باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء أو قبل ذلك للخصم
( باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء أو قبل ذلك للخصم ) أي هذا باب في بيان حكم الشهادة التي تكون عند الحاكم ، يعني إذا كان الحاكم شاهدا للخصم الذي هو أحد المتحاكمين عنده ، سواء تحملها قبل توليته للقضاء أو في زمان التولي : هل له أن يحكم بها ؟ اختلفوا في أن له ذلك أم لا ؛ فلذلك لم يجزم بالجواب لقوة الخلاف في المسألة ، وإن كان آخر كلامه يقتضي اختيار أن لا يحكم بعلمه فيها . وبيان الخلاف فيه يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى . وفي التوضيح : ترجمة البخاري فيها دليل على أن الحاكم إنما يشهد عند غيره بما تقدم عنده من شهادة في ولايته أو قبلها ، وهو قول مالك وأكثر أصحابه ، وقال بعض أصحابنا يعني من الشافعية : يحكم بما علمه فيما أقر به أحد الخصمين عنده في مجلسه .
وقال شريح القاضي وسأله إنسان الشهادة ، فقال : ائت الأمير حتى أشهد لك . .
وقال عكرمة : قال عمر لعبد الرحمن بن عوف : لو رأيت رجلا على حد زنى أو سرقة وأنت أمير ؟ فقال : شهادتك شهادة رجل من المسلمين قال : صدقت ، قال عمر : لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي . عكرمة هو مولى ابن عباس ، قال عمر أي ابن الخطاب إلى آخره . وأخرجه ابن أبي شيبة ، عن شريك ، عن عبد الكريم الجزري ، عن عكرمة بلفظ : " أرأيت لو كنت القاضي والوالي ، وأبصرت إنسانا ، أكنت مقيمه عليه ؟ قال : لا ، حتى يشهد معي غيري ، قال : أصبت ، لو قلت غير ذلك لم تجد " بضم التاء المثناة من فوق وكسر الجيم وسكون الدال من الإجادة .
وهذا السند منقطع ؛ لأن عكرمة لم يدرك عبد الرحمن ، فضلا عن عمر رضي الله تعالى عنه . قوله : " قال عمر : لولا أن يقول الناس " إلى آخره - قال ج٢٤ / ص٢٤٨المهلب رحمه الله : استشهد البخاري بقول عبد الرحمن بن عوف المذكور بقول عمر هذا - أنه كانت عنده شهادة في آية الرجم أنها من القرآن فلم يلحقها بنص المصحف بشهادته فيه وحده ، وأفصح بالعلة في ذلك بقوله : " لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب الله " فأشار إلى أن ذلك من قطع الذرائع ؛ لئلا يجد حكام السوء السبيل إلى أن يدَّعوا العلم لمن أحبوا له الحكم بشيء . وأقر ماعز عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بالزنا أربعا ، فأمر برجمه ، ولم يذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشهد من حضره .
وقال حماد : إذا أقر مرة عند الحاكم رجم ، وقال الحكم : أربعا . حماد هو ابن سليمان فقيه الكوفة ، والحكم - بفتحتين - ابن عتيبة - مصغر عتبة الباب - فقيه الكوفة أيضا .
قوله : " أربعا " يعني لا يرجم حتى يقر أربع مرات ، ووصله ابن أبي شيبة من طريق شعبة قال : سألت حمادا عن الرجل يقر بالزنا : كم يردد ؟ قال : مرة . قال : وسألت الحكم ، فقال : أربع مرات ، والله أعلم . 32 - حدثنا قتيبة ، حدثنا الليث ، عن يحيى ، عن عمر بن كثير ، عن أبي محمد مولى أبي قتادة أن أبا قتادة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين : من له بينة على قتيل قتله فله سلبه ، فقمت لألتمس بينة على قتيل ، فلم أر أحدا يشهد لي ، فجلست ، ثم بدا لي ، فذكرت أمره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رجل من جلسائه : سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي ، قال : فأرضه منه ، فقال أبو بكر : كلا ، لا يعطه أصيبغ من قريش ، ويدع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ، قال : فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأداه إلي ، فاشتريت منه خرافا ، فكان أول مال تأثلته .
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " فأمر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم – " هكذا في رواية كريمة " فأمر " بفتح الهمزة والميم بعدها راء ، وفي رواية " فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأداه إلي " وفي رواية أبي ذر عن غير الكشميهني " فحكم " وكذا لأكثر رواة الفربري . ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري ، وعمر بن كثير - ضد القليل - مولى أبي أيوب الأنصاري ، وأبو محمد هو نافع مولى أبي قتادة الحارث الأنصاري الخزرجي . والحديث مضى في الخمس والبيوع ، عن القعنبي ، وفي المغازي في غزوة حنين ، عن عبد الله بن يوسف ، وقد مر الكلام فيه .
قوله : " سلبه " بفتح اللام مال مع القتيل من الثياب والأسلحة ونحوهما . قوله : " فأرضه منه " هي رواية الأكثرين ، وعند الكشميهني : مني . قوله : " كلا " كلمة ردع .
قوله : " أصيبغ " بضم الهمزة وفتح الصاد المهملة وبالغين المعجمة تصغير أصبغ ؛ صغره تحقيرا له بوصفه باللون الرديء ، وقال الخطابي : الأصيبغ بالصاد المهملة نوع من الطير ونبات ضعيف كالثمام ، ويروى بالضاد المعجمة والعين المهملة مصغر الضبع على غير قياس ، كأنه لما عظم أبا قتادة بأنه أسد ، صغر هذا وشبهه بالضبع لضعف افتراسه بالنسبة إلى الأسد . وأصيبغ منصوب ؛ لأنه مفعول ثان لقوله : " لا يعطه " . قوله : " ويدع " قال الكرماني : بالرفع والنصب والجزم ، ولم يبين وجه ذلك اعتمادا على أن القارئ الذي له يد في العربية لا يخفى عليه ذلك .
قوله : " أسدا " بفتحتين و " من أسد الله " بضم الهمزة وسكون السين جمع أسد . قوله : " يقاتل " في محل النصب ؛ لأنه صفة قولِهِ : " أسدا " . قوله : " فأداه " إلي بتشديد الياء .
قوله : " خرافا " بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الراء هو البستان . قوله : " تأثلته " أي اتخذته أصل المال واقتنيته ، ويقال : مال مؤثل ، ومجد مؤثل : أي مجموع ذو أصل ، وقال الكرماني : فإن قلت : أول القصة ، وهو طلب البينة ج٢٤ / ص٢٤٩تخالف آخرها ؛ حيث حكم بدونها . قلت : لا تخالف ؛ لأن الخصم اعترف بذلك ، مع أن المال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - له أن يعطي من شاء ويمنع من شاء .
قال لي عبد الله ، عن الليث : فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فأداه إلي . عبد الله هو ابن صالح كاتب الليث بن سعد ، والبخاري يعتمده في الشواهد . قوله : " فقام " يعني موضع " فأمر " .
وقال أهل الحجاز : الحاكم لا يقضي بعلمه ، شهد بذلك في ولايته أو قبلها ، ولو أقر خصم عنده لآخر بحق في مجلس القضاء ؛ فإنه لا يقضي عليه في قول بعضهم حتى يدعو بشاهدين فيحضرهما إقراره . وقال بعض أهل العراق : ما سمع أو رآه في مجلس القضاء قضى به ، وما كان في غيره لم يقض إلا بشاهدين ، وقال آخرون منهم : بل يقضي به ؛ لأنه مؤتمن ، وإنما يراد من الشهادة معرفة الحق ، فعلمه أكثر من الشهادة . وقال بعضهم : يقضي بعلمه في الأموال ولا يقضي في غيرها .
أراد بأهل الحجاز مالكا ومن وافقه في هذه المسألة . قوله : " ولو أقر خصم " إلى قوله : " فيحضرهما إقراره " بضم الياء من الإحضار ، وهو قول ابن القاسم وأشهب . قوله : " وقال بعض أهل العراق " أراد بهم أبا حنيفة ومن تبعه ، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ وسحنون من المالكية ، وقال ابن التين : وجرى به العمل .
ويوافقه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح ، عن ابن سيرين قال : اعترف رجل عند شريح بأمر ، ثم أنكره ، فقضى عليه باعترافه ، فقال : أتقضي علي بغير بينة ؟ فقال : شهد عليك ابن أخت خالتك ، يعني نفسه. قوله : " وقال آخرون منهم " أي من أهل العراق ، وأراد بهم أبا يوسف ومن تبعه ، ووافقهم الشافعي رحمه الله تعالى . قوله : " وقال بعضهم " يعني من أهل العراق ، وأراد بهم أبا حنيفة وأبا يوسف فيما نقله الكرابيسي عنه .
وقال القاسم : لا ينبغي للحاكم أن يمضي قضاء بعلمه دون علم غيره ، مع أن علمه أكثر من شهادة غيره ، ولكن فيه تعرضا لتهمة نفسه عند المسلمين وإيقاعا لهم في الظنون ، وقد كره النبي - صلى الله عليه وسلم - الظن ، فقال : إنما هذه صفية . القاسم إذا أطلق يراد به ابن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، قاله الكرماني ، وقال بعضهم : كنت أظن أنه ابن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة ؛ لأنه إذا أطلق في الفروع الفقهية انصرف الذهن إليه ، لكن رأيت في رواية عن أبي ذر أنه القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ؛ فإن كان كذلك فقد خالف أصحابه الكوفيين ووافق أهل المدينة ، انتهى . قلت : الكلام في صحة رواية أبي ذر على أن هذه المسألة فقهية ، وعند الفقهاء إذا أطلق القاسم يراد به القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، ولئن سلمنا صحة رواية أبي ذر فإطباق الفقهاء على أنه إذا أطلق يراد به ابن محمد بن أبي بكر - أرجح من كلام غيرهم .
قوله : " أن يمضي " بضم الياء آخر الحروف من الإمضاء ، هكذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : أن يقضي . قوله : " دون علم غيره " أي إذا كان وحده عالما به لا غيره . قوله : " ولكن فيه تعرضا " بتشديد النون ، وتعرضا منصوب لأنه اسم لكن ، وفي بعض النسخ بالتخفيف ، فعلى هذا قوله : " تعرض " بالرفع ، وارتفاعه على أنه مبتدأ ، وخبره قوله فيه مقدما .
قوله : " وإيقاعا " نصب عطفا على تعرضا ، وقال الكرماني : منصوب بأنه مفعول معه ، والعامل هاهنا ما يلزم الظرف . قوله : " وقد كره النبي - صلى الله عليه وسلم - الظن " ذكره في معرض الاستدلال في نفي قضاء الحاكم في أمر بعلمه دون علم غيره ؛ لأن فيه إيقاع نفسه في الظن ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كره الظن ، ألا يرى أنه قال للرجلين اللذين مرا به وصفية بنت حيي زوجته معه : " إنما هذه صفية " على ما يأتي الآن عقيب هذا الأثر ، إنما قال ذلك خوفا من وقوع الظن الفاسد لهما في قلبهما ؛ لأن الشيطان ج٢٤ / ص٢٥٠يوسوس ، فقال ذلك دفعا لذلك .