52 - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ سفرة الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ، وَزَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ 7544 - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَاهِرُ ) أَيِ الْحَاذِقُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا جَوْدَةُ التِّلَاوَةِ مَعَ حُسْنِ الْحِفْظِ . قَوْلُهُ : ( مَعَ سَفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَالَ : مَعَ السَّفَرَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِلْأَكْثَرِ ، وَالْأَوَّلُ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ ، وَالْمُرَادُ بِالسَّفَرَةِ الْكَتَبَةُ جَمْعُ سَافِرٍ مِثْلُ كَاتِبٍ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ ، وَهُمْ هُنَا الَّذِينَ يَنْقُلُونَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَوُصِفُوا بِالْكِرَامِ أَيِ الْمُكَرَّمِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْبَرَرَةُ أَيِ الْمُطِيعِينَ الْمُطَهَّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ وَأَصْلُ الْحَدِيثِ تَقَدَّمَ مُسْنَدًا فِي التَّفْسِيرِ لَكِنْ بِلَفْظِ : مَثَلَ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ مِنْ طَرِيقِ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْمَاهِرُ : الْحَاذِقُ وَأَصْلُهُ الْحِذْقُ بِالسِّبَاحَةِ ؛ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَالْمُرَادُ بِالْمَهَارَةِ بِالْقُرْآنِ جَوْدَةُ الْحِفْظِ وَجَوْدَةُ التِّلَاوَةِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ فِيهِ لِكَوْنِهِ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ كَمَا يَسَّرَهُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَكَانَ مِثْلَهَا فِي الْحِفْظِ وَالدَّرَجَةِ . قَوْلُهُ : ( وَزَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ ) هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَصِلْهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بِهَذَا ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْإفْرَادِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَعَ لَنَا فِي الْأَوَّلِ مِنْ فَوَائِدِ عُثْمَانَ بْنِ السَّمَّاكِ وَلَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ الْمَدُّ وَالتَّرْتِيلُ وَالْمَهَارَةُ فِي الْقُرْآنِ جَوْدَةُ التِّلَاوَةِ بِجَوْدَةِ الْحِفْظِ فَلَا يَتَلَعْثَمُ وَلَا يَتَشَكَّكُ وَتَكُونُ قِرَاءَتُهُ سَهْلَةً بِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَسَّرَهُ عَلَى الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ قَالَ : وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِأَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ إِلَى أَنَّ الْمَاهِرَ بِالْقُرْآنِ هُوَ الْحَافِظُ لَهُ مَعَ حُسْنِ الصَّوْتِ بِهِ وَالْجَهْرِ بِهِ بِصَوْتٍ مُطْرِبٍ بِحَيْثُ يَلْتَذُّ سَامِعُهُ انْتَهَى . وَالَّذِي قَصَدَهُ الْبُخَارِيُّ إِثْبَاتَ كَوْنِ التِّلَاوَةِ فِعْلَ الْعَبْدِ فَإِنَّهَا يَدْخُلُهَا التَّزْيِينُ وَالتَّحْسِينُ وَالتَّطْرِيبُ ، وَقَدْ يَقَعُ بِأَضْدَادِ ذَلِكَ ، وَكُلُّ ذَلِكَ دَالٌّ عَلَى الْمُرَادِ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ الْمُنِيرِ فَقَالَ : ظَنَّ الشَّارِحُ أَنَّ غَرَضَ الْبُخَارِيِّ جَوَازُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِتَحْسِينِ الصَّوْتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا غَرَضُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ وَصْفِ التِّلَاوَةِ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّرْجِيعِ وَالْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَمُقَارَنَةِ الْأَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ كَقَوْلِ عَائِشَةَ : يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ فَكُلُّ ذَلِكَ يُحَقِّقُ أَنَّ التِّلَاوَةَ فِعْلُ الْقَارِئِ ، وَتَتَّصِفُ بِمَا تَتَّصِفُ بِهِ الْأَفْعَالُ وَيَتَعَلَّقُ بِالظُّرُوفِ الزَّمَانِيَّةِ وَالْمَكَانِيَّةِ انْتَهَى . وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ : زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَعَلَّقَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِلَفْظِ سَمِعَ أَبَا مُوسَى يَقْرَأُ فَقَالَ : كَأَنَّ هَذَا مِنْ أَصْوَاتِ آلِ دَاوُدَ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَا رَيْبَ فِي تَخْلِيقِ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ وَنِدَائِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ : الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْحَدِيثَ ، وَحَدِيثَ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ كَانَ يَمُدُّ مَدًّا ، وَحَدِيثَ قُطْبَةَ بْنَ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ : وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ ، ثُمَّ قَالَ : فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَصْوَاتَ الْخَلْقِ وَقِرَاءَتَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ بَعْضُهَا أَحْسَنُ مِنْ بَعْضٍ ، وَأَزْيَنُ وَأَحْلَى وَأَرْتَلُ وَأَمْهَرُ وَأَمَدُّ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ سِتَّةَ أَحَادِيثَ . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ وَ يَزِيدُ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ الْهَادِ ، وَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ التَّيْمِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي بَابِ : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ سفرة الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ · ص 527 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي صلى الله عليه وسلم الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة · ص 192 باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ، وزينوا القرآن بأصواتكم . أي : هذا باب في قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : الماهر إلى آخره . والماهر الحاذق ، المراد به هنا جودة التلاوة مع حسن الحفظ . قوله : مع السفرة الكرام السفرة الكتبة جمع سافر مثل كاتب وزنا ومعنى وهم الكتبة الذين يكتبون من اللوح المحفوظ ، وفي رواية أبي ذر مع سفرة الكرام من باب إضافة الموصوف إلى الصفة . قوله : الكرام أي : المكرمين عند الله . قوله : البررة أي : المطيعين المطهرين من الذنوب ، وفي الترمذي الذي يقرأ القرآن وهو به ماهر مع السفرة الكرام البررة وقال : هو حسن صحيح . وأصل الحديث مضى مسندا في التفسير لكن بلفظ مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة . وقال ابن الأثير : مع السفرة الكرام البررة أي : الملائكة . قوله : وزينوا القرآن بأصواتكم هذا من الأحاديث التي علقها البخاري ولم يصلها في موضع آخر من كتابه ، وأخرجه في كتاب خلق أفعال العباد من رواية عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بهذا . وأخرجه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه من هذا الوجه ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه . ومعنى زينوا القرآن بأصواتكم يعني بالمد والترتيل ، وليس بالتطريف الفاحش الذي يخرج إلى حد الغناء . 169 - حدثنا إبراهيم بن حمزة ، حدثني ابن أبي حازم ، عن يزيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به . مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث . وإبراهيم بن حمزة بالحاء المهملة والزاي أبو إسحاق الزبيري الأسدي المديني ، مات سنة ثلاثين ومائتين ، وهو من أفراده ، وابن أبي حازم هو عبد العزيز بن أبي حازم بالحاء المهملة والزاي ، واسمه سلمة بن دينار المدني ، ويزيد من الزيادة ابن الهاد وهو ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني الأعرج ، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث أبو عبد الله التيمي القرشي المدني ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه . والحديث مضى في كتاب التوحيد في باب وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ قوله : ما أذن الله معنى أذن هنا استمع ، والمراد لازمه وهو الرضا به والإرادة له .