8 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ 7385 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو مِنْ اللَّيْلِ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، لَكَ الْحَمْدُ ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، قَوْلُكَ الْحَقُّ ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ لِي غَيْرُكَ . حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا وَقَالَ : أَنْتَ الْحَقُّ ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : بِالْحَقِّ ، أَيْ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ وَهُوَ قَوْلُهُ : كُنْ وَوَقَعَ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ الْبَابِ : قَوْلُكَ الْحَقُّ ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ الْكَلِمَةُ ، وَهِيَ كُنْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْبَاءَ هُنَا بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ : لِأَجْلِ الْحَقِّ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْمُرَادُ بِالْحَقِّ هُنَا ضِدُّ الْهَزْلِ ، وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمَوْجُودُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا يَزُولُ وَلَا يَتَغَيَّرُ ، وَقَالَ الرَّاغِبُ : الْحَقُّ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُوجِدُ بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ ، قَالَ : وَيُقَالُ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مِنْ فِعْلِهِ بِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ : حَقٌّ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الِاعْتِقَادِ فِي الشَّيْءِ الْمُطَابِقِ لِمَا دَلَّ ذَلِكَ الشَّيْءُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَعَلَى الْفِعْلِ الْوَاقِعِ بِحَسَبِ مَا يَجِبُ قَدْرًا وَزَمَانًا وَكَذَا الْقَوْلُ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْوَاجِبِ وَاللَّازِمِ وَالثَّابِتِ وَالْجَائِزِ ، وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنِ الْحَلِيمِيِّ قَالَ : الْحَقُّ مَا لَا يَسِيغُ إِنْكَارُهُ ، وَيَلْزَمُ إِثْبَاتُهُ ، وَالِاعْتِرَافُ بِهِ ، وَوُجُودُ الْبَارِي أَوْلَى مَا يَجِبُ الِاعْتِرَافُ بِهِ ، وَلَا يَسِيغُ جُحُودُهُ ؛ إِذْ لَا مُثْبِتَ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ الْبَاهِرَةُ مَا تَظَاهَرَتْ عَلَى وُجُودِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَفِيهِ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ وَبَيَانُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ فِي كِتَابِ التَّهَجُّدِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَذُكِرَ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ أَيْضًا ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : قَوْلُهُ : رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَعْنِي خَالِقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَقَوْلُهُ : بِالْحَقِّ ، أَيْ : أَنْشَأَهُمَا بِحَقٍّ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا ، أَيْ : عَبَثًا ، وَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ : سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَ ابْنُ جُرَيْجٍ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ ، وَقَوْلُهُ : عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ ابْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَحْوَلُ الْمَكِّيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ وَسَيَأْتِي ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ : حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا يَعْنِي بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ وَالْمَتْنِ ، وَقَوْلُهُ : وَقَالَ : أَنْتَ الْحَقُّ ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ قَبِيصَةَ سَقَطَ مِنْهَا قَوْلُهُ : أَنْتَ الْحَقُّ ؛ فَإِنَّ أَوَّلَهَا : قَوْلُكَ الْحَقُّ ، وَثَبَتَ قَوْلُهُ فِي أَوَّلِهِ : أَنْتَ الْحَقُّ فِي رِوَايَةِ ثَابِتِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا سَيَأْتِي سِيَاقُهُ بِتَمَامِهِ فِي بَابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ · ص 383 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ · ص 91 باب قول الله تعالى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ أي : هذا باب في قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ أي : بكلمة الحق ، وهي قوله : كن ، وقيل : ملتبسا بالحق لا بالباطل ، وذكر ابن التين أن الداودي قال : إن الباء ههنا بمعنى اللام ، أي : لأجل الحق ، قلت : ذكر النحاة أن الباء تأتي لأربعة عشر معنى ، ولم يذكروا فيها أنها تجيء بمعنى اللام ، وقال ابن بطال : المراد بالحق ههنا ضد الهزل ، وقيل : يقال لكل موجود من فعل الله تعالى يقتضي الحكمة حق ، ويطلق على الاعتقاد في الشيء المطابق في الواقع ، ويطلق على الواجب واللازم الثابت والجائز ، وعن الحليمي : الحق ما لا يسع إنكاره ويلزم إثباته والاعتراف به ، ووجود الباري أولى ما يجب الاعتراف به ولا يسع جحوده ؛ إذ لا مثبت تظاهرت عليه البينة ما تظاهرت على وجوده - عز وجل - . 14 - حدثنا قبيصة ، حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن سليمان ، عن طاوس ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو من الليل : اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ، لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن ، لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ، قولك الحق ، ووعدك الحق ، ولقاؤك حق ، والجنة حق ، والنار حق ، والساعة حق ، اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت ، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وأسررت وأعلنت ، أنت إلهي لا إله لي غيرك . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : أنت رب السماوات والأرض ؛ لأن معناه أنت مالك السماوات والأرض وخالقهما . وقبيصة بفتح القاف ابن عقبة ، وسفيان هو الثوري ، وابن جريج عبد الملك ، وسليمان الأحول . والحديث مضى في صلاة الليل عن علي بن عبد الله ، وفي الدعوات عن عبد الله بن محمد ، ومضى الكلام فيه . قوله : من الليل أي : في الليل أو من قيام الليل . قوله : رب السماوات الرب السيد والمصلح والمالك . قوله : أنت قيم السماوات أي : مدبرها ومقومها . قوله : نور السماوات أي : منورها ، وهو من جملة صفات الفعل ، وقد مر تفسير الحق . قوله : وعدك حق من عطف الخاص على العام ؛ لأن الوعد أيضا قول . قوله : لقاؤك المراد باللقاء البعث . قوله : إليك أنبت أي : رجعت إلى عبادتك . قوله : وبك خاصمت أي : ببراهينك التي أعطيتني خاصمت الأعداء . قوله : وإليك حاكمت يعني من جحد الحق حاكمته إليك ، أي : جعلتك حاكما بيني وبينه لا غيرك مما كانت الجاهلية تتحاكم إلى الصنم ونحوه . قوله : فاغفر لي سؤاله - صلى الله عليه وسلم - المغفرة تواضع منه أو تعليم لأمته .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ · ص 91 15 - حدثنا ثابت بن محمد ، حدثنا سفيان بهذا ، وقال : أنت الحق ، وقولك الحق . أشار بهذا إلى أن في رواية قبيصة سقط منها : أنت الحق ، قبل قوله : قولك الحق ، وثبت في رواية ثابت بالثاء المثلثة في أوله ابن محمد العابد البناني بضم الباء الموحدة وتخفيف النون الأولى عن سفيان الثوري . قوله : بهذا أي : بالسند المذكور والمتن ، وسيأتي بيانه في باب قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ