9 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا قَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ تَمِيمٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا 7386 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا ، فَقَالَ : أرْبعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا ، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا . ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، فَقَالَ لِي : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ ، قُلْ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ؛ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ ، أَوْ قَالَ : أَلَا أَدُلُّكَ . بِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ : وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : غَرَضُ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ مَعْنَى : سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَلِيمٌ ، قَالَ : وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَنْ يُسَوِّيَهُ بِالْأَعْمَى الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ السَّمَاءَ خَضْرَاءَ وَلَا يَرَاهَا ، وَالْأَصَمُّ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ فِي النَّاسِ أَصْوَاتًا وَلَا يَسْمَعُهَا ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ سَمِعَ وَأَبْصَرَ أَدْخَلُ فِي صِفَةِ الْكَمَالِ مِمَّنِ انْفَرَدَ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخِرِ ، فَصَحَّ أَنَّ كَوْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا يُفِيدُ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى كَوْنِهِ عَلِيمًا ، وَكَوْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ يَسْمَعُ بِسَمْعٍ وَيُبْصِرُ بِبَصَرٍ ، كَمَا تَضَمَّنَ كَوْنُهُ عَلِيمًا أَنَّهُ يَعْلَمُ بِعِلْمٍ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إِثْبَاتِ كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا ، وَبَيْنَ كَوْنِهِ ذَا سَمْعٍ وَبَصَرٍ ، قَالَ : وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً ، انْتَهَى . وَاحْتَجَّ الْمُعْتَزِلِيُّ بِأَنَّ السَّمْعَ يَنْشَأُ عَنْ وُصُولِ الْهَوَاءِ الْمَسْمُوعِ إِلَى الْعَصَبِ الْمَفْرُوشِ فِي أَصْلِ الصِّمَاخِ ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجَوَارِحِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا عَادَةٌ أَجْرَاهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ يَكُونُ حَيًّا ، فَيَخْلُقُهُ اللَّهُ عِنْدَ وُصُولِ الْهَوَاءِ إِلَى الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَسْمَعُ الْمَسْمُوعَاتِ بِدُونِ الْوَسَائِطِ ، وَكَذَا يَرَى الْمَرْئِيَّاتِ بِدُونِ الْمُقَابَلَةِ وَخُرُوجِ الشُّعَاعِ ، فَذَاتُ الْبَارِي مَعَ كَوْنِهِ حَيًّا مَوْجُودًا لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ ، فَكَذَلِكَ صِفَاتُ ذَاتِهِ لَا تُشْبِهُ الصِّفَاتِ . وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ : السَّمِيعُ مَنْ لَهُ سَمْعٌ يُدْرِكُ بِهِ الْمَسْمُوعَاتِ ، وَالْبَصِيرُ : مَنْ لَهُ بَصَرٌ يُدْرِكُ بِهِ الْمَرْئِيَّاتِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي حَقِّ الْبَارِي صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ ، وَقَدْ أَفَادَتِ الْآيَةُ ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ، بِمَعْنَى عَلِيمٍ ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا وَيَضَعُ إِصْبَعَيْهِ . قَالَ أَبُو يُونُسَ : وَضَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَأَرَادَ هَذِهِ الْإِشَارَةَ تَحْقِيقَ إِثْبَاتِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ لِلَّهِ بِبَيَانِ مَحَلِّهِمَا مِنَ الْإِنْسَانِ ، يُرِيدُ أَنَّ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعِلْمُ ، فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأَشَارَ إِلَى الْقَلْبِ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْعِلْمِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْجَارِحَةُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ ، ثُمَّ ذَكَرَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ : إِنَّ رَبَّنَا سَمِيعٌ بَصِيرٌ ، وَأَشَارَ إِلَى عَيْنَيْهِ . وَسَنَدُهُ حَسَنٌ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ : وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي حَدِيثُ : إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَاكَ هُنَاكَ ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيِّ رَفَعَهُ : أَنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَبِسَ بُرْدَتَيْنِ يَتَبَخْتَرُ فِيهِمَا فَنَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فَمَقَتَهُ ، الْحَدِيثَ . وَقَدْ مَضَى فِي اللِّبَاسِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ ، وَفِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ : وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَوَرَدَ فِي السَّمْعِ قَوْلُ الْمُصَلِّي : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَلْ مَقْطُوعٌ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا : قَوْلُهُ : ( قَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ تَمِيمٍ ) هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ الْكُوفِيُّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَوَصَلَ حَدِيثَهُ الْمَذْكُورَ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ هُنَا ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مَعْنٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ : تَبَارَكَ ، وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ ، وَلَيْسَ لِتَمِيمٍ الْمَذْكُورِ عَنْ عُرْوَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثُ وَآخَرُ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : قَوْلُ الْبُخَارِيِّ : قَالَ الْأَعْمَشُ : مُرْسَلٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ : وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ ، انْتَهَى . وَتَسْمِيَةُ هَذَا مُرْسَلًا مُخَالِفٌ لِلِاصْطِلَاحِ ، وَالتَّعْلِيلُ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ فَإِنَّ فِي الصَّحِيحِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ مُعَلَّقَةٍ لَمْ تُذْكَرْ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا . قَوْلُهُ : ( وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مَعْنٍ كُلَّ شَيْءٍ بَدَلَ الْأَصْوَاتَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مَعْنَى قَوْلِهَا : وَسِعَ أَدْرَكَ ؛ لِأَنَّ الَّذِي وُصِفَ بِالِاتِّسَاعِ يَصِحُّ وَصْفُهُ بِالضِّيقِ ، وَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ ، فَيَجِبُ صَرْفُ قَوْلِهَا عَنْ ظَاهِرِهِ ، وَالْحَدِيثُ مَا يَقْتَضِي التَّصْرِيحَ بِأَنَّ لَهُ سَمْعًا ، وَكَذَا جَاءَ ذِكْرُ الْبَصَرِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا : حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ . قَوْلُهُ : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا هَكَذَا أَخْرَجَهُ ، وَتَمَامُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ : مِمَّنْ ذَكَرْتُ بَعْدَ قَوْلِهِ : الْأَصْوَاتَ ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُكَلِّمُهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ ، وَمُرَادُهَا بِهَذَا النَّفْيِ مَجْمُوعُ الْقَوْلِ ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنُ مَعْنٍ : إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا وَهِيَ تَقُولُ : أَكَلَ شَبَابِي ، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي . الْحَدِيثَ . فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَهَذَا أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ الْمُجَادِلَةِ وَتَسْمِيَتِهَا ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ عَنْ خُوَيْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، قَالَتْ : ظَاهَرَ مِنِّي زَوْجِي أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ ، الْحَدِيثَ . وَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ اسْمَهَا كَانَ رُبَّمَا صُغِّرَ وَإِنْ كَانَ مَحْظُوظًا فَتَكُونُ نُسِبَتْ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لِجَدِّهَا ، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الرِّوَايَاتُ بِالْأَوَّلِ فَفِي مُرْسَلِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ فَقَالَ لَهَا : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي . وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ تَظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ ، وَعِنْدَهُ أَيْضًا مِنْ مُرْسَلِ أَبِي الْعَالِيَةَ : كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ دُلَيْحٍ تَحْتَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ سَيِّئِ الْخُلُقِ فَنَازَعَتْهُ فِي شَيْءٍ ، فَقَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي . وَدُلَيْحٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ لَعَلَّهُ مِنْ أَجْدَادِهَا ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ جَمِيلَةَ كَانَتْ تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ ، وَوَصَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَالرِّوَايَةُ الْمُرْسَلَةُ أَقْوَى ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ ، وَهُوَ الَّذِي ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ ، وَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفَةٌ وَهَذَا مِنْهَا ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : عَنْ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ ، أَيْ : عَنْ قِصَّةِ أَوْسٍ لَا أَنَّ عُرْوَةَ حَمَلَهُ عَنْ أَوْسٍ فَيَكُونُ مُرْسَلًا كَالرِّوَايَةِ الْمَحْفُوظَةِ ، وَإِنْ كَانَ الرَّاوِي حَفِظَهَا أَنَّهَا جَمِيلَةُ ، فَلَعَلَّهُ كَانَ لَقَبَهَا وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ النَّقَّاشُ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ إِلَى الشَّعْبِيِّ قَالَ : الْمَرْأَةُ الَّتِي جَادَلَتْ فِي زَوْجِهَا هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ الصَّامِتِ ، وَأُمُّهَا مُعَاذَةُ أَمَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا : وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ . وَقَوْلُهُ : بِنْتُ الصَّامِتِ خَطَأٌ ، فَإِنَّ الصَّامِتَ وَالِدُ زَوْجِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَتَسْمِيَةُ أُمِّهَا غَرِيبٌ ، وَقَدْ مَضَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالظِّهَارِ فِي النِّكَاحِ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلٍّ النَّهْدِيُّ وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُ الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ ، وَقَوْلُهُ : أَرْبِعُوا بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، أَيِ : ارْفُقُوا بِضَمِّ الْفَاءِ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَأَنَّهُ فِي كُتُبِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَبَعْضِ كُتُبِ الْحَدِيثِ بِفَتْحِهَا ، وَقَوْلُهُ : فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ إِلَخْ . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَوْ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ : لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا أَعْمَى لَكَانَ أَظْهَرَ فِي الْمُنَاسَبَةِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَائِبُ كَالْأَعْمَى فِي عَدَمِ الرُّؤْيَةِ نَفَى لَازِمَهُ لِيَكُونَ أَبْلَغَ وَأَشْمَلَ ، وَزَادَ قَرِيبًا ؛ لِأَنَّ الْبَعِيدَ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ لَكِنَّهُ لِبُعْدِهِ قَدْ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ قُرْبَ الْمَسَافَةِ ؛ لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحُلُولِ كَمَا لَا يَخْفَى وَمُنَاسَبَةُ الْغَائِبِ ظَاهِرَةٌ مِنْ أَجْلِ النَّهْيِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَفْيُ الْآفَةِ الْمَانِعَةِ مِنَ السَّمْعِ وَالْآفَةِ الْمَانِعَةِ مِنَ النَّظَرِ ، وَإِثْبَاتُ كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا ، يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا تَصِحَّ أَضْدَادُ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ : أَوْ قَالَ : أَلَا أَدُلُّكَ ، شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، هَلْ قَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ أَوْ قَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا أَدُلُّكَ ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ أَلَا أَدُلُّكَ بِهِ ، أَيْ : بِبَقِيَّةِ الْخَبَرِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الدَّعَوَاتِ فِي بَابِ الدُّعَاءِ : إِذَا عَلَا عَقَبَةً فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ ، وَقَالَ : بَعْدَ قَوْلِهِ : أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا · ص 384 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وكان الله سميعا بصيرا · ص 91 باب قول الله تعالى : وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا أي : هذا باب في قول الله تعالى : وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا غرضه من هذا الرد على المعتزلة حيث قالوا : إنه سميع بلا سمع ، وعلى من قال : معنى السميع العالم بالمسموعات لا غير ، وقولهم هذا يوجب مساواته تعالى للأعمى والأصم الذي يعلم أن السماء خضراء ولا يراها وأن في العالم أصواتا ولا يسمعها ، وفساده ظاهر ، فوجب كونه سميعا بصيرا مفيدا أمرا زائدا على ما يفيد كونه عالما ، وقال البيهقي : السميع من له سمع يدرك به المسموعات والبصير من له بصر يدرك به المرئيات ، قيل : كيف يتصور السمع له ، وهو عبارة عن وصول الهواء المتموج إلى العصب المفروش في مقعر الصماخ ، وأجيب بأنه ليس السمع ذلك ، بل هو حالة يخلقها الله في الحي ، نعم جرت سنة الله تعالى أنه لا يخلقه عادة إلا عند وصول الهواء إليه ، ولا ملازمة عقلا بينهما ، والله تعالى يسمع المسموع بدون هذه الوسائط العادية ، كما أنه يرى بدون المواجهة والمقابلة وخروج الشعاع ونحوه من الأمور التي لا يحصل الإبصار بها عادة إلا بها . وقال الأعمش : عن تميم عن عروة عن عائشة قالت : الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ، فأنزل الله تعالى على النبي - صلى الله عليه وسلم - : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا أي : وقال سليمان الأعمش : عن تميم بن سلمة الكوفي التابعي ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت إلى آخره ، ووصل هذا التعليق أحمد والنسائي باللفظ المذكور هنا ، وأخرجه ابن ماجه من رواية أبي عبيدة بن معن عن الأعمش بلفظ : تبارك الذي وسع سمعه كل شيء ، إني أسمع كلام خولة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي تقول : أكل شبابي ونثرت له بطني ، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني ، اللهم إني أشكو إليك ، فما برحت حتى نزل جبريل - عليه السلام - بهؤلاء الآيات : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ انتهى ، ومعنى قول عائشة : أوعى وسع سمعه الأصوات لا أنه اتسع صوته لها ؛ لأن الموصوف بالسعة لا يصح وصفه بالضيق بدلا منه ، والوصفان جميعا من صفات الأجسام ، فيستحيل هذا في حق الله ، فوجب صرف قولها عن ظاهره إلى ما اقتضاه صحة الدليل . 16 - حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي عثمان ، عن أبي موسى قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فكنا إذا علونا كبرنا ، فقال : أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، تدعون سميعا بصيرا قريبا ، ثم أتى علي وأنا أقول في نفسي : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فقال لي : يا عبد الله بن قيس ، قل : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فإنها كنز من كنوز الجنة ، أو قال : ألا أدلك به . مطابقته للترجمة في قوله : تدعون سميعا بصيرا . وأيوب هو السختياني ، وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي بفتح النون ، وأبو موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس . والحديث مضى في كتاب الدعوات في باب الدعاء إذا علا عقبة ، وأخرجه هناك بعين هذا الإسناد عن سليمان بن حرب إلى آخره ، وبعين هذا المتن ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : أربعوا بفتح الباء الموحدة أي : ارفعوا ولا تبالغوا في الجهر ، وحكى ابن التين أنه وقع في رواية بكسر الباء وأنه في كتب أهل اللغة وبعض كتب الحديث بفتحها ، قلت : الفتح هو الصحيح ؛ لأنه من الكلمة التي في لام فعله حرف حلق ، ولا يجيء مضارعه إلا بفتح عين الفعل . قوله : أصم ويروى : أصما ، ولعله لمناسبة غائبا . قوله : ولا غائبا ، قال الكرماني : فإن قلت : المناسب ولا أعمى ، وقلت : الأعمى غائب عن الإحساس بالبصر ، والغائب كالأعمى في عدم رؤية ذلك المبصر ، فنفى لازمه ليكون أبلغ وأعم ، وزاد القريب ؛ إذ رب سامع وباصر لا يسمع ولا يبصر لبعده عن المحسوس ، فأثبت القريب لتبين وجود المقتضي وعدم المانع ، ولم يرد بالقرب قرب المسافة ؛ لأنه تعالى منزه عن الحلول في مكان ، بل القرب بالعلم ، أو هو مذكور على سبيل الاستعارة . قوله : كنز أي : كالكنز في نفاسته ، أو قال شك من الراوي ، أي : ألا أدلك على كلمة هي كنز بهذا الكلام . وقال ابن بطال : في هذا الحديث نفي الآفة المانعة من السمع والآفة المانعة من البصر وإثبات كونه سميعا بصيرا قريبا مستلزم أن لا يصح أضداد هذه الصفات عليه .