48 - بَاب مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ فَتَأَخَّرَ الْأَوَّلُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ جَازَتْ صَلَاتُهُ فِيهِ عَائِشَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 684 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ ، فَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ امْكُثْ مَكَانَكَ ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَلَّى ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ التَّصْفِيقَ ؟ مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ ؛ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ دَخَلَ ) أَيْ : إِلَى الْمِحْرَابِ مَثَلًا ( لِيَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ ) أَيِ : الرَّاتِبُ ( فَتَأَخَّرَ الْأَوَّلُ ) أَيِ : الدَّاخِلُ فَكُلٌّ مِنْهُمَا أَوَّلٌ بِاعْتِبَارٍ ، وَالْمَعْرِفَةُ إِذَا أُعِيدَتْ كَانَتْ عَيْنَ الْأُولَى إِلَّا بِقَرِينَةٍ ، وَقَرِينَةُ كَوْنِهَا غَيْرَهَا هُنَا ظَاهِرَةٌ . قَوْلُهُ : ( فِيهِ عَائِشَةُ ) يُشِيرُ بِالشِّقِّ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ مَا إِذَا تَأَخَّرَ إِلَى رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْهَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ ، حَيْثُ قَالَ : فَلَمَّا رَآهُ اسْتَأْخَرَ وَبِالثَّانِي وَهُوَ : مَا إِذَا لَمْ يَسْتَأْخِرْ إِلَى رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهَا حَيْثُ قَالَ : فَأَرَادَ أَنْ يَتَأَخَّرَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ حَدِّ الْمَرِيضِ وَالْجَوَازُ مُسْتَفَادٌ مِنَ التَّقْرِيرِ ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ قَدْ وَقَعَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ : سَمِعْتُ سَهْلًا . قَوْلُهُ : ( ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ) أَيِ : ابْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ ، وَالْأَوْسُ أَحَدُ قَبِيلَتَيِ الْأَنْصَارِ ؛ وَهُمَا الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ ، وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بَطْنٌ كَبِيرٌ مِنَ الْأَوْسِ فِيهِ عِدَّةُ أَحْيَاءٍ كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بِقُبَاءٍ ، مِنْهُمْ : بَنُو أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَبَنُو ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَبَنُو ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَالسَّبَبُ فِي ذَهَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِمْ مَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْمَذْكُورَةِ قَالَ : وَقَعَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ كَلَامٌ وَلِلْمُؤَلِّفِ فِي الصُّلْحِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ : أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ ، فَقَالَ : اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ ، وَلَهُ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ : فَخَرَجَ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَسَمَّى الطَّبَرَانِيُّ مِنْهُمْ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَسُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ ، وَلِلْمُؤَلِّفِ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ تَوَجُّهَهُ كَانَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ الْخَبَرَ جَاءَ بِذَلِكَ وَقَدْ أَذَّنَ بِلَالٌ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ . قَوْلُهُ : ( فَحَانَتِ الصَّلَاةُ ) أَيْ : صَلَاةُ الْعَصْرِ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ ، وَلَفْظُهُ : فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ أَذَّنَ وَأَقَامَ ، وَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ ، وَلَمْ يُسَمَّ فَاعِلُ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ الْمَذْكُورَةِ ، فَبَيَّنَ الْفَاعِلَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَفْظُهُ فَقَالَ لِبِلَالٍ : إِنْ حَضَرَتِ الْعَصْرُ وَلَمْ آتِكَ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ أَذَّنَ بِلَالٌ ، ثُمَّ أَقَامَ ، ثُمَّ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ ، وَنَحْوُهُ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْمُؤَذِّنَ بِلَالٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ لِأَبِي بَكْرٍ : أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَلَا يُخَالِفُ مَا ذُكِرَ ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اسْتَفْهَمَهُ هَلْ يُبَادِرُ أَوَّلَ الْوَقْتِ ، أَوْ يَنْتَظِرُ قَلِيلًا لِيَأْتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ وَرُجِّحَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الْمُبَادَرَةُ ؛ لِأَنَّهَا فَضِيلَةٌ مُتَحَقِّقَةٌ فَلَا تُتْرَكُ لِفَضِيلَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ . قَوْلُهُ : ( فَأُقِيمَ ) بِالنَّصْبِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : نَعَمْ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ إِنْ شِئْتَ وَهُوَ فِي بَابِ رَفْعِ الْأَيْدِي عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ ، وَإِنَّمَا فُوِّضَ ذَلِكَ لَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ ) أَيْ : دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَفْظُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَذْكُورُ : وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَكَبَّرَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ : فَاسْتَفْتَحَ أَبُو بَكْرٍ الصَّلَاةَ وَهِيَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَبِهَذَا يُجَابُ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ حَيْثُ امْتَنَعَ أَبُو بَكْرٍ هُنَا أَنْ يَسْتَمِرَّ إِمَامًا ، وَحَيْثُ اسْتَمَرَّ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَلَّى خَلْفَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الصُّبْحِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا أَنْ مَضَى مُعْظَمُ الصَّلَاةِ حَسُنَ الِاسْتِمْرَارُ ، وَلَمَّا أَنْ لَمْ يَمْضِ مِنْهَا إِلَّا الْيَسِيرُ لَمْ يَسْتَمِرَّ . وَكَذَا وَقَعَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَيْثُ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الصُّبْحِ ، فَإِنَّهُ اسْتَمَرَّ فِي صَلَاتِهِ إِمَامًا لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَقِصَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ . قَوْلُهُ : ( فَتَخَلَّصَ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ . وَلِمُسْلِمٍ : فَخَرَقَ الصُّفُوفَ حَتَّى قَامَ عِنْدَ الصَّفِّ الْمُتَقَدِّمِ . قَوْلُهُ : ( فَصَفَّقَ النَّاسُ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيحِ . قَالَ سَهْلٌ : أَتَدْرُونَ مَا التَّصْفِيحُ ؟ هُوَ التَّصْفِيقُ . انْتَهَى . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَرَادُفِهِمَا عِنْدَهُ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ ) قِيلَ : كَانَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ ؛ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ ، فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ : فَلَمَّا رَأَى التَّصْفِيحَ لَا يُمْسَكُ عَنْهُ الْتَفَتَ . قَوْلُهُ : ( فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ : فَدَفَعَ فِي صَدْرِهِ لِيَتَقَدَّمَ فَأَبَى . قَوْلُهُ : ( فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَلَفَّظَ بِالْحَمْدِ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ شُكْرًا لِلَّهِ ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى ، وَادَّعَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ أَشَارَ بِالشُّكْرِ وَالْحَمْدِ بِيَدِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ تَلَفَّظَ ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ : يَا أَبَا بَكْرٍ لِمَ رَفَعْتَ يَدَيْكَ ؟ وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : رَفَعْتُ يَدَيَّ لِأَنِّي حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْكَ ، زَادَ الْمَسْعُودِيُّ : فَلَمَّا تَنَحَّى تَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ . قَوْلُهُ : ( أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَّادَيْنِ وَالْمَاجِشُونِ : أَنْ يَؤُمَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : ( أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِنْكَارَ إِنَّمَا حَصَلَ عَلَيْهِمْ لِكَثْرَتِهِ لَا لِمُطْلَقِهِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ . قَوْلَهُ : ( مَنْ نَابَهُ ) أَيْ : أَصَابَهُ . قَوْلُهُ : ( فَلْيُسَبِّحْ ) فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ : فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( الْتُفِتَ إِلَيْهِ ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ الْمَذْكُورَةِ : فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ : سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَّا الْتَفَتَ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ ، زَادَ الْحُمَيْدِيُّ : وَالتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ ، وَقَدْ رَوَى الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ التَّصْفِيقِ لِلنِّسَاءِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَلَفْظُهُ إِذَا نَابَكُمْ أَمْرٌ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَجَمْعُ كَلِمَةِ الْقَبِيلَةِ وَحَسْمُ مَادَّةِ الْقَطِيعَةِ ، وَتَوَجُّهُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ إِلَى بَعْضِ رَعِيَّتِهِ لِذَلِكَ ، وَتَقْدِيمُ مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى مَصْلَحَةِ الْإِمَامَةِ بِنَفْسِهِ . وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ تَوَجُّهُ الْحَاكِمِ لِسَمَاعِ دَعْوَى بَعْضِ الْخُصُومِ إِذَا رَجَحَ ذَلِكَ عَلَى اسْتِحْضَارِهمْ . وَفِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ بِإِمَامَيْنِ أَحَدُهمَا بَعْدَ الْآخَرِ ، وَأَنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ إِذَا غَابَ يَسْتَخْلِفُ غَيْرَهُ ، وَأَنَّهُ إِذَا حَضَرَ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ نَائِبُهُ فِي الصَّلَاةِ ، يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ أَوْ يَؤُمَّ هُوَ وَيَصِيرُ النَّائِبُ مَأْمُومًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ الصَّلَاةَ ، وَلَا يُبْطِلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ صَلَاةَ أَحَدٍ مِنَ الْمَأْمُومِينَ . وَادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَنُوقِضَ بِأَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ ، فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْجَوَازُ ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْإِمَامِ يُحْدِثُ فَيَسْتَخْلِفُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَخْرُجُ الْمُسْتَخْلِفُ وَيُتِمُّ الْأَوَّلُ أَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ ، وَفِيهِ جَوَازُ إِحْرَامِ الْمَأْمُومِ قَبْلَ الْإِمَامِ ، وَأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ إِمَامًا وَفِي بَعْضِهَا مَأْمُومًا ، وَأَنَّ مَنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ جَازَ لَهُ الدُّخُولُ مَعَ الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ لِصَلَاتِهِ ، كَذَا اسْتَنْبَطَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ لَازِمِ جَوَازِ إِحْرَامِ الْإِمَامِ بَعْدَ الْمَأْمُومِ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَفِيهِ فَضْلُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ جَمْعٌ مِنَ الشُّرَّاحِ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ كَالرُّويَانِيِّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ أَفْضَلَهُمْ ؛ لِكَوْنِهِمُ اخْتَارُوهُ دُونَ غَيْرِهِ ، وَعَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ النَّاسِ لِأَنْفُسِهِمْ إِذَا غَابَ إِمَامُهُمْ ، قَالُوا : وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا أُمِنَتِ الْفِتْنَةُ وَالْإِنْكَارُ مِنَ الْإِمَامِ ، وَأَنَّ الَّذِي يَتَقَدَّمُ نِيَابَةً عَنِ الْإِمَامِ يَكُونُ أَصْلَحَهُمْ لِذَلِكَ الْأَمْرِ وَأَقْوَمَهُمْ بِهِ ، وَأَنَّ الْمُؤَذِّنَ وَغَيْرَهُ يَعْرِضُ التَّقَدُّمَ عَلَى الْفَاضِلِ ، وَأَنَّ الْفَاضِلَ يُوَافِقُهُ بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ بِرِضَا الْجَمَاعَةِ . اهـ . وَكُلُّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ فَعَلُوا ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُمْ إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِقَامَةَ وَاسْتِدْعَاءَ الْإِمَامِ مِنْ وَظِيفَةِ الْمُؤَذِّنِ ، وَأَنَّهُ لَا يُقِيمُ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ ، وَأَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ - لَا سِيَّمَا الْعَصْرَ - فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُقَدَّمٌ عَلَى انْتِظَارِ الْإِمَامِ الْأَفْضَلِ ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَلَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُسَبِّحِ إِعْلَامَ غَيْرِهِ بِمَا صَدَرَ مِنْهُ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ ، وَفِيهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ ، وَسَيَأْتِي كَذَلِكَ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ حَمْدِ اللَّهِ لِمَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ وَلَوْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الِالْتِفَاتِ لِلْحَاجَةِ وَأَنَّ مُخَاطَبَةَ الْمُصَلِّي بِالْإِشَارَةِ أَوْلَى مِنْ مُخَاطَبَتِهِ بِالْعِبَارَةِ . وَأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ لِمُعَاتَبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ عَلَى مُخَالَفَةِ إِشَارَتِهِ . وَفِيهِ جَوَازُ شَقِّ الصُّفُوفِ وَالْمَشْيِ بَيْنَ الْمُصَلِّينَ لِقَصْدِ الْوُصُولِ إِلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَكِنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى مَنْ يَلِيقُ ذَلِكَ بِهِ كَالْإِمَامِ أَوْ مَنْ كَانَ بِصَدَدِ أَنْ يَحْتَاجَ الْإِمَامُ إِلَى اسْتِخْلَافِهِ ، أَوْ مَنْ أَرَادَ سَدَّ فُرْجَةٍ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ مَا يَلِيهِ مَعَ تَرْكِ مَنْ يَلِيهِ سَدَّهَا ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَعْدُودًا مِنَ الْأَذَى . قَالَ الْمُهَلَّبُ : لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنِ التَّخَطِّي ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ كَغَيْرِهِ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ وَلَا غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِسَبَبِ مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ ، وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْخَصَائِصِ ، وَقَدْ أَشَارَ هُوَ إِلَى الْمُعْتَمَدِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : لَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الْأَذَى وَالْجَفَاءِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنَ التَّخَطِّي ، وَلَيْسَ كَمَنْ شَقَّ الصُّفُوفَ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَخَطِّي رِقَابِهِمْ . وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ التَّصْفِيقِ فِي الصَّلَاةِ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ ، وَفِيهِ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ عَلَى الْوَجَاهَةِ فِي الدِّينِ ، وَأَنَّ مَنْ أُكْرِمَ بِكَرَامَةٍ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْقَبُولِ وَالتَّرْكِ إِذَا فَهِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ اللُّزُومِ ، وَكَأَنَّ الْقَرِينَةَ الَّتِي بَيَّنَتْ لِأَبِي بَكْرٍ ذَلِكَ هِيَ كَوْنُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَقَّ الصُّفُوفَ إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ ، فَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ ، وَأَنَّ أَمْرَهُ إِيَّاهُ بِالِاسْتِمْرَارِ فِي الْإِمَامَةِ مِنْ بَابِ الْإِكْرَامِ لَهُ وَالتَّنْوِيهِ بِقَدْرِهِ ، فَسَلَكَ هُوَ طَرِيقَ الْأَدَبِ وَالتَّوَاضُعِ . وَرَجَّحَ ذَلِكَ عِنْدَهُ احْتِمَالُ نُزُولِ الْوَحْيِ فِي حَالِ الصَّلَاةِ لِتَغْيِيرِ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهَا ، وَكَأَنَّهُ لِأَجْلِ هَذَا لَمْ يَتَعَقَّبْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتِذَارَهُ بِرَدٍّ عَلَيْهِ . وَفِيهِ جَوَازُ إِمَامَةِ الْمَفْضُولِ لِلْفَاضِلِ ، وَفِيهِ سُؤَالُ الرَّئِيسِ عَنْ سَبَبِ مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ قَبْلَ الزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ ، وَفِيهِ إِكْرَامُ الْكَبِيرِ بِمُخَاطَبَتِهِ بِالْكُنْيَةِ ، وَاعْتِمَادُ ذِكْرِ الرَّجُلِ لِنَفْسِهِ بِمَا يُشْعِرُ بِالتَّوَاضُعِ مِنْ جِهَةِ اسْتِعْمَالِ أَبِي بَكْرٍ خِطَابَ الْغَيْبَةِ مَكَانَ الْحُضُورِ . إِذْ كَانَ حَدُّ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ أَبُو بَكْرٍ : مَا كَانَ لِي ، فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى قَوْلِهِ : مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ ؛ لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى التَّوَاضُعِ مِنَ الْأَوَّلِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِتَأَخُّرِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ مَقَامِهِ إِلَى الصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ ، وَأَنَّ مَنِ احْتَاجَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ يَرْجِعُ الْقَهْقَرَى وَلَا يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَنْحَرِفُ عَنْهَا . وَاسْتَنْبَطَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْهُ جَوَازَ الْفَتْحِ عَلَى الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ إِذَا جَازَ جَازَتِ التِّلَاوَةُ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ فَتَأَخَّرَ الْأَوَّلُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ جَازَتْ صَلَاتُهُ · ص 196 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب مَنْ دَخَلَ ليَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الإمَامُ الأَوَّلُ فَتَأَخَّرَ الآخَرُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ جَازَتْ صَلاَتُهُ · ص 127 684 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف : أنا مَالِك ، عَن أَبِي حَازِم بْن دينار ، عَن سَهْل بْن سعد الساعدي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عَمْرِو بْن عوف ليصلح بينهم ، فحانت الصلاة ، فجاء المؤذن إلى أَبِي بَكْر ، فَقَالَ : أتصلي للناس فأقيم ، قَالَ : نَعَمْ ، فصلى أبو بَكْر ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم والناس فِي الصلاة ، فتخلص حَتَّى وقف فِي الصف ، فصفق النَّاس ، وكان أبو بَكْر لا يلتفت فِي صلاته ، فلما أكثر النَّاس التصفيق التفت ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امكث مكانك ، فرفع أبو بَكْر يديه ، فحمد الله عَلَى مَا أمره بِهِ رسول الله من ذَلِكَ ، ثُمَّ استأخر أبو بَكْر حَتَّى استوى فِي الصف ، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ، فلما انصرف قَالَ : ( يَا أَبَا بَكْر ، مَا منعك أن تثبت إذ أمرتك ؟ ) فَقَالَ أبو بَكْر : مَا كَانَ لابن أَبِي قحافة أن يصلي بَيْن يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَا لِي أراكم أكثرتم التصفيق ؟ من نابه شيء فِي صلاته فليسبح ؛ فإنه إذا سبح التفت إليه ، وإنما التصفيق للنساء ) . فِي هَذَا الحَدِيْث فوائد كثيرة : مِنْهَا : أن الإمام يستحب لَهُ الإصلاح بَيْن طائفتين من المُسْلِمِين إذا وقع بينهم تشاجر ، وله أن يذهب إليهم إلى منازلهم لذلك . ومنها : أن الإمام الراتب للمسجد إذا تأخر وعلم أَنَّهُ غائب عَن منزله فِي مكان فِيهِ بعد ، ولم يغلب عَلَى الظن حضوره ، أو غلب ولكنه لا ينكر ذَلِكَ ولا يكرهه ، فلأهل المسجد أن يصلوا قَبْلَ حضوره فِي أول الوقت ، وكذا إذا ضاق الوقت . وأما إن كَانَ حاضراً أو قريباً ، وكان الوقت متسعاً ، فإنه ينتظر ، كما انتظروا النبي صلى الله عليه وسلم لما أخر صلاة العشاء حَتَّى نام النِّسَاء والصبيان ، وقد سبق ذكره . ومنها : أَنَّهُ إنما يؤم النَّاس مَعَ غيبة الإمام أفضل من يوجد من الحاضرين ، ولذلك دعي أبو بَكْر إلى الصلاة دون غيره من الصَّحَابَة . وهذا مِمَّا يستدل بِهِ عَلَى أن الصَّحَابَة كلهم كانوا معترفين بفضل أَبِي بَكْر وتقدمه عليهم ، وعلمهم أَنَّهُ لا يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم مَعَ غيبته غيره . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فِي هَذَا اليوم أَبَا بَكْر أن يؤم النَّاس إذا لَمْ يحضر . فخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي هَذَا الحَدِيْث من طريق حماد بْن زيد ، عَن أَبِي حَازِم ، عَن سَهْل بْن سعد ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يَا بلال ، إن حضرت الصلاة ولم آت فمر أَبَا بَكْر يصلي بالناس ) . وخرجه الحَاكِم من طريق عُمَر المقدمي ، عَن أَبِي حَازِم ، وفي حديثه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يَا أَبَا بَكْر ، إن أقيمت الصلاة فتقدم فصل بالناس ) ، قَالَ : نَعَمْ . وعلى هذه الرواية ، فإنما تقدم أبو بَكْر بإذن النبي صلى الله عليه وسلم لَهُ فِي ذَلِكَ . وفيه : دليل عَلَى أن أَبَا بَكْر كَانَ أحق النَّاس بالإمامة فِي حَيَاة النبي صلى الله عليه وسلم عِنْدَ تخلفه عَن الصلاة بالناس فِي صحته ومرضه . وهذا يشكل عَلَى قَوْلِ الإمام أحمد : إنه إنما أمره فِي مرضه بالصلاة ؛ لأنه أراد استخلافه عَلَى الأمة ، فإن أمره بالصلاة فِي غيبته يدل عَلَى أَنَّهُ أحق النَّاس بالإمامة ، وأنه أقرأ الصَّحَابَة ؛ فإنه يقرأ مَا يقرأون ، ويزيد عليهم باختصاصه بمزيد الفهم والفضل ، وما اختص بِهِ من الخشوع فِي الصلاة وعدم الالتفات فيها ، وكثرة البكاء عِنْدَ قراءة القرآن . ومنها : أن شق الداخل فِي الصلاة الصفوف طولاً حَتَّى يقوم فِي الصف الأول ليس بمكروه ، ولعله كَانَ فِي الصف الأول فرجة ، وقد سبق ذكر هذه المسألة فِي ( أبواب : المرور بَيْن يدي المصلي ) . وقد قيل : إنَّ ذَلِكَ يختص جوازه بمن تليق به الصلاة بالصف الأول لفضله وعلمه ، وَهُوَ الَّذِي ذكره ابن عَبْد البر . والمنصوص عَن أحمد : كراهته . قَالَ الأثرم : قُلتُ لأبي عَبْد الله : يشق الصفوف إذا قاموا إلى الصلاة عَلَى نحو حَدِيْث المسور بْن مخرمة ، كأنه لَمْ يعجبه ، ثُمَّ قَالَ : اللهم إلا أن يضيق الموضع بالناس ، وتؤذيهم الشمس ، فإذا أقيمت شق الصفوف ودخل ، ليس بِهِ التخطي ، إنما بِهِ مَا أذاه الشمس . ومنها : أن الالتفات فِي الصلاة لحاجة عرضت غير مكروه ، وإنما يكره لغير حاجةٍ . ومنها : أن الالتفات وكثرة التصفيق لحاجة غير مبطل للصلاة ، وكذلك التأخر والمشي من صف إلى صف . ومنها : أن رفع اليدين فِي الصلاة ، وحمد الله تعالى عِنْدَ نعمة تجددت غير مبطل للصلاة . وقد اختلف فِي ذَلِكَ : فَقَالَ عُبَيْدِ الله بْن الْحَسَن العنبري : هُوَ حسن . وَقَالَ الأوزاعي : يمضي فِي صلاته . وَقَالَ عَطَاء : مَا جرى عَلَى لسان الرَّجُلُ فِي الصلاة مَا لَهُ أصل فِي القرآن فليس بكلام . وَقَالَ إِسْحَاق : إن تعمده فهو كلام ، يعيد الصلاة ، وإن سبق مِنْهُ من غير تعمد فليس عَلِيهِ إعادة . وَقَالَ - مرة - : إن تعمد فأحب إلي أن يعيد ، فلا يتبين لِي ، نقله عَنْهُ حرب . وعن أحمد ، أَنَّهُ يعيد الصلاة بذلك ، وروي عَنْهُ مَا يدل عَلَى أَنَّهُ لا تعاد الصلاة مِنْهُ ، وقد سبق ذَلِكَ مستوفى فِي ( بَاب : مَا يَقُول إذا سَمِعَ المؤذن ) . ومنها : أن أمر الإكرام لا تكون مخالفته معصية ، ولهذا قَالَ أبو بَكْر : ( مَا كَانَ لابن أَبِي قحافة أن يصلي بَيْن يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، ولم يكن ذَلِكَ عَلِيهِ . وهذا مِمَّا استدل بِهِ من قَالَ : إن أَبَا بَكْر لَمْ يؤم النبي صلى الله عليه وسلم قط ، لا فِي صحته ولا فِي مرضه . ومنها - وَهُوَ الَّذِي قصده البخاري بتبويبه هاهنا - : أن من أحرم بالصلاة إماماً فِي مسجد لَهُ إمام راتب ، ثُمَّ حضر إمامه الراتب ، فهل لَهُ أن يؤخر الَّذِي أحرم بالناس إماماً ويصير مأموماً ويصير الإمام الإمام الراتب ، أم لا بل ذَلِكَ من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه إمام النَّاس عَلَى كل حال ، وقد نهى الله عَن التقدم بَيْن يديه ، ولهذا قَالَ أبو بَكْر : ( مَا كَانَ لابن أَبِي قحافة أن يصلي بَيْن يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ؟ فِي ذَلِكَ قولان : أحدهما : أَنَّهُ لا يجوز ذَلِكَ ، بل هُوَ من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، وحكاه ابن عَبْد البر إجماعاً من العلماء ، وحكاه بعض أصحابنا عَن أكثر العلماء . والثاني : أَنَّهُ يجوز ذَلِكَ ، وتبويب البخاري يدل عَلِيهِ ، وَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيّ ، وأحد الوجهين لأصحابنا ، وقول ابن الْقَاسِم من المالكية . واستدل بهذا الحَدِيْث عَلَى أن الإمام إذا سبقه الحدث جاز لَهُ أن يستخلف بعض المأمومين ؛ لأنه إذا جازت الصلاة بإمامين مَعَ إمكان إتمامها بالإمام الأول فمع عدم إمكان ذَلِكَ لبطلان صلاة الأول أولى . وفي الحَدِيْث - أَيْضاً - : أن الرَّجُلُ إذا نابه شيء فِي صلاته ، فإنه يسبح ، ولو صفق لَمْ تبطل صلاته ، ولكنه يكون مكروهاً . وأما قوله : ( إنما التصفيح للنساء ) ، فاختلفوا فِي معناه : فحمله مَالِك وأصحابه عَلَى أن المراد : أن التصفيح من أفعال النِّسَاء ، فيكون إخباراً عَن عيبه وذمه ، وأنه لا ينبغي أن يفعله أحد فِي الصلاة ، رجلاً كَانَ أو امرأةً . وحملوا قوله : ( من نابه شيء فِي صلاته فليسبح ) عَلَى أَنَّهُ عام ، يدخل فِي عمومه الرجال والنساء ، إخبار مِنْهُ بمشروعيته للنساء فِي الصلاة . وقد رَوَى هَذَا الحَدِيْث حماد بْن زيد ، عَن أَبِي حَازِم ، عَن سَهْل ، وَقَالَ فِي حديثه : ( إذا نابكم شيء فِي الصلاة فليسبح الرجال ، وليصفح النِّسَاء ) . خرجه النسائي وغيره . وهذا صريح فِي ذَلِكَ ، سيأتي الكلام عَلَى ذَلِكَ مستوفى فِي موضعه من الكتاب - إن شاء الله تعالى - ؛ فإن البخاري خرج التسبيح للرجال والتصفيق للنساء من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ وسهل بْن سعد ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي معنى حَدِيْث سَهْل من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ بسياق غريب . خرجه الترمذي فِي كِتَاب ( العلل ) : حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الصباح ، ثنا شبابة ، عَن المغيرة بْن مُسْلِم ، عَن مُحَمَّد بْن عَمْرِو ، عَن أَبِي سَلَمَة ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي حاجة ، فأقام بلال الصلاة ، فتقدم أبو بَكْر ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بَكْر فِي الصلاة ، فأرادوا أن يردوا وصفقوا ، فمنعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه ، فلما انفتل قَالَ : ( التسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء ) . وَقَالَ : سألت عَنْهُ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل - يعني : البخاري - فَلَمْ يعرفه ، وجعل يستحسنه ، وَقَالَ : المشهور عَن أَبِي حَازِم ، عَن سَهْل . انتهى . وهذا يخالف مَا فِي حَدِيْث سَهْل ، من أن أَبَا بَكْر تأخر وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فصلى بالناس ، والصحيح : حَدِيْث سَهْل . والله سبحانه وتعالى أعلم .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من رجع القهقرى في الصلاة أو تقدم لأمر ينزل به · ص 381 6- باب من رجع القهقرى في الصلاة أو تقدم لأمر ينزل به رواه سهل بن سعد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . حديث سهل ، قد سبق قريبًا ، وفيه رجوع أبي بكر القهقرى في صلاته ، وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فصلى مكانه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول فتأخر الأول أو لم يتأخر جازت صلاته · ص 208 ( باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول فتأخر الأول أو لم يتأخر جازت صلاته ) . أي هذا باب ترجمته من دخل إلى آخره ، قوله : ( الإمام الأول ) أي الإمام الراتب ، قوله : ( فتأخر الأول ) أي الذي أراد أن ينوب عن الراتب ، والمعرفة إذا أعيدت إنما تكون عين الأول عند عدم القرينة الدالة على المغايرة ، ويروى فتأخر الآخر ، والمراد منه الداخل ، وكل منهما أول باعتبار . ( فيه عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ) . أي في المذكور من قوله : ( فجاء الإمام الأول فتأخر الأول ) إلى آخره روي عن عائشة ، وأشار به إلى حديثها الذي روى عنها عروة المذكور في الباب السابق ، وهو قوله : ( فلما رآه أبو بكر استأخر ) أي فلما رأى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أبو بكر ، فالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم هو الأول لأنه الإمام الراتب ، وأبو بكر هو الداخل ، ويطلق عليه الأول باعتبار أنه تقدم أولا ، ويطلق عليه الآخر لأنه بالنسبة إلى الأول آخر فافهم . 75 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن أبي حازم بن دينار ، عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم ، فحانت الصلاة ، فجاء المؤذن إلى أبي بكر ، فقال : أتصلي للناس فأقيم ؟ قال : نعم ، فصلى أبو بكر فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس في الصلاة ، فتخلص حتى وقف في الصف فصفق الناس ، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته ، فلما أكثر الناس التصفيق التفت ، فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن امكث مكانك ، فرفع أبو بكر رضي الله عنه يديه ، فحمد الله على ما أمره به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف ، وتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى ، فلما انصرف قال : يا أبا بكر ، ما منعك أن تثبت إذ أمرتك ؟ فقال أبو بكر : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق ؟ من رابه شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه ، وإنما التصفيق للنساء . مطابقته للترجمة في قوله : ( ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف ) ، وتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى . ذكر رجاله وهم أربعة : الأول عبد الله بن يوسف التنيسي ، الثاني : مالك بن أنس ، الثالث : أبو حازم بالحاء المهملة والزاي ، واسمه سلمة بن دينار وقد تقدم ، الرابع : سهل بن سعد الساعدي الأنصاري . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه عن سهل ، وفي رواية . النسائي من طريق سفيان عن أبي حازم : سمعت سهلا ، وفيه أن رواته ما بين تنسي ومدني . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري في سبعة مواضع هنا وفي الصلاة فيما يجوز من التسبيح والحمد للرجال ، ورفع الأيدي فيها لأمر ينزل به ، والإشارة فيها ، والسهو ، والصلح ، والأحكام ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن قتيبة ، وعن محمد بن عبد الله بن بزيع ، وعن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو دواد عن القعنبي ، وعن عمرو بن عوف ، وأخرجه النسائي عن محمد بن عبد الله ، وعن أحمد بن عبدة . ( ذكر معناه ) قوله : " إلى بني عمرو بن عوف " هم من ولد مالك بن الأوس ، وكانوا بقباء ، والأوس أحد قبيلتي الأنصار ، وهما الأوس والخزرج ، وبنو عمرو بن عوف بطن كثير من الأوس فيه عدة أحياء منهم بنو أمية بن زيد ، وبنو ضبيعة بن زيد ، وبنو ثعلبة بن عمرو بن عوف ، والسبب في ذهابه صلى الله عليه وسلم إليهم ما رواه البخاري في الصلح من طريق محمد بن جعفر عن أبي حازم : " إن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة ، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، فقال : اذهبوا بنا نصلح بينهم " ، وروي في الأحكام من طريق حماد بن زيد أن توجهه كان بعد أن صلى الظهر ، وروى الطبراني من طريق عمرو بن علي عن أبي حازم أن الخبر جاء بذلك ، وقد أذن بلال لصلاة الظهر ، قوله : " فحانت الصلاة " أي صلاة العصر ، وصرح به في الأحكام ، ولفظه : " فلما حضرت صلاة العصر أذن بلال ، ثم أقام ، ثم أمر أبا بكر فتقدم " ، ولم يبين فاعل ذلك ، وقد بين ذلك أبو داود في سننه بسند صحيح ، ولفظه : " كان قتال بين بني عمرو بن عوف ، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاهم ليصلح بينهم بعد الظهر ، فقال لبلال رضي الله تعالى عنه : إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس ، فلما حضرت صلاة العصر أذن بلال ثم أقام ، ثم أمر أبا بكر فتقدم " ، وعلم من ذلك أن المراد من قوله : " فجاء المؤذن " هو بلال ، قوله : " فقال " أي المؤذن الذي هو بلال ، قوله : " أتصلي للناس " الهمزة فيها للاستفهام على سبيل التقرير ، وبهذا يندفع إشكال من يقول : هذا يخالف ما ذكر في رواية أبي داود من قوله : " ثم أمر أبا بكر فتقدم " ، ويروى " أتصلي بالناس " بالباء الموحدة عوض اللام ، قوله : " فأقيم " ، قال الكرماني : بالرفع ، والنصب ، وسكت على ذلك . ( قلت ) : وجه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره فأنا أقيم ، ووجه النصب على أنه جواب الاستفهام ، والتقدير فإن أقيم ، قوله : " قال : نعم " ، أي قال أبو بكر : نعم أقم الصلاة ، وزاد في رواية عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه لفظة " إن شئت " ، وأخرج البخاري هذه الزيادة في باب رفع الأيدي ، ووجه هذا التفويض إليه لاحتمال أن يكون عنده زيادة علم من النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، قوله : " فصلى أبو بكر " ليس على حقيقته بل معناه دخل في الصلاة ، ويدل عليه رواية عبد العزيز " وتقدم أبو بكر فكبر " ، ورواية المسعودي عن أبي حازم " فاستفتح أبو بكر الصلاة " ، وهي رواية الطبراني أيضا ، قوله : " والناس في الصلاة " جملة حالية يعني شرعوا فيها مع شروع أبي بكر رضي الله عنه ، قوله : " فتخلص " قال الكرماني : أي صار خالصا من الأشغال . ( قلت ) : ليس المراد هذا المعنى هاهنا بل معناه فتخلص من شق الصفوف حتى وصل إلى الصف الأول ، وهو معنى قوله : " حتى وقف في الصف " أي في الصف الأول ، والدليل على ما قلنا رواية عبد العزيز عند مسلم : " فجاء النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فخرق الصفوف حتى قام عند الصف المقدم " . قوله : " فصفق الناس " بتشديد الفاء من التصفيق ، قال الكرماني : التصفيق الضرب الذي يسمع له صوت ، والتصفيق باليد التصويت بها ، انتهى . التصفيق هو التصفيح بالحاء سواء صفق بيده أو صفح ، وقيل : هو بالحاء الضرب بظاهر اليد إحداهما على صفحة الأخرى ، وهو الإنذار والتنبيه ، وبالقاف ضرب إحدى الصفحتين على الأخرى ، وهو اللهو واللعب ، وقال أبو داود : قال عيسى بن أيوب : التصفيح للنساء ضرب بإصبعين من يمينها على كفها اليسرى ، وقال الداودي في بعض الروايات : " فصفح القوم ، وإنما التصفيح للنساء " فيحمل أنهم ضربوا أكفهم على أفخاذهم . ( قلت ) : رواية عبد العزيز : " فأخذ الناس في التصفيح ، قال سهل : أتدرون ما التصفيح ؟ هو التصفيق " ، قوله : " وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته " ، وذلك لعلمه بالنهي عن ذلك ، وفي صحيح ابن خزيمة : سألت عائشة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التفات الرجل في الصلاة ، فقال : هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الرجل ، قوله : " فلما أكثر الناس التصفيق " ، وفي رواية حماد بن زيد : " فلما رأى التصفيح لا يمسك عنه التفت " ، قوله : " أن امكث مكانك " كلمة أن مصدرية ، والمعنى فأشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمكث في مكانه ، وفي رواية عبد العزيز : " فأشار إليه يأمره بأن يصلي " ، وفي رواية عمرو بن علي : " فدفع في صدره ليتقدم فأبى " ، قوله : " فرفع أبو بكر يديه فحمد الله " ظاهره أنه حمد الله تعالى بلفظه صريحا ، لكن في رواية الحميدي عن سفيان : " فرفع أبو بكر رأسه إلى السماء شكرا لله ورجع القهقرى " . وادعى ابن الجوزي أنه أشار إلى الشكر والحمد بيده ، ولم يتكلم ، وليس في رواية الحميدي ما يمنع أن يكون بلفظه ، ويقوي ذلك ما رواه أحمد من رواية عبد العزيز بن الماجشون عن أبي حازم : " يا أبا بكر لم رفعت يديك ، وما منعك أن تثبت حين أشرت إليك ؟ قال : رفعت يدي لأني حمدت الله على ما رأيت منك " ، وزاد المسعودي : " فلما تنحى تقدم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - " ونحوه في رواية حماد بن زيد . قوله : " ثم استأخر " أي تأخر ، قوله : " فلما انصرف " أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة ، قوله : " إذ أمرتك " أي حين أمرتك ، قوله : " لابن أبي قحافة " بضم القاف ، وتخفيف الحاء المهملة ، وبعد الألف فاء ، واسمه عثمان بن عامر القرشي أسلم عام الفتح ، وعاش إلى خلافة عمر رضي الله تعالى عنه ، ومات سنة أربع عشرة ، وإنما لم يقل أبو بكر : ما لي أو ما لأبي بكر تحقيرا لنفسه واستصغارا لمرتبته عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قوله : " بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم – " ، والمراد من بين يدي القدام ، وقال الكرماني : أو لفظ يدي مقحم ، ( قلت ) : إذا كان لفظ يدي مقحما لا ينتظم المعنى على ما لا يخفى ، قوله : " ما لي رأيتكم " تعريض ، والغرض ما لكم ؟ قوله : " من نابه " أي من أصابه ، قوله : " فليسبح " أي فليقل : سبحان الله ، وكذا هو في رواية يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم " فليقل سبحان الله " ، قوله : " التفت إليه " على صيغة المجهول ، قوله : " وإنما التصفيق للنساء " ، وفي رواية عبد العزيز : " وإنما التصفيح للنساء " ، ووقع في رواية حماد بن زيد بصيغة الأمر ، ولفظه : " إذا نابكم أمر فليسبح الرجال وليصفح النساء " . ( ذكر ما يستفاد منه من الأحكام ) وهو على وجوه : الأول فيه فضل الإصلاح بين الناس ، وحسم مادة الفتنة بينهم ، وجمعهم على كلمة واحدة . الثاني : فيه توجه الإمام بنفسه إلى بعض رعيته للإصلاح ، وتقديم ذلك على مصلحة الإمامة بنفسه ؛ لأن في ذلك دفع المفسدة ، وهو أولى من الإمامة بنفسه ، ويلتحق بذلك توجه الحاكم لسماع دعوى بعض الخصوم إذا علم أن فيه مصلحة . الثالث : قيل : فيه جواز الصلاة الواحدة بإمامين أحدهما بعد الآخر ، وأن الإمام الراتب إذا غاب يستخلف غيره ، وأنه إذا حضر بعد أن دخل نائبه في الصلاة يتخير بين أن يأتم به أو يؤم هو ويصير النائب مأموما من غير أن يقطع الصلاة ، ولا يبطل شيء من ذلك صلاة أحد المأمومين ، انتهى . ( قلت ) : جواز الصلاة الواحدة بإمامين أحدهما بعد الآخر مسلم ؛ لأن الإمام إذا أحدث واستخلف خليفة فأتم الخليفة صلاته صح ذلك ، ويطلق عليه أنه صلاة واحدة بإمامين ، وقوله أيضا : إن الإمام الراتب إذا غاب يستخلف غيره مسلم أيضا ، وقوله : ( وأنه إذا حضر ) إلى آخره غير مسلم ، واحتجاج من يذهب إلى هذا بهذا الحديث غير صحيح ؛ لأن ذلك من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ذكر ذلك ابن عبد البر ، وادعى الإجماع على عدم جواز ذلك لغيره ، قلت : لأنه لا يجوز التقدم بين يدي النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، وليس لسائر الناس اليوم من الفضل من يجب أن يتأخر له ، وكان جائزا لأبي بكر أن لا يتأخر لإشارة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " أن امكث مكانك " ، وقال بعض المالكية أيضا : تأخر أبي بكر وتقدمه صلى الله تعالى عليه وسلم من خواصه صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولا يفعل ذلك بعد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، وقال بعضهم : ونوقض يعني دعوى ابن عبد البر الإجماع المذكور بأن الخلاف ثابت ، فالصحيح المشهور عند الشافعية الجواز ، انتهى . ( قلت ) : هذا خرق للإجماع السابق قبل هؤلاء الشافعية ، وخرق الإجماع باطل . الرابع : قيل فيه جواز إحرام المأموم قبل الإمام ، وأن المرء قد يكون في بعض صلاته إماما وفي بعضها مأموما ، انتهى . ( قلت ) : قوله : ( فيه جواز إحرام المأموم قبل الإمام ) قول غير صحيح يرده قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا كبر الإمام فكبروا " ، ولفظ البخاري : " فإذا كبر فكبروا " ، وقد رتب تكبير المأموم على تكبير الإمام فلا يصح أن يسبقه ، وقال ابن بطال : لا أعلم من يقول : إن من كبر قبل إمامه فصلاته تامة إلا الشافعي بناء على مذهبه ، وهو أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام ، وسائر الفقهاء لا يجيزون ذلك . الخامس : استنبط الطبري منه ، وقال : في هذا الخبر دليل على خطأ من زعم أنه لا يجوز لمن أحرم بفريضة وصلى بعضها ، ثم أقيمت عليه تلك الصلاة أنه لا يجوز له أن يدخل مع الجماعة . في بقية صلاته حتى يخرج منها ويسلم ثم يدخل معهم ، فإن دخل معهم دون سلام فسدت صلاته ولزمه قضاؤها ، انتهى . قلت : الحديث يبين خطأه هو ، وذلك أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ابتدأ صلاة كان أبو بكر صلى بعضها وائتم به أصحابه فيها ، فكان النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - مبتدئا ، والقوم متممين . السادس : فيه فضل أبي بكر على جميع الصحابة . السابع : فيه أن إقامة الصلاة ، واستدعاء الإمام من وظيفة المؤذن ، وأن المؤذن هو الذي يقيم ، وهذا هو السنة ، فإن أقام غيره كان خلاف السنة ، قيل : يعتد بإذنه عند الجمهور . ( قلت ) : وبغير إذنه أيضا يعتد ، وإذا أقام غير المؤذن أيضا يعتد عندنا لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن زيد حين رأى الأذان : ألقها على بلال فإنه أمد صوتا منك ، وأقم أنت . وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : من أذن فهو يقيم ، كان في حق زياد بن الحارث الصدائي ، وكان حديث العهد بالإسلام ، أمره به كيلا تدخله الوحشة . الثامن : فيه جواز التسبيح والحمد في الصلاة ؛ لأنه من ذكر الله تعالى ، وأما إذا قال : الحمد لله وأراد به الجواب اختلف المشايخ في فساد صلاته ، وفي المحيط : لو حمد الله العاطس في نفسه ولا يحرك لسانه عن أبي حنيفة لا تفسد ، ولو حرك تفسد ، وفي فتاوى العتابي : لو قال السامع الحمد على رجاء الثواب من غير إرادة الجواب لا تفسد ، وإذا فتح على إمامه لا تفسد ، وعلى غيره تفسد ، وقال ابن قدامة : قال أبو حنيفة : إن فتح على الإمام بطلت صلاته . ( قلت ) : هذا غير صحيح ، وقال السفاقسي : احتج بالحديث جماعة من الحذاق على أبي حنيفة في قوله : ( إن فتح الرجل لغير إمامه لم تجز صلاته ) ، ( قلت ) : ليس في الحديث دلالة على هذا ، والذي ليس في صلاته لا يدخل تحت قوله : ( من نابه شيء في صلاته ) ، ولأنه يكون تعليما وتلقينا ، وقال السفاقسي : قال مالك : من أخبر في صلاته بسرور فحمد الله تعالى لا تضر صلاته ، وقال ابن القاسم : من أخبر بمصيبة فاسترجع أو أخبر بشيء ، فقال : الحمد لله على كل حال أو قال : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات لا يعجبني ، وصلاته مجزية ، وقال أشهب : إلا أن يريد بذلك قطع الصلاة ، ومذهب مالك والشافعي : إذا سبح لأعمى خوف أن يقع في بئر أو دابة أو في حية أنه جائز . التاسع : فيه جواز الالتفات للحاجة قاله ابن عبد البر ، وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيرا ، ( قلت ) : هذا إذا كان لحاجة لما روى سهل بن الحنظلية من حديث ، فيه : " فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وهو يلتفت إلى الشعب " ، وقال أبو داود : كان أرسل فارسا إلى الشعب يحرس ، وقال الحاكم : سنده صحيح ، وأما إذا كان لا لحاجة فإنه يكره لما روي عن أبي ذر قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " لا يزال الله تعالى مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت ، فإذا التفت انصرف عنه " . وعند ابن خزيمة عن ابن عباس : " كان صلى الله تعالى عليه وسلم يلتفت يمينا وشمالا ، ولا يلوي عنقه خلف ظهره " ، وعند الترمذي واستغربه : " يلحظني يمينا وشمالا " ، وقال ابن القطان : صحيح ، وعند ابن خزيمة عن علي بن شيبان وكان أحد الوفد قال : " صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلمح بمؤخر عينيه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود " . وعن جابر – رضي الله عنه - وهو شاك : فصلينا وراءه قعودا ، فالتفت إلينا ؛ ( فإن قلت ) : روى أبو داود : لا صلاة لملتفت ، ( قلت ) : ضعفه ابن القطان وغيره . العاشر : فيه دليل على جواز استخلاف الإمام إذا أصابه ما يوجب ذلك ، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي ، وهو قول عمر ، وعلي ، والحسن ، وعلقمة ، وعطاء ، والنخعي ، والثوري . وعن الشافعي وأهل الظاهر : لا يستخلف الإمام . الحادي عشر : فيه جواز شق الصفوف ، والمشي بين المصلين لقصد الوصول إلى الصف الأول لكن هذا في حق الإمام ، ويكره في حق غيره . الثاني عشر : فيه جواز إمامة المفضول للفاضل . الثالث عشر : فيه سؤال الرئيس عن سبب مخالفة أمره قبل الزجر عن ذلك . الرابع عشر : فيه إكرام الكبير بمخاطبته بالكنية . الخامس عشر : فيه أن العمل القليل في الصلاة لا يفسدها لتأخر أبي بكر عن مقامه إلى الصف الذي يليه . السادس عشر : فيه تقديم الأصلح والأفضل . السابع عشر : فيه تقديم غير الإمام إذا تأخر ولم يخف فتنة ولا إنكار من الإمام . الثامن عشر : قيل : فيه تفضيل الصلاة في أول الوقت ، ( قلت ) : إنما صلوا في أول الوقت ظنا منهم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لا يأتيهم في الوقت ، والجماعة كانوا حاضرين ، وفي تأخيرهم كان تشويش لهم من جهة أن فيهم من كان ذا حاجة وذا ضعف ، ونحو ذلك . التاسع عشر : فيه أن رفع اليد في الصلاة لا يفسدها . العشرون : فيه أن المصلي إذا نابه شيء فليسبح أي فليقل : سبحان الله ، وعن مالك : المرأة تسبح كالرجل ؛ لأن كلمة من في الحديث تقع على الذكور والإناث ، قال : والتصفيق منسوخ بقوله : ( من نابه شيء في صلاته فليسبح ) ، وأنكره بعضهم ، وقال : لأنه لا يختلف أن أول الحديث لا ينسخ آخره ، ومذهب الشافعي والأوزاعي تخصيص النساء بالتصفيق ، وهو ظاهر الحديث ، وفي ( سنن أبي داود ) : إذا نابكم شيء في صلاة فليسبح الرجال وليصفق النساء . الحادي والعشرون : فيه شكر الله على الوجاهة في الدين ، والله أعلم بحقيقة الحال .