باب قول المحدث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا
حدثنا قتيبة ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ، وإنها مثل المسلم ؛ فحدثوني ما هي ؟ فوقع الناس في شجر البوادي . قال عبد الله : ووقع في نفسي أنها النخلة ، فاستحييت . ثم قالوا : حدثنا ما هي يا رسول الله ؟ قال : هي النخلة .
مطابقة الحديث للترجمة في قوله ثم قالوا : حدثنا ما هي يا رسول الله ؟ ، وفي قوله فحدثوني ما هي ؟ . فإن قلت : الترجمة بثلاثة ألفاظ وهي التحديث والإخبار والإنباء ، وليس في الحديث إلا لفظ التحديث - قلت : ألفاظ الحديث مختلفة ، فإذا جمعت طرقه يوجد ذلك كله ؛ ففي رواية عبد الله بن دينار المذكورة هاهنا لفظ حدثوني ما هي ؟ ، وفي رواية نافع عنه في التفسير عند البخاري أيضا أخبروني ، وفي رواية الإسماعيلي عن نافع عنه أنبؤوني ، فاشتمل الحديث المذكور على هذا الألفاظ الثلاثة التي هي الترجمة . بيان رجاله ؛ وهم خمسة ، والكل ذكروا .
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري في كتاب العلم هذا في ثلاثة مواضع ؛ عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن ابن دينار عن ابن عمر ، وعن خالد بن مخلد عن سليمان عن ابن دينار - به ، وعن علي عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وعن إسماعيل عن مالك عن ابن دينار - به ، وفيه فقالوا : يا رسول الله ، أخبرنا بها ! . وأخرجه في البيوع في باب بيع الجمار وأكله عن أبي عوانة عن أبي بشر عن مجاهد عن ابن عمر ، وفي الأطعمة عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر ، وعن أبي نعيم عن محمد بن طلحة عن زبيد عن مجاهد عن ابن عمر ، ولفظ حديث عمر بن حفص : بينا نحن عند النبي عليه الصلاة والسلام جلوس إذ أتي بجمار نخلة ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم ! فظننت أنه يعني النخلة ، فأردت أن أقول هي النخلة يا رسول الله ! ثم التفت فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم ، فسكت ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هي النخلة ، وفي أول بعض طرقه كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو يأكل الجمار . وأخرجه في الأدب في باب لا يستحْيِي من الحق عن آدم عن شعبة عن محارب عن ابن عمر قال : قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : مثل المؤمن كمثل شجرة خضراء لا يسقط ورقها ولا يتحات ! فقال القوم : هي شجرة كذا .
فأردت أن أقول هي النخلة ، وأنا غلام شاب ! فاستحييت ، فقال : هي النخلة . وعن شعبة عن خبيب عن حفص عن ابن عمر - مثله ، وزاد فحدثت به عمر ، فقال : لو كنت قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا ! . وأخرجه مسلم في تلو كتاب التوبة عن محمد بن عبيد عن حماد عن أيوب عن أبي الجليل ، وعن أبي بكر وابن أبي عمر عن سفيان عن أبي نجيح ، وعن أبي نمير عن أبيه عن سيف بن سليمان ، وقال ابن أبي سليمان : كلهم عن مجاهد - به .
وعن قتيبة وأبي أيوب وابن حجر عن إسماعيل بن جعفر عن ابن دينار عن ابن عمر - به ، وفي بعضها قال ابن عمر : فألقى الله تعالى في روعي أنها النخلة .. . الحديث . بيان اللغات : قوله من الشجر ، قال الصغاني في العباب : الشجر والشجرة ما كان على ساق من نبات الأرض .
وقال الدينوري : من العرب من يقول شجرة وشجرة فيكسر الشين ويفتح الجيم ، وهي لغة لبني سليم . وأرض شجراء : كثيرة الأشجار ، ولا يقال : واد شجر . وواحد الشجراء شجرة ، ولم يأت على هذا المثال إلا أحرف يسيرة ، وهي شجرة وشجراء وقصبة وقصباء وطرفة وطرفاء وحلفة وحلفاء .
وقال سيبويه : الشجراء واحد وجمع ، وكذلك القصباء والطرفاء والحلفاء . وقال الزمخشري : الشجرة بكسر الشين والشيرة بكسر الشين والياء . وعن أبي عمرو أنه كرهها ، وقال : يقرأ بها برابر مكة وسودانها .
قوله البوادي جمع بادية ، وهي خلاف الحاضرة ، والبدو مثل البادية ، والنسبة إليهما بدوي ، وعن أبي زيد بداوي . وأصلها باء ودال وواو من البدو وهو الظهور ، وهو ظاهر في معنى البادية . وفي بعض الروايات البواد بحذف الياء ، وهي لغة .
قوله النخلة واحدة النخل ، وفي العباب : النخل والنخيل بمعنى واحد ، الواحدة نخلة . بيان الإعراب : قوله شجرة نصب لأنه اسم إن وخبرها . قوله من الشجر ، وكلمة من للتبعيض ، ويجوز أن يكون المعنى من جنس الشجرة .
قوله لا يسقط ورقها جملة من الفعل والفاعل في محل النصب على أنها صفة لشجرة . قوله وإنها بالكسر ، عطف على إن الأولى . قوله ما هي ؟ مبتدأ وخبر ، والجملة سدت مسد المفعولين لفعل التحديث .
قوله أنها النخلة بفتح أن لأنها فاعل وقع ، والنخلة مرفوع لأنها خبر أن . قوله حدثنا ما هي ؟ مبتدأ ، وهي خبره ، والجملة سدت مسد المفعولين أيضا . قوله هي النخلة مبتدأ وخبر ، وقعت مقول القول .
بيان المعاني : قوله إن من الشجر شجرة مخرج على خلاف مقتضى الظاهر ؛ لأن المخاطبين فيه كانوا مستشرفين كاستشراف الطالب المتردد ، فلذلك حسن تأكيده بأن وصوغه بالجملة الاسمية . قوله لا يسقط ورقها صفة سلبية تبين أن موصوفها مختص بها دون غيره . قوله وإنها مثل المسلم كذلك مخرج على خلاف مقتضى الظاهر كما ذكرنا .
قوله فوقع الناس في شجر البوادي ؛ أي ذهبت أفكارهم إلى شجر البوادي وذهلوا عن النخلة ، فجعل كل منهم يفسرها بنوع من الأنواع . يقال : وقع الطائر على الشجرة - إذا نزل عليها . قوله قال عبد الله ؛ أي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .
قوله فاستحييت ، زاد في رواية مجاهد في باب الفهم في العلم فأردت أن أقول هي النخلة ، فإذا أنا أصغر القوم ، وله في الأطعمة فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم ، وفي رواية نافع ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان ، فكرهت أن أتكلم ، وفي رواية مالك عن عبد الله بن دينار عند البخاري في باب الحياء في العلم قال عبد الله : فحدثت أبي بما وقع نفسي ، فقال : لأن كنت قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا ، زاد ابن حبان في صحيحه أحسبه قال : حمر النعم . بيان البيان : قوله مثل المسلم بفتح الميم والثاء معا في رواية الأصيلي وكريمة ، وفي رواية أبي ذر مثل بكسر الميم وسكون الثاء . قال الجوهري : مثل كلمة تسوية ، يقال : هذا مثله ومثيله ، كما يقال : شبهه وشبيهه - بمعنى .
وقال الزمخشري : المثل في أصل كلامهم بمعنى المثل ، يقال مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده مثل ، ولم يضربوا مثلا ولا رأوه أهلا للتسيير ولا جديرا بالتداول والقبول إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه . قلت : لضرب المثل شأن في إبراز خبيئات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق ؛ فإن الأمثال تري المخيلَ في صورة المحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه مشاهد ، ولا يضرب مثل إلا قول فيه غرابة . فإن قلت : ما المورد وما المضرب ؟ قلت : المورد الصورة التي ورد فيها ذلك القول ، والمضرب هي الصورة التي شبهت بها .
ثم اعلم أن المثل له مفهوم لغوي وهو النظير ، ومفهوم عرفي وهو القول السائر ، ومعنى مجازي وهو الحال الغريبة ، واستعير المثل هنا كاستعارة الأسد للمقدام للحال العجبية أو الصفة الغريبة ، كأنه قيل : حال المسلم العجيب الشأن كحال النخلة ، أو صفة المسلم الغريبة كصفة النخلة ؛ فالمسلم هو المشبه والنخلة هو المشبه بها . وأما وجه الشبه فقد اختلفوا فيه ؛ فقال بعضهم : هو كثرة خيرها ودوام ظلها وطيب ثمرها ووجودها على الدوام ؛ فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس ، وبعد أن ييبس يتخذ منها منافع كثيرة من خشبها وورقها وأغصانها ، فيستعمل جذوعا وحطبا وعصيا ومحاضر وحصرا وحبالا وأواني وغير ذلك مما ينتفع به من أجزائها ، ثم آخرها نواها ينتفع به علفا للإبل وغيره ، ثم جمال نباتها وحسن ثمرتها ، وهي كلها منافع وخير وجمال - وكذلك المؤمن خير كله من كثرة طاعاته ومكارم أخلاقه ومواظبته على صلاته وصيامه وذكره والصدقة وسائر الطاعات ، هذا هو الصحيح في وجه الشبه . وقال بعضهم : وجه التشبيه أن النخلة إذا قطعت رأسها ماتت بخلاف باقي الشجر .
وقال بعضهم : لأنها لا تحمل حتى تلقح . وقال بعضهم : لأنها تموت إذا مزقت أو فسد ما هو كالقلب لها . وقال بعضهم : لأن لطلعها رائحة المني .
وقال بعضهم : لأنها تعشق كالإنسان - وهذه الأقوال كلها ضعيفة من حيث إن التشبيه إنما وقع بالمسلم ، وهذه المعاني تشمل المسلم والكافر . قوله حدثنا صورة أمر ، ولكن المراد منه الطلب والسؤال ، وقد علم أن الأمر إذا كان بالعلو والاستعلاء يكون حقيقة في بابه ، وإذا كان لمساويه يكون التماسا ، وإذا كان لأعلى منه يكون طلبا وسؤالا ؛ فافهم ! بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه استحباب إلقاء العالم المسألة على أصحابه ليختبر أفهامهم ويرغبهم في الفكر . الثاني : فيه توقير الكبار وترك التكلم عندهم ، وقد بوب عليه البخاري بابا كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
الثالث : فيه استحباب الحياء ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة ، ولهذا تمنى عمر رضي الله عنه أن يكون ابنه لم يسكت . الرابع : فيه جواز اللغز مع بيانه ، فإن قلت : روى أبو داود من حديث معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأغلوطات ، قال الأوزاعي أحد رواته : هي صعاب المسائل - قلت : هو محمول على ما إذا أخرج على سبيل تعنيت المسؤول أو تعجيزه أو تخجيله ونحو ذلك . الخامس : فيه جواز ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الإفهام وتصوير المعاني في الذهن وتحديد الفكر والنظر في حكم الحادثة .
السادس : فيه تلويح إلى أن التشبيه لا عموم له ، ولا يلزم أن يكون المشبه مثل المشبه به في جميع الوجوه . السابع : فيه أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه ؛ لأن العلم منح إلهية ومواهب رحمانية ، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء . الثامن : فيه دلالة على فضيلة النخل ، قال المفسرون : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً لا إله إلا الله كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ هي النخلة أَصْلُهَا ثَابِتٌ في الأرض وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ أي رأسها تُؤْتِي أُكُلَهَا كل وقت ، وقد شبه الله الإيمان بالنخلة لثبات الإيمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في منبتها ، وشبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة ، وما يكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان بما ينال من ثمر النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر .
وقد ورد ذلك صريحا فيما رواه البزار من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر هذه الآية ، فقال : أتدرون ما هي ؟ قال ابن عمر : لم يخف علي أنها النخلة ، فمنعني أن أتكلم لمكان سني . فقال رسول الله عليه السلام : هي النخلة . وروى ابن حبان من رواية عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من يخبرني عن شجرة مثلها مثل المؤمن ، أصلها ثابت وفرعها في السماء - فذكر الحديث ، وروى البزار أيضا من طريق سفيان بن حسين عن أبي بشر عن مجاهد عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل المؤمن مثل النخلة ، فما أتاك منها نفعك ، هكذا أورده مختصرا وإسناده صحيح .
وقال البزار : لم يرو هذا الحديث عن النبي عليه السلام بهذا السياق إلا ابن عمر وحده ، ولما ذكره الترمذي قال : وفي الباب عن أبي هريرة . قلت : أخرجه عبد بن حميد في تفسيره بلفظ مثل المؤمن مثل النخلة ، وروى الترمذي أيضا والنسائي وابن حبان من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ قال : هي النخلة - تفرد برفعه حماد بن سلمة ، وقال الكرماني : قيل إن النخلة خلقت من بقية طينة آدم عليه السلام ، فهي كالعمة للأناسي ! قلت : روي فيه حديث مرفوع ، ولكنه لم يثبت .