باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى
قال : وحدثني محمد بن بشار ، قال : حدثنا غندر ، قال : حدثنا شعبة ، عن عمرو ، قال : سمعت جابر بن عبد الله ، قال : كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يرجع فيؤم قومه ، فصلى العشاء ، فقرأ بالبقرة ، فانصرف الرجل ، فكأن معاذا تناول منه ، فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : فتان فتان فتان ، ثلاث مرار ، أو قال : فاتنا فاتنا فاتنا ، وأمره بسورتين من أوسط المفصل ، قال عمرو : لا أحفظهما . هذه الطريقة التي رواها عن بندار عن غندر ، وهو محمد بن جعفر عن شعبة إلى آخره تتمة الحديث الذي أخرجه قبله عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة ، وقد ذكرنا وجه تقطيعه إياه ، ووجه مطابقته للترجمة . ذكر الطرق المختلفة في هذا الحديث إلى جابر بن عبد الله وغيره ، وروى البخاري أيضا لحديث جابر هذا في باب من شكا إمامه إذا طول من حديث محارب بن دثار عن جابر : أقبل رجل بناضحين ، وقد جنح الليل فوافق معاذا يصلي .
الحديث ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في بابه ، وأخرجه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر عن قتيبة عن الليث عن أبي الزبير عنه ، وعن محمد بن رمح عن الليث بلفظ : قرأ معاذ في العشاء بالبقرة ، وأخرجه مسلم ، ولفظه : فافتتح سورة البقرة ، وفي رواية : بسورة البقرة أو النساء على الشك ، وأخرجه النسائي في الصلاة ، وفي التفسير عن قتيبة به ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن رمح ، وأخرجه السراج عن محارب بلفظ : فقرأ بالبقرة والنساء . بالواو بلا شك ، فقال صلى الله عليه وسلم : أما يكفيك أن تقرأ والسماء والطارق ، والشمس وضحاها ، ونحو هذا ؟ وأخرجه عبد الله بن وهب في مسنده أخبرنا ابن لهيعة ، والليث عن أبي الزبير فذكره ، وفيه : طول على أصحابه فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : أفتان أنت ؟ خفف على الناس ، واقرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى ﴾، والشمس وضحاها ، ونحو ذلك ، ولا تشق على الناس . وعند أحمد في ( مسنده ) من حديث بريدة بإسناد قوي : فقرأ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ، وفي ( صحيح ابن حبان ) من حديث سفيان عن عمرو عن جابر : أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ذات ليلة ، فصلى معه معاذ ثم رجع إلينا فتقدم ليؤمنا ، فافتتح بسورة البقرة ، فلما رأى ذلك رجل من القوم تنحى فصلى وحده ، وفيه : فأمر بسور قصار لا أحفظها ، فقلنا لعمرو : إن أبا الزبير قال لهم : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : اقرأ بالسماء والطارق ، ﴿والسماء ذات البروج ﴾، والشمس وضحاها ، ﴿والليل إذا يغشى ﴾.
قال عمرو بنحو هذا ، وفي ( صحيح ابن خزيمة عن بندار عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عجلان عن أبي الزبير عن جابر بلفظ ، فقال معاذ : إن هذا يعني الفتى يتناولني ، ولأخبرن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما أخبره قال الفتى : يا رسول الله ، نطيل المكث عندك ثم نرجع فيطول علينا ، فقال : أفتان أنت يا معاذ ؟ كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت ؟ قال : أقرأ الفاتحة وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار ، أي لا أدري ما دندنتك ودندنة معاذ ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنا ومعاذ حولها ندندن . الحديث ، وفي ( مسند أحمد ) من حديث معاذ بن رفاعة عن رجل من بني سلمة ، يقال له سليم ، أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له : يا نبي الله إنا نظل في أعمالنا فنأتي حين نمسي فنصلي ، فيأتي معاذ بن جبل فينادي بالصلاة فنأتيه فيطول علينا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا معاذ لا تكن فاتنا . ورواه الطحاوي والطبراني من هذا الوجه عن معاذ بن رفاعة أن رجلا من بني سلمة .
فذكره مرسلا ، ورواه البزار من وجه آخر عن جابر ، وسماه سليما أيضا ، ووقع عند ابن حزم من هذا الوجه أن اسمه سلم بفتح أوله وسكون اللام فكأنه تصحيف ، والله أعلم . ( ذكر معناه ) قوله : ( يصلي مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ) وفي رواية مسلم من رواية منصور عن عمرو : عشاء الآخرة ، فكأن معاذا كان يواظب فيها على الصلاة مرتين ، قوله : ( ثم يرجع فيؤم قومه ) ، وفي رواية منصور : فيصلي بهم تلك الصلاة ، قال بعضهم : وفي هذا رد على من زعم أن المراد أن الصلاة التي كان يصليها مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - غير الصلاة التي كان يصليها بقومه ، قلت : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن الاحتجاج به من باب ترك الإنكار من النبي - صلى الله عليه وسلم - وشرط ذلك علمه بالواقعة ، وجاز أن لا يكون علم بها . الثاني : أن النية أمر مبطن لا يطلع عليه إلا بإخبار الناوي ، ومن الجائز أن يكون معاذ كان يجعل صلاته معه صلى الله تعالى عليه وسلم بنية النفل ليتعلم سنة القراءة منه وأفعال الصلاة ، ثم يأتي قومه فيصلي بهم صلاة الفرض ؛ فإن قلت : يستبعد من معاذ أن يترك فضيلة الفرض خلف النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، ويأتي به مع قومه ، وكيف يظن بمعاذ بعد سماعه قول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ، ولعل صلاة واحدة مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - خير له من كل صلاة صلاها في عمره ، ولا سيما في مسجده التي هي خير من ألف صلاة فيما سواه .
قلت : أليس تفوت الفضيلة معه صلى الله تعالى عليه وسلم في سائر أئمة مساجد المدينة ، وفضيلة النافلة خلفه مع أداء الفرض مع قومه يقوم مقام أداء الفريضة خلفه وامتثال أمر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - في إمامة قومه زيادة طاعة ؟ الثالث : قال المهلب : يحتمل أن يكون حديث معاذ كان أول الإسلام وقت عدم القراء أو وقت لا عوض للقوم من معاذ ، فكانت حالة ضرورة فلا تجعل أصلا يقاس عليه . قلت : هذا كان قبل أحد فلا حاجة إلى ذكر الاحتمال ، الرابع : أنه يحتمل أن يكون كان معاذ يصلي مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - صلاة النهار ، ومع قومه صلاة الليل ؛ لأنهم كانوا أهل خدمة لا يحضرون صلاة النهار في منازلهم ، فأخبر الراوي عن حال معاذ في وقتين لا في وقت واحد ، الخامس : أنه حديث منسوخ على ما نذكره إن شاء الله تعالى . قوله : ( فصلى العشاء ) كذا في معظم الروايات ، ووقع في رواية لأبي عوانة والطحاوي من طريق محارب : صلى بأصحابه المغرب ، وكذا في رواية عبد الرزاق من رواية أبي الزبير ، وقال بعضهم : فإن حمل على تعدد القضية أو على أن المغرب أريد به العشاء مجازا ، وإلا فما في الصحيح أصح ، قلت : رجال الطحاوي في روايته رجال الصحيح فمن أين تأتي الأصحية في رواية العشاء ؟ قوله : ( فقرأ بالبقرة ) ، وفي رواية مسلم عن ابن عيينة : فقرأ بسورة البقرة ، وكذا في رواية الإسماعيلي ، وقال بعضهم : فالظاهر أن ذلك من تصرف الرواة ، قلت : ليس ذلك من تصرف الرواة بل من تعدد القضية .
قوله : ( فانصرف الرجل ) إما أن يراد به الجنس ، والمعرف تعريف الجنس كالنكرة في مؤداه ، فكأنه قال : رجل ، أو يراد المعهود من رجل معين ، ووقع في رواية الإسماعيلي : فقام رجل وانصرف ، وفي رواية سليم بن حبان : فتحول رجل فصلى صلاة خفيفة ، وفي رواية مسلم عن ابن عيينة : فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده ، قال بعضهم : هو ظاهر في أنه قطع الصلاة ، ونقل عن النووي أنه قال : قوله : ( فسلم ) دليل على أنه قطع الصلاة من أصلها ثم استأنفها ، فيدل على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر . قلت : ذكر البيهقي أن محمد بن عباد شيخ مسلم تفرد بقوله : ( ثم سلم ) ، وأن الحفاظ من أصحاب ابن عيينة ، ومن أصحاب شيخه عمرو بن دينار ، وأصحاب جابر لم يذكروا السلام ، وكأنه فهم أن هذه اللفظة تدل على أن الرجل قطع الصلاة ؛ لأن السلام يتحلل به من الصلاة ، وسائر الروايات تدل على أنه قطع الصلاة فقط ، ولم يخرج من الصلاة بل استمر فيها منفردا ، وقال بعضهم : واستدل بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل ، وذلك لأن ابن جريج روى عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب : هي له تطوع ، ولهم فريضة . قلت : هذه زيادة ، وقد تكلموا فيها فزعم أبو البركات ابن تيمية أن الإمام أحمد ضعف هذه الزيادة ، وقال : أخشى أن لا تكون محفوظة لأن ابن عيينة يزيد فيها كلاما لا يقوله أحد ، وقال ابن قدامة في ( المغني ) : وروى الحديث منصور بن زاذان وشعبة ، فلم يقولا ما قال سفيان بن عيينة ، وقال ابن الجوزي : هذه الزيادة لا تصح ، ولو صحت لكانت ظنا من جابر ، وبنحوه ذكره ابن العربي في العارضة ، وقال الطحاوي : أخبرنا ابن عيينة روى عن عمرو حديث جابر أتم من سياق ابن جريج ، ولم يذكر هذه الزيادة ، وقال بعضهم : وتعليل الطحاوي بهذا ليس بقادح في صحته ؛ لأن ابن جريج أسن وأجل من ابن عيينة ، وأقدم أخذا عن عمرو بن دينار منه ، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة ثقة حافظ ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه ، قلت : هذه مكابرة لتمشية كلامه في حق الطحاوي ، فهل ذكر هذا عند قول أحمد وهو أجل من ابن جريج وابن عيينة ؟ هذه الزيادة ضعيفة أو عند كلام ابن الجوزي : إن هذه الزيادة لا تصح ، أو عند كلام ابن العربي على ما ذكرنا ، وهذا الرافعي الذي هو من أكابر أئمتهم ، وممن يعتمد عليهم ، ويؤخذ عليهم قال في شرح هذا الحديث : هذا غير محمول على ما قالوا ؛ لأن الفرض لا يقطع بعد الشروع فيه ، وكون ابن جريج أسن من ابن عيينة وأقدم أخذا عن عمرو بن دينار منه بعد التسليم لا يستلزم نفي ما قاله الطحاوي ، وقد قال الطحاوي : يحتمل أن تكون هذه الزيادة مدرجة ، ورده بعضهم بأن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل فمهما كان مضموما إلى الحديث فهو منه ، قلت : لا دليل على كونها مدرجة لجواز أن تكون من ابن جريج ، وجواز أن تكون من عمرو بن دينار ، ويجوز أن تكون من قول جابر ، فمن أي هؤلاء الثلاثة كان هذا القول ، فليس فيه دليل على حقيقة ما كان يفعل معاذ ، ولو ثبت أنه عن معاذ لم يكن فيه دليل أنه كان بأمر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - .
وقوله : فمهما كان مضموما إلى الحديث فهو منه غير صحيح ؛ لأنه يلزم منه أن لا يوجد مدرج أصلا ، وسنذكر مزيد الكلام فيه في ذكر ما يستفاد منه إن شاء الله تعالى ؛ فإن قلت : هل علم اسم هذا الرجل ؟ قلت : هنا لم يسم ، ولكن روى أبو داود الطيالسي في ( مسنده ) والبزار من طريقه عن طالب بن حبيب ، عن عبد الرحمن بن جابر ، عن أبيه قال : مر حزم بن أبي كعب بمعاذ بن جبل وهو يصلي بقومه صلاة العتمة ، فافتتح بسورة طويلة ، ومع حزم ناضح له . الحديث . قال البزار : لا نعلم أحدا سماه عن جابر إلا ابن جابر ، قال الذهبي في ( تجريد الصحابة ) : حزم ابن أبي كعب ، قيل : هو الذي طول عليه معاذ في العشاء ففارقه منها ، وروى أبو داود في ( سننه ) : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا طالب بن حبيب ، قال : سمعت عبد الرحمن بن جابر يحدث عن حزم بن أبي كعب أنه أتى معاذا وهو يصلي بقوم صلاة المغرب .
في هذا الخبر قال : فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : يا معاذ لا تكن فتانا فإنه يصلي وراءك الكبير ، والضعيف ، وذو الحاجة ، والمسافر . قوله : ( في هذا الخبر ) أشار به إلى ما رواه عمرو عن جابر : كان معاذ يصلي مع النبي – عليه الصلاة والسلام - ثم يرجع فيؤمنا ، الحديث . وقيل : اسم الرجل حرام ، روى أحمد في مسنده بإسناد صحيح ، عن أنس قال : كان معاذ يؤم قومه فدخل حرام وهو يريد أن يسقي نخله .
الحديث ، وقال ابن الأثير : حرام ضد الحلال ابن ملحان بكسر الميم خال أنس بن مالك ، وقال بعضهم : وظن بعضهم أنه حرام بن ملحان خال أنس بن مالك لكن لم أره منسوبا في الرواية ، ويحتمل أن يكون مصحفا من حزم . قلت : عدم رؤيته منسوبا في الرواية لا يدل على أنه مصحف من حزم ، وقال في التلويح ، وهو في مسند أحمد بسند صحيح عن أنس : كان معاذ يؤم قومه فدخل حرام يعني ابن ملحان ، وهو يريد أن يسقي نخله ، فلما رأى معاذا طول تحول ولحق بنخله يسقيه ، وقيل : اسمه سليم رجل من بني سلمة ، وروى أحمد أيضا في مسنده من حديث معاذ بن رفاعة عن سليم رجل من بني سلمة أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله إن معاذا ، الحديث . وقد ذكرناه مستوفى عن قريب .
قوله : ( فكان معاذ ينال منه ) ، أي من الرجل المذكور ، ومعنى ينال منه أي يصيب منه أي يعيبه ، ويتعرض له بالإيذاء ، وقوله : ( كان ) فعل ماض ، ومعاذ بالرفع اسمه ، وقوله : ( ينال منه ) جملة في محل النصب على أنه خبر لكان ، وفي رواية المستملي : يتناول منه من باب التفاعل ، وفي رواية الكشميهني : فكأن معاذا بالهمزة ، والنون المشددة ، وقوله : ( معاذا ) بالنصب اسم كأن ، وقد فسر ذلك في رواية سليم بن حبان ، ولفظه : فبلغ ذلك معاذا ، فقال : إنه منافق ، وكذا في رواية أبي الزبير ، وابن عيينة فقالوا له : أنافقت يا فلان ؟ قال : لا والله لآتين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلأخبرنه ، فكأن معاذا قال ذلك في غيبة الرجل ، وبلغه إلى الرجل أصحابه ، قوله : ( فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ) أي فبلغ ذلك الأمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد بين ابن عيينة ومحارب بن دثار في روايتهما أنه الذي جاء فاشتكى من معاذ ، وفي رواية للنسائي : فقال معاذ : لئن أصبحت لأذكرن ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام فذكر ذلك له فأرسل إليه ، فقال : ما حملك على الذي صنعت ؟ فقال : يا رسول الله ، عملت على ناضح لي بالنهار فجئت وقد أقيمت الصلاة ، فدخلت المسجد فدخلت معه في الصلاة ، فقرأ بسورة كذا وكذا ، فانصرفت فصليت في ناحية المسجد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أفتانا يا معاذ أفتانا يا معاذ ؟ قوله : ( فتان فتان فتان ) ثلاث مرار ، ويروى ثلاث مرات ، وفتان مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي أنت فتان ، والتكرار للتأكيد ، وفي رواية ابن عيينة : أفتان أنت بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار ، ومعناه أنت منفر لأن التطويل سبب لخروجهم من الصلاة ، وللتكره للصلاة في الجماعة ، وقال الداودي : يحتمل أن يريد بقوله : ( فتان ) أي معذب ؛ لأنه عذبهم بالتطويل كما في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ أي عذبوهم ، قوله : ( أو قال : فاتنا فاتنا فاتنا ) ، هذا شك من الراوي ، ونصبه على أنه خبر يكون مقدرا أي يكون فاتنا ، وفي رواية أبي الزبير : أتريد أن تكون فاتنا ؟ وفي رواية أحمد في حديث معاذ بن رفاعة المتقدم ذكره : يا معاذ لا تكن فاتنا ، وزاد في حديث أنس : لا تطول بهم ، قوله : ( من أوسط المفصل ) ، أوسط المفصل ، من كورت إلى الضحى ، وطوال المفصل من سورة الحجرات إلى ﴿والسماء ذات البروج ﴾، وقصار المفصل من الضحى إلى آخر القرآن ، وقيل : أول الطوال من قاف ، وقال الخطابي : روي هذا في حديث مرفوع ، وحكى القاضي عياض أنه من الجاثية ، وسمي المفصل لكثرة الفصول فيه ، وقيل : لقلة المنسوخ فيه ، قوله : ( قال عمرو : لا أحفظهما ) أي قال عمرو بن دينار : لا أحفظ السورتين المأمور بهما ، وكان عمرا قال ذلك في حال تحديثه لشعبة ، وإلا ففي رواية سليم بن حيان عن عمرو : اقرأ : والشمس وضحاها ، و﴿سبح اسم ربك الأعلى ﴾، ونحوها ، وذكرنا شيئا من هذا فيما رواه عبد الله بن وهب في مسنده ، وابن حبان في صحيحه . ( ذكر ما يستفاد منه ) استدل الشافعي بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل على أن معاذا كان ينوي بالأولى الفرض ، وبالثانية النفل ، وبه قال أحمد في رواية ، واختاره ابن المنذر ، وهو قول عطاء وطاوس ، وسليمان بن حرب وداود ، وقال أصحابنا : لا يصلي المفترض خلف المتنفل ، وبه قال مالك في رواية ، وأحمد في رواية أبي الحارث عنه ، وقال ابن قدامة : اختار هذه الرواية أكثر أصحابنا ، وهو قول الزهري ، والحسن البصري ، وسعيد بن المسيب ، والنخعي ، وأبي قلابة ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وقال الطحاوي : وبه قال مجاهد ، وطاوس ، وقال بعضهم : ويدل عليه أي على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل ما رواه عبد الرزاق ، والشافعي ، والطحاوي ، والدارقطني ، وغيرهم من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب زاد : هي له تطوع ولهم فريضة ، وهو حديث صحيح ورجاله رجال الصحيح ، والجواب عن هذا أن هذه زيادة قد ذكرنا ما قالوا فيها ، ونقول أيضا : إن معاذا كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة النهار ، ومع قومه صلاة الليل ، فأخبر الراوي في قوله : ( فهي لهم فريضة ) ، وله نافلة بحال معاذ في وقتين لا في وقت واحد ، أو نقول : هي حكاية حال لم نعلم كيفيتها فلا نعمل بها ، ونستدل بما في صحيح ابن حبان : الإمام ضامن بمعنى يضمنها صحة وفسادا ، والفرض ليس مضمونا في النفل ، وقال ابن بطال : ولا اختلاف أعظم من اختلاف النيات ، ولأنه لو جاز بناء المفترض على صلاة المتنفل لما شرعت صلاة الخوف مع كل طائفة بعضها ، وارتكاب الأعمال التي لا تصح الصلاة معها في غير الخوف لأنه كان يمكنه صلى الله عليه وسلم أن يصلي مع كل طائفة جميع صلاته ، وتكون الثانية له نافلة ، وللطائفة الثانية فريضة ، وقال الطحاوي : لا حجة فيها لأنها لم تكن بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا تقريره ، ورده بعضهم بقوله فجوابه أنهم لا يختلفون في أن رأي الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة ، والواقع هناك كذلك ، فإن الذين كان يصلي بهم معاذ كلهم صحابة ، وفيهم ثلاثون عقبيا ، وأربعون بدريا ، قاله ابن حزم قال : ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك ، بل قال بعضهم بالجواز : عمر ، وابنه ، وأبو الدرداء ، وأنس ، وغيرهم . قلت : يحتمل أن يكون عدم مخالفة غيره له بناء على ظنهم أن فعله كان بأمر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ويكون من هذا الوجه أيضا عدم امتناع غيره من ذلك ، وقال الطحاوي أيضا : لو سلمنا جميع ذلك لم يكن فيه حجة لاحتمال أن ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة تصلى فيه مرتين فيكون منسوخا ، قال بعضهم : فقد تعقبه ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال ، وهو لا يسوغ .
قلت : يستدل على ذلك بوجه حسن ، وذلك أن إسلام معاذ متقدم ، وقد صلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعد سنين من الهجرة صلاة الخوف غير مرة من وجه وقع فيه مخالفة ظاهرة بالأفعال المناقضة للصلاة ، فيقال : لو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لأمكن إيقاع الصلاة مرتين على وجه لا تقع فيها المنافاة ، والمفسدات في غير هذه الحالة ، وحيث صليت على هذا الوجه مع إمكان دفع المفسدات على تقدير جواز اقتداء المفترض بالمتنفل دل على أنه لا يجوز ذلك ، وقال ابن دقيق العيد : يلزم الطحاوي إقامة الدليل على ما ادعاه من إعادة الفريضة . قلت : كأنه لم يقف على كتابه فإنه قد ساق فيه دليل ذلك ، وهو حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رفعه : لا تصلوا الصلاة في اليوم مرتين ، ومن وجه آخر مرسل : إن أهل العالية كانوا يصلون في بيوتهم ، ثم يصلون مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فبلغه ذلك فنهاهم ، وقال بعضهم : وفي الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظر لاحتمال أن يكون النهي عن أن يصلوها مرتين على أنها فريضة ، وبذلك جزم البيهقي جمعا بين الحديثين . قلت : إن كان الرد بالاحتمال ، ونحن أيضا نقول : يحتمل أن يكون النهي في ذلك لأجل أن أحدا يقتدى به في واحدة من الصلاتين اللتين صلاهما على أنهما فرض ، وفي نفس الأمر فرضه إحداهما من غير تعيين فيكون الاقتداء به في صلاة مجهولة فلا يصح ، وقال بعضهم : وأما استدلال الطحاوي على أنه صلى الله عليه وسلم نهى معاذا عن ذلك بقوله في حديث سليم بن الحارث : إما أن تصلي معي وإما أن تخفف عن قومك ، ودعواه أن معناه إما أن تصلي معي ولا تصلي بقومك وإما أن تخفف عن قومك ولا تصلي معي فيه نظر ؛ لأن للمخالف أن يقول : بل التقدير إما أن تصلي معي فقط إذا لم تخفف ، وإما أن تخفف بقومك فتصلي معي ، وهو أولى من تقديره لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف لأنه هو المسؤول عنه المتنازع فيه ، قلت : الذي قدره المخالف باطل لأن لفظ الحديث لا تكن فتانا إما أن تصلي معي وإما أن تخفف عن قومك ، فهذا يدل على أنه يفعل أحد الأمرين إما الصلاة معه أو بقومه ولا يجمعهما ، فدل على أن المراد عدم الجمع والمنع ، وكل أمرين بينهما منع الجمع كان بين نقضيهما منع الخلو كما قد بين هكذا في موضعه .
ومما يستفاد منه : استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين لما روى البخاري ومسلم من حديث الأعرج عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإنما فيهم الضعيف والسقيم والكبير ، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء . فهذا يدل على أن الإمام ينبغي له أن يراعي حال قومه ، وهذا لا خلاف فيه لأحد . ومن ذلك أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة ، وقال بعضهم : وفيه جواز إعادة الصلاة الواحدة في اليوم مرتين ؛ فإن قلت : ليس هذا بمطلق لأن إعادته على سبيل أنهما فرض ممنوعة بالنص كما ذكرنا عن قريب ، وقال بعضهم أيضا : وفيه جواز خروج المأموم من الصلاة لعذر ، وأما بغير عذر فاستدل به بعضهم أي بالحديث المذكور ، قلت في ( شرح المهذب ) اختلف العلماء فيمن دخل مع إمام في صلاة فصلى بعضها هل يجوز له أن يخرج منها ، فاستدل أصحابنا بهذا الحديث على أن للمأموم أن يقطع القدوة ويتم صلاته منفردا ، وإن لم يخرج منها ، وفي هذه المسألة ثلاثة أوجه أصحها أنه يجوز لعذر ولغير عذر ، والثاني : لا يجوز مطلقا ، والثالث : يجوز لعذر ولا يجوز لغيره ، وتطويل القراءة عذر على الأصح ، قلت : أصحابنا لا يجوزون شيئا من ذلك ، وهو مشهور مذهب مالك ، وعن أحمد روايتان لأن فيه إبطال العمل ، والقرآن قد منع عن ذلك ، ومن ذلك جواز صلاة المنفرد في المسجد الذي يصلي فيه بالجماعة ، وقال بعضهم : إذا كان بعذر قلت : يجوز مطلقا ، ومن ذلك جواز القول بالبقرة لأن معناه السورة التي تذكر فيها البقرة ، وورد أيضا بسورة البقرة كما ذكرنا ، ومن ذلك الإنكار في المكروهات والاكتفاء في التعزير بالكلام .