46- بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : مِنْ اللَّهِ عز وجل الرِّسَالَةُ ، وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَلَاغُ ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ ، وَقَالَ : لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَقَالَ تَعَالَى : أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِذَا أَعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ امْرِئٍ فَقُلْ : اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ أَحَدٌ ، وَقَالَ مَعْمَرٌ : ذَلِكَ الْكِتَابُ هَذَا الْقُرْآنُ ، هُدًى لِلْمُتَّقِينَ بَيَانٌ وَدِلَالَةٌ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ هَذَا حُكْمُ اللَّهِ ، لا رَيْبَ فِيهِ لَا شَكَّ ، تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ يَعْنِي هَذِهِ أَعْلَامُ الْقُرْآنِ ، وَمِثْلُهُ : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ يَعْنِي بِكُمْ ، وَقَالَ أَنَسٌ : بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالَهُ حَرَامًا إِلَى قَوْمِ ، وَقَالَ : أَتُؤْمِنُونِي أُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ . 7530- حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ ، وَزِيَادُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ ، قَالَ الْمُغِيرَةُ : أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ . قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ كَذَا لِلْجَمِيعِ ، وَظَاهِرُهُ اتِّحَادُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى إِنْ لَمْ تَفْعَلْ : لَمْ تُبَلِّغْ لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْجَزَاءِ لَازِمُهُ ، فَهُوَ كَحَدِيثِ : وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ . وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْأَمْرِ ، فَقِيلَ : الْمُرَادُ بَلِّغْ كَمَا أُنْزِلَ ، وَهُوَ عَلَى مَا فَهِمَتْ عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بَلِّغْهُ ظَاهِرًا وَلَا تَخْشَ مِنْ أَحَدٍ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، وَالثَّانِي أَخَصُّ مِنَ الْأَوَّلِ ، وَعَلَى هَذَا لَا يَتَّحِدُ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ ، لَكِنَّ الْأَوْلَى قَوْلُ الْأَكْثَرِ لِظُهُورِ الْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مَا أُنْزِلَ . وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُ كُلَّ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَرَجَّحَ الْأَخِيرَ ابْنُ التِّينِ وَنَسَبَهُ لِأَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَقَدِ احْتَجَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ وَلَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ كَانَ مَا يَقُولُ الْجَعْدُ حَقًّا لَبَلَّغَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : مِنَ اللَّهِ الرِّسَالَةُ ، وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَلَاغُ ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ ) هَذَا وَقَعَ فِي قِصَّةٍ أَخْرَجَهَا الْحُمَيْدِيُّ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْخَطِيبُ ، قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِلزُّهْرِيِّ يَا أَبَا بَكْرٍ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ ، مَا مَعْنَاهُ ؟ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ : مِنَ اللَّهِ الْعِلْمُ ، وَعَلَى رَسُولِهِ الْبَلَاغُ ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ . وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ الْأَوْزَاعِيُّ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ دُحَيْمٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ فَذَكَرَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَقَالَ : أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ بَعْدَ أَنْ سَاقَ قَوْلَهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ الْآيَةَ ، قَالَ : فَذَكَرَ تَبْلِيغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ثُمَّ وَصَفَ فِعْلَ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ فَقَالَ : وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ ، قَالَ : فَسَمَّى تَبْلِيغَهُ الرِّسَالَةَ وَتَرْكَهُ فِعْلًا ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَقُولَ : إِنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ ، يَعْنِي : فَإِذَا بَلَّغَ فَقَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَتِلَاوَتُهُ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ هُوَ التَّبْلِيغُ وَهُوَ فِعْلُهُ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْجُشَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا قَالَ : أَتَتْنِي رِسَالَةٌ مِنْ رَبِّي فَضِقْتُ بِهَا ذَرْعًا ، وَرَأَيْتُ أَنَّ النَّاسَ سَيُكَذِّبُونَنِي فَقِيلَ لِي : لَتَفْعَلَنَّ أَوْ لَيُفْعَلَنَّ بِكَ ، وَأَصْلُهُ فِي السُّنَنِ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ . وَحَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ فِي قِصَّةِ الْكُسُوفِ ، وَفِيهِ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ رَسُولٌ ، فَأُذَكِّرُكُمْ بِاللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي قَصَّرْتُ عَنْ تَبْلِيغِ شَيْءٍ مِنْ رِسَالَاتِ رَبِّي . يَعْنِي فَقُولُوا - فَقَالُوا : نَشْهَدُ أَنَّكَ بَلَّغْتَ رِسَالَاتِ رَبِّكَ وَقَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ ، وَأَصْلُهُ فِي السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى : بَلِّغْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ مِمَّا أُمِرَ بِهِ ، وَكَذَلِكَ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ ، وَالصَّلَاةُ بِجُمْلَتِهَا طَاعَةُ اللَّهِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ ، فَالصَّلَاةُ طَاعَةٌ وَالْأَمْرُ بِهَا قُرْآنٌ ، وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ ، مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ ، مَقْرُوءٌ عَلَى الْأَلْسِنَةِ ، فَالْقِرَاءَةُ وَالْحِفْظُ وَالْكِتَابَةُ مَخْلُوقَةٌ ، وَالْمَقْرُوءُ وَالْمَحْفُوظُ وَالْمَكْتُوبُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَنَّكَ تَكْتُبُ : اللَّهُ ، وَتَحْفَظُهُ وَتَدْعُوهُ ، فَدُعَاؤُكَ وَحِفْظُكَ وَكِتَابَتُكَ وَفِعْلُكَ مَخْلُوقٌ ، وَاللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ قَدْ تَقَدَّمَ هَذَا مُسْنَدًا فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ وَفِي آخِرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ الْآيَةَ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ التَّفْويضِ وَالِانْقِيَادِ وَالتَّسْلِيمِ ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُزَكِّيَ عَمَلَهُ بَلْ يُفَوِّضَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . قُلْتُ : وَمُرَادُ الْبُخَارِيِّ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ عَمَلًا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ . قَوْلُهُ : وَقَالَتْ عَائِشَةُ : إِذَا أَعْجَبَكَ حُسْنَ عَمَلِ امْرِئٍ فَقُلِ : اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ أَحَدٌ ) قُلْتُ : زَعَمَ مُغَلْطَايْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ أَخْرَجَ هَذَا الْأَثَرَ فِي كِتَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَقَدْ وَهَمَ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ هَذَا فِي قِصَّةٍ ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : وَذَكَرَتِ الَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ عُثْمَانَ : وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا فَوَاللَّهِ مَا أَحْبَبْتُ أَنْ يُنْتَهَكَ مِنْ عُثْمَانَ أَمْرٌ قَطُّ إِلَّا انْتُهِكَ مِنِّي مِثْلُهُ ، حَتَّى وَاللَّهِ لَوْ أَحْبَبْتُ قَتْلَهُ لَقُتِلْتُ ، يَا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيٍّ لَا يَغُرَّنَّكَ أَحَدٌ بَعْدَ الَّذِينَ تَعْلَمُ ، فَوَاللَّهِ مَا احْتَقَرْتُ مِنْ أَعْمَالِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَجَمَ النَّفَرُ الَّذِينَ طَعَنُوا فِي عُثْمَانَ ، فَقَالُوا قَوْلًا لَا يَحْسُنُ مِثْلُهُ ، وَقَرَءُوا قِرَاءَةً لَا يَحْسُنُ مِثْلُهَا ، وَصَلُّوا صَلَاةً لَا يُصَلَّى مِثْلُهَا ، فَلَمَّا تَدَبَّرْتُ الصَّنِيعَ إِذَا هُمْ وَاللَّهِ مَا يُقَارِبُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا أَعْجَبَكَ حُسْنُ قَوْلِ امْرِئٍ فَقُلِ : اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ أَحَدٌ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ : احْتَقَرْتُ أَعْمَالَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَجَمَ الْقُرَّاءُ الَّذِينَ طَعَنُوا عَلَى عُثْمَانَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَفِيهِ : فَوَاللَّهِ مَا يُقَارِبُونَ عَمَلَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا أَعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ امْرِئٍ مِنْهُمْ فَقُلِ : اعْمَلُوا ، إِلَخْ ، وَالْمُرَادُ بِالْقُرَّاءِ الْمَذْكُورِينَ الَّذِينَ قَامُوا عَلَى عُثْمَانَ ، وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ أَشْيَاءَ اعْتَذَرَ عَنْ فِعْلِهَا ، ثُمَّ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ ثُمَّ خَرَجُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى عَلِيٍّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَخْبَارُهُمْ مُفَصَّلَةً فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ، وَدَلَّ سِيَاقُ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ مَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا ، فَسَمَّتْ كُلَّ ذَلِكَ عَمَلًا ، وَقَوْلُهَا فِي آخِرِهِ : وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ أَحَدٌ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ وَالْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَالنُّونُ الثَّقِيلَةُ لِلتَّأْكِيدِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ عَنِ الدَّاوُدِيِّ مَعْنَاهُ : لَا تَغْتَرَّ بِمَدْحِ أَحَدٍ وَحَاسِبْ نَفْسَكَ ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ غَيْرُهُ أَنَّ الْمَعْنَى : لَا يَغُرَّنَّكَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ فَتَظُنَّ بِهِ الْخَيْرَ إِلَّا أنْ رَأَيْتَهُ وَاقِفًا عِنْدَ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ مَعْمَرٌ : ذَلِكَ الْكِتَابُ هَذَا الْقُرْآنُ ، هُدًى لِلْمُتَّقِينَ بَيَانٌ وَدَلَالَةٌ كَقَوْلِهِ : ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ هَذَا حُكْمُ اللَّهِ ، لا رَيْبَ فِيهِ لَا شَكَّ ، تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ يَعْنِي هَذِهِ أَعْلَامُ الْقُرْآنِ ، وَمِثْلُهُ : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ يَعْنِي بِكُمْ ) مَعْمَرٌ هَذَا هُوَ ابْنُ الْمُثَنَّى اللُّغَوِيُّ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَهَذَا الْمَنْقُولُ عَنْهُ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ مَجَازِ الْقُرْآنِ ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ شَيْخُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَقَدِ اغْتَرَّ مُغَلْطَايْ بِذَلِكَ فَزَعَمَ أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ أَخْرَجَ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَلَفْظُ أَبِي عُبَيْدَةَ : ذَلِكَ الْكِتَابُ مَعْنَاهُ هَذَا الْقُرْآنُ ، قَالَ : وَقَدْ تُخَاطِبُ الْعَرَبُ الشَّاهِدَ بِمُخَاطَبَةِ الْغَائِبِ ، وَقَدْ أَنْكَرَ ثَعْلَبٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَقَالَ : اسْتِعْمَالُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ مَوْضِعَ الْآخَرِ يَقْلِبُ الْمَعْنَى ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ هَذَا الْقُرْآنُ هُوَ ذَلِكَ الَّذِي كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَيْكُمْ ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ : لَمَّا كَانَ الْقَوْلُ وَالرِّسَالَةُ مِنَ السَّمَاءِ ، وَالْكِتَابُ وَالرَّسُولُ فِي الْأَرْضِ قِيلَ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : هُوَ كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ وَهُوَ يُحَدِّثُكَ : وَذَلِكَ وَاللَّهِ الْحَقُّ ، فَهُوَ فِي اللَّفْظِ بِمَنْزِلَةِ الْغَائِبِ وَلَيْسَ بِغَائِبٍ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى ذَلِكَ الَّذِي سَمِعْتُ بِهِ ، وَاسْتَشْهَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ فَلَمَّا جَازَ أَنْ يُخْبِرَ بِضَمِيرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ لِلْحَاضِرِ وَضَمِيرِ الْغَيْبَةِ عَنِ الْغَائِبِ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ ضَمِيرِ الْقَرِيبِ بِضَمِيرِ الْبَعِيدِ ، وَهُوَ صَنِيعٌ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، يُسَمِّيهِ أَصْحَابُ الْمَعَانِي الِالْتِفَاتُ ، وَقِيلَ الْحِكْمَةُ فِي هَذَا هُنَا : أَنَّ كُلَّ مَنْ خُوطِبَ يَجُوزُ أَنْ يَرْكَبَ الْفُلْكَ لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي الْعَادَةِ أَنْ لَا يَرْكَبَهَا إِلَّا الْأَقَلُّ وَقَعَ الْخِطَابُ أَوَّلًا لِلْجَمِيعِ ثُمَّ عَدَلَ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنِ الْبَعْضِ الَّذِينَ مِنْ شَأْنِهِمُ الرُّكُوبُ ، وَقَالَ أَيْضًا : لا رَيْبَ فِيهِ : لَا شَكَّ فِيهِ ، هُدًى لِلْمُتَّقِينَ أَيْ بَيَانٌ لِلْمُتَّقِينَ ، وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْهِدَايَةَ نَوْعٌ مِنَ التَّبْلِيغِ ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةٍ أُخْرَى : تِلْكَ آيَاتُ هَذِهِ آيَاتُ ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةٍ أُخْرَى : الآيَاتِ الْأَعْلَامُ ، وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُونُسَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمِثْلُهُ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فَمُرَادُهُ أَنَّهُ نَظِيرُ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ مَوْضِعَ هَذَا ، فَلَمَّا سَاغَ اسْتِعْمَالُ مَا هُوَ لِلْبَعِيدِ لِلْقَرِيبِ جَازَ اسْتِعْمَالُ مَا هُوَ لِلْغَائِبِ لِلْحَاضِرِ ، وَلَفْظُ مِثْلُهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَاللَّامِ وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي كِتَابِ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ فِي مُقَدَّمَةِ كِتَابِهِ الْمَذْكُورِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَمِنْ مَجَازِ مَا جَاءَتْ مُخَاطَبَتُهُ مُخَاطَبَةَ الشَّاهِدِ ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى مُخَاطَبَةِ الْغَائِبِ قَوْلُهُ تَعَالَى : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ أَيْ بِكُمْ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : قَوْلُهُ ( وَقَالَ أَنَسٌ : بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالَهُ حَرَامًا إِلَى قَوْمٍ وَقَالَ : أَتُؤْمِنُوني حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا فَلَمَّا قَدِمُوا قَالَ لَهُمْ خَالِي : أَتَقَدَّمُكُمْ فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَّا كُنْتُمْ قَرِيبًا مِنِّي ، فَتَقَدَّمَ فَأَمَّنُوهُ فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَلَفْظُهُ فِي الْمَغَازِي عَنْ أَنَسٍ ، فَانْطَلَقَ حَرَامٌ أَخُو أُمِّ سُلَيْمٍ فَذَكَرَهُ ، وَفِيهِ : وَإِنْ قَتَلُونِي أَتَيْتُمْ أَصْحَابَكُمْ ، فَقَالَ : أَتُؤْمِنُوني أُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ وَأَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَأَتَاهُ فَطَعَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ الْحَدِيثَ ، وَسِيَاقُهُ فِي الْمَغَازِي أَقْرَبُ إِلَى اللَّفْظِ الْمُعَلَّقِ هُنَا ، وَفِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ أَتَيْتُمْ أَصْحَابَكُمْ ، فَأَتَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : أَتُؤْمِنُوني . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ : عَنْ أَبِي زَيْدٍ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ : وَكَذَا كَانَ فِي نُسْخَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيِّ إِلَّا أَنَّهُ أَصْلَحَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ ، وَقَالَ : هُوَ سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ ) بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ ، وَ جُبَيْرٌ هُوَ وَالِدُ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ الرَّاوِي عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ الْمُغِيرَةُ ) هُوَ ابْنُ شُعْبَةَ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ ) هَذَا الْقَدْرُ هُوَ الْمَرْفُوعُ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ مَضَى بِطُولِهِ وَشَوَاهِدُهُ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي ضَبْطِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَذْكُورِ فِي سَنَدِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهِ · ص 512 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك · ص 183 باب قول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وقال الزهري : من الله عز وجل الرسالة ، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغ ، وعلينا التسليم . أي : هذا باب في قول الله تعالى إلى آخره . قال الكرماني : الشرط والجزاء متحدان؛ إذ معنى إن لم تفعل إن لم تبلغ ، وأجاب بأن المراد من الجزاء لازمه ، نحو من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه . قوله : رسالاته أي : الإرسال لا بد في الرسالة من ثلاثة أمور المرسل والمرسل إليه والرسول ، ولكل منهم أمر للمرسل الإرسال ، وللرسول التبليغ ، وللمرسل إليه القبول والتسليم . وقال : لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وقال تعالى : أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وقال : هكذا في بعض النسخ بدون ذكر فاعله ، وفي بعضها وقال الله : لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وقال كعب بن مالك حين تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم : وسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون . كعب بن مالك الأنصاري هو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن غزوة تبوك . قال الكرماني : وجه مناسبته لهذه الترجمة التفويض والانقياد والتسليم ، ولا يستحسن أحد أن يزكي أعماله بالعجلة ، بل يفوض الأمر إلى الله تعالى . وحديث كعب مضى في تفسير سورة براءة مطولا . وقالت عائشة : إذا أعجبك حسن عمل امرئ فقل : اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ، ولا يستخفنك أحد . أرادت عائشة بذلك أن أحدا لا يستحسن عمل غيره ، فإذا أعجبه ذلك فليقل : اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون . قوله : ولا يستخفنك أحد بالخاء المعجمة المكسورة والفاء المفتوحة والنون الثقيلة للتأكيد ، حاصل المعنى لا تغتر بعمل أحد فتظن به الخير إلا إن رأيته واقفا عند حدود الشريعة ، وهذا الحديث ذكره البخاري في كتاب خلق أفعال العباد مطولا ، وفيه إذا أعجبك حسن عمل امرئ فقل : اعملوا إلى آخره ، وأرادت بالعمل ما كان من القراءة والصلاة ونحوهما ، فسمت كل ذلك عملا . وقال معمر : ذلك الكتاب هذا القرآن ، هدى للمتقين بيان ودلالة ، كقوله تعالى : ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ هذا حكم الله . معمر بفتح الميمين قيل : هو أبو عبيدة بالضم اللغوي ، وقيل : هو معمر بن راشد البصري ، ثم التيمي . قوله : ذلك الكتاب هذا القرآن يعني ذلك بمعنى هذا ، وهو خلاف المشهور ، وهو أن ذلك للبعيد وهذا للقريب ، كقوله : ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ أي : هذا حكم الله ، وكقوله : تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ أي : هذه أعلام القرآن . قوله : هُدًى لِلْمُتَّقِينَ فسره بقوله : بيان ودلالة بكسر الدال وفتحها ، ودلولة أيضا حكاهما الجوهري قال : الفتح أعلى . قال الكرماني : تعلقه بالترجمة نوع من التبليغ ، سواء كان بمعنى البيان أو الدلالة . لا ريب لا شك ، تلك آيات الله يعني هذه أعلام القرآن فسر قوله : لا رَيْبَ فِيهِ أي : لا شك . قوله : تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ أي : هذه آيات الله ، واستعمل تلك التي للبعيد في موضع هذه التي للقريب . ومثله حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم يعني : بكم أي : مثل المذكور فيما مضى في استعمال البعيد وإرادة القريب قوله تعالى : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ يعني : بكم . وقال أنس : بعث النبي صلى الله عليه وسلم خاله حراما إلى قومه ، وقال : أتؤمنوني أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل يحدثهم . هذا قطعة من حديث مضى في الجهاد موصولا من طريق همام ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم أقواما من بني سليم الحديث . ولفظه في المغازي عن أنس فانطلق حرام أخو أم سليم فذكره . وحرام ضد حلال ابن ملحان بكسر الميم وبالحاء المهملة الأنصاري البدري الأحدي ، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني عامر ، فقال لهم : أتؤمنوني أي : تجعلوني آمنا فآمنوه ، فبينما هو يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أومؤوا إلى رجل منهم فطعنه ، فقال : الله أكبر فزت ورب الكعبة . وقد مر في قصة بئر معونة فافهم . 156 - حدثنا الفضل بن يعقوب ، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، حدثنا سعيد بن عبيد الله الثقفي ، حدثنا بكر بن عبد الله المزني ، وزياد بن جبير بن حية ، عن جبير بن حية قال المغيرة : أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة . مطابقته للترجمة ظاهرة . والفضل بن يعقوب الرخامي البغدادي ، وعبد الله بن جعفر الرقي ، وزياد بن جبير بضم الجيم وفتح الباء الموحدة ابن حية بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف ، وهو يروي عن والده جبير بن حية ، والمغيرة هو ابن شعبة . والحديث مضى مطولا في كتاب الجزية ، وفي التوضيح إسناد حديث المغيرة فيه موضعان نبه عليهما الجياني : أحدهما كان في أصل أبي محمد الأصيلي معمر بن سليمان ، ثم ألحق تاء بين العين والميم فصار معتمرا وهو المحفوظ . ثانيهما سعيد بن عبيد الله مصغرا هو الصواب ، ووقع في نسخة أبي الحسن مكبرا ، وكذا كان في نسخة أبي محمد عبد الله إلا أنه أصلحه بالتصغير فزاد ياء ، وكتب في الحاشية هو سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية ، وكذا رواه ابن السكن على الصواب ، وحية بن مسعود بن معتب بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف اتفقا عليه ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، وانفرد البخاري بأبيه جبير ولاه زياد أصفهان ، وتوفي في أيام عبد الملك بن مروان . وقد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، قال صاحب التوضيح : ورأيت بخط الدمياطي معمر بن سليمان قيل : إنه وهم والصواب معتمر بن سليمان؛ لأن عبد الله بن جعفر لا يروي عن معمر ، وهذا عكس ما أسلفناه عن الجياني .