باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود
( باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود ) 91 - حدثنا أحمد بن يونس ، قال : حدثنا زهير ، قال : حدثنا إسماعيل ، قال : سمعت قيسا ، قال : أخبرني أبو مسعود أن رجلا قال : والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا ، فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موعظة أشد غضبا منه يومئذ ، ثم قال : إن منكم منفرين ، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف ، والكبير ، وذا الحاجة . مطابقته للترجمة من حيث إنه أمر الأئمة بتخفيف الصلاة على القوم ؛ فإن قلت : كيف المطابقة ، والأمر بالتخفيف في الحديث أعم ، وفي الترجمة خص التخفيف بالقيام ؛ قلت : لما ذكرنا الآن أن القيام مظنة التطويل في غالب الأحوال ، وغير القيام لا يشق إتمامه على أحد ، وإن كان تطويله يشق ، وقال صاحب ( التلويح ) : وكأن البخاري ركب من حديث معاذ وأبي مسعود ترجمة ؛ فإن في حديث معاذ تخفيف القيام خاصة ، وبينه بالقراءة هنا في القيام ، وبقي الركوع ، والسجود على ج٥ / ص٢٤١حاله .
ذكر رجاله : وهم خمسة : الأول : أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي ، الثاني : زهير بضم الزاي ابن معاوية الجعفي ، الثالث : إسماعيل بن أبي خالد ، الرابع : قيس بن أبي حازم ، الخامس : أبو مسعود البدري الأنصاري ، واسمه عقبة بن عمرو ، ولم يشهد بدرا ، وإنما قيل له البدري لأنه من ماء بدر ، سكن الكوفة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد ، وفيه السماع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه شيخ البخاري منسوب إلى جده ، وفيه أن رواته كلهم كوفيون ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي . وهذا الحديث قد مر في كتاب العلم في باب الغضب في الموعظة ، أخرجه عن محمد بن كثير ، عن سفيان ، عن ابن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن أبي مسعود : فانظر إلى التفاوت بينهما في المتن ، وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق به من الأشياء .
قوله : " إن رجلا " لم يسم من هو ، قوله : ( إني لأتأخر عن صلاة الغداة ) يعني لا أحضرها مع الجماعة لأجل التطويل ، قوله : ( مما يطيل بنا ) كلمة ما مصدرية أي من تطويله ، وفي رواية عبد الله بن المبارك في الأحكام : والله إني لأتأخر بزيادة القسم ، وفي رواية سفيان الآتية قريبا عن الصلاة في الفجر ، وإنما خصها بالذكر لأنها تطول فيها القراءة غالبا ، ولأن الانصراف منها وقت التوجه لمن له حرفة إليها ، قوله : ( أشد ) بالنصب على الحال من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ونصب غضبا على التمييز ، وقال بعضهم : أشد بالنصب نعت لمصدر محذوف أي غضبا أشد ، قلت : هذا ليس بشيء لفساد المعنى يذوقه من له يد في العربية ، قوله : ( يومئذ ) أي يوم أخبر بذلك ، قال ابن دقيق العيد : سبب الغضب إما لمخالفة الموعظة أو للتقصير في تعلم ما ينبغي تعلمه ، وقال أبو الفتح اليعمري : فيه نظر لأنه يتوقف على تقدم الإعلام بذلك ، قلت : يحتمل تقدم الإعلام به بقصة معاذ ، ولهذا لم يذكر في حديثه الغضب ، وواجهه وحده بالخطاب ، وهنا قال : إن منكم منفرين بصيغة الجمع ، وهو من التنفير ، يقال : نفر ينفر نفورا ونفارا ، إذا فر وذهب ، قال : ويحتمل أن يكون ما ظهر من الغضب لإرادة الاهتمام بما يلقيه لأصحابه ليكونوا من سماعه على بال ، قوله : ( فأيكم ) ؟ أي أي واحد منكم ، قوله : ( ما صلى بالناس ) كلمة ما زائدة ، وزيادتها مع أي الشرطية كثيرة ، وفائدتها التوكيد ، وزيادة التعميم ، قوله : ( فليتجوز ) جواب الشرط أي فليخفف ، يقال : تجوز في صلاته أي خفف ، وأصل اللام فيه أن تكون مكسورة ، وجاز فيها السكون ، وقال ابن بطال : لما أمر الشارع بالتخفيف كان المطول عاصيا ، ومخالفة العاصي جائزة لأنه لا طاعة إلا في المعروف ، وقيل : إن التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية فقد يكون الشيء خفيفا بالنسبة إلى عادة قوم طويلا بالنسبة إلى عادة آخرين ، وقال اليعمري : الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالضرورة النادرة فينبغي للأئمة التخفيف مطلقا ، قال : وهذا كما شرع القصر في الصلاة في حق المسافر ، وعلل بالمشقة ، وهي مع ذلك تشرع ولو لم تشق عملا بالغالب ؛ لأنه لا يدري ما يطرأ عليه ، وهنا كذلك قلت : يؤيد كلامه صيغة الأمر بالتخفيف فإنه أمر بعد الغضب الشديد ، وظاهره يقتضي الوجوب ، قوله : ( فإن فيهم الضعيف والكبير ) ، ووقع في رواية سفيان في كتاب العلم في باب الغضب في الموعظة فإن فيهم المريض ، والضعيف ، والمراد بالضعيف هنا المريض ، وهناك من يكون الضعف في خلقته كالنحيف والمسن ، وكل مريض ضعيف من غير عكس .