19 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ 7410 - حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : يَجْمَعُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ ، فَيَقُولُونَ : لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ : يَا آدَمُ ، أَمَا تَرَى النَّاسَ ؟ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّك حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا . فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكَ - وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَهَا - وَلَكِنْ ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ - وَلَكِنْ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ . فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطَايَاهُ الَّتِي أَصَابَهَا - وَلَكِنْ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا . فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ - وَلَكِنْ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَتَهُ وَرُوحَهُ . فَيَأْتُونَ عِيسَى ، فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ ، وَلَكِنْ ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، فَيَأْتُونِني ، فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا ، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ، ثُمَّ يُقَالُ لِي : ارْفَعْ مُحَمَّدُ ، قُلْ يُسْمَعْ ، وَسَلْ تُعْطَهْ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا ، ثُمَّ أَشْفَعُ ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا ، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا ، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ، ثُمَّ يُقَالُ : ارْفَعْ مُحَمَّدُ ، وَقُلْ : يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهْ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا ، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ، ثُمَّ يُقَالُ : ارْفَعْ مُحَمَّدُ ، قُلْ يُسْمَعْ ، وَسَلْ تُعْطَهْ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا ، ثُمَّ أَشْفَعْ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا ، فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَقُولُ : يَا رَبِّ ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ ، فقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنْ الْخَيْرِ ذَرَّةً . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِثْبَاتُ يَدَيْنِ لِلَّهِ ، وَهُمَا صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ ، وَلَيْسَتَا بِجَارِحَتَيْنِ خِلَافًا لِلْمُشَبِّهَةِ مِنَ الْمُثْبِتَةِ ، وَلِلْجَهْمِيَّةِ مِنَ الْمُعَطِّلَةِ ، وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمَا بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ ، أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لَهُ قُدْرَةَ وَاحِدَةً فِي قَوْلِ الْمُثْبِتَةِ وَلَا قُدْرَةَ له فِي قَوْلِ النُّفَاةِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّهُ قَادِرٌ لِذَاتِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْيَدَيْنِ لَيْسَتَا بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ أَنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ إِشَارَةً إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي أَوْجَبَ السُّجُودَ فَلَوْ كَانَتِ الْيَدُ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ آدَمَ وَإِبْلِيسَ فَرْقٌ لِتَشَارُكِهِمَا فِيمَا خُلِقَ كل مِنْهُمَا بِهِ ، وَهِيَ قُدْرَتُهُ ؛ وَلَقَالَ إِبْلِيسُ : وَأَيُّ فَضِيلَةٍ لَهُ عَلَيَّ وَأَنَا خَلَقْتَنِي بِقُدْرَتِكَ كَمَا خَلَقْتَهُ بِقُدْرَتِكَ ، فَلَمَّا قَالَ : خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ دَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِ آدَمَ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ ، قَالَ : وَلَا جَائِزَ أَنْ يُرَادَ بِالْيَدَيْنِ النِّعْمَتَانِ ، لِاسْتِحَالَةِ خَلْقِ الْمَخْلُوقِ بِمَخْلُوقٍ ؛ لِأَنَّ النِّعَمَ مَخْلُوقَةٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمَا صِفَتَيْ ذَاتٍ أَنْ يَكُونَا جَارِحَتَيْنِ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ قَوْلُهُ : وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانَ ، يَدْفَعُ تَأْوِيلَ الْيَدِ هُنَا بِالْقُدْرَةِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ : أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ . الْحَدِيثَ ، وَقَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ : قِيلَ الْيَدُ بِمَعْنَى الذَّاتِ ، وَهَذَا يَسْتَقِيمُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ : لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ فَإِنَّهُ سِيقَ لِلرَّدِّ عَلَى إِبْلِيسَ ؛ فَلَوْ حُمِلَ عَلَى الذَّاتِ لَمَا اتَّجَهَ الرَّدُّ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هَذَا يُسَاقُ مَسَاقَ التَّمْثِيلِ لِلتَّقْرِيبِ ؛ لِأَنَّهُ عُهِدَ أَنَّ مَنِ اعْتَنَى بِشَيْءٍ وَاهْتَمَّ بِهِ بَاشَرَهُ بِيَدَيْهِ ، فَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعِنَايَةَ بِخَلْقِ آدَمَ كَانَتْ أَتَمَّ مِنَ الْعِنَايَةِ بِخَلْقِ غَيْرِهِ ، وَالْيَدُ فِي اللُّغَةِ تُطْلَقُ لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ اجْتَمَعَ لَنَا مِنْهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مَعْنًى مَا بَيْنَ حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ : الْأَوَّلُ الْجَارِحَةُ ، الثَّانِي الْقُوَّةُ ، نَحْوُ : دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ الثَّالِثُ : الْمُلْكُ : إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ الرَّابِعُ : الْعَهْدُ : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ وَمِنْهُ قَوْلُهُ : هَذِي يَدَيَّ لَكَ بِالْوَفَاءِ ، الْخَامِسُ : الِاسْتِسْلَامُ وَالِانْقِيَادُ ، قَالَ الشَّاعِرُ : أَطَاعَ يَدًا بِالْقَوْلِ فَهُوَ ذَلُولٌ ، السَّادِسُ : النِّعْمَةُ ، قَالَ : وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدِي مِنْ يَدٍ ، السَّابِعُ : الْمُلْكُ : قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ الثَّامِنُ : الذُّلُّ : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ التَّاسِعُ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الْعَاشِرُ : السُّلْطَانُ ، الْحَادِي عَشَرَ : الطَّاعَةُ ، الثَّانِي عَشَرَ : الْجَمَاعَةُ ، الثَّالِثَ عَشَرَ : الطَّرِيقُ ، يُقَالُ : أَخَذَتْهُمْ يَدُ السَّاحِلِ ، وَالرَّابِعَ عَشَرَ : التَّفَرُّقُ تَفَرَّقُوا أَيَادِي سَبَأ ، الْخَامِسَ عَشَرَ : الْحِفْظُ ، السَّادِسَ عَشَرَ : يَدُ الْقَوْسِ أَعْلَاهَا ، السَّابِعَ عَشَرَ : يَدُ السَّيْفِ مِقْبَضُهُ ، الثَّامِنَ عَشَرَ : يَدُ الرَّحَى عُودُ الْقَابِضِ ، التَّاسِعَ عَشَرَ : جَنَاحُ الطَّائِرِ ، الْعِشْرُونَ : الْمُدَّةُ ، يُقَالُ لَا أَلْقَاهُ يَدُ الدَّهْرِ ، الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ : الِابْتِدَاءُ ، يُقَالُ : لَقِيتُهُ أَوَّلَ ذَاتِ يَدِي ، وَأَعْطَاهُ عَنْ ظَهْرِ يَدٍ ، الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ : يَدُ الثَّوْبِ مَا فَضَلَ مِنْهُ ، الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ : يَدُ الشَّيْءِ أَمَامُهُ ، الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : الطَّاقَةُ ، الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ : النَّقْدُ ، نَحْوُ : بِعْتُهُ يَدًا بِيَدٍ . ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ لِلثَّالِثِ مِنْهَا أَرْبَعَةُ طُرُقٍ ، وَلِلرَّابِعِ طَرِيقَانِ . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الشَّفَاعَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الرِّقَاقِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُ أَهْلِ الْمَوْقِفِ لِآدَمَ : خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ ضَمَّ الْفَاءِ وَ هِشَامٌ شَيْخُهُ هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ ، وَقَوْلُهُ عَنْ أَنَسٍ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ فِي الرِّقَاقِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِلَفْظِ : حَدَّثَنَا أَنَسٌ . قَوْلُهُ : ( يُجْمَعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ ) هَكَذَا لِلْجَمِيعِ وَأَظُنُّ أَوَّلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَامٌ ، وَالْإِشَارَةُ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ لِمَا يُذْكَرُ بَعْدُ ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ : يَجْمَعُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ : يَهْتَمُّونَ - أَوْ - يُلْهَمُونَ لِذَلِكَ بِالشَّكِّ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ هُنَا : اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ ، وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ شَفِّعْ بِكَسْرِ الْفَاءِ الثَّقِيلَةِ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ هُوَ مِنَ التَّشْفِيعِ ، وَمَعْنَاهُ قَبُولُ الشَّفَاعَةِ ، ولَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّثْقِيلُ لِلتَّكْثِيرِ أَوْ لِلْمُبَالَغَةِ . وَقَوْلُهُ : لَسْتُ هُنَاكَ كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ : هُنَاكُمْ ، وَقَوْلُهُ : فَيُؤْذَنُ لِي ، فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : وَيُؤْذَنُ لِي بِالْوَاوِ ، وَقَوْلُهُ : قُلْ يُسْمَعْ ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَلِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْفَوْقَانِيَّةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَقَوْلُهُ : سَلْ تُعْطَهُ لِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي : تُعْطَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِلَا هَاءٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ · ص 403 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله عز وجل لما خلقت بيدي · ص 103 باب قول الله - عز وجل - : لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أي : هذا باب في قول الله - عز وجل - : لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ واليد هنا القدرة ، وقال أبو المعالي : ذهب بعض أئمتنا إلى أن اليدين والعينين والوجه صفات ثابتة للرب ، والسبيل إلى إثباتها السمع دون قضية العقل ، والذي يصح عندنا حمل اليدين على القدرة والعينين على البصر والوجه على الوجود ، وقال ابن بطال : في هذه الآية ثبات اليدين لله تعالى وليستا بجارحتين خلافا للمشبهة من المثبتة وللجهمية من المعطلة . 39 - حدثنا معاذ بن فضالة ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يجمع الله المؤمنين يوم القيامة كذلك فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا ، فيأتون آدم فيقولون : يا آدم أما ترى الناس ، خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء ، شفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا ، فيقول : لست هناك ، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب ، ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ، فيأتون نوحا فيقول : لست هناكم ، ويذكر خطيئته التي أصاب ، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن ، فيأتون إبراهيم فيقول : لست هناكم ، ويذكر لهم خطاياه التي أصابها ، ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة وكلمه تكليما ، فيأتون موسى فيقول : لست هناكم ، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب ، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه ، فيأتون عيسى فيقول : لست هناكم ، ولكن ائتوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - عبدا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فيأتوني فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي عليه ، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقال لي : ارفع محمد ، وقل يسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقال : ارفع محمد ، وقل يسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ربي ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع ، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقال : ارفع محمد ، قل يسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع فأقول : يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود . قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ، ثم يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ، ثم يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة . مطابقته للترجمة في قوله : خلقك الله بيده . ومعاذ بن فضالة بفتح الفاء وتخفيف الضاد المعجمة ، وحكي ضم الفاء ، وهشام هو الدستوائي . والحديث مضى في أول تفسير سورة البقرة عن مسلم بن إبراهيم عن هشام ، وعن خليفة عن يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة ، ومضى الكلام فيه . قوله : يجمع الله المؤمنين يتناول كل المؤمنين من الأمم الماضية . قوله : كذلك أي : مثل الجمع الذي نحن عليه . قوله : لو استشفعنا الجزاء محذوف أو كلمة لو للتمني فلا يحتاج إلى الجزاء . قوله : يريحنا بضم الياء وكسر الراء من الإراحة . قوله : من مكاننا هذا أي : من الموقف بأن يحاسبوا ويخلصوا من حر الشمس والغموم والكروب وسائر الأهوال مما لا يطيقون ولا يحملون . قوله : أما ترى الناس أي : فيما هم فيه . قوله : شفع أمر من التشفيع ، وهو قبول الشفاعة ، قال الكرماني : وهو لا يناسب المقام ، اللهم إلا أن يقال : هو تفعيل للتكثير والمبالغة ، وفي بعض النسخ : اشفع أمر من شفع يشفع . قوله : لست هناك أي : ليس لي هذه المرتبة والمنزلة ، هكذا رواية الأكثرين في الموضعين ، وفي رواية أبي ذر عن السرخسي : هناكم . قوله : خطيئته التي أصاب وهي أكل الشجرة . قوله : نوحا بالتنوين منصرف لسكون أوسطه . قوله : فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ، قال الكرماني : مفهومه أن آدم - عليه السلام - ليس برسول ، وأجاب بأنه لم يكن للأرض أهل وقت آدم ، وهو مقيد بذلك ، انتهى ، قلت : كذا ذكر صاحب التوضيح السؤال والجواب ، وهو في الحقيقة من كلام ابن بطال ، وكذا قاله الداودي ، ثم قال ابن بطال : فإن قيل : لما تناسل منه ولده وجب أن يكون رسولا إليهم ، قيل : لما أهبط آدم - عليه السلام - إلى الأرض علمه الله أحكام دينه وما يلزمه من طاعة ربه ، ولما حدث ولده بعده حملهم على دينه وما هو عليه من شريعة ربه ، كما أن الواحد منا إذا ولد له ولد يحمله على سنته وطريقته ، ولا يستحق بذلك أن يسمى رسولا ، وإنما سمي نوح رسولا ؛ لأنه بعث إلى قوم كفار ليدعوهم إلى الإيمان ، قلت : لقائل أن يقول : إن قابيل لما قتل هابيل وهرب من آدم وعصى عليه ومعه أولاده ، فآدم دعاهم إلى الطاعة وإلى دينه ، فهذا يطلق عليه أنه أرسل إليهم ، فإذا صح هذا يحتاج إلى جواب شاف في الوجه بين هذا وبين قوله : - عليه السلام - فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ، وهنا شيء آخر ، وهو أن أهل التاريخ ذكروا أن إدريس - عليه السلام - جد نوح ، فإن صح أن إدريس رسول لم يصح قولهم إنه قبله ، وإلا احتمل أن يكون إدريس غير مرسل . قوله : ويذكر خطيئته التي أصاب وهي دعوته : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا قوله : خطاياه وخطايا إبراهيم - عليه السلام - كذباته الثلاث إِنِّي سَقِيمٌ و بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ و ( إنها أختي ) أي : سارة - عليها السلام - . قوله : وكلمته لوجوده بمجرد قول كن . قوله : وروحه لنفخ الروح في مريم عليها السلام . قوله : فيؤذن لي ، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني : ويؤذن لي بالواو . قوله : فيدعني أي : يتركني . قوله : ارفع أي : رأسك يا محمد . قوله : وقل يسمع بالياء آخر الحروف في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر عن السرخسي والكشميهني بالتاء المثناة من فوق . قوله : وسل تعطه ، وفي رواية أبي ذر عن المستملي : تعط بلا هاء في الموضعين . قوله : واشفع تشفع أي : تقبل شفاعتك . قوله : فيحد لي حدا أي : يعين لي قوما مخصوصين للتخليص ، وذلك إما بتعيين ذواتهم وإما ببيان صفاتهم . قوله : إلا من حبسه القرآن إسناد الحبس إليه مجاز ، يعني من حكم الله في القرآن بخلوده وهم الكفار ، قال الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ونحوه ، قيل : أول الحديث يشعر بأن هذه الشفاعة في العرصات لخلاص جميع أهل الموقف من أهواله ، وآخره يدل على أنها للتخليص من النار ، وأجيب بأن هذه شفاعات متعددة ، فالأولى لأهوال الموقف ، وهو المستفاد من : يؤذن لي عليه . قوله : قال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - هو موصول بالإسناد الأول ، وليس بإرسال ولا تعليق . قوله : من الخير من الإيمان . قوله : ما يزن أي : ما يعدل . قوله : ذرة بفتح الذال المعجمة . وفي الحديث بيان فضيلة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - حيث أتى بما خاف منه غيره ، وفيه شفاعته لأهل الكبائر من أمته خلافا للمعتزلة والقدرية والخوارج فإنهم ينكرونها ، وفيه الدلالة على وقوع الصغائر منهم ، نقله ابن بطال عن أهل السنة ، وأطبقت المعتزلة والخوارج على أنه لا يجوز وقوعها منهم ، قلت : أنا على قولهم في هذه المسألة خاصة .