلَيَّ . وَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ : الْحَاكِمُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ ، شَهِدَ بِذَلِكَ فِي وِلَايَتِهِ أَوْ قَبْلَهَا ، وَلَوْ أَقَرَّ خَصْمٌ عِنْدَهُ لِآخَرَ بِحَقٍّ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ حَتَّى يَدْعُوَ بِشَاهِدَيْنِ فَيُحْضِرَهُمَا إِقْرَارَهُ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ : مَا سَمِعَ أَوْ رَآهُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ قَضَى بِهِ ، وَمَا كَانَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَقْضِ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ يحضرهما إقراره . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ يَقْضِي بِهِ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ ، وَإِنَّمَا يُرَادُ مِنْ الشَّهَادَةِ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ فَعِلْمُهُ أَكْثَرُ مِنْ الشَّهَادَةِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْأَمْوَالِ ، وَلَا يَقْضِي فِي غَيْرِهَا . وَقَالَ الْقَاسِمُ : لَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يقضي قَضَاءً بِعِلْمِهِ دُونَ عِلْمِ غَيْرِهِ ، مَعَ أَنَّ عِلْمَهُ أَكْثَرُ مِنْ شَهَادَةِ غَيْرِهِ ، وَلَكِنَّ فِيهِ تَعَرُّضًا لِتُهَمَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِيقَاعًا لَهُمْ فِي الظُّنُونِ ، وَقَدْ كَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظَّنَّ ، فَقَالَ : إِنَّمَا هَذِهِ صَفِيَّةُ . قَوْلُهُ ( بَابُ الشَّهَادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ لِلْخَصْمِ ) أَيْ هَلْ يَقْضِي لَهُ عَلَى خَصْمِهِ بِعِلْمِهِ ذَلِكَ أَوْ يَشْهَدُ لَهُ عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ ؟ هَكَذَا أَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ مُسْتَفْهِمًا بِغَيْرِ جَزْمٍ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَإِنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي اخْتِيَارَ أَنْ لَا يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِيهَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي ) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ الْمَاضِي ذِكْرُهُ قَرِيبًا . قَوْلُهُ ( وَسَأَلَهُ إِنْسَانٌ الشَّهَادَةَ فَقَالَ : ائْتِ الْأَمِيرَ حَتَّى أَشْهَدَ لَكَ ) وَصَلَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُبْرُمَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : أَشْهَدَ رَجُلٌ شُرَيْحًا ثم جَاءَ فَخَاصَمَ إِلَيْهِ فَقَالَ : ائْتِ الْأَمِيرَ وَأَنَا أَشْهَدُ لَكَ وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ قَالَ : قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ : يَا أَبَا عَمْرٍو ، أَرَأَيْتَ رَجُلَيْنِ اسْتُشْهِدَا عَلَى شَهَادَةٍ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَاسْتُقْضِيَ الْآخَرُ ، فَقَالَ : أُتِيَ شُرَيْحٌ فِيهَا وَأَنَا جَالِسٌ فَقَالَ : ائْتِ الْأَمِيرَ وَأَنَا أَشْهَدُ لَكَ . قَوْلُهُ : وَقَالَ عِكْرِمَةُ : قَالَ عُمَرُ ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ إِلَخْ ) وَصَلَهُ الثَّوْرِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بِهِ ، وَوَقَعَ فِي الْأَصْلِ : لَوْ رَأَيْتَ - بِالْفَتْحِ - وَأَنْتَ أَمِيرٌ وَفِي الْجَوَابِ : فَقَالَ شَهَادَتُكَ وَوَقَعَ فِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ أَرَأَيْتَ - بِالْفَتْحِ - لَوْ رَأَيْتُ بِالضَّمِّ - رَجُلًا سَرَقَ أَوْ زَنَا ، قَالَ : أَرَى شَهَادَتَكَ وَقَالَ : أَصَبْتَ بَدَلَ قَوْلِهِ : صَدَقْتَ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بِلَفْظِ : أَرَأَيْتَ لَوْ كُنْتَ الْقَاضِيَ أَوِ الْوَالِيَ وَأَبْصَرْتَ إِنْسَانًا عَلَى حَدٍّ أَكُنْتَ تُقِيمُهُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : لَا ، حَتَّى يَشْهَدَ مَعِي غَيْرِي ، قَالَ : أَصَبْتَ لَوْ قُلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ تُجِدَّ وَهُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ مِنَ الْإِجَادَةِ . قُلْتُ : وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوُ هَذَا وَسَأَذْكُرُهُ بَعْدُ ، وَهَذَا السَّنَدُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ عِكْرِمَةَ وَمَنْ ذَكَرَهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَضْلًا عَنْ عُمَرَ ، وَهَذَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُنَبَّهُ عَلَيْهَا مَنْ يُغْتَرُّ بِتَعْمِيمِ قَوْلِهِمْ : إِنَّ التَّعْلِيقَ الْجَازِمَ صَحِيحٌ ، فَيَجِبُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِأَنْ يُزَادَ إِلَى مَنْ عُلِّقَ عَنْهُ وَيَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُمَرُ : لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ : زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُ آيَةَ الرَّجْمِ بِيَدِي ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الِاعْتِرَافِ بِالزِّنَا فِي شَرْحِ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ الرَّجْمِ الَّذِي هُوَ طَرَفٌ مِنْ قِصَّةِ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، قَالَ الْمُهَلَّبُ : اسْتَشْهَدَ الْبُخَارِيُّ لِقَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ بِقَوْلِ عُمَرَ هَذَا أَنَّهُ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فِي آيَةِ الرَّجْمِ أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ فَلَمْ يُلْحِقْهَا بِنَصِّ الْمُصْحَفِ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ ، وَأَفْصَحَ فِي الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : لَوْلَا أَنْ يُقَالَ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَطْعِ الذَّرَائِعِ لِئَلَّا تَجِدَ حُكَّامَ السُّوءِ سَبِيلًا إِلَى أَنْ يَدَّعُوا الْعِلْمَ لِمَنْ أَحَبُّوا لَهُ الْحُكْمَ بِشَيْءٍ . قَوْلُهُ : ( وَأَقَرَّ مَاعِزٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالزِّنَا أَرْبَعًا فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْهَدَ مَنْ حَضَرَهُ ) هَذَا طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي ذُكِرَ قَبْلُ بِبَابٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحِكَايَةِ الْخِلَافِ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ فِي اسْمِ صَحَابِيِّهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ حَمَّادٌ ) هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فَقِيهُ الْكُوفَةِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا أَقَرَّ مَرَّةً عِنْدَ الْحَاكِمِ رُجِمَ ) وَقَالَ الْحَكَمُ ، هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ وَهُوَ فَقِيهُ الْكُوفَةِ أَيْضًا . قَوْلُهُ ( أَرْبَعًا ) أَيْ لَا يُرْجَمُ حَتَّى يقر أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كَمَا فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ : سَأَلْتُ حَمَّادًا عَنِ الرَّجُلِ يُقِرُّ بِالزِّنَا كَمْ يُرَدُّ ؟ قَالَ : مَرَّةً . قَالَ : وَسَأَلْتُ الْحَكَمَ فَقَالَ : أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي شَرْحِ قِصَّةِ مَاعِزٍ فِي أَبْوَابِ الرَّجْمِ . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ فِي قِصَّةِ سَلَبِ الْقَتِيلِ الَّذِي قَتَلَهُ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ ، وَقَوْلُهُ هُنَا قَالَ : فَأَرْضِهِ مِنْهُ هِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ ، وَعِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنِّي وَقَوْلُهُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدَّاهُ إِلَيَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَعَلِمَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَدَلَ فَقَامَ وَكَذَا لِأَكْثَرِ رُوَاةِ الْفَرَبْرِيِّ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ هَذِهِ ، وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهَا الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ : وَقَالَ لِي عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنِ اللَّيْثِ : فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدَّاهُ إِلَيَّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ فَأَمَرَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ بَعْدَهَا رَاءٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ صَالِحٍ أَبُو صَالِحٍ وَهُوَ كَاتِبُ اللَّيْثِ ، وَالْبُخَارِيُّ يَعْتَمِدُهُ فِي الشَّوَاهِدِ ، وَلَوْ كَانَتْ رِوَايَةُ قُتَيْبَةَ بِلَفْظِ فَقَامَ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ مَعْنًى . قَالَ الْمُهَلَّبُ : قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ : فَعَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي عَلِمَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ هُوَ قَاتِلُ الْقَتِيلِ الْمَذْكُورِ ، قَالَ : وَهِيَ وَهْمٌ قَالَ : وَالصَّحِيحُ فِيهِ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ بِلَفْظِ فَقَامَ قَالَ : وَقَدْ رَدَّ بَعْضُ النَّاسِ الْحُجَّةَ الْمَذْكُورَةَ فَقَالَ : لَيْسَ فِي إِقْرَارِ مَاعِزٍ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا حُكْمِهِ بِالرَّجْمِ دُونَ أَنْ يَشْهَدَ مَنْ حَضَرَهُ ، وَلَا فِي إِعْطَائِهِ السَّلَبَ لِأَبِي قَتَادَةَ حُجَّةٌ لِلْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ مَاعِزًا إِنَّمَا كَانَ إِقْرَارُهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ، إِذْ مَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقْعُدُ وَحْدَهُ فَلَمْ يَحْتَجِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُشْهِدَهُمْ عَلَى إِقْرَارِهِ لِسَمَاعِهِمْ مِنْهُ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ قِصَّةُ أَبِي قَتَادَةَ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : لَا حُجَّةَ فِي قِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فَعَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ فَحَكَمَ عَلَيْهِ ، فَهِيَ حُجَّةٌ لِلْمَذْهَبِ ، يَعْنِي الصَّائِرَ إِلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ فِيمَا يَقَعُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : ظَاهِرُ أَوَّلِ الْقِصَّةِ يُخَالِفُ آخِرَهَا ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الْبَيِّنَةَ بِالْقَتْلِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ ، ثُمَّ دَفَعَ السَّلَبَ لِأَبِي قَتَادَةَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْخَصْمَ اعْتَرَفَ ، يَعْنِي فَقَامَ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ ، وَبِأَنَّ الْمَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي مِنْهُ مَنْ شَاءَ وَيَمْنَعُ مَنْ شَاءَ . قُلْتُ : وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَالْبَيِّنَةُ لَا تَنْحَصِرُ فِي الشَّهَادَةِ ، بَلْ كُلُّ مَا كَشَفَ الْحَقَّ يُسَمَّى بَيِّنَةً . قَوْلُهُ ( وَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ : الْحَاكِمُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ ، شَهِدَ بِذَلِكَ فِي وِلَايَتِهِ أَوْ قَبْلَهَا ) هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيُّ : لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِمَا عَلِمَ لِوُجُودِ التُّهْمَةِ ؛ إِذْ لَا يُؤْمَنُ عَلَى التَّقِيِّ أَنْ يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ التُّهْمَةُ قَالَ : وَأَظُنُّهُ ذَهَبَ إِلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ زُبَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ : لَوْ وَجَدْتُ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ مَا أَقَمْتُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ مَعِي غَيْرِي ثُمَّ سَاقَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : وَلَا أَحْسَبُ مَالِكًا ذَهَبَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَلَّدَ أَكْثَرَ هَذِهِ الْأُمَّةَ فَضْلًا وَعِلْمًا . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ إِلَى الْأَثَرِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ عَنْ عُمَرَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، قَالَ : وَيَلْزَمُ مَنْ أَجَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ مُطْلَقًا أَنَّهُ لَوْ عَمَدَ إِلَى رَجُلٍ مَسْتُورٍ لَمْ يُعْهَدْ مِنْهُ فُجُورٌ قَطُّ أَنْ يَرْجُمَهُ وَيَدَّعِيَ أَنَّهُ رَآهُ يَزْنِي ، أَوْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ وَيَزْعُمَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُطَلِّقُهَا ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمَتِهِ وَيَزْعُمَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَعْتِقُهَا ، فَإِنَّ هَذَا الْبَابَ لَوْ فُتِحَ لَوَجَدَ كُلُّ قَاضٍ السَّبِيلَ إِلَى قَتْلِ عَدُوِّهُ وَتَفْسِيقِهِ وَالتَّفْرِيقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يُحِبُّ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَوْلَا قُضَاةُ السُّوءِ لَقُلْتُ : إِنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ انْتَهَى . وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ فَمَا الظَّنُّ بِالْمُتَأَخِّرِ ، فَيَتَعَيَّنُ حَسْمُ مَادَّةِ تَجْوِيزِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ لِكَثْرَةِ مَنْ يَتَوَلَّى الْحُكْمَ مِمَّنْ لَا يُؤْمَنُ عَلَى ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ ( وَلَوْ أَقَرَّ خَصْمٌ عِنْدَهُ لِآخَرَ بِحَقٍّ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ حَتَّى يَدْعُوَ بِشَاهِدَيْنِ فَيُحْضِرَهُمَا إِقْرَارَهُ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : مَا ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : يَحْكُمُ بِمَا عَلِمَهُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : ، وَأَشْهَبُ لَا يَقْضِي بِمَا يَقَعُ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ إِلَّا إِذَا شَهِدَ بِهِ عِنْدَهُ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ حَكَمَ بِعِلْمِهِ يَقْضِي عَلَى الْمَشْهُورِ ، إِلَّا إِنْ كَانَ عِلْمُهُ حَادِثًا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمُحَاكَمَةِ فَقَوْلَانِ ، وَأَمَّا مَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَيَحْكُمُ مَا لَمْ يُنْكِرِ الْخَصْمُ بَعْدَ إِقْرَارِهِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ : لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَيَكُونُ شَاهِدًا . وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ . وَفِي الْمَذْهَبِ تَفَارِيعُ طَوِيلَةٌ فِي ذَلِكَ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَقَوْلُ مَنْ قَالَ لَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ شَاهِدَانِ يُؤَوَّلُ إِلَى الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يُؤَدِّيَا أَوْ لَا ؛ إِنْ أَدَّيَا فَلَا بُدَّ مِنَ الْأَعْذَارِ ، فَإِنْ أُعْذِرَ احْتِيجَ إِلَى الْإِثْبَاتِ وَتَسَلْسَلَتِ الْقَضِيَّةُ ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ رَجَعَ إِلَى الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّيَا كَالْعَدَمِ . وَأَجَابَ غَيْرُهُ أَنَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ رَدْعُ الْخَصْمِ عَنِ الْإِنْكَارِ ، لِأَنَّهُ إِذَا عَرَفَ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَشْهَدُ امْتَنَعَ مِنَ الْإِنْكَارِ خَشْيَةَ التَّعْزِيرِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَمِنَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ : مَا سَمِعَ أَوْ رَآهُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ قَضَى بِهِ ، وَمَا كَانَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَقْضِ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ يُحْضِرُهُمَا إِقْرَارَهُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ . قُلْتُ : وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَيُوَافِقُهُمْ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَأَصْبَغُ ، وَسَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ ، وَيُوَافِقُهُ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : اعْتَرَفَ رَجُلٌ عِنْدَ شُرَيْحٍ بِأَمْرٍ ثُمَّ أَنْكَرَهُ فَقَضَى عَلَيْهِ بِاعْتِرَافِهِ ، فَقَالَ : أَتَقْضِي عَلَيَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَقَالَ : شَهِدَ عَلَيْكَ ابْنُ أُخْتِ خَالَتِكَ ، يَعْنِي نَفْسَهُ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ يَقْضِي بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ اسْمُ مَفْعُولٍ ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِالشَّهَادَةِ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ ، فَعِلْمُهُ أَكْبَرُ مِنَ الشَّهَادَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمَنْ تَبِعَهُ وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيُّ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ بِمِصْرَ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ : إِنْ كَانَ الْقَاضِي عَدْلًا لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي حَدٍّ وَلَا قِصَاصٍ إِلَّا مَا أُقِرَّ بِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَيَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي كُلِّ الْحُقُوقِ مِمَّا عَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ أَوْ بَعْدَ مَا وَلِيَ ، فَقَيَّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِ الْقَاضِي عَدْلًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ رُبَّمَا وَلِيَ الْقَضَاءَ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ بِطَرِيقِ التَّغَلُّبِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ ) يَعْنِي أَهْلَ الْعِرَاقِ ( يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْأَمْوَالِ وَلَا يَقْضِي فِي غَيْرِهَا ) هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ فِيمَا نَقَلَهُ الْكَرَابِيسِيُّ عَنْهُ إِذَا رَأَى الْحَاكِمُ رَجُلًا يَزْنِي مَثَلًا لَمْ يَقْضِ بِعِلْمِهِ حَتَّى تَكُونَ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِذَلِكَ عِنْدَهُ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْقِيَاسُ أَنَّهُ يَحْكُمُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِعِلْمِهِ ، وَلَكِنْ أَدع الْقِيَاسَ وَأَسْتَحْسِنُ أَنْ لَا يَقْضِيَ فِي ذَلِكَ بِعِلْمِهِ . ( تَنْبِيهٌ ) : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي فِي قَبُولِ الشَّاهِدِ وَرَدِّهِ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْهُ مِنْ تَجْرِيحٍ أَوْ تَزْكِيَةٍ . وَمُحَصَّلُ الْآرَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سَبْعَةٌ ، ثَالِثُهَا فِي زَمَنِ قَضَائِهِ خَاصَّةً ، رَابِعُهَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ ، خَامِسُهَا فِي الْأَمْوَالِ دُونَ غَيْرِهَا ، سَادِسُهَا مِثْلُهُ ، وَفِي الْقَذْفِ أَيْضًا وَهُوَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ ، سَابِعُهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي الْحُدُودِ وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : لَا يَقْضِي الْحَاكِمُ بِعِلْمِهِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ عِنْدَنَا الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي الْحُدُودِ ، ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلًا مُخَرَّجًا أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا أَيْضًا حِينَ رَأَوْا أَنَّهَا لَازِمَةً لَهُمْ ، كَذَا قَالَ فَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي التَّهْوِيلِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ مَعَ شُهْرَةِ الِاخْتِلَافِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْقَاسِمُ : لَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقْضِيَ قَضَاءً بِعِلْمِهِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَمْضِي . قَوْلُهُ : ( دُونَ عِلْمِ غَيْرِهِ ) أَيْ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ عَالِمًا بِهِ لَا غَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( وَلَكِنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّخْفِيفِ وَتَعَرُّضٌ بِالرَّفْعِ . قَوْلُهُ : ( وَإِيقَاعًا ) عَطْفٌ عَلَى تَعَرُّضًا أَوْ نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ وَالْعَامِلُ فِيهِ مُتَعَلَّقُ الظَّرْفِ ، وَالْقَاسِمُ الْمَذْكُورُ كُنْتُ أَظُنُّهُ أَنَّهُ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ فِي الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ انْصَرَفَ الذِّهْنُ إِلَيْهِ ، لَكِنْ رَأَيْتُ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَرِيبًا فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ أَصْحَابَهُ الْكُوفِيِّينَ وَوَافَقَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ ( وَقَدْ كَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظَّنَّ فَقَالَ : إِنَّمَا هَذِهِ صَفِيَّةُ ) هُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي وَصَلَهُ بَعْدُ ، وَقَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَيِ ابْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الشَّهَادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي وِلَايَتِهِ الْقَضَاءَ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ لِلْخَصْمِ · ص 168 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء أو قبل ذلك للخصم · ص 247 ( باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء أو قبل ذلك للخصم ) أي هذا باب في بيان حكم الشهادة التي تكون عند الحاكم ، يعني إذا كان الحاكم شاهدا للخصم الذي هو أحد المتحاكمين عنده ، سواء تحملها قبل توليته للقضاء أو في زمان التولي : هل له أن يحكم بها ؟ اختلفوا في أن له ذلك أم لا ؛ فلذلك لم يجزم بالجواب لقوة الخلاف في المسألة ، وإن كان آخر كلامه يقتضي اختيار أن لا يحكم بعلمه فيها . وبيان الخلاف فيه يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى . وفي التوضيح : ترجمة البخاري فيها دليل على أن الحاكم إنما يشهد عند غيره بما تقدم عنده من شهادة في ولايته أو قبلها ، وهو قول مالك وأكثر أصحابه ، وقال بعض أصحابنا يعني من الشافعية : يحكم بما علمه فيما أقر به أحد الخصمين عنده في مجلسه . وقال شريح القاضي وسأله إنسان الشهادة ، فقال : ائت الأمير حتى أشهد لك . هذا وصله عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن ابن شبرمة قال : قلت للشعبي : يا أبا عمرو ، أرأيت رجلين استشهدا على شهادة ، فمات أحدهما واستقضي الآخر ، فقال : أتي شريح فيها وأنا جالس ، فقال : ائت الأمير وأنا أشهد لك . قوله : " ائت الأمير " أي السلطان أو من هو فوقه . وقال عكرمة : قال عمر لعبد الرحمن بن عوف : لو رأيت رجلا على حد زنى أو سرقة وأنت أمير ؟ فقال : شهادتك شهادة رجل من المسلمين قال : صدقت ، قال عمر : لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي . عكرمة هو مولى ابن عباس ، قال عمر أي ابن الخطاب إلى آخره . وأخرجه ابن أبي شيبة ، عن شريك ، عن عبد الكريم الجزري ، عن عكرمة بلفظ : " أرأيت لو كنت القاضي والوالي ، وأبصرت إنسانا ، أكنت مقيمه عليه ؟ قال : لا ، حتى يشهد معي غيري ، قال : أصبت ، لو قلت غير ذلك لم تجد " بضم التاء المثناة من فوق وكسر الجيم وسكون الدال من الإجادة . وهذا السند منقطع ؛ لأن عكرمة لم يدرك عبد الرحمن ، فضلا عن عمر رضي الله تعالى عنه . قوله : " قال عمر : لولا أن يقول الناس " إلى آخره - قال المهلب رحمه الله : استشهد البخاري بقول عبد الرحمن بن عوف المذكور بقول عمر هذا - أنه كانت عنده شهادة في آية الرجم أنها من القرآن فلم يلحقها بنص المصحف بشهادته فيه وحده ، وأفصح بالعلة في ذلك بقوله : " لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب الله " فأشار إلى أن ذلك من قطع الذرائع ؛ لئلا يجد حكام السوء السبيل إلى أن يدَّعوا العلم لمن أحبوا له الحكم بشيء . وأقر ماعز عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بالزنا أربعا ، فأمر برجمه ، ولم يذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشهد من حضره . أشار بهذا إلى أن حكم رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - على ماعز بالرجم كان بإقراره دون أن يشهد من حضره ، وحديث ماعز قد تكرر ذكره . وقال حماد : إذا أقر مرة عند الحاكم رجم ، وقال الحكم : أربعا . حماد هو ابن سليمان فقيه الكوفة ، والحكم - بفتحتين - ابن عتيبة - مصغر عتبة الباب - فقيه الكوفة أيضا . قوله : " أربعا " يعني لا يرجم حتى يقر أربع مرات ، ووصله ابن أبي شيبة من طريق شعبة قال : سألت حمادا عن الرجل يقر بالزنا : كم يردد ؟ قال : مرة . قال : وسألت الحكم ، فقال : أربع مرات ، والله أعلم . 32 - حدثنا قتيبة ، حدثنا الليث ، عن يحيى ، عن عمر بن كثير ، عن أبي محمد مولى أبي قتادة أن أبا قتادة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين : من له بينة على قتيل قتله فله سلبه ، فقمت لألتمس بينة على قتيل ، فلم أر أحدا يشهد لي ، فجلست ، ثم بدا لي ، فذكرت أمره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رجل من جلسائه : سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي ، قال : فأرضه منه ، فقال أبو بكر : كلا ، لا يعطه أصيبغ من قريش ، ويدع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ، قال : فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأداه إلي ، فاشتريت منه خرافا ، فكان أول مال تأثلته . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " فأمر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم – " هكذا في رواية كريمة " فأمر " بفتح الهمزة والميم بعدها راء ، وفي رواية " فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأداه إلي " وفي رواية أبي ذر عن غير الكشميهني " فحكم " وكذا لأكثر رواة الفربري . ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري ، وعمر بن كثير - ضد القليل - مولى أبي أيوب الأنصاري ، وأبو محمد هو نافع مولى أبي قتادة الحارث الأنصاري الخزرجي . والحديث مضى في الخمس والبيوع ، عن القعنبي ، وفي المغازي في غزوة حنين ، عن عبد الله بن يوسف ، وقد مر الكلام فيه . قوله : " سلبه " بفتح اللام مال مع القتيل من الثياب والأسلحة ونحوهما . قوله : " فأرضه منه " هي رواية الأكثرين ، وعند الكشميهني : مني . قوله : " كلا " كلمة ردع . قوله : " أصيبغ " بضم الهمزة وفتح الصاد المهملة وبالغين المعجمة تصغير أصبغ ؛ صغره تحقيرا له بوصفه باللون الرديء ، وقال الخطابي : الأصيبغ بالصاد المهملة نوع من الطير ونبات ضعيف كالثمام ، ويروى بالضاد المعجمة والعين المهملة مصغر الضبع على غير قياس ، كأنه لما عظم أبا قتادة بأنه أسد ، صغر هذا وشبهه بالضبع لضعف افتراسه بالنسبة إلى الأسد . وأصيبغ منصوب ؛ لأنه مفعول ثان لقوله : " لا يعطه " . قوله : " ويدع " قال الكرماني : بالرفع والنصب والجزم ، ولم يبين وجه ذلك اعتمادا على أن القارئ الذي له يد في العربية لا يخفى عليه ذلك . قوله : " أسدا " بفتحتين و " من أسد الله " بضم الهمزة وسكون السين جمع أسد . قوله : " يقاتل " في محل النصب ؛ لأنه صفة قولِهِ : " أسدا " . قوله : " فأداه " إلي بتشديد الياء . قوله : " خرافا " بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الراء هو البستان . قوله : " تأثلته " أي اتخذته أصل المال واقتنيته ، ويقال : مال مؤثل ، ومجد مؤثل : أي مجموع ذو أصل ، وقال الكرماني : فإن قلت : أول القصة ، وهو طلب البينة تخالف آخرها ؛ حيث حكم بدونها . قلت : لا تخالف ؛ لأن الخصم اعترف بذلك ، مع أن المال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - له أن يعطي من شاء ويمنع من شاء . قال لي عبد الله ، عن الليث : فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فأداه إلي . عبد الله هو ابن صالح كاتب الليث بن سعد ، والبخاري يعتمده في الشواهد . قوله : " فقام " يعني موضع " فأمر " . وقال أهل الحجاز : الحاكم لا يقضي بعلمه ، شهد بذلك في ولايته أو قبلها ، ولو أقر خصم عنده لآخر بحق في مجلس القضاء ؛ فإنه لا يقضي عليه في قول بعضهم حتى يدعو بشاهدين فيحضرهما إقراره . وقال بعض أهل العراق : ما سمع أو رآه في مجلس القضاء قضى به ، وما كان في غيره لم يقض إلا بشاهدين ، وقال آخرون منهم : بل يقضي به ؛ لأنه مؤتمن ، وإنما يراد من الشهادة معرفة الحق ، فعلمه أكثر من الشهادة . وقال بعضهم : يقضي بعلمه في الأموال ولا يقضي في غيرها . أراد بأهل الحجاز مالكا ومن وافقه في هذه المسألة . قوله : " ولو أقر خصم " إلى قوله : " فيحضرهما إقراره " بضم الياء من الإحضار ، وهو قول ابن القاسم وأشهب . قوله : " وقال بعض أهل العراق " أراد بهم أبا حنيفة ومن تبعه ، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ وسحنون من المالكية ، وقال ابن التين : وجرى به العمل . ويوافقه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح ، عن ابن سيرين قال : اعترف رجل عند شريح بأمر ، ثم أنكره ، فقضى عليه باعترافه ، فقال : أتقضي علي بغير بينة ؟ فقال : شهد عليك ابن أخت خالتك ، يعني نفسه . قوله : " وقال آخرون منهم " أي من أهل العراق ، وأراد بهم أبا يوسف ومن تبعه ، ووافقهم الشافعي رحمه الله تعالى . قوله : " وقال بعضهم " يعني من أهل العراق ، وأراد بهم أبا حنيفة وأبا يوسف فيما نقله الكرابيسي عنه . وقال القاسم : لا ينبغي للحاكم أن يمضي قضاء بعلمه دون علم غيره ، مع أن علمه أكثر من شهادة غيره ، ولكن فيه تعرضا لتهمة نفسه عند المسلمين وإيقاعا لهم في الظنون ، وقد كره النبي - صلى الله عليه وسلم - الظن ، فقال : إنما هذه صفية . القاسم إذا أطلق يراد به ابن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، قاله الكرماني ، وقال بعضهم : كنت أظن أنه ابن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة ؛ لأنه إذا أطلق في الفروع الفقهية انصرف الذهن إليه ، لكن رأيت في رواية عن أبي ذر أنه القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ؛ فإن كان كذلك فقد خالف أصحابه الكوفيين ووافق أهل المدينة ، انتهى . قلت : الكلام في صحة رواية أبي ذر على أن هذه المسألة فقهية ، وعند الفقهاء إذا أطلق القاسم يراد به القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، ولئن سلمنا صحة رواية أبي ذر فإطباق الفقهاء على أنه إذا أطلق يراد به ابن محمد بن أبي بكر - أرجح من كلام غيرهم . قوله : " أن يمضي " بضم الياء آخر الحروف من الإمضاء ، هكذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : أن يقضي . قوله : " دون علم غيره " أي إذا كان وحده عالما به لا غيره . قوله : " ولكن فيه تعرضا " بتشديد النون ، وتعرضا منصوب لأنه اسم لكن ، وفي بعض النسخ بالتخفيف ، فعلى هذا قوله : " تعرض " بالرفع ، وارتفاعه على أنه مبتدأ ، وخبره قوله فيه مقدما . قوله : " وإيقاعا " نصب عطفا على تعرضا ، وقال الكرماني : منصوب بأنه مفعول معه ، والعامل هاهنا ما يلزم الظرف . قوله : " وقد كره النبي - صلى الله عليه وسلم - الظن " ذكره في معرض الاستدلال في نفي قضاء الحاكم في أمر بعلمه دون علم غيره ؛ لأن فيه إيقاع نفسه في الظن ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كره الظن ، ألا يرى أنه قال للرجلين اللذين مرا به وصفية بنت حيي زوجته معه : " إنما هذه صفية " على ما يأتي الآن عقيب هذا الأثر ، إنما قال ذلك خوفا من وقوع الظن الفاسد لهما في قلبهما ؛ لأن الشيطان يوسوس ، فقال ذلك دفعا لذلك .