61 - بَاب تَخْفِيفِ الْإِمَامِ فِي الْقِيَامِ وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ 702 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : سَمِعْتُ قَيْسًا قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ تَخْفِيفِ الْإِمَامِ فِي الْقِيَامِ وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ كَأَنَّهُ قَالَ : بَابُ التَّخْفِيفِ بِحَيْثُ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنَ الْوَاجِبَاتِ ، فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : فَلْيَتَجَوَّزْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِالتَّجَوُّزِ الْمُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ الصَّلَاةِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَتَبِعَهُ ابْنُ رَشِيدٍ وَغَيْرُهُ : خُصَّ التَّخْفِيفُ فِي التَّرْجَمَةِ بِالْقِيَامِ مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ أَعَمُّ حَيْثُ قَالَ : فَلْيَتَجَوَّزْ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَطُولُ فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا هُوَ الْقِيَامُ ، وَمَا عَدَاهُ لَا يَشُقُّ إِتْمَامُهُ عَلَى أَحَدٍ ، وَكَأَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى قِصَّةِ مُعَاذٍ ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالتَّخْفِيفِ فِيهَا مُخْتَصٌّ بِالْقِرَاءَةِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى بَعْضِ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَعَادَتِهِ ، وَأَمَّا قِصَّةُ مُعَاذٍ فَمُغَايِرَةٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ ؛ لِأَنَّ قِصَّةَ مُعَاذٍ كَانَتْ فِي الْعِشَاءِ ، وَكَانَ الْإِمَامُ فِيهَا مُعَاذًا وَكَانَتْ فِي مَسْجِدِ بَنِي سَلِمَةَ ، وَهَذِهِ كَانَتْ فِي الصُّبْحِ وَكَانَتْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ ، وَوَهِمَ مَنْ فَسَّرَ الْإِمَامَ الْمُبْهَمَ هُنَا بِمُعَاذٍ ، بَلِ الْمُرَادُ بِهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ - وَهُوَ بِالْجِيمِ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يُصَلِّي بِأَهْلِ قُبَاءَ ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةً طَوِيلَةً ، فَدَخَلَ مَعَهُ غُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمَّا سَمِعَهُ اسْتَفْتَحَهَا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ ، فَغَضِبَ أُبَيٌّ فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْكُو الْغُلَامَ ، وَأَتَى الْغُلَامُ يَشْكُو أُبَيًّا ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَوْجِزُوا ؛ فَإِنَّ خَلْفَكُمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَالْمَرِيضَ وَذَا الْحَاجَةِ فَأَبَانَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فَلَانٌ أَيْ : فِي الْقِرَاءَةِ ، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَيْضًا تَسْمِيَةُ الْإِمَامِ وَبِأَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ . وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ : مَنْ أَمَّنَا فَلْيُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ . وَفِي قَوْلِ ابْنِ الْمُنِيرِ : إِنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ لَا يَشُقُّ إِتْمَامُهُمَا نَظَرٌ ؛ فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ تَمَامٍ فَذَاكَ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَإِنْ أَرَادَ غَايَةَ التَّمَامِ فَقَدْ يَشُقُّ ، فَسَيَأْتِي حَدِيثُ الْبَرَاءِ قَرِيبًا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قِيَامُهُ وَرُكُوعُهُ وَسُجُودُهُ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ ، وَقَيْسُ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَأَبُو مَسْعُودٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ رَجُلًا ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ حَزْمُ بْنُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؛ لِأَنَّ قِصَّتَهُ كَانَتْ مَعَ مُعَاذٍ لَا مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ ) أَيْ : فَلَا أَحْضُرُهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ لِأَجْلِ التَّطْوِيلِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الْأَحْكَامِ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ بِزِيَادَةِ الْقَسَمِ ، وَفِيهِ جَوَازُ مِثْلِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ فِي بَابِ الْغَضَبِ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ إِنِّي لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ . وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي أَلِفَهُ مِنْ تَطْوِيلِهِ اقْتَضَى لَهُ أَنْ يَتَشَاغَلَ عَنِ الْمَجِيءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وُثُوقًا بِتَطْوِيلِهِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ يُطَوِّلُ فَإِنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ ، وَكَأَنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى تَطْوِيلِهِ فَيَتَشَاغَلُ بِبَعْضِ شُغْلِهِ ، ثُمَّ يَتَوَجَّهُ فَيُصَادِفُ أَنَّهُ تَارَةً يُدْرِكُهُ وَتَارَةً لَا يُدْرِكُهُ ، فَلِذَلِكَ قَالَ لَا أَكَادُ أُدْرِكُ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا أَيْ : بِسَبَبِ تَطْوِيلِهِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَسْمِيَةِ الصُّبْحِ بِذَلِكَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْآتِيَةِ قَرِيبًا : عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْفَجْرِ وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهَا تُطَوَّلُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ غَالِبًا ؛ وَلِأَنَّ الِانْصِرَافَ مِنْهَا وَقْتَ التَّوَجُّهِ لِمَنْ لَهُ حِرْفَةٌ إِلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( أَشَدَّ ) بِالنَّصْبِ وَهُوَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ : غَضَبًا أَشَدَّ ، وَسَبَبُهُ إِمَّا لِمُخَالَفَةِ الْمَوْعِظَةِ ، أَوْ لِلتَّقْصِيرِ فِي تَعَلُّمِ مَا يَنْبَغِي تَعَلُّمُهُ ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَتَعَقَّبَهُ تِلْمِيذُهُ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ بِأَنَّهُ يُتَوَقَّفُ عَلَى تَقَدُّمِ الْإِعْلَامِ بِذَلِكَ ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْغَضَبِ لِإِرَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِمَا يُلْقِيهِ لِأَصْحَابِهِ لِيَكُونُوا مِنْ سَمَاعِهِ عَلَى بَالٍ ؛ لِئَلَّا يَعُودَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَى مِثْلِهِ . وَأَقُولُ : هَذَا أَحْسَنُ فِي الْبَاعِثِ عَلَى أَصْلِ إِظْهَارِ الْغَضَبِ ، أَمَّا كَوْنُهُ أَشَدَّ فَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي أَوْجَهُ ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ التَّعَقُّبُ الْمَذْكُورُ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ ) فِيهِ تَفْسِيرٌ لِلْمُرَادِ بِالْفِتْنَةِ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ : أَفَتَّانٌ أَنْتَ ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةُ أُبَيٍّ هَذِهِ بَعْدَ قِصَّةِ مُعَاذٍ ، فَلِهَذَا أَتَى بِصِيغَةِ الْجَمْعِ . وَفِي قِصَّةِ مُعَاذٍ وَاجَهَهُ وَحْدَهُ بِالْخِطَابِ ، وَكَذَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْغَضَبِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ ، وَبِهَذَا يَتَوَجَّهُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ . قَوْلُهُ : ( فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى ) مَا زَائِدَةٌ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ : فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ . قَوْلُهُ : ( فَلْيُخَفِّفْ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : التَّطْوِيلُ وَالتَّخْفِيفُ مِنَ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ خَفِيفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَادَةِ قَوْمٍ ، طَوِيلًا بِالنِّسْبَةِ لِعَادَةِ آخَرِينَ . قَالَ : وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ : لَا يَزِيدُ الْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ ، لَا يُخَالِفُ مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ رَغْبَةَ الصَّحَابَةِ فِي الْخَيْرِ تَقْتَضِي أَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا ، قُلْتُ : وَأَوْلَى مَا أُخِذَ حَدُّ التَّخْفِيفِ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : أَنْتَ إِمَامُ قَوْمِكَ ، وَأَقْدِرِ الْقَوْمَ بِأَضْعَفِهِمْ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ فِيهِمْ ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ : فَإِنَّ خَلْفَهُ ، وَهُوَ تَعْلِيلُ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُتَّصِفٌ بِصِفَةٍ مِنَ الْمَذْكُورَاتِ لَمْ يَضُرَّ التَّطْوِيلُ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ إِمْكَانِ مَجِيءِ مَنْ يَتَّصِفُ بِإِحْدَاهَا ، وَقَالَ الْيَعْمُرِيُّ : الْأَحْكَامُ إِنَّمَا تُنَاطُ بِالْغَالِبِ لَا بِالصُّورَةِ النَّادِرَةِ ، فَيَنْبَغِي لِلْأَئِمَّةِ التَّخْفِيفُ مُطْلَقًا . قَالَ : وَهَذَا كَمَا شُرِعَ الْقَصْرُ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ وَعُلِّلَ بِالْمَشَقَّةِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُشْرَعُ وَلَوْ لَمْ يَشُقَّ عَمَلًا بِالْغَالِبِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ ، وَهُنَا كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( الضَّعِيفُ وَالْكَبِيرُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ فِي الْعِلْمِ : فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّعِيفِ هُنَا الْمَرِيضُ ، وَهُنَاكَ مَنْ يَكُونُ ضَعِيفًا فِي خِلْقَتِهِ كَالنَّحِيفِ وَالْمُسِنِّ ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مَزِيدُ قَوْلٍ فِيهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَخْفِيفِ الْإِمَامِ فِي الْقِيَامِ وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ · ص 231 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب تَخْفيفِ الإمامِ فِي القيَامِ وإتْمامِ الرُّكُوعَ والسُّجُوِد · ص 207 61 - باب تَخْفيفِ الإمامِ فِي القيَامِ وإتْمامِ الرُّكُوعَ والسُّجُوِد 702 - حَدَّثَنَا أحمد بن يونس ، ثنا زهير ، ثنا إِسْمَاعِيل ، سَمِعْت قيساً قَالَ : أخبرني أبو مَسْعُود ، أن رجلاً قَالَ : والله يَا رسول الله ، إني لأتأخر عَن صلاة الغداة من أجل فلان مِمَّا يطيل بنا ، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي موعظة أشد غضباً مِنْهُ يومئذ ، ثُمَّ قَالَ : ( إن منكم منفرين ، فأيكم مَا صلى بالناس فليتجوز ؛ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة ) . فِي هَذَا الحَدِيْث : أن الإمام مأمور بالتخفيف خشية الإطالة عَلَى من خلفه ؛ فإنه لا يخلو بعضهم من عذر كالضعيف والكبير وذي الحاجة . وهذا يدل عَلَى أن الأمر بالتخفيف إنما يتوجه إلى إمام يصلي فِي مسجد يغشاه النَّاس . قَالَ حَنْبل بن إِسْحَاق : قال أبو عَبْد الله - يعني : أحمد - : إذا كَانَ المسجد عَلَى قارعة الطريق أو طريق يسلك فالتخفيف أعجب إلي ، فإن كَانَ مسجداً يعتزل أهله ويرضون بذلك فلا بأس ، وأرجو إن شاء الله . وقالت طائفة : عَلَى الإمام أن يخفف بكل حال . ورجحه ابن عَبْد البر ، قَالَ : لأنه وإن علم قوة من خلفه ، فإنه لا يدري مَا يحدث بهم من آفات بني آدم ، وذكر أن تطويل الإمام غير جائز ، وأنه يلزمه التخفيف . وَقَالَ عَبْد الله بن أحمد : سألت أَبِي عَن الحَدِيْث الَّذِي جَاءَ عَن النبي صلى الله عليه وسلم فِي صلاته ، قَالَ : ( وكان قيامه وركوعه وسجوده وقعوده بَيْن السجدتين قريباً من السواء ) : مَا تفسير ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : أحب إلي أن يخفف ، ولا يشق عَلَى من خلفه ، وقد روي عَن النبي صلى الله عليه وسلم فِي التخفيف أحاديث . قَالَ أبو بَكْر عَبْد العزيز بن جَعْفَر من أصحابنا : قَدْ يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل ذَلِكَ فِي نفسه إذا كَانَ مصلياً ، وقد أمر أئمته بالتخفيف ، فيتوجه الحديثان عَلَى معنيين . كذا قَالَ ، وفيه نظر ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يخفف ويوجز ويتم الصلاة ، فَلَمْ يكن يفعل خلاف مَا أمر بِهِ الأئمة . وليس فِي حَدِيْث أَبِي مَسْعُود الَّذِي خرجه هاهنا مَا يدل عَلَى مَا بوب عَلِيهِ من تخفيف القيام وإتمام الركوع والسجود ، وقد خرج فيما بعد حَدِيْث أَنَس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يوجز ويتم . وقد رويت أحاديث فِي التخفيف مَعَ إتمام الركوع والسجود ، وهي مطابقة لترجمة هَذَا الباب ، لكن ليست عَلَى شرط هَذَا ( الكتاب ) . فخرج الإمام أحمد من حَدِيْث مَالِك بن عَبْد الله الخثعمي ، قَالَ : غزوت مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَلَمْ أصل خلف إمام كَانَ أوجز مِنْهُ صلاة فِي تمام الركوع والسجود . ومن حَدِيْث عدي بن حاتم ، قَالَ : من أمنا فليتم الركوع والسجود ؛ فإن فينا الضعيف والكبير والمريض والعابر السبيل وذا الحاجة ، هكذا كنا نصلي مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم . وخرجه الطبراني ، ولفظه : أن عدي بن حاتم خرج إلى مجلسهم ، فأقيمت الصلاة فتقدم إمامهم ، فأطال الصلاة والجلوس ، فلما انصرف قَالَ : من أَمنا منكم فليتم الركوع والسجود ؛ فإن خلفه الصغير والكبير والمريض وابن السبيل وذا الحاجة ، فلما حضرت الصلاة تقدم عدي فأتم الركوع والسجود ، وتجوز فِي الصلاة ، فلما انصرف قَالَ : هكذا كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم . وخرج الطبراني وغيره من حَدِيْث نَافِع بن خَالِد الخزاعي ، حَدَّثَنِي أَبِي - وكان من أصْحَاب الشجرة - أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا صلى والناس ينظرون صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود . فَقَدْ ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا صلى بالناس فإنه يخفف عنهم ، وإذا صلى لنفسه يطول . وفي ( مسند الإمام أحمد ) عَن أَبِي واقد الليثي ، قَالَ : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم أخف النَّاس صلاة بالناس ، وأطول النَّاس صلاة لنفسه . فالصلاة الَّتِيْ كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بالناس هِيَ التخفيف الَّذِي أمر بِهِ غيره ، وإنما أنكر عَلَى من طول تطويلاً زائداً عَلَى ذَلِكَ ، فإن معاذ بن جبل كَانَ يصلي مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة صلاة العشاء ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخرها كثيراً ، كما سبق ذكره فِي ( المواقيت ) ، ثُمَّ ينطلق إلى قومه فِي بني سَلَمَة فيصلي بهم ، وقد استفتح حينئذ بسورة البقرة ، فهذا هُوَ الَّذِي أنكره عَلَى معاذ . ويشهد لهذا : حَدِيْث ابن عُمَر ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمرنا بالتخفيف ، وإن كَانَ ليؤمنا بالصافات . خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة فِي ( صحيحه ) . والمراد : أن التخفيف المأمور بِهِ هُوَ مَا كَانَ يفعله ، ومن كَانَ يفهم أَنَّهُ كَانَ يفعل خلاف مَا أمر بِهِ - كما أشعر بِهِ تبويب النسائي - فَقَدْ وهم . وفي ( صحيح مُسْلِم ) عَن سماك ، قَالَ : سألت جابر بن سمرة عَن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : كَانَ يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء ، قَالَ : وأنبأني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يقرأ فِي الفجر بـ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ونحوها من السور . وخرجه الحَاكِم ، ولفظه : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصلي نحواً من صلاتكم ، ولكنه كان يخفف الصلاة ، كَانَ يقرأ فِي الفجر بالواقعة ونحوها من السور . فصرح بأن تخفيفه هُوَ قراءته بهذه السورة . وروى عَبْد الجبار بن العباس ، عَن عمار الدهني ، عَن الأعمش ، عَن إبراهيم التيمي ، قَالَ : كَانَ أَبِي ترك الصلاة مَعَنَا ، قَالَ : إنكم تخففون . قُلتُ : فأين قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن فيكم الكبير والضعيف وذا الحاجة ؟ ) فَقَالَ : قَدْ سَمِعْت عَبْد الله بن مَسْعُود يَقُول ذَلِكَ ، ثُمَّ صلى ثَلاَثَة أضعاف مَا تصلون . خرجه ابن خزيمة فِي ( صحيحه ) والطبراني . وروى مَالِك بن مغول ، عَن الحكم ، عَن إِبْرَاهِيْم التيمي ، عَن أَبِيه ، أَنَّهُ كَانَ يتخلف عَن الصلاة ، فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : إنكم تخففون ، فَقِيلَ : أليس قَدْ كَانَ يؤمر بذلك ؟ قَالَ : إن الَّذِي كَانَ عليهم خفيفاً عليكم ثقيل . واعلم ؛ أن التخفيف أمر نسبي ، فَقَدْ تكون الصلاة خفيفة بالنسبة إلى مَا هُوَ أخف مِنْهَا ، فالتخفيف المأمور بِهِ الأئمة هُوَ الَّذِي كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يفعله إذا أم ، فالنقص مِنْهُ ليس بتخفيف مشروع ، والزيادة عَلِيهِ إن كَانَ مِمَّا فعله الخُلَفَاء الراشدون كتطويل القراءة فِي صلاة الصبح ، عَلَى مَا كَانَ يفعله - أحيانا - أبو بَكْر وعمر فليس بمكروه ، نَصَّ عَلِيهِ الإمام أحمد وغيره ، وسيأتي ذَلِكَ فِي موضعه إن شاء الله تعالى . وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي ( الأم ) : أحب أن يبدأ الراكع فيقول : سبحان ربي العظيم - ثلاثاً - ، ويقول كل مَا حكيت عَن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يقوله - يعني : حَدِيْث عَلِيّ - قَالَ : وكل مَا قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم فِي ركوع أو سجود أحببت أن لا يقصر عَنْهُ ، إماماً كَانَ أو منفرداً ، وَهُوَ تخفيف لا تثقيل . انتهى كلامه . فَقَدْ كَانَ حدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم من تخفيف الصلاة من الأئمة تخفيفاً ، وقد حكي ذَلِكَ عَن أهل الكوفة ، وحدث من يطيل الصلاة عَلَى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إطالة زائدة ، وكان ذَلِكَ فِي أهل الشام وأهل المدينة - أَيْضاً - ، وكان السلف ينكرون عَلَى الطائفتين ، وقد ذكرنا إنكار يزيد التيمي - وكان من أعيان التابعين - عَلَى من خفف الصلاة من أئمة الكوفة ، وكان ابن عُمَر وغيره ينكرون عَلَى من أطال الصلاة إطالة زائدةً عَلَى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم . ففي ( مسند الإمام أحمد ) عَن عطية ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : سجدة من سجود هؤلاء مثل ثلاث سجدات من سجود النبي صلى الله عليه وسلم . وعن حيان البارقي ، قَالَ : قيل لابن عُمَر : إن إماما يطيل الصلاة . فَقَالَ : ركعتين من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف - أو مثل ركعة - من صلاة هَذَا . وروى ابن أَبِي عاصم فِي ( كِتَاب السنة ) من رِوَايَة سَالِم بن حذلم ، قَالَ : رآني ابن عمر أصلي ، فلما انصرفت قَالَ لِي : ممن أنت ؟ قُلتُ : من أهل الشام ، قَالَ : إنكم أهل الشام تصلون الصلاة وتكثرون من الدعاء ، وإني لَمْ أصل خلف أحد أخف صلاة فِي تمام من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي ( المسند ) عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد ، عَن أَبِيه ، قَالَ : رأيت أَبَا هُرَيْرَةَ صلى صلاة تجوز فيها ، فَقُلْت لَهُ : هكذا كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وأوجز . وفي رِوَايَة : ( أو أوجز ) . وفي رِوَايَة - أَيْضاً - : قَالَ : وكان قيامه قدر مَا ينزل المؤذن من المنارة ويصل إلى الصف . وفي بعض الروايات لهذا الحَدِيْث : أن أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يؤم النَّاس بالمدينة فيخفف . وفي ( المسند ) - أَيْضاً - : عَن أَنَس بن مَالِك ، قَالَ : لَقَدْ كنا نصلي مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة لَوْ صلاها أحدكم اليوم لعبتموها عَلِيهِ ، فَقَالَ لَهُ رَجُل : ألا تذكر ذَلِكَ لأميرنا - والأمير يومئذ عُمَر بن عَبْد العزيز - ؟ فَقَالَ : قَدْ فعلت . وفي رِوَايَة فِي غير ( المسند ) بعد قوله : ( لعبتموها عَلِيهِ ) : ( يعني : فِي التخفيف ) . وروي عَن عُمَر بن الخَطَّاب ، قَالَ : أيها النَّاس ، لا تبغضوا الله إلى عباده ، فَقَالَ قائل منهم : وكيف ذَلِكَ ؟ قَالَ : يكون الرَّجُلُ إماماً للناس ، يصلي بهم ، فلا يزال يطول عليهم حَتَّى يبغض إليهم مَا هم فِيهِ . خرجه ابن عَبْد البر .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود · ص 240 ( باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود ) أي هذا باب في بيان حكم تخفيف الإمام في القيام ، وفي حكم إتمام الركوع والسجود ، وقال الكرماني : الواو في " وإتمام " بمعنى " مع " كأنه قال : باب التخفيف بحيث لا يفوته شيء من الواجبات فهو تفسير لقوله في الحديث فليتجوز لأنه لا يأمر بالتجوز المؤدي إلى فساد الصلاة ، قلت : لا يحتاج إلى هذا التكلف لأن المأمور به في نفس الأمر هو إتمام جميع الأركان ، وإنما ذكر التخفيف في القيام لأنه مظنة التطويل . 91 - حدثنا أحمد بن يونس ، قال : حدثنا زهير ، قال : حدثنا إسماعيل ، قال : سمعت قيسا ، قال : أخبرني أبو مسعود أن رجلا قال : والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا ، فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موعظة أشد غضبا منه يومئذ ، ثم قال : إن منكم منفرين ، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف ، والكبير ، وذا الحاجة . مطابقته للترجمة من حيث إنه أمر الأئمة بتخفيف الصلاة على القوم ؛ فإن قلت : كيف المطابقة ، والأمر بالتخفيف في الحديث أعم ، وفي الترجمة خص التخفيف بالقيام ؛ قلت : لما ذكرنا الآن أن القيام مظنة التطويل في غالب الأحوال ، وغير القيام لا يشق إتمامه على أحد ، وإن كان تطويله يشق ، وقال صاحب ( التلويح ) : وكأن البخاري ركب من حديث معاذ وأبي مسعود ترجمة ؛ فإن في حديث معاذ تخفيف القيام خاصة ، وبينه بالقراءة هنا في القيام ، وبقي الركوع ، والسجود على حاله . ذكر رجاله : وهم خمسة : الأول : أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي ، الثاني : زهير بضم الزاي ابن معاوية الجعفي ، الثالث : إسماعيل بن أبي خالد ، الرابع : قيس بن أبي حازم ، الخامس : أبو مسعود البدري الأنصاري ، واسمه عقبة بن عمرو ، ولم يشهد بدرا ، وإنما قيل له البدري لأنه من ماء بدر ، سكن الكوفة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد ، وفيه السماع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه شيخ البخاري منسوب إلى جده ، وفيه أن رواته كلهم كوفيون ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي . وهذا الحديث قد مر في كتاب العلم في باب الغضب في الموعظة ، أخرجه عن محمد بن كثير ، عن سفيان ، عن ابن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن أبي مسعود : فانظر إلى التفاوت بينهما في المتن ، وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق به من الأشياء . قوله : " إن رجلا " لم يسم من هو ، قوله : ( إني لأتأخر عن صلاة الغداة ) يعني لا أحضرها مع الجماعة لأجل التطويل ، قوله : ( مما يطيل بنا ) كلمة ما مصدرية أي من تطويله ، وفي رواية عبد الله بن المبارك في الأحكام : والله إني لأتأخر بزيادة القسم ، وفي رواية سفيان الآتية قريبا عن الصلاة في الفجر ، وإنما خصها بالذكر لأنها تطول فيها القراءة غالبا ، ولأن الانصراف منها وقت التوجه لمن له حرفة إليها ، قوله : ( أشد ) بالنصب على الحال من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ونصب غضبا على التمييز ، وقال بعضهم : أشد بالنصب نعت لمصدر محذوف أي غضبا أشد ، قلت : هذا ليس بشيء لفساد المعنى يذوقه من له يد في العربية ، قوله : ( يومئذ ) أي يوم أخبر بذلك ، قال ابن دقيق العيد : سبب الغضب إما لمخالفة الموعظة أو للتقصير في تعلم ما ينبغي تعلمه ، وقال أبو الفتح اليعمري : فيه نظر لأنه يتوقف على تقدم الإعلام بذلك ، قلت : يحتمل تقدم الإعلام به بقصة معاذ ، ولهذا لم يذكر في حديثه الغضب ، وواجهه وحده بالخطاب ، وهنا قال : إن منكم منفرين بصيغة الجمع ، وهو من التنفير ، يقال : نفر ينفر نفورا ونفارا ، إذا فر وذهب ، قال : ويحتمل أن يكون ما ظهر من الغضب لإرادة الاهتمام بما يلقيه لأصحابه ليكونوا من سماعه على بال ، قوله : ( فأيكم ) ؟ أي أي واحد منكم ، قوله : ( ما صلى بالناس ) كلمة ما زائدة ، وزيادتها مع أي الشرطية كثيرة ، وفائدتها التوكيد ، وزيادة التعميم ، قوله : ( فليتجوز ) جواب الشرط أي فليخفف ، يقال : تجوز في صلاته أي خفف ، وأصل اللام فيه أن تكون مكسورة ، وجاز فيها السكون ، وقال ابن بطال : لما أمر الشارع بالتخفيف كان المطول عاصيا ، ومخالفة العاصي جائزة لأنه لا طاعة إلا في المعروف ، وقيل : إن التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية فقد يكون الشيء خفيفا بالنسبة إلى عادة قوم طويلا بالنسبة إلى عادة آخرين ، وقال اليعمري : الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالضرورة النادرة فينبغي للأئمة التخفيف مطلقا ، قال : وهذا كما شرع القصر في الصلاة في حق المسافر ، وعلل بالمشقة ، وهي مع ذلك تشرع ولو لم تشق عملا بالغالب ؛ لأنه لا يدري ما يطرأ عليه ، وهنا كذلك قلت : يؤيد كلامه صيغة الأمر بالتخفيف فإنه أمر بعد الغضب الشديد ، وظاهره يقتضي الوجوب ، قوله : ( فإن فيهم الضعيف والكبير ) ، ووقع في رواية سفيان في كتاب العلم في باب الغضب في الموعظة فإن فيهم المريض ، والضعيف ، والمراد بالضعيف هنا المريض ، وهناك من يكون الضعف في خلقته كالنحيف والمسن ، وكل مريض ضعيف من غير عكس .