27 - بَاب نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّحْرِيمِ ، إِلَّا مَا تُعْرَفُ إِبَاحَتُهُ وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ نَحْوَ قَوْلِهِ حِينَ أَحَلُّوا : أَصِيبُوا مِنْ النِّسَاءِ ، وَقَالَ جَابِرٌ : وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ . وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ : نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائز وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا 7367 - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ عَطَاءٌ : وَقَالَ جَابِرٌ ح . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البُرْسَانِيُّ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي أُنَاسٍ مَعَهُ قَالَ : أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَجِّ خَالِصًا لَيْسَ مَعَهُ عُمْرَةٌ - قَالَ عَطَاءٌ : قَالَ جَابِرٌ : - فَقَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَحِلَّ ، وَقَالَ : أَحِلُّوا وَأَصِيبُوا مِنْ النِّسَاءِ . قَالَ عَطَاءٌ : قَالَ جَابِرٌ : وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ ، فَبَلَغَهُ أَنَّا نَقُولُ : لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ ، أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا ، فَنَأْتِي عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَذْيَ - قَالَ : وَيَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ هَكَذَا وَحَرَّكَهَا - فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ ، فَحِلُّوا ، فَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ ، فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّحْرِيمِ ) أَيِ : النَّهْيُ الصَّادِرُ مِنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا مَا تُعْرَفُ إِبَاحَتُهُ ) أَيْ بِدَلَالَةِ السِّيَاقِ ، أَوْ قَرِينَةِ الْحَالِ ، أَوْ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ ) أَيْ : يَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ ؛ لِوُجُوبِ امْتِثَالِهِ ، مَا لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلَ عَلَى إِرَادَةِ النَّدْبِ أَوْ غَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( نَحْوَ قَوْلِهِ حِينَ أَحَلُّوا ) أَيْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، لَمَّا أَمَرَهُمْ فَفَسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ ، وَتَحَلَّلُوا مِنَ الْعُمْرَةِ ، وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ : صِيغَةُ افْعَلْ ، وَالنَّهْيِ : لَا تَفْعَلْ ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا أَوْ نَهَانَا عَنْهُ ، فَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَكْثَرِ السَّلَفِ أَنْ لَا فَرْقَ ، وَقَدْ أَنْهَى بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ صِيغَةَ الْأَمْرِ إِلَى سَبْعَةَ عَشَرَ وَجْهًا ، وَالنَّهْيِ إِلَى ثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ ، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ : أَنَّ الْأَمْرَ عِنْدَهُمَا عَلَى الْإِيجَابِ وَالنَّهْيَ عَلَى التَّحْرِيمِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ : الْأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ وَالنَّهْيُ عَلَى الْكَرَاهَةِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ فِي الْأَمْرِ وَدَلِيلُ التَّحْرِيمِ فِي النَّهْيِ ، وَتَوَقَّفَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ، وَسَبَبُ تَوَقُّفِهِمْ وُرُودُ صِيغَةِ الْأَمْرِ لِلْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْإِرْشَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ اسْتَحَقَّ الْحَمْدَ ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ ، وَكَذَا بِالْعَكْسِ فِي النَّهْيِ ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يَشْمَلُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ ، وَدَلَّ الْوَعِيدُ فِيهِ عَلَى تَحْرِيمِهِ فِعْلًا وَتَرْكًا . قَوْلُهُ : ( أَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ ) هُوَ إِذْنٌ لَهُمْ فِي جِمَاعِ نِسَائِهِمْ ؛ إِشَارَةً إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِحْلَالِ ، إِذْ الْجِمَاعُ يُفْسِدُ النُّسُكَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ : فَأَمَرَنَا فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً ، وَأَنْ نُحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ . الَأْوَّلُ : قَوْلُهُ : ( وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ : نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا ) تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ جَابِرٍ فَرْقٌ مِنْ جِهَةِ اخْتِلَافِ السَّبَبَيْنِ ، فَالْقِصَّةُ الَّتِي فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ كَانَتْ إِبَاحَةً بَعْدَ حَظْرٍ ، فَلَا تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ؛ لِلْقَرِينَةِ الْمَذْكُورَةِ ، لَكِنْ أَرَادَ جَابِرٌ التَّأْكِيدَ فِي ذَلِكَ ، وَالْقِصَّةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ نَهْيٌ بَعْدَ إِبَاحَةٍ فَكَانَ ظَاهِرًا فِي التَّحْرِيمِ ، فَأَرَادَتْ أَنْ تُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُمْ بِالتَّحْرِيمِ ، وَالصَّحَابِيُّ أَعْرَفُ بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ عَطَاءٌ : وَقَالَ جَابِرٌ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ : ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ) أَمَّا قَوْلُهُ : وَقَالَ جَابِرٌ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ يَظْهَرُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ ، وَفِي بَابِ بَعْثُ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ ، مِنْ أَوَاخِرِ كِتَابِ الْمَغَازِي بِهَذَيْنِ السَّنَدَيْنِ مُعَلَّقًا وَمَوْصُولًا ، وَلَفْظُهُ : أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ ) فَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ جَابِرٌ : أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ خَالِصًا ، وَأَمَّا التَّعْلِيقُ فَوَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ ، وَخَرَّجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَأَفَادَتْ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ التَّصْرِيحَ بِسَمَاعِ عَطَاءٍ مِنْ جَابِرٍ ، وَقَوْلُهُ : فِي أُنَاسٍ مَعَهُ فِيهِ الْتِفَاتٌ وَنَسَقُ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ : مَعِي ، وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، وَقَوْلُهُ : أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ خَالِصًا لَيْسَ مَعَهُ عُمْرَةٌ . هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانُوا ابْتَدَءُوا بِهِ ثُمَّ وَقَعَ الْإِذْنُ بِإِدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ وَبِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ ، فَصَارُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ ، مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ : ( مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ، وَمِنَّا مَنْ جَمَعَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَقَوْلُهُ : وَقَالَ عَطَاءٌ ، عَنْ جَابِرٍ : هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ . قَوْلُهُ : ( صُبْحَ رَابِعَةٍ ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَطَاءٌ : قَالَ جَابِرٌ ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ ، وَقَوْلُهُ : وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : هُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ ) أَيْ فِي جِمَاعِ نِسَائِهِمْ ، أَيْ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا كَانَ لِلْإِبَاحَةِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ جَابِرٌ : وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ : قَالُوا : أَيُّ الْحِلِّ ؟ قَالَ : الْحِلُّ كُلُّهُ . قَوْلُهُ : ( فَبَلَغَهُ أَنَّا نَقُولُ : لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسُ لَيَالٍ ) أَيْ : أَوَّلُهَا لَيْلَةُ الْأَحَدِ وَآخِرُهَا لَيْلَةُ الْخَمِيسِ ; لِأَنَّ تَوَجُّهِهِمْ مِنْ مَكَّةَ كَانَ عَشِيَّةَ الْأَرْبِعَاءِ ، فَبَاتُوا لَيْلَةَ الْخَمِيسِ بِمِنًى ، وَدَخَلُوا عَرَفَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ . قَوْلُهُ : ( فَنَأْتِي عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَذْيَ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي : الْمَنِيَّ وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِلَفْظِ : ( فَيَرُوحُ أَحَدُنَا إِلَى مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا وَإِنَّمَا ذَكَرَ مِنًى ; لِأَنَّهُمْ يَتَوَجَّهُونَ إِلَيْهَا قَبْلَ تَوَجُّهِهِمْ إِلَى عَرَفَةَ . قَوْلُهُ : ( وَيَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ هَكَذَا وَحَرَّكَهَا ) أَيْ : أَمَالَهَا ، وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِلَفْظِ : فَقَالَ جَابِرٌ بِكَفِّهِ ، أَيْ أَشَارَ بِكَفِّهِ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هَذِهِ الْإِشَارَةُ لِكَيْفِيَّةِ التَّقَطُّرِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِلَى مَحَلِّ التَّقَطُّرِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ : يَقُولُ جَابِرٌ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ يُحَرِّكُهَا ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا . قَوْلُهُ : ( فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ : خَطِيبًا فَقَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ أَقْوَامًا يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا . قَوْلُهُ : ( قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَصْدَقُكُمْ ) فِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ : وَاللَّهِ لَأَنَا أَبَرُّ وَأَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : لَأَحْلَلْتُ ، وَكَذَا مَضَى فِي بَابِ ( عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ وَهُمَا لُغَتَانِ : حَلَّ وَأَحَلَّ ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ هُنَاكَ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ كَلَامَ جَابِرٍ بِتَمَامِهِ وَلَا الْخُطْبَةَ . قَوْلُهُ : ( فَحِلُّوا ) كَذَا فِيهِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنْ حَلَّ . وَقَوْلُهُ : فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : فَأَحْلَلْنَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّحْرِيمِ إِلَّا مَا تُعْرَفُ إِبَاحَتُهُ · ص 348 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب نهي النبي صلى الله عليه وسلم على التحريم إلا ما تعرف إباحته · ص 77 باب نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - على التحريم ، إلا ما تعرف إباحته . أي : هذا باب في بيان نهي النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - واقع على التحريم ، وهو حقيقة فيه ، إلا ما تعرف إباحته بقرينة الحال أو بقيام الدليل عليه أو بدلالة السياق ، فقوله : نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - كلام إضافي مرفوع بالابتداء ، وقوله : على التحريم خبره ومتعلقه حاصل أو واقع أو نحو ذلك . وكذلك أمره نحو قوله حين أحلوا : أصيبوا من النساء . أي : كحكم النهي حكم أمره ، يعني تحريم مخالفته لوجوب امتثاله ما لم يقم الدليل على إرادة الندب أو غيره . قوله : نحو قوله أي : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع حين أحلوا من العمرة . قوله : أصيبوا أمر لهم بالإصابة من النساء أي : بجماعهن ، وقال أكثر الأصوليين : النهي ورد لثمانية أوجه ، وهو حقيقة في التحريم مجاز في باقيها ، والأمر لستة عشر وجها حقيقة في الإيجاب مجاز في الباقي . وقال جابر : ولم يعزم عليهم ، ولكن أحلهن لهم . أي : قال جابر بن عبد الله : ولم يعزم أي : لم يوجب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - الجماع ، أي : لم يأمرهم أمر إيجاب ، بل أمرهم أمر إحلال وإباحة . وقالت أم عطية : نهينا عن اتباع الجنازة ولم يعزم علينا . اسم أم عطية نسيبة مصغرة ومكبرة الأنصارية . قوله : نهينا على صيغة المجهول ، ومثله يحمل على أن الناهي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد أن النهي لم يكن للتحريم بل للتنزيه لقوله : ولم يعزم أي : ولم يوجب علينا ، وهذا التعليق قد مضى موصولا في كتاب الجنائز . 135 - حدثنا المكي بن إبراهيم ، عن ابن جريج ، قال عطاء : قال جابر : قال أبو عبد الله ، وقال محمد بن بكر : حدثنا ابن جريج ، قال : أخبرني عطاء ، سمعت جابر بن عبد الله في أناس معه قال : أهللنا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحج خالصا ليس معه عمرة ، قال عطاء : قال جابر : فقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - صبح رابعة مضت من ذي الحجة ، فلما قدمنا أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نحل ، وقال : أحلوا وأصيبوا من النساء ، قال عطاء : قال جابر : ولم يعزم عليهم ، ولكن أحلهن لهم ، فبلغه أنا نقول : لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نحل إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المذي ، قال : ويقول جابر بيده هكذا وحركها ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ، ولولا هديي لحللت كما تحلون ، فحلوا ، فلو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، فحللنا وسمعنا وأطعنا . مطابقته للترجمة من حيث إن أمره - صلى الله عليه وسلم - بإصابة النساء لم يكن على الوجوب ، ولهذا قال : ولم يعزم عليهم ، ولكن أحلهن ، أي : النساء ، لهم . وابن جريج هو عبد الملك ، وعطاء هو ابن أبي رباح ، والحديث مر في الحج . قوله : أصحاب منصوب على الاختصاص . قوله : قال جابر معطوف على شيء محذوف ، يظهر هذا مما مضى في باب من أهل في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولفظه : أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا أن يقيم على إحرامه ، فذكر الحديث ، ثم قال : وقال جابر : أهللنا بالحج خالصا . قوله : خالصا ليس معه عمرة هو محمول على ما كانوا ابتدءوا به ، ثم يقع الإذن بإدخال العمرة في الحج وبفسخ الحج إلى العمرة ، فصاروا على ثلاثة أنحاء مثل ما قالت عائشة : منا من أهل بالحج ومنا من أهل بعمرة ومنا من جمع ، قال أبو عبد الله هو البخاري ، وقال محمد بن بكر البرساني بضم الباء الموحدة نسبة إلى برسان بطن من الأزد ، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، وعطاء بن أبي رباح . قوله : في أناس معه فيه التفات ؛ لأن مقتضى الكلام أن يقول معي ، ووقع كذلك في رواية يحيى القطان ، وقال الكرماني : ولعل البخاري ذكره تعليقا عن محمد بن بكر ؛ لأنه مات سنة ثلاث ومائتين . قوله : فقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - أي : مكة . قوله : أمرنا بفتح الراء . قوله : أن نحل أي : بأن نحل ، أي : بالإحلال ، أي : بأن نصير متمتعين بعد أن نجعله عمرة . قوله : وأصيبوا من النساء هو إذن لهم في جماع نسائهم . قوله : إلا خمس أي : خمس ليال . قوله : أمرنا بفتح الراء . قوله : مذاكيرنا جمع الذكر على غير قياس . قوله : المذي بفتح الميم وكسر الذال المعجمة ، وفي رواية المستملي : المني ، وكذا عند الإسماعيلي . قوله : ويقول جابر بيده هكذا وحركها أي : أمالها ، وهكذا إشارة إلى التقطر وكيفيته ، ووقع في رواية الإسماعيلي قال : يقول جابر : كأني أنظر إلى يده يحركها . قوله : ولولا هديي لحللت كما تحلون ، وفي رواية الإسماعيلي : لأحللت ، حل وأحل لغتان ، والمعنى : لولا أن معي الهدي لتمتعت ؛ لأن صاحب الهدي لا يجوز له التحلل حتى يبلغ الهدي محله ، وذلك في يوم العيد . قوله : فلو استقبلت من أمري ما استدبرت أي : لو علمت في أول الأمر ما علمت آخرا ، وهو جواز العمرة في أشهر الحج ، ما سقت الهدي .