7315 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ ، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ ، أَفَأَحُجَّ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، حُجِّي عَنْهَا ، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : فاقْضُوا اللَّهَ الَّذِي لَهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ . وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي ذَكَرَتْ أَنَّ أُمَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَمَاتَتْ ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَرِيبًا أَيْضًا ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْحَجِّ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : التَّشْبِيهُ وَالتَّمْثِيلُ هُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَقَدِ احْتَجَّ الْمُزَنِيُّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ ، قَالَ : وَأَوَّلُ مَنْ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ إِبْرَاهِيمُ النِّظَامُ وَتَبِعَهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَمِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى الْفِقْهِ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ . وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ هُوَ الْحُجَّةُ ، فَقَدْ قَاسَ الصَّحَابَةُ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، وَتَعَقَّبَ بَعْضُهُمُ الْأَوَّلِيَّةَ الَّتِي ادَّعَاهَا ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ إِنْكَارَ الْقِيَاسِ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : عَقْدُ هَذَا الْبَابِ وَمَا فِيهِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مَذْمُومًا . لَكِنْ لَوْ قَالَ مَنْ شَبَّهَ أَمْرًا مَعْلُومًا لَوَافَقَ اصْطِلَاحَ أَهْلِ الْقِيَاسِ ، قَالَ : وَأَمَّا الْبَابُ الْمَاضِي الْمُشْعِرُ بِذَمِّ الْقِيَاسِ وَكَرَاهَتِهِ ، فَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى نَوْعَيْنِ : صَحِيحٌ وَهُوَ الْمُشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ الشَّرَائِطِ ، وَفَاسِدٌ وَهُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَالْمَذْمُومُ هُوَ الْفَاسِدُ ، وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَلَا مَذَمَّةَ فِيهِ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ انْتَهَى . وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ شَرْطَ مَنْ لَهُ أَنْ يَقِيسَ فَقَالَ : يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْأَحْكَامِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَعَامِّهِ وَخَاصِّهِ ، وَيَسْتَدِلَّ عَلَى مَا احْتَمَلَ التَّأْوِيلَ بِالسُّنَّةِ وَبِالْإِجْمَاعِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا فِي السُّنَّةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَإِجْمَاعُ النَّاسِ ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ . قَالَ : وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقِيسَ حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِمَا مَضَى قَبْلَهُ مِنَ السُّنَنِ وَأَقَاوِيلِ السَّلَفِ وَإِجْمَاعِ النَّاسِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ وَيَكُونَ صَحِيحَ الْعَقْلِ لِيُفَرِّقَ بَيْنَ الْمُشْتَبِهَاتِ وَلَا يَعْجَلَ ، وَيَسْتَمِعَ مِمَّنْ خَالَفَهُ لِيَتَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى غَفْلَةٍ إِنْ كَانَتْ ، وَأَنْ يَبْلُغَ غَايَةَ جَهْدِهِ وَيُنْصِفَ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ قَالَ مَا قَالَ . وَالِاخْتِلَافُ عَلَى وَجْهَيْنِ : فَمَا كَانَ مَنْصُوصًا لَمْ يَحِلَّ فِيهِ الِاخْتِلَافُ عَلَيْهِ ، وَمَا كَانَ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ أَوْ يُدْرَكُ قِيَاسًا فَذَهَبَ الْمُتَأَوِّلُ أَوِ الْقَائِسُ إِلَى مَعْنًى يُحْتَمَلُ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ ، لَمْ أَقُلْ أَنَّهُ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ ضِيقَ الْمُخَالِفِ لِلنَّصِّ ، وَإِذَا قَاسَ مَنْ لَهُ الْقِيَاسُ فَاخْتَلَفُوا ، وَسِعَ كُلًّا أَنْ يَقُولَ بِمَبْلَغِ اجْتِهَادِهِ ، وَلَمْ يَسْعَهُ اتِّبَاعُ غَيْرِهِ فِيمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ - فِي بَيَانِ الْعِلْمِ بَعْدَ أَنْ سَاقَ هَذَا الْفَصْلَ - قَدْ أَتَى الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَشِفَاءٌ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ : الْقُرْآنُ هُوَ الْأَصْلُ ، فَإِنْ كَانَتْ دَلَالَتُهُ خَفِيَّةً نُظِرَ فِي السُّنَّةِ ، فَإِنْ بَيَّنَتْهُ وَإِلَّا فَالْجَلِيُّ مِنَ السُّنَّةِ ، وَإِنْ كَانَتِ الدَّلَالَةُ مِنْهَا خَفِيَّةً نُظِرَ فِيمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ، فَإِنِ اخْتَلَفُوا رَجَّحَ . فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عَمِلَ بِمَا يُشْبِهُ نَصَّ الْكِتَابِ ثُمَّ السُّنَّةِ ثُمَّ الِاتِّفَاقِ ثُمَّ الرَّاجِحِ كَمَا سُقْتُهُ عَنْهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَنَسٍ لَا يَأْتِي عَامٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْفِتَنِ وَأَنْشَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، لِأَبِي مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيِّ النَّحْوِيِّ الْمُقْرِئِ بِرِوَايَةِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ مِنْ أَبْيَاتٍ طَوِيلَةٍ فِي إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ : لَا تَكُنْ كَالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَا رًا كَمَا قَدْ قَرَأْتَ فِي الْقُرْآنِ إِنَّ هَذَا الْقِيَاسَ فِي كُلِّ أَمْرٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعُقُولِ كَالْمِيزَانِ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِي الدِّينِ إِلَّا لِفَقِيهٍ لِدِينِهِ صَوَّانِ لَيْسَ يُغْنِي عَنْ جَاهِلٍ قَوْلُ رَاوٍ عَنْ فُلَانٍ وَقَوْلُهُ عَنْ فُلَانِ إِنْ أَتَاهُ مُسْتَرْشِدًا أَفْتَاهُ بِحَدِيثَيْنِ فِيهِمَا مَعْنَيَانِ إِنَّ مَنْ يَحْمِلُ الْحَدِيثَ وَلَا يَعْـ ـرِفُ فِيهِ الْمُرَادَ كَالصَّيْدَلَانِي حَكَمَ اللَّهُ فِي الْجَزَاءِ ذَوَيْ عَدْ لٍ لِذِي الصَّيْدِ بِالَّذِي يَرَيَانِ لَمْ يُوَقِّتْ وَلَمْ يُسَمِّ وَلَكِنْ قَالَ فِيهِ فَلْيَحْكُمُ الْعَدْلَانِ وَلَنَا فِي النَّبِيِّ صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ وَالصَّالِحُونَ كُلَّ أَوَانِ أُسْوَةٌ فِي مَقَالِهِ لِمُعَاذٍ اقْضِ بِالرَّأْيِ إِنْ أَتَى الْخَصْمَانِ وَكِتَابُ الْفَارُوقِ يَرْحَمُهُ اللَّهُ إِلَى الْأَشْعَرِيِّ فِي تِبْيَانِ قِسْ إِذَا أَشْكَلَتْ عَلَيْكَ أُمُورٌ ثُمَّ قُلْ بِالصَّوَابِ وَالْعِرْفَانِ وَتَعَقَّبَ بَعْضُهُمُ الْأَوَّلِيَّةَ الَّتِي ادَّعَاهَا ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ إِنْكَارَ الْقِيَاسِ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ وَذَلِكَ مَشْهُورٌ عَنْهُمْ ، نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَمِنْ قَبْلِه الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ وَعَنْ غَيْرِهِمْ ، وَالْمَذْهَبُ الْمُعْتَدِلُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْقِيَاسَ مَشْرُوعٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَا أَنَّهُ أَصْلٌ بِرَأْسِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمَهُمَا لِيُفْهِمَ السَّائِلَ · ص 309 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السائل · ص 50 86 - حدثنا مسدد ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج ، أفأحج عنها ؟ قال : نعم حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ قالت : نعم ، فقال : فاقضوا الذي له ، فإن الله أحق بالوفاء . مطابقته للترجمة من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم شبه لتلك المرأة التي سألته الحج عن أمها بدين الله بما تعرف غيره من دين العباد غير أنه قال فدين الله أحق . وأبو عوانة بالفتح الوضاح ، وأبو بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة جعفر بن أبي وحشية . والحديث قد مر في كتاب الحج في باب الحج المنذور عن الميت ، ومضى الكلام فيه . قوله : قاضيته بالضمير ، ويروى قاضية بدون الضمير ، قوله : فاقضوا أي فاقضوا أيها المسلمون الحق الذي لله تعالى ، ودخلت المرأة التي سألته الحج عن أمها في هذا الخطاب دخولا بالقصد الأول ، وقد علم في الأصول أن النساء يدخلن في خطاب الرجال لا سيما عند القرينة المدخلة ، قيل : قال الفقهاء : حق الآدمي مقدم على حق الله تعالى ، وأجيب بأن التقديم بسبب احتياجه لا ينافي الأحقية بالوفاء واللزوم ، واحتج المزني بهذين الحديثين على من أنكر القياس ، قال : وأول من أنكر القياس إبراهيم النظام وتبعه بعض المعتزلة وداود بن علي ، وما اتفق عليه الجماعة هو الحجة ، فقد قاس الصحابة ومن بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار ، وقيل : دعوى الأولية في إنكار القياس بإبراهيم مردود لأنه ثبت عن ابن مسعود من الصحابة وعن عامر الشعبي التابعي من فقهاء الكوفة وعن محمد بن سيرين من فقهاء البصرة ، والله أعلم .