4 - بَاب قَوْلِ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا أو أَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ : كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ : حَدَّثَنَا ، وَأَخْبَرَنَا ، وَأَنْبَأَنَا ، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ وَقَالَ شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَةً وَقَالَ حُذَيْفَةُ : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ، وَقَالَ أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ 61 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا ، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ ، ثم قالوا : حَدِّثْنَا مَا هِيَ يا رسول الله ؟ قَالَ : هِيَ النَّخْلَةُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّهُ بَنَى كِتَابَهُ عَلَى الْمُسْنَدَاتِ الْمَرْوِيَّاتِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قُلْتُ : وَمُرَادُهُ : هَلْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَمْ لَا ؟ وَإِيرَادُهُ قَوْلَ ابْنِ عُيَيْنَةَ دُونَ غَيْرِهِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَارُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ : وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ : وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ ، فَهُوَ مُتَّصِلٌ . وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ قَوْلُهُ : وَأَنْبَأَنَا وَمِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ قَوْلُهُ : أَخْبَرَنَا وَثَبَتَ الْجَمِيعُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ) هَذَا التَّعْلِيقُ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي خَلْقِ الْجَنِينِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ شَقِيقٌ ) هُوَ أَبُو وَائِلٍ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، سَيَأْتِي مَوْصُولًا أَيْضًا حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ ، وَيَأْتِي أَيْضًا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ . وَمُرَادُهُ مِنْ هَذِهِ التَّعَالِيقِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ قَالَ تَارَةً حَدَّثَنَا وَتَارَةً سَمِعْتُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الصِّيَغِ . وَأَمَّا أَحَادِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي رِوَايَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَبِّهِ فَقَدْ وَصَلَهَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ ، وَأَرَادَ بِذِكْرِهَا هُنَا التَّنْبِيهَ عَلَى الْعَنْعَنَةِ ، وَأَنَّ حُكْمَهَا الْوَصْلُ عِنْدَ ثُبُوتِ اللُّقِيِّ ، وَأَشَارَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَشِيدٍ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا هِيَ عَنْ رَبِّهِ سَوَاءٌ صَرَّحَ الصَّحَابِيُّ بِذَلِكَ أَمْ لَا ، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَنْ رَبِّهِ وَلَكِنَّهُ اخْتِصَارٌ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّقْدِيرِ . قُلْتُ : وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ مَا كَانَ ذَلِكَ سَبِيلَهُ صِحَّةُ الِاحْتِجَاجِ بِمَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّ الْوَاسِطَةَ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ رَبِّهِ فِيمَا لَمْ يُكَلِّمْهُ بِهِ مِثْلُ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ جِبْرِيلٌ ، وهو مَقْبُولٌ قَطْعًا ، وَالْوَاسِطَةُ بَيْنَ الصَّحَابِيِّ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقْبُولٌ اتِّفَاقًا ، وهو صَحَابِيٌّ آخَرُ ، وَهَذَا فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ دُونَ غَيْرِهَا ، فَإِنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ رُبَّمَا حَمَلَهَا عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ مِثْلَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ . ( تَنْبِيهٌ ) : أَبُو الْعَالِيَةِ الْمَذْكُورُ هُنَا هُوَ الرِّيَاحِيُّ بِالْيَاءِ الْأَخِيرَةِ ، واسمه رُفَيْعٌ بِضَمِّ الرَّاءِ . مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الْبَرَّاءُ بِالرَّاءِ الثَّقِيلَةِ فَقَدْ وَهَمَ ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مَعْرُوفٌ بِرِوَايَةِ الرِّيَاحِيِّ دُونَهُ . فَإِنْ قِيلَ : فَمِنْ أَيْنَ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِلتَّرْجَمَةِ ، وَمُحَصَّلُ التَّرْجَمَةِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ صِيَغِ الْأَدَاءِ الصَّرِيحَةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَفَادُ مِنِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ إِذَا اجْتَمَعَتْ طُرُقُهُ ، فَإِنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ فَحَدَّثُونِي مَا هِيَ وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي التَّفْسِيرِ أَخْبَرُونِي وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : أَنْبَؤُنِي وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ حَدَّثُونِي مَا هِيَ وَقَالَ فِيهَا فَقَالُوا أَخْبَرَنَا بِهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّحْدِيثَ وَالْإِخْبَارَ وَالْإِنْبَاءَ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللُّغَةِ ، وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاصْطِلَاحِ فَفِيهِ الْخِلَافُ : فَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى أَصْلِ اللُّغَةِ ، وَهَذَا رَأْيُ الزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ وَأَكْثَرِ الْحِجَازِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ ، وَعَلَيْهِ اسْتَمَرَّ عَمَلُ الْمَغَارِبَةِ ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ . وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى إِطْلَاقَ ذَلِكَ حَيْثُ يَقْرَأُ الشَّيْخُ مِنْ لَفْظِهِ وَتَقْيِيدِهِ حَيْثُ يُقْرَأُ عَلَيْهِ ، وهو مَذْهَبُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ حِبَّانَ ، وَابْنِ مَنْدَهْ وَغَيْرِهِمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الصِّيَغِ بِحَسَبِ افْتِرَاقِ التَّحَمُّلِ : فَيَخُصُّونَ التَّحْدِيثَ بِمَا يَلْفِظُ بِهِ الشَّيْخُ ، وَالْإِخْبَارُ بِمَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ وَهْبٍ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ . ثُمَّ أَحْدَثَ أَتْبَاعُهُمْ تَفْصِيلًا آخَرَ : فَمَنْ سَمِعَ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ أَفْرَدَ فَقَالَ حَدَّثَنِي وَمَنْ سَمِعَ مَعَ غَيْرِهِ جَمَعَ ، وَمَنْ قَرَأَ بِنَفْسِهِ عَلَى الشَّيْخِ أَفْرَدَ فَقَالَ أَخْبَرَنِي ، وَمَنْ سَمِعَ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ جَمَعَ . وَكَذَا خَصَّصُوا الْإِنْبَاءَ بِالْإِجَازَةِ الَّتِي يُشَافِهُ بِهَا الشَّيْخُ مَنْ يُجِيزُهُ ، وكُلُّ هَذَا مُسْتَحْسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَهُمْ ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا التَّمْيِيزَ بَيْنَ أَحْوَالِ التَّحَمُّلِ . وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ : فَتَكَلَّفُوا فِي الِاحْتِجَاجِ لَهُ وَعَلَيْهِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ . نَعَمْ يَحْتَاجُ الْمُتَأَخِّرُونَ إِلَى مُرَاعَاةِ الِاصْطِلَاحِ الْمَذْكُورِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ ; لِأَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً عِنْدَهُمْ ، فَمَنْ تَجَوَّزَ عَنْهَا احْتَاجَ إِلَى الْإِتْيَانِ بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى مُرَادِهِ ، وَإِلَّا فَلَا يُؤْمَنُ اخْتِلَاطُ الْمَسْمُوعِ بِالْمَجَازِ بَعْدَ تَقْرِيرِ الِاصْطِلَاحِ ، فَيُحْمَلُ مَا يَرِدُ مِنَ أَلْفَاظِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى مَحْمَلٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ الْمُتَأَخِّرِينَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ قَالَ : صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ وَقَالَ : إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ . وَلَهُ عَنْهُ فِي الْبُيُوعِ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يَأْكُلُ جُمَّارًا . قَوْلُهُ : ( لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا ، وَإِنَّهَا مِثْلُ الْمُسْلِمِ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِكَسْرِ مِيمِ مِثْلِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةِ بِفَتْحِهَا وَهُمَا بِمَعْنًى ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : مِثْلُهُ وَمَثَلُهُ كَلِمَةُ تَسْوِيَةٍ كَمَا يُقَالُ شِبْهُهُ وَشَبَهُهُ بِمَعْنًى ، قَالَ : وَالْمَثَلُ بِالتَّحْرِيكِ أَيْضًا مَا يُضْرَبُ مِنَ الْأَمْثَالِ ، انْتَهَى . وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ النَّخْلَةِ وَالْمُسْلِمِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ سُقُوطِ الْوَرَقِ مَا رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَفْظُهُ : قَالَ : كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ : إِنَّ مِثْلَ الْمُؤْمِنِ كَمِثْلِ شَجَرَةِ لَا تَسْقُطُ لَهَا أُنْمُلَةٌ ، أَتَدْرُونَ مَا هِيَ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : هِيَ النَّخْلَةُ ، لَا تَسْقُطُ لَهَا أُنْمُلَةٌ ، وَلَا تَسْقُطُ لِمُؤْمِنٍ دَعْوَةٌ . وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ أُتِيَ بِجُمَّارٍ ، فَقَالَ : إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا أَعَمُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَبَرَكَةُ النَّخْلَةِ مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهَا ، مُسْتَمِرَّةٌ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا ، فَمِنْ حِينِ تَطْلُعُ إِلَى أَنْ تَيْبَسَ تُؤْكَلُ أَنْوَاعًا ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُنْتَفَعُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا ، حَتَّى النَّوَى فِي عَلْفِ الدَّوَابِّ وَاللِّيفِ فِي الْحِبَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى ، وَكَذَلِكَ بَرَكَةُ الْمُسْلِمِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، وَنَفْعُهُ مُسْتَمِرٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ حَتَّى بَعْدَ مَوْتِهِ . وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا وَلَا وَلَا وَلَا كَذَا ذَكَرَ النَّفْيَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى طَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ ، فَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ : وَلَا يَنْقَطِعُ ثَمَرُهَا وَلَا يُعْدَمُ فَيْؤُهَا وَلَا يَبْطُلُ نَفْعُهَا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ذِكْرُ النَّفْيِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَظَنَّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ الرَّاوِي عَنْهُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ ، وهو قَوْلُهُ : تُؤْتِي أُكُلَهَا فَاسْتَشْكَلَهُ وَقَالَ : لَعَلَّ لَا زَائِدَةٌ وَلَعَلَّهُ وَتُؤْتِي أُكُلَهَا ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ، بَلْ مَعْمُولُ النَّفْيِ مَحْذُوفٌ عَلَى سَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ كَمَا بَيَّنَّاهُ . وَقَوْلُهُ : تُؤْتِي ابْتِدَاءُ كَلَامٍ عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ لِمَا تَقَدَّمَ . وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِتَقْدِيمِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ عَلَى قَوْلِهِ : لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا فَسَلِمَ مِنَ الْإِشْكَالِ . قَوْلُهُ : ( فَوَقَعَ النَّاسُ ) أَيْ ذَهَبَتْ أَفْكَارُهُمْ فِي أَشْجَارِ الْبَادِيَةِ ، فَجَعَلَ كُلٌّ مِنْهُمْ يُفَسِّرُهَا بِنَوْعٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ وَذَهِلُوا عَنِ النَّخْلَةِ ، يُقَالُ وَقَعَ الطَّائِرُ عَلَى الشَّجَرَةِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الرَّاوِي . قَوْلُهُ : ( وَوَقَعَ فِي نَفْسِي ) بَيَّنَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجْهَ ذَلِكَ قَالَ : فَظَنَنْتُ أَنَّهَا النَّخْلَةُ مِنْ أَجْلِ الْجُمَّارِ الَّذِي أُتِيَ بِهِ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُلْغَزَ لَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَفَطَّنَ لِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الْوَاقِعَةِ عِنْدَ السُّؤَالِ ، وَأَنَّ الْمُلْغِزَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُبَالِغَ فِي التَّعْمِيَةِ بِحَيْثُ لَا يَجْعَلُ لِلْمُلْغَزِ بَابًا يَدْخُلُ مِنْهُ ، بَلْ كُلَّمَا قَرَّبَهُ كَانَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ سَامِعِهِ . قَوْلُهُ : ( فَاسْتَحْيَيْتُ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ فِي بَابِ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ ; فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ . وَلَهُ فِي الْأَطْعِمَةِ : فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ . وَفِي رِوَايَةِ نَافِعٍ : وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ ، فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِعُمَرَ : يَا أَبَتَاهُ . وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي بَابِ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي فَقَالَ : لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا وَكَذَا . زَادَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ : أَحْسَبُهُ قَالَ : حُمْرُ النَّعَمِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ امْتِحَانُ الْعَالِمِ أَذْهَانَ الطَّلَبَةِ بِمَا يَخْفَى مَعَ بَيَانِهِ لَهُمْ إِنْ لَمْ يَفْهَمُوهُ . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ - قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَحَدُ رُوَاتِهِ : هِيَ صِعَابُ الْمَسَائِلِ - فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا نَفْعَ فِيهِ ، أَوْ مَا خَرَجَ عَلَى سَبِيلِ تَعَنُّتِ الْمَسْئُولِ أَوْ تَعْجِيزِهِ ، وَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ بَابُ الْفَهْمِ فِي الْعِلْمِ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْحَيَاءِ مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى تَفْوِيتِ مَصْلَحَةٍ ، وَلِهَذَا تَمَنَّى عُمَرُ أَنْ يَكُونَ ابْنُهُ لَمْ يَسْكُتْ ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي الْعِلْمِ وَفِي الْأَدَبِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بَرَكَةِ النَّخْلَةِ وَمَا تُثْمِرُهُ ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا . وَفِيهِ دَلِيلٌ على أَنَّ بَيْعَ الْجُمَّارِ جَائِزٌ ; لِأَنَّ كُلَّ مَا جَازَ أَكْلُهُ جَازَ بَيْعُهُ ، وَلِهَذَا بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فِي الْبُيُوعِ . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ بَطَّالٍ لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَوْرَدَهُ عَقِبَ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : لَعَلَّ مُتَخَيِّلًا يَتَخَيَّلُ أَنَّ هَذَا مِنْ ذَاكَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَجْمِيرِ النَّخْلِ ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ فِي الْأَطْعِمَةِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ إِضَاعَةِ الْمَالِ . وَأَوْرَدَهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّجَرَةِ النَّخْلَةُ . وَقَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِيمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ : أَتَدْرُونَ مَا هِيَ ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ أَنَّهَا النَّخْلَةُ ، فَمَنَعَنِي أَنْ أَتَكَلَّمَ مَكَانُ سِنِّي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هِيَ النَّخْلَةُ . وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِالْجُمَّارِ فَشَرَعَ فِي أَكْلِهِ تَالِيًا لِلْآيَةِ قَائِلًا : إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً إِلَى آخِرِهِ . وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ يُخْبِرُنِي عَنْ شَجَرَةٍ مِثْلُهَا مِثْلُ الْمُؤْمِنِ ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وهو يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْبَزَّارِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فَوَقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَصْلَ دِينِ الْمُسْلِمِ ثَابِتٌ ، وَأَنَّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الْعُلُومِ وَالْخَيْرِ قُوتٌ لِلْأَرْوَاحِ مُسْتَطَابٌ ، وَأَنَّهُ لَا يَزَالُ مَسْتُورًا بِدِينِهِ ، وَأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِكُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ حَيًّا وَمَيِّتًا ، انْتَهَى . وَقَالَ غَيْرُهُ : وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ فَرْعِ الْمُؤْمِنِ فِي السَّمَاءِ رَفْعُ عَمَلِهِ وَقَبُولُهُ ، وَرَوَى الْبَزَّارُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مِثْلُ الْمُؤْمِنِ مِثْلُ النَّخْلَةِ ، مَا أَتَاكَ مِنْهَا نَفَعَكَ هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَقَدْ أَفْصَحَ بِالْمَقْصُودِ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ . وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَوْقِعَ التَّشْبِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالنَّخْلَةِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ النَّخْلَةِ إِذَا قُطِعَ رَأْسُهَا مَاتَتْ ، أَوْ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ حَتَّى تُلَقَّحَ ، أَوْ لِأَنَّهَا تَمُوتُ إِذَا غَرِقَتْ ، أَوْ لِأَنَّ لِطَلْعِهَا رَائِحَةَ مَنِيِّ الْآدَمِيِّ ، أَوْ لِأَنَّهَا تَعْشَقُ ، أَوْ لِأَنَّهَا تَشْرَبُ مِنْ أَعْلَاهَا ، فَكُلُّهَا أَوْجُهٌ ضَعِيفَةٌ ; لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنَ الْمُشَابِهَاتِ مُشْتَرِكٌ فِي الْآدَمِيِّينَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِ ، وَأَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهَا خُلِقَتْ مِنْ فَضْلَةِ طِينِ آدَمَ فَإِنَّ الْحَدِيثَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ ضَرْبٌ الْأَمْثَالِ وَالْأَشْبَاهِ لِزِيَادَةِ الْإِفْهَامِ ، وَتَصْوِيرُ الْمَعَانِي لِتَرْسَخَ فِي الذِّهْنِ ، وَلِتَحْدِيدِ الْفِكْرِ فِي النَّظَرِ فِي حُكْمِ الْحَادِثَةِ . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تَشْبِيهَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نَظِيرَهُ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُمَاثِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الْجَمَادَاتِ وَلَا يُعَادِلُهُ . وَفِيهِ تَوْقِيرُ الْكَبِيرِ ، وَتَقْدِيمُ الصَّغِيرِ أَبَاهُ فِي الْقَوْلِ ، وَأَنَّهُ لَا يُبَادِرُهُ بِمَا فَهِمَهُ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ الصَّوَابُ . وَفِيهِ أَنَّ الْعَالِمَ الْكَبِيرَ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْضُ مَا يُدْرِكُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ مَوَاهِبُ ، وَاللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ عَلَى أَنَّ الْخَوَاطِرَ الَّتِي تَقَعُ فِي الْقَلْبِ مِنْ مَحَبَّةِ الثَّنَاءِ عَلَى أَعْمَالِ الْخَيْرِ لَا يَقْدَحُ فِيهَا إِذَا كَانَ أَصْلُهَا لِلَّهِ ، وَذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ تَمَنِّي عُمَرَ الْمَذْكُورِ ، وَوَجْهُ تَمَنِّي عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا طُبِعَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ مِنْ مَحَبَّةِ الْخَيْرِ لِنَفْسِهِ وَلِوَلَدِهِ ، وَلِتَظْهَرَ فَضِيلَةُ الْوَلَدِ فِي الْفَهْمِ مِنْ صِغَرِهِ ، وَلِيَزْدَادَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُظْوَةً ، وَلَعَلَّهُ كَانَ يَرْجُو أَنْ يَدْعُوَ لَهُ إِذْ ذَاكَ بِالزِّيَادَةِ فِي الْفَهْمِ . وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى حَقَارَةِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ قَابَلَ فَهْمَ ابْنَهُ لِمَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ بِحُمْرِ النَّعَمِ مَعَ عِظَمِ مِقْدَارِهَا وَغَلَاءِ ثَمَنِهَا . ( فَائِدَةٌ ) : قَالَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ : وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا السِّيَاقِ إِلَّا ابْنُ عُمَرَ وَحْدَهُ ، وَلَمَّا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثٍ مُخْتَصَرٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ أَوْرَدَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ لَفْظُهُ : مِثْلُ الْمُؤْمِنِ مِثْلُ النَّخْلَةِ ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ : وَمَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ قَالَ : هِيَ النَّخْلَةُ تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ عَاشِرَ عَشَرَةٍ ، فَاسْتَفَدْنَا مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مِنْهُمْ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَابْنَ عُمَرَ ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ إِنْ كَانَا سَمِعَا مَا رَوَيَاهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ . وَاللَّهُ تعالى أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا · ص 174 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول المحدث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا · ص 11 باب قول المحدث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا أي : هذا باب في بيان قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا - هل فيه فرق ؟ أم الكل واحد ؟ والمراد بالمحدث اللغوي وهو الذي يحدث غيره ، لا الاصطلاحي وهو الذي يشتغل بالحديث النبوي . فإن قلت : ما وجه ذكر هذا الباب في كتاب العلم ؟ وما وجه المناسبة بينه وبين الباب الذي قبله ؟ قلت : أما ذكره مطلقا فللتنبيه على أنه بنى كتابه على المسندات المروية عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وأما ذكره في كتاب العلم فظاهر ؛ لأنه من جملة ما يحتاج إليه المحدث في معرفة الفرق بين الألفاظ المذكورة لغة واصطلاحا . وأما وجه المناسبة بين البابين فهو من حيث إن المذكور في الباب السابق رفع العالم صوته بالعلم ليتعلم الحاضرون ذلك ويعلمون غيرهم بالرواية عنه ، فعند الرواية والنقل عنه لا بد من ذكر لفظة من الألفاظ المذكورة ، فحينئذ ظهر الاحتياج إلى معرفتها لغة واصطلاحا ومن حيث الفرق بينها وعدمه ، وفي بعض النسخ أخبرنا وحدثنا وأنبأنا . وقال لنا الحميدي : كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت واحدا . الحميدي - بضم الحاء - هو أبو بكر عبد الله بن الزبير القرشي الأسدي المكي أحد مشايخ البخاري ، وقد مر ذكره ، وتصدير الباب بقوله تنبيه على أنه اختار هذا القول في عدم الفرق بين هذه الألفاظ الأربعة - نقل هذا عن شيخه الحميدي ، والحميدي أيضا نقل ذلك عن شيخه سفيان بن عيينة ، وهو أيضا قد ذكر . وفي بعض النسخ وقال لنا الحميدي ، وهي رواية كريمة والأصيلي ، وكذا ذكر أبو نعيم في المستخرج ، وليس في رواية كريمة وأنبأنا ، والكل في رواية أبي ذر . ثم اعلم أن قوله قال الحميدي لا يدل جزما على أنه سمعه منه ، فيحتمل الواسطة ، وهو أحط مرتبة من حدثنا ونحوه سواء كان بزيادة لنا أو لم يكن ؛ لأنه يقال على سبيل المذاكرة بخلاف نحو حدثنا فإنه يقال على سبيل النقل والتحمل . وقال جعفر بن حمدان النيسابوري : كل ما قال البخاري فيه قال لي فلان فهو عرض ومناولة . وقال القاضي عياض : لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعته يقول وقال لنا فلان وذكر لنا فلان . وإليه مال الطحاوي ، وصحح هذا المذهب ابن الحاجب ، ونقل هو وغيره عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة ، وهو مذهب جماعة من المحدثين منهم الزهري ويحيى القطان . وقيل : إنه قول معظم الحجازيين والكوفيين ، فلذلك اختاره البخاري بنقله عن الحميدي عن سفيان بن عيينة . وقال آخرون بالمنع في القراءة على الشيخ إلا مقيدا ، مثل حدثنا فلان قراءة عليه وأخبرنا قراءة عليه ، وهو مذهب المتكلمين . وقال آخرون بالمنع في حدثنا وبالجواز في أخبرنا ، وهو مذهب الشافعي وأصحابه ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق ، ونقل عن أكثر المحدثين منهم ابن جريج والأوزاعي والنسائي وابن وهب . وقيل : إن عبد الله بن وهب أول من أحدث هذا الفرق بمصر ، وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث . والأحسن أن يقال فيه : إنه اصطلاح منهم ، أرادوا به التمييز بين النوعين ، وخصصوا قراءة الشيخ بحدثنا لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة . وأحدث المتأخرون تفصيلا آخر ، وهو أنه متى سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال حدثني أو أخبرني أو سمعت ، ومتى سمع مع غيره جمع فقال حدثنا أو أخبرنا ، ومتى قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال أخبرني ، وخصصوا الإنباء بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يخبره ، وكل هذا مستحسن وليس بواجب عندهم ؛ لأن هذا اصطلاح ولا منازعة فيه . وقال بعضهم : التحديث والإخبار والإنباء سواء ، وهذا لا خلاف فيه عند أهل العلم بالنسبة إلى اللغة . قلت : لا نسلم ذلك ؛ لأن الحديث هو القول ، والخبر من الخبر - بضم الخاء وسكون الباء - وهو العلم بالشيء ، من خبرت الشيء أخبره خبرا وخبرة ، ومن أين خبرت هذا ؟ أي علمته . وإنما استواء هذه الألفاظ بالنسبة إلى الاصطلاح ، وكل ما جاء من لفظ الخبر وما يشتق منه في القرآن والحديث وغيرهما فمعناه الأصلي هو العلم ؛ فافهم ! وقال ابن مسعود : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الصادق المصدوق . وقال شقيق عن عبد الله : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم كلمة . وقال حذيفة : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين . هذه ثلاث تعاليق أوردها تنبيها على أن الصحابي تارة كان يقول حدثنا وتارة كان يقول سمعت ، فدل ذلك على أنه لا فرق بينهما . التعليق الأول الذي رواه عبد الله بن مسعود طرف من الحديث المشهور ، أوصله البخاري في كتاب القدر ، وسيجيء الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى . الثاني : رواه أبو وائل شقيق عن عبد الله - هو ابن مسعود ، أوصله البخاري في كتاب الجنائز . الثالث : رواه حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه ، أوصله البخاري في كتاب الرقاق ، وسيأتي إن شاء الله تعالى . واسم اليمان حسل - بكسر الحاء وسكون السين المهملة ، ويقال : حسيل بالتصغير - بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة - بالجيم المكسورة - بن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عبس بن بغيض - بفتح الموحدة وغين وضاد معجمتين - بن ريث - بفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره ثاء مثلثة - بن غطفان بن سعد بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان العبسي حليف بني عبد الأشهل ، من الأنصار . قالوا : واليمان لقب حسل . وقال الكلبي وابن سعد : هو لقب جروة ، وإنما لقب اليمان لأن جروة أصاب دما في قومه فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل من الأنصار ، فسماه قومه اليمان لأنه حالف اليمانية . أسلم هو وأبوه ، وشهدا أحدا ، وقتل أبوه يومئذ ؛ قتله المسلمون خطأ فوهب لهم دمه ، وأسلمت أم حذيفة وهاجرت ، وأرادا أن يشهدا بدرا فاستحلفهما المشركون أن لا يشهدا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فحلفا لهم ، ثم سألا النبي عليه السلام ، فقال النبي عليه السلام : نفي لهم بعهدهم ونستعين بالله عليهم ! وكان صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين يعلمهم وحده ، وسأله عمر رضي الله عنه : هل في عمالهم أحد منهم ؟ قال : نعم ؛ واحد . قال : من هو ؟ قال : لا أذكره - فعزله عمر رضي الله تعالى عنه ، كأنما دل عليه . وكان عمر رضي الله تعالى عنه إذا مات ميت ؛ فإن حضر الصلاة عليه حذيفة صلى عليه عمر رضي الله عنه ، وإلا فلا . وحديثه ليلة الأحزاب مشهور ، فيه معجزات . وكان فتح همدان والري والدينور على يده ، ولاه عمر رضي الله عنه المدائن ، وكان كثير السؤال لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفتن والشر ليجتنبهما ، ومناقبه كثيرة . روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون حديثا - قاله الكرماني في شرحه ، وقال الشيخ قطب الدين في شرحه : أخرجا له اثني عشر حديثا اتفقا عليها ، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بسبعة عشر . قلت : فهذا يدل على سقط عدد من الكرماني إما منه وإما من النساخ . توفي حذيفة بالمدائن سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان رضي الله عنه بأربعين ليلة ، روى له الجماعة . وقال أبو العالية : عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه . وقال أنس : عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه عز وجل . وقال أبو هريرة : عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربكم عز وجل . هذه ثلاث تعاليق أخرى أوردها تنبيها على حكم العنعنة وأن حكمها الوصل عند ثبوت اللقي ، وفيه تنبيه آخر وهو أن رواية النبي عليه الصلاة والسلام إنما هي عن ربه سواء صرح بذلك الصحابي أم لا ، والدليل عليه أن ابن عباس رضي الله عنهما روى عنه حديثه المذكور في موضع آخر ولم يذكر فيه عن ربه . لا يقال : ذكر العنعنة لا تعلق له بالترجمة ، وكذا ذكر الرواية ؛ لأنا نقول : لفظ الرواية شامل لجميع الأقسام المذكورة ، وكذا لفظ العنعنة ؛ لاحتماله كلا من هذه الألفاظ الثلاثة . وهذه التعاليق وصلها البخاري في كتاب التوحيد ، وهؤلاء الصحابة قد ذكروا فيما مضى . وأما أبو العالية فقد قال الشيخ قطب الدين في شرحه : هو البراء بالراء المشددة ، واسمه زياد بن فيروز البصري القرشي مولاهم ، وقيل : اسمه أذينة ، وقيل : كلثوم ، وقيل : زياد بن أذينة - سمع ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وغيرهم . قال أبو زرعة : ثقة . توفي سنة تسعين ، روى له البخاري ومسلم ، وإنما قيل له البراء لأنه كان يبري النبل . ومثله أبو معشر البراء واسمه يوسف ، وكان يبري النبل ، وقيل : يبري العود . ومن عداهما البراء مخفف ، وكله ممدود . وقال الكرماني : أبو العالية بالمهملة والتحتانية الظاهر أنه رفيع - بضم الراء وفتح الفاء - ابن مهران الرياحي ، أعتقته امرأة من بني رياح ، أدرك الجاهلية وأسلم بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين ، مات سنة تسعين . ورياح - بالمثناة التحتانية - حي من بني تميم ، وقال بعضهم : أبو العالية المذكور هاهنا هو الرياحي ، وهو رفيع - بضم الراء ، ومن زعم أنه البراء بالراء المثقلة فقد وهم ؛ فإن الحديث المذكور معروف برواية الرياحي دونه . قلت : كل واحد من أبي العالية البراء وأبي العالية رفيع من الرواة عن ابن عباس ، وترجيح أحدهما على الآخر في رواية هذا الحديث عن ابن عباس يحتاج إلى دليل ، وقوله فإن الحديث المذكور معروف برواية الرياحي دونه يحتاج إلى نقل عن أحد ممن يعتمد عليه . 3 - حدثنا قتيبة ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ، وإنها مثل المسلم ؛ فحدثوني ما هي ؟ فوقع الناس في شجر البوادي . قال عبد الله : ووقع في نفسي أنها النخلة ، فاستحييت . ثم قالوا : حدثنا ما هي يا رسول الله ؟ قال : هي النخلة . مطابقة الحديث للترجمة في قوله ثم قالوا : حدثنا ما هي يا رسول الله ؟ ، وفي قوله فحدثوني ما هي ؟ . فإن قلت : الترجمة بثلاثة ألفاظ وهي التحديث والإخبار والإنباء ، وليس في الحديث إلا لفظ التحديث - قلت : ألفاظ الحديث مختلفة ، فإذا جمعت طرقه يوجد ذلك كله ؛ ففي رواية عبد الله بن دينار المذكورة هاهنا لفظ حدثوني ما هي ؟ ، وفي رواية نافع عنه في التفسير عند البخاري أيضا أخبروني ، وفي رواية الإسماعيلي عن نافع عنه أنبؤوني ، فاشتمل الحديث المذكور على هذا الألفاظ الثلاثة التي هي الترجمة . بيان رجاله ؛ وهم خمسة ، والكل ذكروا . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري في كتاب العلم هذا في ثلاثة مواضع ؛ عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن ابن دينار عن ابن عمر ، وعن خالد بن مخلد عن سليمان عن ابن دينار - به ، وعن علي عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وعن إسماعيل عن مالك عن ابن دينار - به ، وفيه فقالوا : يا رسول الله ، أخبرنا بها ! . وأخرجه في البيوع في باب بيع الجمار وأكله عن أبي عوانة عن أبي بشر عن مجاهد عن ابن عمر ، وفي الأطعمة عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر ، وعن أبي نعيم عن محمد بن طلحة عن زبيد عن مجاهد عن ابن عمر ، ولفظ حديث عمر بن حفص : بينا نحن عند النبي عليه الصلاة والسلام جلوس إذ أتي بجمار نخلة ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم ! فظننت أنه يعني النخلة ، فأردت أن أقول هي النخلة يا رسول الله ! ثم التفت فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم ، فسكت ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هي النخلة ، وفي أول بعض طرقه كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو يأكل الجمار . وأخرجه في الأدب في باب لا يستحْيِي من الحق عن آدم عن شعبة عن محارب عن ابن عمر قال : قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : مثل المؤمن كمثل شجرة خضراء لا يسقط ورقها ولا يتحات ! فقال القوم : هي شجرة كذا . فأردت أن أقول هي النخلة ، وأنا غلام شاب ! فاستحييت ، فقال : هي النخلة . وعن شعبة عن خبيب عن حفص عن ابن عمر - مثله ، وزاد فحدثت به عمر ، فقال : لو كنت قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا ! . وأخرجه مسلم في تلو كتاب التوبة عن محمد بن عبيد عن حماد عن أيوب عن أبي الجليل ، وعن أبي بكر وابن أبي عمر عن سفيان عن أبي نجيح ، وعن أبي نمير عن أبيه عن سيف بن سليمان ، وقال ابن أبي سليمان : كلهم عن مجاهد - به . وعن قتيبة وأبي أيوب وابن حجر عن إسماعيل بن جعفر عن ابن دينار عن ابن عمر - به ، وفي بعضها قال ابن عمر : فألقى الله تعالى في روعي أنها النخلة ... الحديث . بيان اللغات : قوله من الشجر ، قال الصغاني في العباب : الشجر والشجرة ما كان على ساق من نبات الأرض . وقال الدينوري : من العرب من يقول شجرة وشجرة فيكسر الشين ويفتح الجيم ، وهي لغة لبني سليم . وأرض شجراء : كثيرة الأشجار ، ولا يقال : واد شجر . وواحد الشجراء شجرة ، ولم يأت على هذا المثال إلا أحرف يسيرة ، وهي شجرة وشجراء وقصبة وقصباء وطرفة وطرفاء وحلفة وحلفاء . وقال سيبويه : الشجراء واحد وجمع ، وكذلك القصباء والطرفاء والحلفاء . وقال الزمخشري : الشجرة بكسر الشين والشيرة بكسر الشين والياء . وعن أبي عمرو أنه كرهها ، وقال : يقرأ بها برابر مكة وسودانها . قوله البوادي جمع بادية ، وهي خلاف الحاضرة ، والبدو مثل البادية ، والنسبة إليهما بدوي ، وعن أبي زيد بداوي . وأصلها باء ودال وواو من البدو وهو الظهور ، وهو ظاهر في معنى البادية . وفي بعض الروايات البواد بحذف الياء ، وهي لغة . قوله النخلة واحدة النخل ، وفي العباب : النخل والنخيل بمعنى واحد ، الواحدة نخلة . بيان الإعراب : قوله شجرة نصب لأنه اسم إن وخبرها . قوله من الشجر ، وكلمة من للتبعيض ، ويجوز أن يكون المعنى من جنس الشجرة . قوله لا يسقط ورقها جملة من الفعل والفاعل في محل النصب على أنها صفة لشجرة . قوله وإنها بالكسر ، عطف على إن الأولى . قوله ما هي ؟ مبتدأ وخبر ، والجملة سدت مسد المفعولين لفعل التحديث . قوله أنها النخلة بفتح أن لأنها فاعل وقع ، والنخلة مرفوع لأنها خبر أن . قوله حدثنا ما هي ؟ مبتدأ ، وهي خبره ، والجملة سدت مسد المفعولين أيضا . قوله هي النخلة مبتدأ وخبر ، وقعت مقول القول . بيان المعاني : قوله إن من الشجر شجرة مخرج على خلاف مقتضى الظاهر ؛ لأن المخاطبين فيه كانوا مستشرفين كاستشراف الطالب المتردد ، فلذلك حسن تأكيده بأن وصوغه بالجملة الاسمية . قوله لا يسقط ورقها صفة سلبية تبين أن موصوفها مختص بها دون غيره . قوله وإنها مثل المسلم كذلك مخرج على خلاف مقتضى الظاهر كما ذكرنا . قوله فوقع الناس في شجر البوادي ؛ أي ذهبت أفكارهم إلى شجر البوادي وذهلوا عن النخلة ، فجعل كل منهم يفسرها بنوع من الأنواع . يقال : وقع الطائر على الشجرة - إذا نزل عليها . قوله قال عبد الله ؛ أي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . قوله فاستحييت ، زاد في رواية مجاهد في باب الفهم في العلم فأردت أن أقول هي النخلة ، فإذا أنا أصغر القوم ، وله في الأطعمة فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم ، وفي رواية نافع ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان ، فكرهت أن أتكلم ، وفي رواية مالك عن عبد الله بن دينار عند البخاري في باب الحياء في العلم قال عبد الله : فحدثت أبي بما وقع نفسي ، فقال : لأن كنت قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا ، زاد ابن حبان في صحيحه أحسبه قال : حمر النعم . بيان البيان : قوله مثل المسلم بفتح الميم والثاء معا في رواية الأصيلي وكريمة ، وفي رواية أبي ذر مثل بكسر الميم وسكون الثاء . قال الجوهري : مثل كلمة تسوية ، يقال : هذا مثله ومثيله ، كما يقال : شبهه وشبيهه - بمعنى . وقال الزمخشري : المثل في أصل كلامهم بمعنى المثل ، يقال مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده مثل ، ولم يضربوا مثلا ولا رأوه أهلا للتسيير ولا جديرا بالتداول والقبول إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه . قلت : لضرب المثل شأن في إبراز خبيئات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق ؛ فإن الأمثال تري المخيلَ في صورة المحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه مشاهد ، ولا يضرب مثل إلا قول فيه غرابة . فإن قلت : ما المورد وما المضرب ؟ قلت : المورد الصورة التي ورد فيها ذلك القول ، والمضرب هي الصورة التي شبهت بها . ثم اعلم أن المثل له مفهوم لغوي وهو النظير ، ومفهوم عرفي وهو القول السائر ، ومعنى مجازي وهو الحال الغريبة ، واستعير المثل هنا كاستعارة الأسد للمقدام للحال العجبية أو الصفة الغريبة ، كأنه قيل : حال المسلم العجيب الشأن كحال النخلة ، أو صفة المسلم الغريبة كصفة النخلة ؛ فالمسلم هو المشبه والنخلة هو المشبه بها . وأما وجه الشبه فقد اختلفوا فيه ؛ فقال بعضهم : هو كثرة خيرها ودوام ظلها وطيب ثمرها ووجودها على الدوام ؛ فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس ، وبعد أن ييبس يتخذ منها منافع كثيرة من خشبها وورقها وأغصانها ، فيستعمل جذوعا وحطبا وعصيا ومحاضر وحصرا وحبالا وأواني وغير ذلك مما ينتفع به من أجزائها ، ثم آخرها نواها ينتفع به علفا للإبل وغيره ، ثم جمال نباتها وحسن ثمرتها ، وهي كلها منافع وخير وجمال - وكذلك المؤمن خير كله من كثرة طاعاته ومكارم أخلاقه ومواظبته على صلاته وصيامه وذكره والصدقة وسائر الطاعات ، هذا هو الصحيح في وجه الشبه . وقال بعضهم : وجه التشبيه أن النخلة إذا قطعت رأسها ماتت بخلاف باقي الشجر . وقال بعضهم : لأنها لا تحمل حتى تلقح . وقال بعضهم : لأنها تموت إذا مزقت أو فسد ما هو كالقلب لها . وقال بعضهم : لأن لطلعها رائحة المني . وقال بعضهم : لأنها تعشق كالإنسان - وهذه الأقوال كلها ضعيفة من حيث إن التشبيه إنما وقع بالمسلم ، وهذه المعاني تشمل المسلم والكافر . قوله حدثنا صورة أمر ، ولكن المراد منه الطلب والسؤال ، وقد علم أن الأمر إذا كان بالعلو والاستعلاء يكون حقيقة في بابه ، وإذا كان لمساويه يكون التماسا ، وإذا كان لأعلى منه يكون طلبا وسؤالا ؛ فافهم ! بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه استحباب إلقاء العالم المسألة على أصحابه ليختبر أفهامهم ويرغبهم في الفكر . الثاني : فيه توقير الكبار وترك التكلم عندهم ، وقد بوب عليه البخاري بابا كما سيأتي إن شاء الله تعالى . الثالث : فيه استحباب الحياء ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة ، ولهذا تمنى عمر رضي الله عنه أن يكون ابنه لم يسكت . الرابع : فيه جواز اللغز مع بيانه ، فإن قلت : روى أبو داود من حديث معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأغلوطات ، قال الأوزاعي أحد رواته : هي صعاب المسائل - قلت : هو محمول على ما إذا أخرج على سبيل تعنيت المسؤول أو تعجيزه أو تخجيله ونحو ذلك . الخامس : فيه جواز ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الإفهام وتصوير المعاني في الذهن وتحديد الفكر والنظر في حكم الحادثة . السادس : فيه تلويح إلى أن التشبيه لا عموم له ، ولا يلزم أن يكون المشبه مثل المشبه به في جميع الوجوه . السابع : فيه أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه ؛ لأن العلم منح إلهية ومواهب رحمانية ، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء . الثامن : فيه دلالة على فضيلة النخل ، قال المفسرون : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً لا إله إلا الله كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ هي النخلة أَصْلُهَا ثَابِتٌ في الأرض وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ أي رأسها تُؤْتِي أُكُلَهَا كل وقت ، وقد شبه الله الإيمان بالنخلة لثبات الإيمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في منبتها ، وشبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة ، وما يكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان بما ينال من ثمر النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر . وقد ورد ذلك صريحا فيما رواه البزار من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر هذه الآية ، فقال : أتدرون ما هي ؟ قال ابن عمر : لم يخف علي أنها النخلة ، فمنعني أن أتكلم لمكان سني . فقال رسول الله عليه السلام : هي النخلة . وروى ابن حبان من رواية عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من يخبرني عن شجرة مثلها مثل المؤمن ، أصلها ثابت وفرعها في السماء - فذكر الحديث ، وروى البزار أيضا من طريق سفيان بن حسين عن أبي بشر عن مجاهد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل المؤمن مثل النخلة ، فما أتاك منها نفعك ، هكذا أورده مختصرا وإسناده صحيح . وقال البزار : لم يرو هذا الحديث عن النبي عليه السلام بهذا السياق إلا ابن عمر وحده ، ولما ذكره الترمذي قال : وفي الباب عن أبي هريرة . قلت : أخرجه عبد بن حميد في تفسيره بلفظ مثل المؤمن مثل النخلة ، وروى الترمذي أيضا والنسائي وابن حبان من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ قال : هي النخلة - تفرد برفعه حماد بن سلمة ، وقال الكرماني : قيل إن النخلة خلقت من بقية طينة آدم عليه السلام ، فهي كالعمة للأناسي ! قلت : روي فيه حديث مرفوع ، ولكنه لم يثبت .