22 - بَاب أَمْرِ الْوَالِي إِذَا وَجَّهَ أَمِيرَيْنِ إِلَى مَوْضِعٍ أَنْ يَتَطَاوَعَا وَلَا يَتَعَاصَيَا 7172 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا الْعَقَدِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي قَالَ : بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبِي وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ ، فَقَالَ : يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا ، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا ، وَتَطَاوَعَا . فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى : إِنَّهُ يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا الْبِتْعُ . فَقَالَ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . وَقَالَ النَّضْرُ وَأَبُو دَاوُدَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَوَكِيعٌ : عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : بَابُ أَمْرِ الْوَالِي إِذَا وَجَّهَ أَمِيرَيْنِ إِلَى مَوْضِعٍ أَنْ يَتَطَاوَعَا وَلَا يَتَعَاصَيَا ) بِمُهْمَلَتَيْنِ وَيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ ، وَلِبَعْضِهِمْ بِمُعْجَمَتَيْنِ وَمُوَحَّدَةٍ . ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي بُرْدَةَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبِي يَعْنِي أَبَا مُوسَى ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ وَقَبْلَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي . قَوْلُهُ : ( بَشِّرَا ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَغَازِي . قَوْلُهُ : ( وَتَطَاوَعَا ) أَيْ تَوَافَقَا فِي الْحُكْمِ وَلَا تَخْتَلِفَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى اخْتِلَافِ أَتْبَاعِكُمَا ، فَيُفْضِي إِلَى الْعَدَاوَةِ ثُمَّ الْمُحَارَبَةِ ، وَالْمَرْجِعُ فِي الِاخْتِلَافِ إِلَى مَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ ( وَقَالَ النَّضْرُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَوَكِيعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ) يَعْنِي مَوْصُولًا ، وَرِوَايَةُ النَّضْرِ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَوَكِيعٍ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي فِي بَابِ بَعْثِ أَبِي مُوسَى ، وَمُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ وَرِوَايَةُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، وَصَلَهَا أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ : فِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الِاتِّفَاقِ لِمَا فِيهِ مِنْ ثَبَاتِ الْمَحَبَّةِ وَالْأُلْفَةِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْحَقِّ ، وَفِيهِ جَوَازُ نَصْبِ قَاضِيَيْنِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ فَيَقْعُدُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي نَاحِيَةٍ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَكَهُمَا فِيمَا وَلَّاهُمَا ، فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي تَوْلِيَةِ اثْنَيْنِ قَاضِيَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ فِي الْوِلَايَةِ كَذَا جَزَمَ بِهِ ، قَالَ : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا نَفَذَ حُكْمُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِيهِ ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَلَّاهُمَا لِيَشْتَرِكَا فِي الْحُكْمِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَقِلَّ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا يَحْكُمُ بِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَمَلٌ يَخُصُّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : الظَّاهِرُ اشْتِرَاكُهُمَا ، لَكِنْ جَاءَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ أَقَرَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَافٍ ، وَالْمِخْلَافُ الْكُورَةُ ، وَكَانَ الْيَمَنُ مِخْلَافَيْنِ . قُلْتُ : وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا تَقَدَّمَتْ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ إِذَا سَارَ فِي عَمَلِهِ زَارَ رَفِيقَهُ ، وَكَانَ عَمَلُ مُعَاذٍ النُّجُودَ وَمَا تَعَالَى مِنْ بِلَادِ الْيَمَنِ ، وَعَمَلُ أَبِي مُوسَى التَّهَائِمَ وَمَا انْخَفَضَ مِنْهَا ، فَعَلَى هَذَا فَأَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا بِأَنْ يَتَطَاوَعَا وَلَا يَتَخَالَفَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا اتَّفَقَتْ قَضِيَّةٌ يَحْتَاجُ الْأَمْرُ فِيهَا إِلَى اجْتِمَاعِهِمَا ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ : تَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا أَنْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ . وَقَالَ أَيْضًا : فَإِذَا اجْتَمَعَا فَإِنِ اتَّفَقَا فِي الْحُكْمِ وَإِلَّا تَبَاحَثَا حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَى الصَّوَابِ وَإِلَّا رَفَعَا الْأَمْرَ لِمَنْ فَوْقَهُمَا . وَفِي الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِالتَّيْسِيرِ فِي الْأُمُورِ وَالرِّفْقُ بِالرَّعِيَّةِ وَتَحْبِيبُ الْإِيمَانِ إِلَيْهِمْ وَتَرْكُ الشِّدَّةِ لِئَلَّا تَنْفِرَ قُلُوبُهُمْ وَلَا سِيَّمَا فِيمَنْ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ قَارَبَ حَدَّ التَّكْلِيفِ مِنَ الْأَطْفَالِ لِيَتَمَكَّنَ الْإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ وَيَتَمَرَّنَ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ فِي تَدْرِيبِ نَفْسِهِ عَلَى الْعَمَلِ إِذَا صَدَقَتْ إِرَادَتُهُ لَا يُشَدِّدْ عَلَيْهَا ، بَلْ يَأْخُذْهَا بِالتَّدْرِيجِ وَالتَّيْسِيرِ حَتَّى إِذَا أَنِسَتْ بِحَالَةٍ دَاوَمَتْ عَلَيْهَا نَقَلَهَا لِحَالٍ آخَرَ وَزَادَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنَ الْأُولَى حَتَّى يَصِلَ إِلَى قَدْرِ احْتِمَالِهَا وَلَا يُكَلِّفْهَا بِمَا لَعَلَّهَا تَعْجِزُ عَنْهُ . وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الزِّيَارَةِ وَإِكْرَامُ الزَّائِرِ وَأَفْضَلِيَّةُ مُعَاذٍ فِي الْفِقْهِ عَلَى أَبِي مُوسَى ، وَقَدْ جَاءَ : أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب أَمْرِ الْوَالِي إِذَا وَجَّهَ أَمِيرَيْنِ إِلَى مَوْضِعٍ أَنْ يَتَطَاوَعَا وَلَا يَتَعَاصَيَا · ص 173 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب أمر الوالي إذا وجه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا ولا يتعاصيا · ص 250 ( باب أمر الوالي إذا وجه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا ولا يتعاصيا ) أي هذا باب في بيان أمر الوالي إلى آخره . قوله : " أن يتطاوعا " كلمة أن مصدرية ، أي تطاوعهما يعني كل منهما يطيع الآخر ولا يخالفه . قوله : " ولا يتعاصيا " أي لا يظهر أحدهما العصيان للآخر ؛ لأنه متى وقع الخلاف بينهما يفسد الحال ، ويروى : يتغاضبا بالغين والضاد المعجمتين وبالباء الموحدة . قيل : قد ذكر هذين اللفظين من باب التفاعل ، وكان الذي ينبغي أن يذكرهما من باب المفاعلة ؛ لأن باب التفاعل يكون بين القوم على ما عرف في موضعه . قلت : تبع لفظ الحديث ؛ فإنه ذكر فيه من باب التفاعل . 34 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا العقدي ، حدثنا شعبة ، عن سعيد بن أبي بردة قال : سمعت أبي قال : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أبي ومعاذ بن جبل إلى اليمن ، فقال : يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا ، فقال له أبو موسى : إنه يُصْنَعُ بأرضنا البتعُ ، فقال : كل مسكر حرام . مطابقته للترجمة في قوله : " وتطاوعا " . والعقدي هو عبد الملك بن عمرو بن قيس ، ونسبته إلى العقد - بفتحتين - وهم قوم من قيس ، وهم صنف من الأزد . وسعيد بن أبي بردة - بضم الباء الموحدة - عامر بن عبد الله أبي موسى الأشعري . والحديث مرسل ؛ لأن أبا بردة من التابعين سمع أباه وجماعة آخرين من الصحابة ، كان على قضاء الكوفة ، فعزله الحجاج ، وجعل أخاه مكانه ، مات سنة أربع ومائة . والحديث مضى في أواخر المغازي في بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن قبل حجة الوداع ؛ فإنه أخرجه هناك من طرق . ومضى الكلام فيه . قوله : " بعث النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أبي " القائل هو أبو بردة ، وأبوه أبو موسى الأشعري . قوله : " يسرا ولا تعسرا " أي خذا بما فيه اليسر ، وأخذهما ذلك هو عين تركهما للعسر . قوله : " وبشرا " أي بما فيه تطييب للنفوس " ولا تنفرا " بما لا يقصد إلى ما فيه الشدة . قوله : " وتطاوعا " أي تحابا ؛ فإنه متى وقع الخلاف وقع التباغض . قوله : " فقال له " أي فقال للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم – " إنه يصنع بأرضنا البتع " والدليل على أن القائل للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أبو موسى ما تقدم في آخر المغازي الذي ذكرناه الآن ، عن أبي موسى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه إلى اليمن ، فسأله عن أشربة تصنع بها ، فقال : وما هي ؟ قال : البتع والمزر . والبتع : بكسر الباء الموحدة وسكون التاء المثناة من فوق وبالعين المهملة ، وقد فسره أبو بردة في الحديث الذي تقدم بأنه نبيذ العسل ، والمزر - بكسر الميم وسكون الزاي وبالراء - نبيذ الشعير . قوله : " فقال " أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم – " كل مسكر حرام " وقال صاحب التوضيح : فيه رد على أبي حنيفة ومن وافقه . قلت : هذا كلام ساقط سمج ، ففي أي موضع قال أبو حنيفة : إن المسكر ليس بحرام حتى يشنع هذا التشنيع الباطل ؟!.
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب أمر الوالي إذا وجه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا ولا يتعاصيا · ص 251 وقال النضر وأبو داود ويزيد بن هارون ووكيع : عن شعبة ، عن سعيد ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . أشار بهذا التعليق إلى أن الحديث السابق قد رفعه هؤلاء المذكورون ، وهم النضر - بفتح النون وسكون الضاد المعجمة - ابن شميل - مصغر شمل بالشين المعجمة - ابن حرشة أبو الحسن المازني ، مات أول سنة أربع ومائتين . وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي ، من رجال مسلم . ويزيد - من الزيادة - ابن هارون الواسطي . ووكيع بن الجراح الكوفي ، أربعتهم رووا عن شعبة بن الحجاج ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه أبي بردة ، عن جده أبي موسى الأشعري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . والضمير في جده يرجع إلى سعيد . ورواية النضر وأبي داود ووكيع تقدمت في أواخر المغازي في باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن . ورواية يزيد بن هارون وصلها أبو عوانة في صحيحه . وفيه تقديم أفاضل الصحابة على العمل ، واختصاص العلماء منهم ، وفي التوضيح : وفي الحديث اشتراكهما في العمل في اليمن ، والمذكور في غيره أنه قدم كل واحدة منهما على مخلاف ، والمخلاف الكورة ، واليمن مخلافان . قلت : كان عمل معاذ النجود وما تعالى من بلاد اليمن ، وعمل أبي موسى التهايم وما انخفض منها .