28 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ وَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ قَبْلَ الْعَزْمِ وَالتَّبَيُّنِ ؛ لِقَوْلِهِ تعالى : فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِذَا عَزَمَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ التَّقَدُّمُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَشَاوَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْمُقَامِ وَالْخُرُوجِ ، فَرَأَوْا لَهُ الْخُرُوجَ ، فَلَمَّا لَبِسَ لَأْمَتَهُ وَعَزَمَ قَالُوا : أَقِمْ ، فَلَمْ يَمِلْ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْعَزْمِ ، وَقَالَ : لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ يَلْبَسُ لَأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ ، وَشَاوَرَ عَلِيًّا ، وَأُسَامَةَ فِيمَا رَمَى بِهِ أَهْلُ الْإِفْكِ عَائِشَةَ ، فَسَمِعَ مِنْهُمَا ، حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ فَجَلَدَ الرَّامِينَ ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ وَلَكِنْ حَكَمَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ . وَكَانَتْ الْأَئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَشِيرُونَ الْأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ ؛ لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا ، فَإِذَا وَضَحَ الْكِتَابُ أَوْ السُّنَّةُ لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَأَى أَبُو بَكْرٍ قِتَالَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ ، فَقَالَ عُمَرُ : كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ تَابَعَهُ بَعْدُ عُمَرُ ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى مَشُورَةٍ إِذْ كَانَ عِنْدَهُ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَأَرَادُوا تَبْدِيلَ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ . وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . 7369 - حَدَّثَنَا الْأُوَيْسِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا ، قَالَتْ : وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْأَلُهُمَا ، وَهُوَ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ : لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ ، وَسَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ . فَقَالَ : هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ ؟ قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ أَمْرًا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي ، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا . وَذَكَرَ بَرَاءَةَ عَائِشَةَ . وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ : عَنْ هِشَامٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ هَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى اللَّتَيْنِ بَعْدَهَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ مُؤَخَّرَةٌ عَنْهُمَا ، وَأَخَّرَهَا النَّسَفِيُّ أَيْضًا ، لَكِنْ سَقَطَتْ عِنْدَهُ تَرْجَمَةُ النَّهْيِ عَلَى التَّحْرِيمِ وَمَا مَعَهَا ، فَأَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ بَيْنَهُمْ إِلَّا هَدَاهُمُ اللَّهُ ، لِأَفْضَلِ مَا يَحْضُرُهُمْ وَفِي لَفْظِ إِلَّا عَزَمَ اللَّهُ لَهُمْ بِالرُّشْدِ أَوْ بِالَّذِي يَنْفَعُ وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا قَالَ : قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ مَا بِهِ إِلَيْهِمْ حَاجَةٌ ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ ، فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لِأَصْحَابِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ : وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ ، وَتَقَدَّمَ فِي الشُّرُوطِ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَفِيهِ : جَوَابُ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ وَعَمَلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا أَشَارَا بِهِ ، وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ الْمُشَاوَرَةَ قَبْلَ الْعَزْمِ وَالتَّبَيُّنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَجْهُ الدَّلَالَةِ مَا وَرَدَ عَنْ قِرَاءَةِ عِكْرِمَةَ ، وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ عَزَمْتَ ، أَيْ : إِذَا أَرْشَدْتُكَ إِلَيْهِ فَلَا تَعْدِلْ عَنْهُ ، فَكَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ عِنْدَ عَدَمِ الْعَزْمِ وَهُوَ وَاضِحٌ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مُتَعَلَّقِ الْمُشَاوَرَةِ ، فَقِيلَ : فِي كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ ، وَقِيلَ : فِي الْأَمْرِ الدُّنْيَوِيِّ فَقَطْ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : إِنَّمَا كَانَ يُشَاوِرُهُ فِي أَمْرِ الْحَرْبِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ ; لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْحُكْمِ إِنَّمَا تُلْتَمَسُ مِنْهُ ، قَالَ : وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ يُشَاوِرُهُ فِي الْأَحْكَامِ فَقَدْ غَفَلَ غَفْلَةً عَظِيمَةً ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْأَحْكَامِ فَرُبَّمَا رَأَى غَيْرُهُ أَوْ سَمِعَ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ أَوْ يَرَهُ كَمَا كَانَ يَسْتَصْحِبُ الدَّلِيلَ فِي الطَّرِيقِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْخُصُوصُ ؛ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُشَاوِرُهُمْ فِي فَرَائِضِ الْأَحْكَامِ . قُلْتُ : وَفِي هَذَا الْإِطْلَاقِ نَظَرٌ ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ الْآيَةَ ، قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَرَى ، دِينَارٌ ؟ قُلْتُ : لَا يُطِيقُونَهُ قَالَ : فَنِصْفُ دِينَارٍ ؟ قُلْتُ : لَا يُطِيقُونَهُ . قَالَ : فَكَمْ ؟ قُلْتُ : شَعِيرَةٌ . قَالَ : إِنَّكَ لَزَهِيدٌ . فَنَزَلَتْ أَأَشْفَقْتُمْ . الْآيَةَ قَالَ : فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُشَاوَرَةُ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ . وَنَقَلَ السُّهَيْلِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُشَاوَرَةَ مُخْتَصَّةٌ بِأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَلَعَلَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ ، ثُمَّ وَجَدْتُ لَهُ مُسْتَنَدًا فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ لِأَسَدِ بْنِ مُوسَى وَالْمَعْرِفَةِ لِيَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ - وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ : لَوْ أَنَّكُمَا تَتَّفِقَانِ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ مَا عَصَيْتُكُمَا فِي مَشُورَةٍ أَبَدًا وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فِي نَوْمِهِمْ فِي الْوَادِي : إِنْ تُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ تَرْشُدُوا لَكِنْ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِلتَّخْصِيصِ ، وَوَقَعَ فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ قَالَ : فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ، قِيلَ : وَهَذَا تَفْسِيرٌ لَا تِلَاوَةٌ ، وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ قِرَاءَةً عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَدَّ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الْمُشَاوَرَةَ فِي الْخَصَائِصِ وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهَا فَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ الِاسْتِحْبَابَ عَنِ النَّصِّ ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَهُوَ الْمُرَجَّحُ . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا عَزَمَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ التَّقَدُّمُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) يُرِيدُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْمَشُورَةِ إِذَا عَزَمَ عَلَى فِعْلِ أَمْرٍ مِمَّا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْمَشُورَةُ ، وَشَرَعَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُشِيرَ عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ ؛ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي آيَةِ الْحُجُرَاتِ ، وَظَهَرَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ آيَةِ الْمَشُورَةِ وَبَيْنَهَا تَخْصِيصُ عُمُومِهَا بِالْمَشُورَةِ ، فَيَجُوزُ التَّقَدُّمُ لَكِنْ بِإِذْنٍ مِنْهُ حَيْثُ يَسْتَشِيرُ ، وَفِي غَيْرِ صُورَةِ الْمَشُورَةِ لَا يَجُوزُ لَهُمُ التَّقَدُّمُ ، فَأَبَاحَ لَهُمُ الْقَوْلَ جَوَابَ الِاسْتِشَارَةِ ، وَزَجَرَهُمْ عَنِ الِابْتِدَاءِ بِالْمَشُورَةِ وَغَيْرَهَا ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى مَا يَرَاهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَمْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَهُ وَلَا يَتَحَيَّلَ فِي مُخَالَفَتِهِ ، بَلْ يَجْعَلُهُ الْأَصْلَ الَّذِي يَرُدُّ إِلَيْهِ مَا خَالَفَهُ لَا بِالْعَكْسِ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ الْمُقَلِّدِينَ ، وَيَغْفُلُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ الْآيَةَ . وَالْمَشُورَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ، وَبِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ لُغَتَانِ ، وَالْأُولَى أَرْجَحُ . قَوْلُهُ : ( وَشَاوَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْمُقَامِ وَالْخُرُوجِ إِلَخْ ) هَذَا مِثَالٌ لِمَا تَرْجَمَ بِهِ أَنَّهُ شَاوَرَ فَإِذَا عَزَمَ لَمْ يَرْجِعْ ، وَالْقَدْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا مُخْتَصَرٌ مِنْ قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ لَمْ تَقَعْ مَوْصُولَةً فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ ، وَقَدْ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهَا الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : تَنَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَاءَهُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ رَأْيُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقِيمَ بِالْمَدِينَةِ فَيُقَاتِلَهُمْ فِيهَا ، فَقَالَ لَهُ نَاسٌ - لَمْ يَكُونُوا شَهِدُوا بَدْرًا - : اخْرُجْ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ نُقَاتِلَهُمْ بِأُحُدٍ ، وَنَرْجُو أَنْ نُصِيبَ مِنَ الْفَضِيلَةِ مَا أَصَابَ أَهْلُ بَدْرٍ ، فَمَا زَالُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى لَبِسَ لَأْمَتَهُ ، فَلَمَّا لَبِسَهَا نَدِمُوا ، وَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِمْ ؛ فَالرَّأْيُ رَأْيُكَ ، فَقَالَ : مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَضَعَ أَدَاتَهُ بَعْدَ أَنْ لَبِسَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهُ ، وَكَانَ ذَكَرَ لَهُمْ قَبْلُ أَنْ يَلْبَسَ الْأَدَاةَ : أَنِّي رَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ ، وَهَذَا سَنَدٌ حَسَنٌ ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَالدَّارِمِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ وَلَفْظُ أَحْمَدَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُنْحَرُ ، فَأَوَّلْتُ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ الْمَدِينَةَ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ سَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي الْمَغَازِي مُطَوَّلَةً ، وَفِيهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ رَأْسَ الْخَزْرَجِ كَانَ رَأْيُهُ الْإِقَامَةَ ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضِبَ وَقَالَ : أَطَاعَهُمْ وَعَصَانِي ، فَرَجَعَ بِمَنْ أَطَاعَهُ وَكَانُوا ثُلُثَ النَّاسِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا لَبِسَ لَأْمَتَهُ ) بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ هِيَ الدِّرْعُ ، وَقِيلَ : الْأَدَاةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ ، وَهِيَ الْآلَةُ مِنْ دِرْعٍ وَبَيْضَةٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ السِّلَاحِ ، وَالْجَمْعُ : لَأْمٌ بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ ، مِثْلُ تَمْرَةٍ وَتَمْرٌ ، وَقَدْ تُسَهَّلُ وَتُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى لُؤَمٍ ، بِضَمٍّ ثُمَّ فَتْحٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ ، وَاسْتَلْأَمَ لِلْقِتَالِ إِذَا لَبِسَ سِلَاحَهُ كَامِلًا . قَوْلُهُ : ( وَشَاوَرَ عَلِيًّا ، وَأُسَامَةَ فِيمَا رَمَى بِهِ أَهْلُ الْإِفْكِ عَائِشَةَ فَسَمِعَ مِنْهُمَا حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ فَجَلَدَ الرَّامِينَ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْقَابِسِيِّ : الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : مِنْهُمَا : لِعَلِيٍّ ، وَأُسَامَةَ وَأَمَّا جَلْدُهُ الرَّامِينَ ، فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ بِإِسْنَادٍ . قُلْتُ : أَمَّا أَصْلُ مُشَاوَرَتِهِمَا فَذَكَرَهُ مَوْصُولًا فِي الْبَابِ بِاخْتِصَارٍ ، وَتَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ مُطَوَّلًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ مَشْرُوحًا ، وَقَوْلُهُ : فَسَمِعَ مِنْهُمَا أَيْ فَسَمِعَ كَلَامَهُمَا وَلَمْ يَعْمَلْ بِجَمِيعِهِ حَتَّى نَزَلَ الْوَحْيُ ، أَمَّا عَلِيٌّ فَأَوْمَأَ إِلَى الْفِرَاقِ بِقَوْلِهِ : وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ عُذْرِهِ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا أُسَامَةُ فَنَفَى أَنْ يَعْلَمَ عَلَيْهَا إِلَّا الْخَيْرَ ، فَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا أَوْمَأَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ مِنَ الْمُفَارَقَةِ ، وَعَمِلَ بِقَوْلِهِ : وَسَلِ الْجَارِيَةَ فَسَأَلَهَا ، وَعَمِلَ بِقَوْلِ أُسَامَةَ فِي عَدَمِ الْمُفَارَقَةِ ، وَلَكِنَّهُ أَذِنَ لَهَا فِي التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ أَبِيهَا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَجَلَدَ الرَّامِينَ فَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا أَحَدِهِمَا ، وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَتِي قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَدَعَا بِهِمْ وَحَدَّهُمْ وَفِي لَفْظٍ : فَأَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ وَسُمُّوا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : مِسْطَحُ بْنُ أَثَاثَةَ ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، قُلْتُ : وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِتَحْدِيثِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي التَّفْسِيرِ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ وَلَكِنْ حَكَمَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْقَابِسِيِّ : كَأَنَّهُ أَرَادَ تَنَازُعَهُمَا فَسَقَطَتِ الْأَلِفُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ أُسَامَةُ ، وَعَلِيٌّ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْقِيَاسُ أَنْ يُقَالَ : تَنَازُعُهُمَا ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ ، أَوْ أَرَادَ بِالْجَمْعِ هُمَا وَمَنْ مَعَهُمَا أَوْ مَنْ وَافَقَهُمَا عَلَى ذَلِكَ ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ : وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَبَرِيرَةَ ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ إِلَى ضَمِّ بَرِيرَةَ إِلَى عَلِيٍّ ، وَأُسَامَةَ ، لَكِنِ اسْتَشْكَلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً ؛ لِتَصْرِيحِهِ بِأَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهَا ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّنَازُعِ اخْتِلَافُ قَوْلِ الْمَذْكُورِينَ عِنْدَ مُسَاءَلَتِهِمْ وَاسْتِشَارَتِهِمْ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ : فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ كُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي قِصَّتَيْ أُحُدٍ وَالْإِفْكِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَتِ الْأَئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَشِيرُونَ الْأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ ؛ لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا ) أَيْ : إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَصٌّ بِحُكْمٍ مُعَيَّنٍ وَكَانَتْ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ ، فَمُرَادُهُ مَا احْتَمَلَ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ احْتِمَالًا وَاحِدًا ، وَأَمَّا مَا عُرِفَ وَجْهُ الْحُكْمِ فِيهِ فَلَا ، وَأَمَّا تَقْيِيدُهُ بِالْأُمَنَاءِ فَهِيَ صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ ; لِأَنَّ غَيْرَ الْمُؤْتَمَنِ لَا يُسْتَشَارُ وَلَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِأَسْهَلِهَا فَلِعُمُومِ الْأَمْرِ بِالْأَخْذِ بِالتَّيْسِيرِ وَالتَّسْهِيلِ وَالنَّهْيِ عَنِ التَّشْدِيدِ الَّذِي يُدْخِلُ الْمَشَقَّةَ عَلَى الْمُسْلِمِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّمَا يُؤْمَرُ الْحَاكِمُ بِالْمَشُورَةِ ؛ لِكَوْنِ الْمُشِيرِ يُنَبِّهُهُ عَلَى مَا يَغْفُلُ عَنْهُ ، وَيَدُلُّهُ عَلَى مَا لَا يَسْتَحْضِرُهُ مِنَ الدَّلِيلِ ، لَا لِيُقَلِّدَ الْمُشِيرَ فِيمَا يَقُولُهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ وَرَدَ مِنَ اسْتِشَارَةِ الْأَئِمَّةِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ : مِنْهَا مُشَاوَرَةُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا الْمُصَنِّفُ ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرٌ نَظَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَقْضِي بِهِ قَضَى بَيْنَهُمْ ، وَإِنْ عَلِمَهُ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ خَرَجَ فَسَأَلَ الْمُسْلِمِينَ عَنِ السُّنَّةِ ، فَإِنْ أَعْيَاهُ ذَلِكَ دَعَا رُءُوسَ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَاءَهُمْ وَاسْتَشَارَهُمْ ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ الْقُرَّاءَ كَانُوا أَصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ ، وَمُشَاوَرَةُ عُمَرَ الصَّحَابَةَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ تَقَدَّمَتْ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ ، وَمُشَاوَرَةُ عُمَرَ الصَّحَابَةَ فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ تَقَدَّمَتْ فِي الدِّيَاتِ ، وَمُشَاوَرَةُ عُمَرَ فِي قِتَالِ الْفُرْسِ تَقَدَّمَتْ فِي الْجِهَادِ ، وَمُشَاوَرَةُ عُمَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ ثُمَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَرَادُوا دُخُولَ الشَّامِ وَبَلَغَهُ أَنَّ الطَّاعُونَ وَقَعَ بِهَا ، وَقَدْ مَضَى مُطَوَّلًا مَعَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الطِّبِّ وَرُوِّينَا فِي الْقَطْعِيَّاتِ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ ، فَقَالَ : سَلْ عَنْهَا عَلِيًّا ، قَالَ : وَلَقَدْ شَهِدْتُ عُمَرَ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، فَقَالَ : هَاهُنَا عَلِيٌّ ؟ وَفِي كِتَابِ النَّوَادِرِ لِلْحُمَيْدِيِّ ، وَالطَّبَقَاتِ لِمُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : كَانَ عُمَرُ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو الْحَسَنِ - يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - وَمُشَاوَرَةُ عُثْمَانَ الصَّحَابَةَ أَوَّلَ مَا اسْتُخْلِفَ فِيمَا يَفْعَلُ بِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَمَّا قَتَلَ الْهُرْمُزَانَ وَغَيْرَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ لَهُمْ فِي قَتْلِ أَبِيهِ مَدْخَلًا ، وَهِيَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ ، وَمُشَاوَرَتُهُ الصَّحَابَةَ فِي جَمْعِ النَّاسِ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ ، أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ مِنْهَا قَوْلُهُ : مَا فَعَلَ عُثْمَانُ الَّذِي فَعَلَ فِي الْمَصَاحِفِ إِلَّا عَنْ مَلَإٍ مِنَّا وَسَنَدُهُ حَسَنٌ . قَوْلُهُ : ( وَرَأَى أَبُو بَكْرٍ قِتَالَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ إِلَخْ ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ الِاقْتِدَاءِ بِالسَّلَفِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ) تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ وَعَمِّهِ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ الِاقْتِدَاءِ بِالسَّلَفِ أَيْضًا بِلَفْظِ : وَمُشَاوَرَتُهُ وَوَقَعَ بِلَفْظِ : وَمَشُورَتُهُ مَوْصُولًا فِي التَّفْسِيرِ ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ هُنَا : وَكَانَ وَقَّافًا بِقَافٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ كَثِيرُ الْوُقُوفِ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ تَقَعْ فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ فِي بَابِ الِاقْتِدَاءِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِي التَّفْسِيرِ ، ثُمَّ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي ، وَاقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى مَوْضِعِ حَاجَتِهِ وَهِيَ مُشَاوَرَةُ عَلِيٍّ ، وَأُسَامَةَ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَذَكَرَ بَرَاءَةَ عَائِشَةَ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي اخْتَصَرَهُ ، وَذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَدْ أَوْرَدَ طَرِيقَ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ الَّتِي عَلَّقَهَا هُنَا مُطَوَّلَةً فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ وَقَدْ ذَكَرْتُ هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَشَيْخُهُ هُنَا فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ النَّشَائِيُّ بِنُونٍ وَمُعْجَمَةٍ خَفِيفَةٍ وَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا هُوَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الشَّامِيُّ نَزِيلُ وَاسِطٍ ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ شَيْخِ الشَّيْخَيْنِ ، وَ الْغَسَّانِيُّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَتُهُ مَشْهُورَةٌ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ شَنِيعٌ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ ، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَقِبَ سَمَاعِهِ كَلَامَ بَرِيرَةَ ، وَفِيهِ : قَامَ فِيَّ خَطِيبًا - أَيْ مِنْ أَجْلِي - فَتَشَهَّدَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَقَوْلِهِ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ · ص 350 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وأمرهم شورى بينهم · ص 78 باب قول الله تعالى : وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ وأن المشاورة قبل العزم والتبين لقوله تعالى : فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي : هذا باب في قول الله تعالى : وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ الشورى على وزن فعلى المشورة ، تقول منه : شاورته في الأمر واستشرته بمعنى ، ومعنى أمرهم شورى بينهم أي : يتشاورون . قوله : وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ اختلفوا في أمر الله - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يشاور أصحابه ، فقالت طائفة : في مكائد الحروب وعند لقاء العدو تطييبا لنفوسهم وتأليفا لهم على دينهم وليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم ، وإن كان الله أغناه عن رأيهم بوحيه ، روي هذا عن قتادة والربيع وابن إسحاق ، وقالت طائفة : فيما لم يأته فيه وحي ليبين لهم صواب الرأي ، وروي عن الحسن والضحاك قالا : ما أمر الله نبيه بالمشاورة لحاجته إلى رأيهم ، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشورة من الفضل ، وقال آخرون : إنما أمر بها مع غناه عنهم لتدبيره تعالى له وسياسته إياه ليستن به من بعده ويقتدوا به فيما ينزل بهم من النوازل ، وقال الثوري : وقد سن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - الاستشارة في غير موضع ، استشار أبا بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - في أسارى بدر ، وأصحابه يوم الحديبية . قوله : وأن المشاورة عطف على قول الله . قوله : قبل العزم أي : على الشيء ، وقبل التبين أي : وضوح المقصود لقوله تعالى : فَإِذَا عَزَمْتَ الآية ، وجه الدلالة أنه أمر أولا بالمشاورة ، ثم رتب التوكل على العزم ، وعقبه عليه ؛ إذ قال : وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ وقال قتادة : أمر الله نبيه إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله . فإذا عزم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله . يريد أنه - صلى الله عليه وسلم - بعد المشورة إذا عزم على فعل أمر مما وقعت عليه المشورة وشرع فيه لم يكن لأحد من البشر التقدم على الله ورسوله لورود النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله . وشاور النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يوم أحد في المقام والخروج ، فرأوا له الخروج ، فلما لبس لأمته وعزم قالوا : أقم ، فلم يمل إليهم بعد العزم ، وقال : لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله . هذا مثال لما ترجم به أنه يشاور فإذا عزم لم يرجع . قوله : لأمته أي : درعه ، وهو بتخفيف اللام وسكون الهمزة ، وقيل : الأداة بفتح الهمزة وتخفيف الدال ، وهي الآلة من درع وبيضة وغيرهما من السلاح ، والجمع لأم بسكون الهمزة . قوله : أقم أي : اسكن بالمدينة ولا تخرج منها إليهم . قوله : فلم يمل أي : فما مال إلى كلامهم بعد العزم ، وقال : ليس ينبغي له إذا عزم على أمر أن ينصرف عنه ؛ لأنه نقض للتوكل الذي أمر الله به عند العزيمة ، ولبس اللأمة دليل العزيمة . وشاور عليا وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة فسمع منهما حتى نزل القرآن ، فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم ، ولكن حكم بما أمره الله . أي : شاور النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد ، ومضت قصة الإفك مطولة في تفسير سورة النور . قوله : فسمع منهما أي : من علي وأسامة ، يعني سمع كلامهما ولم يعمل به حتى نزل القرآن . قوله : فجلد الرامين وسماهم أبو داود في روايته وهم مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ، وعن عمرة ، عن عائشة ، قالت : لما نزلت براءتي قام رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - على المنبر فدعا بهم وحدهم ، رواه أحمد وأصحاب السنن من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة . قوله : ولم يلتفت إلى تنازعهم قال ابن بطال ، عن القابسي : كأنه أراد تنازعهما ، فسقطت الألف ؛ لأن المراد علي وأسامة ، وقال الكرماني : القياس تنازعهما ، إلا أن يقال : أقل الجمع اثنان ، أو المراد هما ومن معهما ووافقهما في ذلك . وكانت الأئمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها ، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - . أي : وكانت الأئمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا يستشيرون الأمناء ، وقيد به ؛ لأن غير المؤتمن لا يستشار ولا يلتفت إلى قوله . قوله : في الأمور المباحة التي كانت على أصل الإباحة . قوله : ليأخذوا بأسهلها أي : بأسهل الأمور إذا لم يكن فيها نص بحكم معين ، والباقي ظاهر . ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة ، فقال عمر : كيف تقاتل وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوا : لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم تابعه بعد عمر ، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة ؛ إذ كان عنده حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من بدل دينه فاقتلوه . هذا غير مناسب في هذا المكان ؛ لأنه ليس من باب المشاورة ، وإنما هو من باب الرأي ، وهذا مصرح فيه بقوله : فلم يلتفت إلى مشورة والعجب من صاحب التوضيح حيث يقول : فعل الصديق وشاور أصحابه في مقاتلة مانعي الزكاة وأخذ بخلاف ما أشاروا به عليه من الترك ، انتهى ، والذي هنا من قوله : فلم يلتفت إلى مشورة يرد ما قاله . قوله : من بدل دينه فاقتلوه مضى موصولا من حديث ابن عباس في كتاب المحاربين . وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولا كانوا أو شبابا ، وكان وقافا عند كتاب الله - عز وجل - . وكان القراء أي : العلماء ، وكان اصطلاح الصدر الأول أنهم كانوا يطلقون القراء على العلماء . قوله : كهولا كانوا أو شبابا يعني : كان يعتبر العلم لا السن ، والشباب على وزن فعال بالموحدتين ، ويروى : شبانا بضم الشين وتشديد الباء وبالنون . قوله : وقافا بتشديد القاف أي : كثير الوقوف ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . 137 - حدثنا الأويسي ، حدثنا إبراهيم ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، حدثني عروة وابن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله ، عن عائشة - رضي الله عنها - حين قال لها أهل الإفك ، قالت : ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما وهو يستشيرهما في فراق أهله ، فأما أسامة فأشار بالذي يعلم من براءة أهله ، وأما علي فقال : لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تصدقك ، فقال : هل رأيت من شيء يريبك ؟ قالت : ما رأيت أمرا أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله ، فقام على المنبر فقال : يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي ؟ ! والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، فذكر براءة عائشة . مطابقته للترجمة ظاهرة . والأويسي بضم الهمزة وفتح الواو وسكون الياء وبالسين المهملة عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبو القاسم القرشي الأويسي المديني ، ونسبته إلى أويس بن سعد ، والأويس اسم من أسماء الذئب ، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وصالح هو ابن كيسان ، وعروة بن الزبير بن العوام ، وابن المسيب هو سعيد بن المسيب ، وعبيد الله هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود . وهذا الحديث طرف من حديث الإفك المطول قد مضى في الشهادات ، عن أبي الربيع ، وفي المغازي ، وفي التفسير ، وفي الأيمان والنذور عن عبد العزيز الأويسي ، وفي الجهاد ، وفي التوحيد ، وفي الشهادات ، وفي المغازي ، وفي التفسير ، وفي الإيمان عن حجاج بن منهال ، وفي التفسير والتوحيد أيضا عن يحيى بن بكير ، وفي الشهادات أيضا ، ومضى الكلام فيه غير مرة . قوله : ودعا عطف على مقدر ، أي قالت : عمل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - كذا ودعا . قوله : حين استلبث الوحي أي : تأخر وأبطأ . قوله : أهله أي : عائشة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وأمرهم شورى بينهم · ص 81 138 - وقال أبو أسامة : عن هشام ، ح وحدثني محمد بن حرب ، حدثنا يحيى بن أبي زكرياء الغساني ، عن هشام ، عن عروة ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي ؟ ما علمت عليهم من سوء قط ، وعن عروة قال : لما أخبرت عائشة بالأمر قالت : يا رسول الله ، أتأذن لي أن أنطلق إلى أهلي ، فأذن لها وأرسل معها الغلام ، وقال رجل من الأنصار : سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم . هذا تعليق من البخاري ، وأبو أسامة حماد بن أسامة الكوفي ، وهشام هو ابن عروة . قوله : حدثني محمد بن حرب هذا طريق موصول ، وحرب ضد الصلح ، النشائي بياع النشا بالنون والشين المعجمة ، ويحيى بن أبي زكريا مقصورا وممدودا الغساني بالغين المعجمة وتشديد السين المهملة السامي ، سكن واسطا ، ويروى : العشاني بضم العين المهملة وتخفيف الشين المعجمة ، وقال صاحب المطالع : إنه وهم . قوله : ما تشيرون علي هكذا بلفظ الاستفهام ، ومضى في طريق أبي أسامة بصيغة الأمر : أشيروا علي . قوله : ما علمت عليهم يعني أهله ، وجمع باعتبار الأهل أو يلزم من سبها سب أبويها . قوله : لما أخبرت بلفظ المجهول . قوله : بالأمر أي : بكلام أهل الإفك وشأنهم . قوله : وقال رجل من الأنصار هو أبو أيوب خالد - رضي الله تعالى عنه - والله أعلم .