باب أمر الوالي إذا وجه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا ولا يتعاصيا
( باب أمر الوالي إذا وجه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا ولا يتعاصيا ) أي هذا باب في بيان أمر الوالي إلى آخره . قوله : " أن يتطاوعا " كلمة أن مصدرية ، أي تطاوعهما يعني كل منهما يطيع الآخر ولا يخالفه . قوله : " ولا يتعاصيا " أي لا يظهر أحدهما العصيان للآخر ؛ لأنه متى وقع الخلاف بينهما يفسد الحال ، ويروى : يتغاضبا بالغين والضاد المعجمتين وبالباء الموحدة .
قيل : قد ذكر هذين اللفظين من باب التفاعل ، وكان الذي ينبغي أن يذكرهما من باب المفاعلة ؛ لأن باب التفاعل يكون بين القوم على ما عرف في موضعه . قلت : تبع لفظ الحديث ؛ فإنه ذكر فيه من باب التفاعل . 34 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا العقدي ، حدثنا شعبة ، عن سعيد بن أبي بردة قال : سمعت أبي قال : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أبي ومعاذ بن جبل إلى اليمن ، فقال : يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا ، فقال له أبو موسى : إنه يُصْنَعُ بأرضنا البتعُ ، فقال : كل مسكر حرام .
ج٢٤ / ص٢٥١مطابقته للترجمة في قوله : " وتطاوعا " . والعقدي هو عبد الملك بن عمرو بن قيس ، ونسبته إلى العقد - بفتحتين - وهم قوم من قيس ، وهم صنف من الأزد . وسعيد بن أبي بردة - بضم الباء الموحدة - عامر بن عبد الله أبي موسى الأشعري .
والحديث مرسل ؛ لأن أبا بردة من التابعين سمع أباه وجماعة آخرين من الصحابة، كان على قضاء الكوفة ، فعزله الحجاج ، وجعل أخاه مكانه ، مات سنة أربع ومائة . والحديث مضى في أواخر المغازي في بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن قبل حجة الوداع ؛ فإنه أخرجه هناك من طرق . ومضى الكلام فيه .
قوله : " بعث النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أبي " القائل هو أبو بردة ، وأبوه أبو موسى الأشعري . قوله : " يسرا ولا تعسرا " أي خذا بما فيه اليسر ، وأخذهما ذلك هو عين تركهما للعسر . قوله : " وبشرا " أي بما فيه تطييب للنفوس " ولا تنفرا " بما لا يقصد إلى ما فيه الشدة .
قوله : " وتطاوعا " أي تحابا ؛ فإنه متى وقع الخلاف وقع التباغض . قوله : " فقال له " أي فقال للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم – " إنه يصنع بأرضنا البتع " والدليل على أن القائل للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أبو موسى ما تقدم في آخر المغازي الذي ذكرناه الآن ، عن أبي موسى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه إلى اليمن ، فسأله عن أشربة تصنع بها ، فقال : وما هي ؟ قال : البتع والمزر . والبتع : بكسر الباء الموحدة وسكون التاء المثناة من فوق وبالعين المهملة ، وقد فسره أبو بردة في الحديث الذي تقدم بأنه نبيذ العسل ، والمزر - بكسر الميم وسكون الزاي وبالراء - نبيذ الشعير .
قوله : " فقال " أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم – " كل مسكر حرام " وقال صاحب التوضيح : فيه رد على أبي حنيفة ومن وافقه . قلت : هذا كلام ساقط سمج ، ففي أي موضع قال أبو حنيفة : إن المسكر ليس بحرام حتى يشنع هذا التشنيع الباطل ؟! .