58 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْقُسْطَاسُ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ ، وَيُقَالُ : الْقِسْطُ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ وَهُوَ الْعَادِلُ ، وَأَمَّا الْقَاسِطُ فَهُوَ الْجَائِرُ 7563- حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لِأَكْثَرِهِمْ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَالْمَوَازِينُ جَمْعُ مِيزَانٍ وَأَصْلُهُ مِوْزَانٌ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِكِسْرَةِ مَا قَبْلَهَا ، وَاخْتُلِفَ فِي ذِكْرِهِ هُنَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ ، هَلِ الْمُرَادُ أَنَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مِيزَانًا أَوْ لِكُلِّ عَمَلٍ مِيزَانٌ ؟ فَيَكُونُ الْجَمْعُ حَقِيقَةً ، أَوْ لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا مِيزَانٌ وَاحِدٌ ؟ وَالْجَمْعُ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْأَعْمَالِ أَوِ الْأَشْخَاصِ ؟ وَيَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْأَعْمَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ لِلتَّفْخِيمِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ إِلَّا وَاحِدٌ ، وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ أَنَّهُ مِيزَانٌ وَاحِدٌ وَلَا يُشْكِلُ بِكَثْرَةِ مَنْ يُوزَنُ عَمَلُهُ ؛ لِأَنَّ أَحْوَالَ الْقِيَامَةِ لَا تُكَيَّفُ بِأَحْوَالِ الدُّنْيَا ، وَالْقِسْطُ الْعَدْلُ وَهُوَ نَعْتُ الْمَوَازِينِ وَإِنْ كَانَ مُفْرَدًا وَهِيَ جَمْعٌ ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ : الْقِسْطُ الْعَدْلُ ، وَجُعِلَ وَهُوَ مُفْرَدٌ مِنْ نَعْتِ الْمَوَازِينِ وَهِيَ جَمْعٌ ؛ لِأَنَّهُ كَقَوْلِكَ عَدْلٌ وَرِضًا . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ : الْمَعْنَى وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ ذَوَاتَ الْقِسْطِ ، وَالْقِسْطُ الْعَدْلُ وَهُوَ مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ ، يُقَالُ مِيزَانُ قِسْطٍ وَمِيزَانَانِ قِسْطٍ وَمَوَازِينُ قِسْطٍ ، وَقِيلَ هُوَ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ أَيْ لِأَجْلِ الْقِسْطِ ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ لِلتَّعْلِيلِ مَعَ حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ لِحِسَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقِيلَ هِيَ بِمَعْنَى فِي كَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ مَالِكٍ ، وَقِيلَ لِلتَّوْقِيتِ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ : تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامِ سَابِعٌ وَحَكَى حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْمِيزَانَ مَا مَعْنَاهُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِيزَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ رَدَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ رَدَّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْقَابِسِيِّ وَطَائِفَةٍ ، وَأَقْوَالَهُمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْأَعْمَالِ وَظَاهِرُهُ التَّعْمِيمُ لَكِنْ خَصَّ مِنْهُ طَائِفَتَانِ فَمِنَ الْكُفَّارِ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ إِلَّا الْكُفْرَ ، وَلَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي النَّارِ مِنْ غَيْرِ حِسَابٍ وَلَا مِيزَانٍ ، وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا سَيِّئَةَ لَهُ وَلَهُ حَسَنَاتٌ كَثِيرَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَحْضِ الْإِيمَانِ فَهَذَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ كَمَا فِي قِصَّةِ السَّبْعِينَ أَلْفًا ، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُلْحِقَهُ بِهِمْ ، وَهُمُ الَّذِينَ يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ ، وَمَنْ عَدَا هَذَيْنِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ يُحَاسَبُونَ وَتُعْرَضُ أَعْمَالُهُمْ عَلَى الْمَوَازِينِ ، وَيَدُلُّ عَلَى مُحَاسَبَةِ الْكُفَّارِ وَوَزْنِ أَعْمَالِهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ : فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ - إِلَى قَوْلِهِ - أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ : الْكَافِرُ لَا ثَوَابَ لَهُ وَعَمَلُهُ مُقَابَلٌ بِالْعَذَابِ فَلَا حَسَنَةَ لَهُ تُوزَنُ فِي مَوَازِينِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ لَا حَسَنَةَ لَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ فِي الْكَافِرِ : لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ، وَتُعُقِّبَ أَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ حَقَارَةِ قَدْرِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْوَزْنِ ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي صِفَةِ وَزْنِ عَمَلِ الْكَافِرِ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ كُفْرَهُ يُوضَعُ فِي الْكِفَّةِ وَلَا يَجِدُ لَهُ حَسَنَةً يَضَعُهَا فِي الْأُخْرَى فَتَطِيشُ الَّتِي لَا شَيْءَ فِيهَا ، قَالَ : وَهَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الْمِيزَانَ بِالْخِفَّةِ لَا الْمَوْزُونَ . ثَانِيهُمَا : قَدْ يَقَعُ مِنْهُ الْعِتْقُ وَالْبِرُّ وَالصِّلَةُ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ الْمَالِيَّةِ مِمَّا لَوْ فَعَلَهَا الْمُسْلِمُ لَكَانَتْ حَسَنَاتٍ ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ جُمِعَتْ وَوُضِعَتْ ، غَيْرَ أَنَّ الْكُفْرَ إِذَا قَابَلَهَا رَجَحَ بِهَا . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجَازَى بِهَا عَمَّا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ ظُلْمِ الْعِبَادِ مَثَلًا ، فَإِنِ اسْتَوَتْ عُذِّبَ بِكُفْرِهِ مَثَلًا فَقَطْ ، وَإِلَّا زِيدَ عَذَابُهُ بِكُفْرِهِ أَوْ خُفِّفَ عَنْهُ كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ : أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْمِيزَانِ ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُوزَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَنَّ الْمِيزَانَ لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ وَيَمِيلُ بِالْأَعْمَالِ ، وَأَنْكَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْمِيزَانَ وَقَالُوا : هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعَدْلِ فَخَالَفُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَضَعُ الْمَوَازِينَ لِوَزْنِ الْأَعْمَالِ لِيَرَى الْعِبَادُ أَعْمَالَهُمْ مُمَثَّلَةً لِيَكُونُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَاهِدِينَ ، وَقَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ : أَنْكَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْمِيزَانَ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَعْرَاضَ يَسْتَحِيلُ وَزْنُهَا إِذْ لَا تَقُومُ بِأَنْفُسِهَا ، قَالَ : وَقَدْ رَوَى بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْلِبُ الْأَعْرَاضَ أَجْسَامًا فَيَزِنُهَا انْتَهَى . وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْمِيزَانَ بِمَعْنَى الْعَدْلِ وَالْقَضَاءِ ، فَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ : إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ كَمَا يَجُوزُ وَزْنُ الْأَعْمَالِ كَذَلِكَ يَجُوزُ الْحَطُّ ، وَمِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْمَوَازِينُ الْعَدْلُ ، وَالرَّاجِحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ ، وَأَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ فِي السُّنَّةِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : يُوضَعُ الْمِيزَانُ وَلَهُ كِفَتَّانِ ، لَوْ وُضِعَ فِي إِحْدَاهُمَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ لَوَسِعَتْهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ذُكِرَ الْمِيزَانُ عِنْدَ الْحَسَنِ فَقَالَ : لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قِيلَ : إِنَّمَا تُوزَنُ الصُّحُفُ ، وَأَمَّا الْأَعْمَالُ فَإِنَّهَا أَعْرَاضٌ فَلَا تُوصَفُ بِثِقَلٍ وَلَا خِفَّةٍ ، وَالْحَقُّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْأَعْمَالَ حِينَئِذٍ تُجَسَّدُ أَوْ تُجْعَلُ فِي أَجْسَامٍ فَتَصِيرُ أَعْمَالُ الطَّائِعِينَ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ وَأَعْمَالُ الْمُسِيئِينَ فِي صُورَةٍ قَبِيحَةٍ ثُمَّ تُوزَنُ ، وَرَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الَّذِي يُوزَنُ الصَّحَائِفُ الَّتِي تُكْتَبُ فِيهَا الْأَعْمَالُ ، وَنَقَلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : تُوزَنُ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ ، قَالَ : فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالصُّحُفُ أَجْسَامٌ فَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ ، وَيُقَوِّيهِ حَدِيثُ الْبِطَاقَةِ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ، وَفِيهِ فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ انْتَهَى . وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَعْمَالَ هِيَ الَّتِي تُوزَنُ ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَثْقَلُ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ تُوضَعُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُوزَنُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ دَخَلَ النَّارَ ، قِيلَ : فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؟ قَالَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ . أَخْرَجَهُ خَيْثَمَةُ فِي فَوَائِدِهِ ، وَعِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ مَوْقُوفًا ، وَأَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنْ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا أَنَّ صَاحِبَ الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْقِسْطَاسُ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ قَالَ : هُوَ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ بِالْمِيزَانِ ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ مِثْلَهُ وَزَادَ : وَهُوَ رُومِيٌّ عُرِّبَ ، وَيُقَالُ : قِسْطَارٌ بِالرَّاءِ آخِرَهُ بَدَلَ السِّينِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ : الْقِسْطَاسُ أَعْدَلُ الْمَوَازِينِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِضَمِّهَا وَقُرِئَ بِهِمَا فِي الْمَشْهُورِ . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ : الْقِسْطُ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ وَهُوَ الْعَادِلُ ، وَأَمَّا الْقَاسِطُ فَهُوَ الْجَائِرُ ) قَالَ الْفَرَّاءُ : الْقَاسِطُونَ الْجَائِرُونَ ، وَالْمُقْسِطُونَ الْعَادِلُونَ ، وَقَالَ الرَّاغِبُ : الْقِسْطُ النَّصِيبُ بِالْعَدْلِ كَالنِّصْفِ وَالنَّصَفَةِ وَالْقَسْطُ بِفَتْحِ الْقَافِ أَنْ يَأْخُذَ قِسْطَ غَيْرِهِ ، وَذَلِكَ جَوْرٌ ، وَالْإِقْسَاطُ أَنْ يُعْطِيَ غَيْرَهُ قِسْطَهُ وَذَلِكَ إِنْصَافٌ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ قَسَطَ إِذَا جَارَ وَأَقْسَطَ إِذَا عَدَلَ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ : الْقِسْطُ النَّصِيبُ إِذَا تَقَاسَمُوهُ بِالسَّوِيَّةِ ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مُتَعَقِّبًا عَلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ : الْقِسْطُ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ مَا نَصُّهُ : الْقِسْطُ الْعَدْلُ وَمَصْدَرُ الْمُقْسِطِ الْإِقْسَاطُ ، يُقَالُ : أَقْسَطَ إِذَا عَدَلَ وَقَسَطَ إِذَا جَارَ وَيَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى مُتَقَارِبٍ ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ : عَدَلَ عَنْ كَذَا إِذَا مَالَ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ قَسَطَ إِذْا عَدَلَ عَنِ الْحَقِّ ، وَأَقْسَطَ كَأَنَّهُ لَزِمَ الْقِسْطَ وَهُوَ الْعَدْلُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ ، انْتَهَى . وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَسْتَشْهِدَ لِلْمَعْنَى بِالْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَهِيَ فِي الْمَائِدَةِ وَفِي الْحُجُرَاتِ ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ فِي ذِكْرِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يَنْزِلُ حَكَمًا مُقْسِطًا وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُقْسِطُ ، قَالَ الْحَلِيمِيُّ هُوَ الْمُعْطِي عِبَادَهُ الْقِسْطَ وَهُوَ الْعَدْلُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ الْمُعْطِي لِكُلٍّ مِنْهُمْ قِسْطًا مِنْ خَيْرِهِ ، وَقَوْلُهُ : كَأَنَّهُ لَزِمَ الْقِسْطَ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْهَمْزَةَ فِيهِ لِلسَّلْبِ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ ، وَذَكَرَ ابْنُ الْقَطَّاعِ أَنَّ قَسَطَ مِنَ الْأَضْدَادِ ، وَقَدْ أَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنِ اعْتِرَاضِ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ فَقَالَ : أَرَادَ بِالْمَصْدَرِ مَا حُذِفَتْ زَوَائِدُهُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ : وَإِنْ أَهْلِكْ فَذَلِكَ حِينَ قَدْرِي أَيْ تَقْدِيرِي فَرَدَّهُ إِلَى أَصْلِهِ ، وَإِنَّمَا تَحْذِفُ الْعَرَبُ الزَّوَائِدَ لِتَرُدَّ الْكَلِمَةَ إِلَى أَصْلِهَا ، وَأَمَّا الْمَصْدَرُ الْمُقْسِطُ الْجَارِي عَلَى فِعْلِهِ فَهُوَ الْإِقْسَاطُ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ الْمُرَادُ بِالْمَصْدَرِ الْمَحْذُوفُ الزَّوَائِدِ نَظَرًا إِلَى أَصْلِهِ ، فَهُوَ مَصْدَرُ مَصْدَرِهِ إِذْ لَا خَفَاءَ أَنَّ الْمَصْدَرَ الْجَارِيَ عَلَى فِعْلِهِ هُوَ الْإِقْسَاطُ ، فَإِنْ قِيلَ : الْمَزِيدُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ ؟ قُلْتُ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقِسْطِ بِالْكَسْرِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقَسْطِ بِالْفَتْحِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْجَوْرِ وَالْهَمْزَةُ لِلسَّلْبِ وَالْإِزَالَةِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ ؛ لِأَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ وَقِيلَ : بَلْ عَرَبِيٌّ فَيَنْصَرِفُ وَهُوَ لَقَبٌ ، وَاسْمُهُ مَجْمَعٌ ، وَقِيلَ مَعْمَرٌ ، وَقِيلَ عُبَيْدُ اللَّهِ ، وَكُنْيَةُ أَحْمَدَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الصَّفَّارُ الْحَضْرَمِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : آخِرُ مَا لَقِيتُهُ بِمِصْرَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَأَرَّخَ ابْنُ حِبَّانَ وَفَاتَهُ فِيهَا ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ : مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانَ عَشْرَةَ . قُلْتُ : وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ إِشْكَابٍ وَلَا مُحَمَّدِ بْنِ إِشْكَابٍ قَرَابَةٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ) أَيِ ابْنِ غَزْوَانَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ وَفِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِهِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . قُلْتُ : وَجْهُ الْغَرَابَةِ فِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ تَفَرُّدِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ وَشَيْخِهِ وَشَيْخِ شَيْخِهِ وَصَاحِبَيْهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عُمَارَةَ ) فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ . قَوْلُهُ : ( كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِتَقْدِيمِ حَبِيبَتَانِ وَتَأْخِيرِ ثَقِيلَتَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ وَفِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ بِتَقْدِيمِ خَفِيفَتَانِ وَتَأْخِيرِ حَبِيبَتَانِ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبِي كُرَيْبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ طَرِيفٍ وَكَذَا عِنْدَ الْبَاقِينَ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَمَنْ سَيَأْتِي عَنْ شُيُوخِهِمْ ، وَفِي قَوْلِهِ كَلِمَتَانِ إِطْلَاقُ كَلِمَةٍ عَلَى الْكَلَامِ وَهُوَ مِثْلُ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ ، وَقَوْلُهُ كَلِمَتَانِ هُوَ الْخَبَرُ وَ حَبِيبَتَانِ وَمَا بَعْدَهَا صِفَةٌ وَالْمُبْتَدَأُ سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَى آخِرِهِ ، وَالنُّكْتَةُ فِي تَقْدِيمِ الْخَبَرِ تَشْوِيقُ السَّامِعِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ وَكُلَّمَا طَالَ الْكَلَامُ فِي وَصْفِ الْخَبَرِ حَسُنَ تَقْدِيمُهُ ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ تَزِيدُ السَّامِعَ شَوْقًا ، وَقَوْلُهُ حَبِيبَتَانِ أَيْ مَحْبُوبَتَانِ ، وَالْمَعْنَى : مَحْبُوبٌ قَائِلُهُمَا ، وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ وَقَوْلُهُ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ هُوَ مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ ؛ لِأَنَّهُ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ : وَأَنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُوزَنُ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : فَإِنْ قِيلَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مَوْصُوفُهُ مَعَهُ ، فَلِمَ عَدَلَ عَنِ التَّذْكِيرِ إِلَى التَّأْنِيثِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَا وَاجِبٌ وَأَيْضًا فَهُوَ فِي الْمُفْرَدِ لَا الْمُثَنَّى سَلَّمْنَا لَكِنْ أَنَّثَ لِمُنَاسَبَةِ الثَّقِيلَتَيْنِ وَالْخَفِيفَتَيْنِ ، أَوْ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْفَاعِلِ لَا الْمَفْعُولِ وَالتَّاءُ لِنَقْلِ اللَّفْظَةِ مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ لَكِنَّهُ مُتَوَقَّعٌ كَمَنْ يَقُولُ : خُذْ ذَبِيحَتَكَ لِلشَّاةِ الَّتِي لَمْ تُذْبَحْ ، فَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهَا الْفِعْلُ فَهِيَ ذَبِيحٌ حَقِيقَةً ، وَخَصَّ لَفْظَ الرَّحْمَنِ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْحَدِيثِ بَيَانُ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ حَيْثُ يُجَازِي عَلَى الْعَمَلِ الْقَلِيلِ بِالثَّوَابِ الْكَثِيرِ . قَوْلُهُ : ( خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ ) وَصَفَهُمَا بِالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ لِبَيَانِ قِلَّةِ الْعَمَلِ وَكَثْرَةِ الثَّوَابِ ، وَفِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ سَجْعٌ مُسْتَعْذَبٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ بَيَانُ الْجَائِزِ مِنْهُ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَكَذَا فِي الْحُدُودِ فِي حَدِيثِ سَجْعٌ كَسَجْعِ الْكُهَّانِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَا كَانَ مُتَكَلَّفًا أَوْ مُتَضَمِّنًا لِبَاطِلٍ لَا مَا جَاءَ عَفْوًا عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهِ ، وَقَوْلُهُ خَفِيفَتَانِ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قِلَّةِ كَلَامِهِمَا وَأَحْرُفِهِمَا وَرَشَاقَتِهِمَا ، قَالَ الطِّيبِيُّ : الْخِفَّةُ مُسْتَعَارَةٌ لِلسُّهُولَةِ وَشَبَّهَ سُهُولَةَ جَرَيَانِهَا عَلَى اللِّسَانِ بِمَا خَفَّ عَلَى الْحَامِلِ مِنْ بَعْضِ الْأَمْتِعَةِ فَلَا تُتْعِبُهُ كَالشَّيْءِ الثَّقِيلِ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَائِرَ التَّكَالِيفِ صَعْبَةٌ شَاقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ ثَقِيلَةٌ وَهَذِهِ سَهْلَةٌ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهَا تُثْقِلُ الْمِيزَانَ كَثِقَلِ الشَّاقِّ مِنَ التَّكَالِيفِ ، وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ السَّلَفِ عَنْ سَبَبِ ثِقَلِ الْحَسَنَةِ وَخِفَّةِ السَّيِّئَةِ ؟ فَقَالَ : لِأَنَّ الْحَسَنَةَ حَضَرَتْ مَرَارَتُهَا وَغَابَتْ حَلَاوَتُهَا فَثَقُلَتْ فَلَا يَحْمِلَنَّكَ ثِقَلُهَا عَلَى تَرْكِهَا ، وَالسَّيِّئَةُ حَضَرَتْ حَلَاوَتُهَا وَغَابَتْ مَرَارَتُهَا فَلِذَلِكَ خَفَّتْ فَلَا يَحْمِلَنَّكَ خِفَّتُهَا عَلَى ارْتِكَابِهَا . قَوْلُهُ : ( سُبْحَانَ اللَّهِ ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي بَابِ فَضْلِ التَّسْبِيحِ مِنْ كِتَابِ الدَّعَوَاتِ . قَوْلُهُ : ( وَبِحَمْدِهِ ) قِيلَ : الْوَاوُ لِلْحَالِ ، وَالتَّقْدِيرُ : أُسَبِّحُ اللَّهَ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِي لَهُ مِنْ أَجْلِ تَوْفِيقِهِ ، وَقِيلَ : عَاطِفَةٌ وَالتَّقْدِيرُ أُسَبِّحُ اللَّهَ وَأَتَلَبَّسُ بِحَمْدِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحَمْدُ مُضَافًا لِلْفَاعِلِ ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْحَمْدِ لَازِمُهُ أَوْ مَا يُوجِبُ الْحَمْدَ مِنَ التَّوْفِيقِ وَنَحْوِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ مُتَقَدِّمٍ ، وَالتَّقْدِيرُ : وَأُثْنِي عَلَيْهِ بِحَمْدِهِ فَيَكُونُ سُبْحَانَ اللَّهِ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً وَ بِحَمْدِهِ جُمْلَةً أُخْرَى ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي حَدِيثِ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ ، أَيْ بِقُوَّتِكَ الَّتِي هِيَ نِعْمَةٌ تُوجِبُ عَلَيَّ حَمْدَكَ سَبَّحْتُكَ لَا بِحَوْلِي وَبِقُوَّتِي ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا أُقِيمَ فِيهِ السَّبَبُ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ ، وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَلَى ثُبُوتِ وَبِحَمْدِهِ ، إِلَّا أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْهُ لَمْ يَقُلْ أَكْثَرُهُمْ وَبِحَمْدِهِ . قُلْتُ : وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ بَقِيَّةِ مَنْ سَمَّيْتُ مِنْ شُيُوخِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِيسَى وَالنَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ آدَمَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمُنْذِرِ وَأَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ الْأَحْمَسِيِّ ، وَابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ كَأَنَّهَا سَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ وَالْحُسَيْنِ . قَوْلُهُ : ( سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ ) هَكَذَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ بِتَقْدِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَلَى سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَتَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ بِتَقْدِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ عَلَى سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ وَكَذَا عِنْدَ جَمِيعِ مَنْ سَمَّيْتُهُ قَبْلُ ، وَقَدْ وَقَعَ لِي بِعُلُوٍّ فِي كِتَابِ الدُّعَاءِ لِمُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْهُ بِثُبُوتِ وَبِحَمْدِهِ وَتَقْدِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هَذِهِ الْفَضَائِلُ الْوَارِدَةُ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ إِنَّمَا هِيَ لِأَهْلِ الشَّرَفِ فِي الدِّينِ وَالْكَمَالِ كَالطَّهَارَةِ مِنَ الْحَرَامِ وَالْمَعَاصِي الْعِظَامِ ، فَلَا تَظُنَّ أَنَّ مَنْ أَدْمَنَ الذِّكْرَ وَأَصَرَّ عَلَى مَا شَاءَهُ مِنْ شَهَوَاتِهِ وَانْتَهَكَ دِينَ اللَّهِ وَحُرُمَاتِهِ أَنَّهُ يَلْتَحِقُ بِالْمُطَهَّرِينَ الْمُقَدَّسِينَ وَيَبْلُغُ مَنَازِلَهُمْ بِكَلَامٍ أَجْرَاهُ عَلَى لِسَانِهِ لَيْسَ مَعَهُ تَقْوَى وَلَا عَمَلٌ صَالِحٌ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : صِفَاتُ اللَّهِ وُجُودِيَّةٌ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَهِيَ صِفَاتُ الْإِكْرَامِ ، وَعَدَمِيَّةٌ كَلَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا مِثْلَ لَهُ وَهِيَ صِفَاتُ الْجَلَالِ ، فَالتَّسْبِيحُ إِشَارَةٌ إِلَى صِفَاتِ الْجَلَالِ ، وَالتَّحْمِيدُ إِشَارَةٌ إِلَى صِفَاتِ الْإِكْرَامِ ، وَتَرْكُ التَّقْيِيدِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ ، وَالْمَعْنَى أُنَزِّهُهُ عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ وَأَحْمَدُهُ بِجَمِيعِ الْكَمَالَاتِ ، قَالَ : وَالنَّظْمُ الطَّبِيعِيُّ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ التَّحْلِيَةِ عَلَى التَّخْلِيَةِ ، فَقَدَّمَ التَّسْبِيحَ الدَّالَّ عَلَى التَّخَلِّي عَلَى التَّحْمِيدِ الدَّالِّ عَلَى التَّحَلِّي ، وَقَدَّمَ لَفْظَ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ الْجَامِعُ لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى ، وَوَصَفَهُ بِالْعَظِيمِ ؛ لِأَنَّهُ الشَّامِلُ لِسَلْبِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ وَإِثْبَاتِ مَا يَلِيقُ بِهِ إِذِ الْعَظَمَةُ الْكَامِلَةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِعَدَمِ النَّظِيرِ وَالْمَثِيلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَكَذَا الْعِلْمُ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى جَمِيعِ الْمَقْدُورَاتِ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَذَكَرَ التَّسْبِيحَ مُتَلَبِّسًا بِالْحَمْدِ لِيُعْلَمَ ثُبُوتُ الْكَمَالِ لَهُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَكَرَّرَهُ تَأْكِيدًا وَلِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِشَأْنِ التَّنْزِيهِ أَكْثَرُ مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ الْمُخَالِفِينَ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ نَحْوِ سُبْحَانَ ، وسَبِّحْ بِلَفْظِ الْأَمْرِ ، وسَبَّحَ بِلَفْظِ الْمَاضِي ، ويُسَبِّحُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ ، وَلِأَنَّ التَّنْزِيهَاتِ تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ بِخِلَافِ الْكَمَالَاتِ فَإِنَّهَا تَقْصُرُ عَنْ إِدْرَاكِ حَقَائِقِهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ : الْحَقَائِقُ الْإِلَهِيَّةُ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِطَرِيقِ السَّلْبِ كَمَا فِي الْعِلْمِ لَا يُدْرَكُ مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِجَاهِلٍ ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ عِلْمِهِ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ ، وَقَالَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى مُنَاسَبَةِ أَبْوَابِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ الَّذِي نَقَلْتُهُ عَنْهُ فِي أَوَاخِرِ الْمُقَدَّمَةِ : لَمَّا كَانَ أَصْلُ الْعِصْمَةِ أَوَّلًا وَآخِرًا هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ فَخَتَمَ بِكِتَابِ التَّوْحِيدِ ، وَكَانَ آخِرُ الْأُمُورِ الَّتِي يَظْهَرُ بِهَا الْمُفْلِحُ مِنَ الْخَاسِرِ ثِقَلَ الْمَوَازِينِ وَخِفَّتَهَا فَجَعَلَهُ آخِرَ تَرَاجِمِ الْكِتَابِ ، فَبَدَأَ بِحَدِيثِ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا ، وَخَتَمَ بِأَنَّ الْأَعْمَالَ تُوزَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَثْقُلُ مِنْهَا مَا كَانَ بِالنِّيَّةِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ تَرْغِيبٌ وَتَخْفِيفٌ وَحَثٌّ عَلَى الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ لِمَحَبَّةِ الرَّحْمَنِ لَهُ وَالْخِفَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَمَلِ وَالثِّقَلِ بِالنِّسْبَةِ لِإِظْهَارِ الثَّوَابِ ، وَجَاءَ تَرْتِيبُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أُسْلُوبٍ عَظِيمٍ وَهُوَ أَنَّ حُبَّ الرَّبِّ سَابِقٌ وَذِكْرَ الْعَبْدِ وَخِفَّةَ الذِّكْرِ عَلَى لِسَانِهِ تَالٍ ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا فِيهِمَا مِنَ الثَّوَابِ الْعَظِيمِ النَّافِعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ بَيَانُ تَرْتِيبِ أَبْوَابِ الْكِتَابِ وَأَنَّ الْخَتْمَ بِمَبَاحِثِ كَلَامِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ مَدَارُ الْوَحْيِ ، وَبِهِ تَثْبُتُ الشَّرَائِعُ وَلِهَذَا افْتَتَحَ بِبَدْءِ الْوَحْيِ وَالِانْتِهَاءُ إِلَى مَا مِنْهُ الِابْتِدَاءُ وَنِعْمَ الْخَتْمُ بِهَا ، وَلَكِنَّ ذِكْرَ هَذَا الْبَابِ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ بَلْ هُوَ لِإِرَادَةِ أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْكَلَامِ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ ، كَمَا أَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيثَ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ لِإِرَادَةِ بَيَانِ إِخْلَاصِهِ فِيهِ كَذَا قَالَ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ قَصَدَ خَتْمَ كِتَابِهِ بِمَا دَلَّ عَلَى وَزْنِ الْأَعْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ آثَارِ التَّكْلِيفِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْوَزْنِ إِلَّا الِاسْتِقْرَارُ فِي أَحَدِ الدَّارَيْنِ إِلَى أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ إِخْرَاجَ مَنْ قَضَى بِتَعْذِيبِهِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَأَشَارَ أَيْضًا إِلَى أَنَّهُ وَضَعَ كِتَابَهُ قِسْطَاسًا وَمِيزَانًا يُرْجَعُ إِلَيْهِ ، وَأَنَّهُ سَهْلٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي حَالَتَيْهِ أَوَّلًا وَآخِرًا ، تَقَبَّلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ وَجَزَاهُ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ . قُلْتُ : وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ : الْحَثُّ عَلَى إِدَامَةِ هَذَا الذِّكْرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ فَضْلِ التَّسْبِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ آخَرُ لَفْظُهُ : مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ وَحْدَهَا فَإِذَا انْضَمَّتْ إِلَيْهَا الْكَلِمَةُ الْأُخْرَى فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا تُفِيدُ تَحْصِيلَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ الْمُنَاسِبِ لَهَا ، كَمَا أَنَّ مَنْ قَالَ الْكَلِمَةَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَهُ خَطَايَا مَثَلًا فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ مَا يُوَازِنُ ذَلِكَ ، وَفِيهِ إِيرَادُ الْحُكْمِ الْمُرَغَّبِ فِي فِعْلِهِ بِلَفْظِ الْخَبَرِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِمُلَازَمَةِ الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ ، وَفِيهِ تَقْدِيمُ الْمُبْتَدَأِ عَلَى الْخَبَرِ كَمَا مَضَى فِي قَوْلِهِ كَلِمَتَانِ وَفِيهِ مِنَ الْبَدِيعِ : الْمُقَابَلَةُ وَالْمُنَاسَبَةُ وَالْمُوَازَنَةُ فِي السَّجْعِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ وَلَمْ يَقُلْ : لِلرَّحْمَنِ ؛ لِمُوَازَنَةِ قَوْلِهِ : عَلَى اللِّسَانِ وَعَدَّى كُلًّا مِنَ الثَّلَاثَةِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ ، وَفِيهِ إِشَارَةُ امْتِثَالِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ أَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ الْكَلَامِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ، قَالَ : مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ ، سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ · ص 547 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى ونضع الموازين القسط · ص 201 باب قول الله تعالى : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ أي : هذا باب في قول الله عز وجل : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ وفي رواية أبي ذر ليوم القيامة أي : في يومها ، والموازين جمع ميزان ، وأصله موزان قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ، والقسط مصدر يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع أي : تضع الموازين العادلات قيل : ثمة ميزان واحد يوزن به الحسنات ، وأجيب بأنه جمع باعتبار العباد ، وأنواع الموزونات وقال الزجاج : أي نضع الموازين ذوات القسط . قال أهل السنة : إنه جسم محسوس ذو لسان وكفتين ، والله تعالى يجعل الأعمال والأقوال كالأعيان موزونة أو توزن صحفها ، وقيل : ميزان كميزان الشعر ، وفائدته إظهار العدل ، والمبالغة في الإنصاف والإلزام قطعا لأعذار العباد . وأن أعمال بني آدم وقولهم يوزن قد ذكروا أن الأعمال والأقوال تتجسد بإذن الله تعالى فتوزن ، أو توزن الصحائف التي فيها الأعمال . وقال مجاهد : القسطاط العدل بالرومية أي : قال مجاهد في قوله تعالى : وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وهو بضم القاف وكسرها العدل بلغة أهل الروم وهو من توافق اللغتين . ويقال : القسط مصدر المقسط وهو العادل ، وأما القاسط فهو الجائر اعترض الإسماعيلي على البخاري في قوله : القسط مصدر المقسط ومصدر المقسط الإقساط يقال : أقسط إذا عدل وقسط إذا جار . وقال الكرماني : المصدر المحذوف الزوائد نظرا إلى أصله ، قلت : هذا ليس بكاف في الجواب . 187 - حدثنا أحمد بن إشكاب ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن عمارة بن القعقاع ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ، خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم . ختم البخاري كتابه بالتسبيح والتحميد كما بدأ أوله بحديث النية عملا به . وأبو زرعة اسمه هرم ، ومر رجاله عن قريب . وقد مضى الحديث في الدعوات عن زهير بن حرب ، وفي الأيمان والنذور عن قتيبة ، وهنا رواه عن أحمد بن إشكاب بكسر الهمزة وفتحها وسكون الشين المعجمة وبالكاف وبالباء الموحدة غير منصرف ، وقيل : هو منصرف أبو عبد الله الصفار الكوفي ، سكن مصر ويقال : أحمد بن ميمون بن إشكاب ، ويقال : أحمد بن عبد الله بن إشكاب ، ويقال : اسم إشكاب مجمع ، مات سنة تسع عشر ومائتين وهو من أفراده . قوله : كلمتان أي : كلامان وتطلق الكلمة عليه كما يقال كلمة الشهادة . قوله : حبيبتان أي : محبوبتان يعني بمعنى المفعول لا الفاعل ، والمراد محبوبية قائلهما ، ومحبة الله للعبد إرادة إيصال الخير إليه والتكريم قيل : ما وجه لحوق علامة التأنيث والفعيل إذا كان بمعنى المفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث ؟ فأجيب بأن التسوية جائزة لا واجبة ، ووجوبها في المفرد لا في المثنى ، أو أن هذه التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية . قوله : إلى الرحمن تخصيص لفظ الرحمن من بين سائر الأسماء الحسنى؛ لأن القصد من الحديث بيان سعة رحمة الله تعالى على عباده حيث يجازي على الفعل القليل بالثواب الكثير ، ولا يقال : إنه سجع؛ لأن المنهي سجع الكهان . قوله : سبحان مصدر لازم النصب بإضمار الفعل ، وقال الزمخشري : سبحان علم للتسبيح كعثمان علم للرجل قيل : سبحان واجب الإضافة ، فكيف الجمع بين الإضافة والعلمية ؟ وأجيب بأنه ينكر ثم يضاف ، ومعنى التسبيح التنزيه يعني أنزه الله تنزيها عما لا يليق به . قوله : وبحمده الواو للحال أي : أسبحه ملتبسا بحمدي له من أجل توفيقه لي للتسبيح ونحوه ، أو لعطف الجملة على الجملة أي : أسبح وألتبس بحمده ، والحمد هو الثناء بالجميل على وجه التفضيل ، وتكرار التسبيح للإشعار بتنزيهه على الإطلاق . والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما . فرغت يمين مؤلفه ومسطره العبد الفقير إلى رحمة ربه الغني أبو محمد محمود بن أحمد العيني من تأليف هذا الجزء وتسطيره الحادي والعشرين من عمدة القاري في شرح البخاري ، الذي به كمل الشرح بتوفيق الله وعونه ولطفه وكرمه في آخر الثلث الأول من ليلة السبت الخامس من شهر جمادى الأولى عام سبعة وأربعين وثمانمائة من الهجرة النبوية في داره التي مقابلة مدرسته البدرية في حارة كتامة بالقرب من الجامع الأزهر ، وكان ابتداء شروعي في تأليفه في آخر شهر رجب الأصم الأصب سنة عشرين وثمانمائة ، وفرغت من الجزء الأول يوم الاثنين السادس عشر من شهر ذي الحجة الحرام سنة عشرين وثمانمائة ، وفرغت من الجزء الثاني نهار الثلاثاء السابع من شهر جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثمانمائة ، وفرغت من الجزء الثالث يوم الجمعة الثامن من جمادى الأولى سنة ثلاثة وثلاثين وثمانمائة ، بعد أن مكثت فيه نصف سنة ، وكان الخلو بين الثاني والثالث مقدار ستة عشر سنة وأكثر ، وفرغت من الرابع يوم الثلاثاء التاسع من ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وثمانمائة ، ثم استمريت في الكتابة والتأليف إلى التاريخ المذكور في الحادي والعشرين ، وكانت مدة مكثي في التأليف مقدار عشر سنين مع تخلل أيام كثيرة فيها . والحمد لله تعالى على هذه النعمة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .