73 - بَاب الصَّفِّ الْأَوَّلِ 720 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الشُّهَدَاءُ : الْغَرِقُ ، وَالْمَطْعُونُ ، وَالْمَبْطُونُ ، وَالْهَدِمُ . 721 - وَقَالَ : وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَاسْتَهَمُوا . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ) وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَلِي الْإِمَامَ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ : أَوَّلُ صَفٍّ تَامٍّ يَلِي الْإِمَامَ ، لَا مَا تَخَلَّلَهُ شَيْءٌ كَمَقْصُورَةٍ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ مَنْ سَبَقَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَوْ صَلَّى آخِرَ الصُّفُوفِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَاحْتَجَّ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ جَاءَ فِي آخِرِهِ وَزَاحَمَ إِلَيْهِ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمُحَقِّقُونَ ، وَالْقَوْلَانِ الْآخَرَانِ غَلَطٌ صَرِيحٌ . انْتَهَى . وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْقَوْلِ الثَّانِي لَحَظَ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ ، وَمَا فِيهِ خَلَلٌ فَهُوَ نَاقِصٌ ، وَصَاحِبُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ لَحَظَ الْمَعْنَى فِي تَفْضِيلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ دُونَ مُرَاعَاةِ لَفْظِهِ ، وَإِلَى الْأَوَّلِ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ ؛ لِأَنَّهُ تَرْجَمَ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ فِيهِ : الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ وَهُوَ الَّذِي لَا يَتَقَدَّمُهُ إِلَّا الْإِمَامُ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : فِي الْحَضِّ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ الْمُسَارَعَةُ إِلَى خَلَاصِ الذِّمَّةِ ، وَالسَّبْقُ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ ، وَالْقُرْبُ مِنَ الْإِمَامِ ، وَاسْتِمَاعُ قِرَاءَتِهِ وَالتَّعَلُّمُ مِنْهُ ، وَالْفَتْحُ عَلَيْهِ ، وَالتَّبْلِيغُ عَنْهُ ، وَالسَّلَامَةُ مِنِ اخْتِرَاقِ الْمَارَّةِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَسَلَامَةُ الْبَالِ مِنْ رُؤْيَةِ مَنْ يَكُونُ قُدَّامَهُ ، وَسَلَامَةُ مَوْضِعِ سُجُودِهِ مِنْ أَذْيَالِ الْمُصَلِّينَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّفِّ الْأَوَّلِ · ص 243 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصَّف الأَولِ · ص 254 73 - باب الصَّف الأَولِ 720 - حدثنا أبو عاصم ، عن مالك ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قالَ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الشهداء : الغرق ، والمطعون ، والمبطون ، والهدم ) . 721 - وقال : ( لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ، ولو يعلمون ما في الصف المقدم لاستهموا ) . قد سبق هذا الحديث في ( باب : الاستهام في الأذان ) وفي ( باب : فضل التهجير إلى الظهر ) ، وذكرنا معنى الاستهام على الصف . وقد روي للصف الأول فضائل عديدة : فمنها : أنه على مثل صف الملائكة . خرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ - في حديث ذكره - : ( والصف الأول على مثل صف الملائكة ، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه ) . ومنها : أنه خير صفوف الرجال . ففي ( صحيح مسلم ) عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( خير صفوف الرجال أولها ، وشرها آخرها ، وخير صفوف النساء آخرها ، وشرها أولها ) . ومنها : أن الله وملائكته يصلون عليهِ . فخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث البراء بن عازب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ : ( إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول ) . وخرجه ابن ماجه ، وعنده : ( على الصف الأول ) . وخرجه - أيضاً - بهذا اللفظ من حديث عبد الرحمن بن عوف ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . والصواب : إرسال إسناده ، قاله أبو حاتم والدارقطني . وخرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ من حديث النعمان بن بشير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ومن حديث أبي أمامة ، وفي حديثه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها ثلاثاً ، فقيل لهُ : يا رسول الله ، والثاني ؟ فقالَ - في الثالثة - : ( وعلى الثاني ) . ومنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر لهُ ثلاثاً دون ما بعده . فخرج ابن ماجه من حديث العرباض بن سارية ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يستغفر للصف المقدم ثلاثاً ، وللثاني مرة . وخرجه النسائي ، وعنده : ( يصلي ) مكان : ( يستغفر ) . ومنها : أنه أحصن الصفوف من الشيطان . فروى قتادة ، عن أبي قلابة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لأصحابه : ( أي شجرة أبعد من الخارف والخاذف ؟ ) قالوا : فرعها ، قالَ : ( فكذلك الصف المقدم ، هوَ أحصنها من الشيطان ) . ورواه جماعة ، فقالوا : عن قتادة ، عن أنس . والصواب : عن أبي قلابة ، قاله الدارقطني وغيره ، وأنكر أبو زرعة وصله . وروي نحوه من حديث أبي هريرة مرفوعاً بإسناد ضعيف . ومنها : أن الصلاة فيهِ تقتضي التقدم إلى الله ، فإن التأخر عنه يقتضي التأخر . ففي ( صحيح مسلم ) عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه رأى في أصحابه تأخرا ، فقالَ : ( تقدموا ، فائتموا بي ، وليأتم بكم من بعدكم ، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل ) . وخرج أبو داود وابن خزيمة في ( صحيحه ) من حديث عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( لا يزال أقوام يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار ) . واختلف الناس في الصف الأول : هل هوَ الذي يلي الإمام بكل حال ، أم الذي لا يقطعه شيء ؟ وفيه قولان للعلماء . والمنصوص عن أحمد : أن الصف الأول هوَ الذي يلي المقصورة ، وأن ما تقطعه المقصورة فليس هوَ الأول ، نقله عنه المروذي وأبو طالب وأحمد بن القاسم وغيرهم . وقال أبو طالب : سئل أحمد عن الصلاة في المقصورة ، قالَ : لا يصلي فيها ، هوَ الذي يلي المقصورة ، فيخرج من المقصورة فيصلي في الصف الأول . وروى وكيع عن عيسى الحناط ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ إذا حضرت الصلاة وهو في المقصورة خرج إلى المسجد . وعن شعبة ، عن الحكم ، عن يحيى بن الجزار ، قالَ : كانَ أصحاب عبد الله - يعني : ابن مسعود - يقولون : الصف الأول الذي يلي المقصورة . وروي ذَلِكَ عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود . وقال الشعبي : المقصورة ليست من المسجد . ذكر ذلك كله وكيع في ( كتابه ) . فأما الصف الذي يقطعه المنبر ، فهل هوَ الصف الأول ، أم لا ؟ قالَ أحمد - في رواية أبي طالب والمروذي وغيرهما - : إن المنبر لا يقطع الصف ، فيكون الصف الأول الذي يلي الإمام وإن قطعه المنبر ، بخلاف المقصورة . وتوقف في ذَلِكَ في رواية الأثرم وغيره . وقالت طائفة : الصف الأول هوَ الذي يلي الإمام بكل حال ، ورجحه كثير من أصحابنا ، ولم أقف على نص لأحمد به . وقال آخرون : الصف الأول المراد به أول من يدخل المسجد للصلاة فيهِ . قالَ ابن عبد البر : لا أعلم خلافا بين العلماء أن من بكر وانتظر الصلاة ، وإن لم يصل في الصف الأول ، أفضل ممن تأخر ثم تخطى الصفوف إلى الصف الأول . قالَ : وفي هذا ما يوضح أن معنى فضل الصف الأول : أنه ورد من أجل البكور إليه ، والتقدم . والله سبحانه وتعالى أعلم . انتهى . وحمل أحاديث فضل الصف الأول على البكور إلى المسجد خاصة لا يصح ، ومن تأمل الأحاديث علم أن المراد بالصف الأول الصف المقدم في المسجد ، لا تحتمل غير ذَلِكَ . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في ( صحيحه ) من حديث أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ : ( أتموا الصف المقدم ، ثم الذي يليه ، فما كانَ من نقص فليكن في الصف المؤخر ) .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصف الأول · ص 255 ( باب الصف الأول ) . أي هذا باب في بيان ثواب الصف الأول ، واختلف في الصف الأول ، فقيل : المراد به ما يلي الإمام مطلقا ، وقيل : المراد به من سبق إلى الصلاة ولو صلى آخر الصفوف ، قاله ابن عبد البر ، وقيل : المراد به أول صف تام مسدود لا يتخلله شيء مثل مقصورة ونحوها ، وقال النووي : القول الأول هو الصحيح المختار وبه صرح المحققون ، والقولان الآخران غلط صريح ، قلت : القول الثاني لا وجه له لأنه ورد في حديث أبي سعيد . أخرجه أحمد ، وإن خير الصفوف صفوف الرجال المقدم وشرها المؤخر . . الحديث ، والقول الثالث له وجه لأنه ورد في حديث أنس أخرجه أبو داود وغيره : رصوا صفوفكم ، وقد ذكرناه عن قريب ، وإذا تخلل بين الصف شيء ينتقض الرص ، وفيه أيضا : إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف ، وأما كون القول الأول هو الصحيح فوجهه أن الأول اسم لشيء لم يسبقه شيء ، ولا يطلق هذا إلا على الصف الأول الذي يلي الإمام مطلقا ؛ فإن قلت : ورد في حديث البراء بن عازب أخرجه أحمد : إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول أو الصفوف الأول ، قلت : لفظ الأول من الأمور النسبية ، فإن الثاني أول بالنسبة إلى الثالث ، والثالث أول بالنسبة إلى الرابع ، وهلم جرا . . ولكن الأول المطلق هو الذي لم يسبقه شيء ثم الحكمة في التحريض والحث على الصف الأول المطلق على وجوه المسارعة إلى خلاص الذمة ، والسبق لدخول المسجد ، والقرب من الإمام ، واستماع قراءته ، والتعلم منه ، والفتح عليه عند الحاجة ، واحتياج الإمام إليه عند الاستخلاف ، والبعد ممن يخترق الصفوف ، وسلامة الخاطر من رؤية من يكون بين يديه ، وخلوه موضع سجوده من أذيال المصلين . 109 - حدثنا أبو عاصم ، عن مالك ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الشهداء الغرق ، والمطعون ، والمبطون ، والهدم . قال : ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ، ولو يعلمون ما في الصف الأول لاستهموا . مطابقته للترجمة في قوله : ( ولو يعلمون ما في الصف الأول لاستهموا ) . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة كلهم قد ذكروا ، وأبو عاصم النبيل اسمه الضحاك بن مخلد ، وسمي بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف القرشي المخزومي أبو عبد الله المدني مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وأبو صالح ذكوان السمان . وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، والعنعنة في أربعة مواضع ، ورواته ما بين بصري ومدني ، فالبصري شيخ البخاري ، والباقون مدنيون . وأخرج البخاري هذا الحديث في باب فضل التهجير عن قتيبة عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة بأتم منه ، ولفظه : الشهداء خمس : المطعون ، والمبطون ، والغريق ، وصاحب الهدم ، والشهيد في سبيل الله . وفيه : والصف الأول ، وأخرجه في باب الاستهام في الأذان عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن سمي إلى آخره ، ولفظه : لو يعلم الناس ما في النداء الأول والصف الأول ثم لا يجدون إلا إن يستهموا لاستهموا . . الحديث ، وليس فيه ذكر الشهداء ، وذكرنا في البابين جميع ما يتعلق به من الأشياء ، قوله : ( الغرق ) بكسر الراء بمعنى الغريق ، والمبطون هو صاحب الإسهال ، والهدم بكسر الدال ، وقيل : بسكونها ، وقال الكرماني : هو المهدوم ، قلت : المهدوم هو الذي يهدم ، وأما الهدم هو الذي يقع عليه الهدم كما في الحديث الماضي ، وصاحب الهدم ، والتهجير التبكير إلى كل شيء ، والعتمة صلاة العشاء ، والحبو الزحف على الاست ، والاستهام الاقتراع ، والمقدم ضد المؤخر ، وهو أيضا أمر نسبي ، ويروى الصف الأول فإن أردت الإمعان في الكلام فعليك بما في البابين المذكورين .