78 - بَاب الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفًّا 727 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفًّا ) أَيْ : فِي حُكْمِ الصَّفِّ ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، حَيْثُ قَالَ : الشَّخْصُ الْوَاحِدُ لَا يُسَمَّى صَفًّا ، وَأَقَلُّ مَا يَقُومُ الصَّفُّ بِاثْنَيْنِ . ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : وَالْمَرْأَةُ وَحْدَهَا صَفٌّ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ) هُوَ الْجُعْفِيُّ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَنَسٍ ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ . قَوْلُهُ : ( صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ ) كَذَا لِلْجَمِيعِ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي خَبَرِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْمَشْهُورِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ . وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ فَتْحُونٍ فِيمَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ السَّكَنِ بِسَنَدِهِ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ : صَلَّيْتُ أَنَا وَسُلَيْمٌ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ وَلَامٍ مُصَغَّرًا ، فَتَصَحَّفَتْ عَلَى الرَّاوِي مِنْ لَفْظِ يَتِيمٍ وَمَشَى عَلَى ذَلِكَ ابْنُ فَتْحُونٍ فَقَالَ فِي ذَيْلِهِ عَلَى الِاسْتِيعَابِ : سُلَيْمٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ ، وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ . ثُمَّ إِنَّ هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ اخْتَصَرَهُ سُفْيَانُ ، وَطَوَّلَهُ مَالِكٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : فَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي مَوْقِفِ الِاثْنَيْنِ أَنْ يَصُفَّا خَلْفَ الْإِمَامِ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنَ الْكُوفِيِّينَ : إنَّ أَحَدَهُمَا يَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَقَامَ عَلْقَمَةَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْأَسْودَ عَنْ شِمَالِهِ ، وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ سِيرِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِضِيقِ الْمَكَانِ ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا ) فِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَصُفُّ مَعَ الرِّجَالِ ، وَأَصْلُهُ مَا يُخْشَى مِنَ الِافْتِتَانِ بِهَا ، فَلَوْ خَالَفَتْ أَجْزَأَتْ صَلَاتُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ تَفْسُدُ صَلَاةُ الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ ، وَهُوَ عَجِيبٌ ، وَفِي تَوْجِيهِهِ تَعَسُّفٌ حَيْثُ قَالَ قَائِلُهُمْ : دَلِيلُهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ ، وَحَيْثُ ظَرْفُ مَكَانٍ ، وَلَا مَكَانَ يَجِبُ تَأَخُّرُهُنَّ فِيهِ إِلَّا مَكَانَ الصَّلَاةِ ، فَإِذَا حَاذَتِ الرَّجُلَ فَسَدَتْ صَلَاةُ الرَّجُلِ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ تَأْخِيرِهَا ، وَحِكَايَةُ هَذَا تُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ جَوَابِهِ ، - وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ - . فَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ وَأُمِرَ لَابِسُهُ أَنْ يَنْزِعَهُ ، فَلَوْ خَالَفَ فَصَلَّى فِيهِ وَلَمْ يَنْزِعْهُ أَثِمَ وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ ، فَلِمَ لَا يُقَالُ فِي الرَّجُلِ الَّذِي حَاذَتْهُ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ ؟ وَأَوْضَحُ مِنْهُ لَوْ كَانَ لِبَابِ الْمَسْجِدِ صُفَّةٌ مَمْلُوكَةٌ فَصَلَّى فِيهَا شَخْصٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مَعَ اقْتِدَارِهِ عَلَى أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهَا إِلَى أَرْضِ الْمَسْجِدِ بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَأَثِمَ ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ مَعَ الْمَرْأَةِ الَّتِي حَاذَتْهُ وَلَا سِيَّمَا إِنْ جَاءَتْ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَصَلَّتْ بِجَنْبِهِ . وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : الْأَقْرَبُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ عُمُومِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ : لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ يَعْنِي أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ ، وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ خِلَافًا لِأَحْمَدَ ، قَالَ : لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ كَانَ لِلرَّجُلِ أَوْلَى ، لَكِنْ لِمُخَالِفِهِ أَنْ يَقُولَ : إِنَّمَا سَاغَ ذَلِكَ لِامْتِنَاعِ أَنْ تَصُفَّ مَعَ الرِّجَالِ ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَصُفَّ مَعَهُمْ وَأَنْ يُزَاحِمَهُمْ وَأَنْ يَجْذِبَ رَجُلًا مِنْ حَاشِيَةِ الصَّفِّ فَيَقُومَ مَعَهُ فَافْتَرَقَا . وَبَاقِي مَبَاحِثِهِ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفًّا · ص 248 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المَرأَةِ تكونُ وَحْدَهَا صَفاً · ص 267 78 - باب المَرأَةِ تكونُ وَحْدَهَا صَفاً 727 - حدثنا عبد الله بنِ محمد ، ثنا سفيان ، عَن إسحاق ، عَن أنس بنِ مالك ، قالَ : صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمي خلفنا : أم سليمٍ . دل هَذا الحديث على أن المرأة إذا صلت معَ الرجال ، ولم تجد امرأةً تقف معها قامت وحدها صفاً خلف الرجالِ . وهذا لا اختلاف فيهِ بين العلماء ؛ فإنها منهيةٌ أن تصف معَ الرجال ، وقد كانت صفوفُ النساء خلف الرجال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ، ولهذا قالَ ابن مسعود : أخروهنَّ مِن حيث أخرهنَّ الله . خرجه وكيعٌ وغيرهُ . ولا يعلم في هَذا خلاف بين العلماء ، إلا أنَّهُ روي عَن أبي الدرداء ، أن الجارية التي لَم تحضِ تقف معَ الرجال في الصف . فأما إن وجدت امرأةً تقفُ معها ، ثُمَّ وقفت وحدها ، فهل تصح صلاتها حينئذٍ ؟ فيهِ لأصحابنا وجهان . أحدهما : لا تصحُّ ، وَهوَ ظاهر كلام أبي بكرٍ الأثرم ، وقول القاضي أبي يعلى في ( تعليقه ) وصاحب ( المحرر ) ، إلحاقاً للمرأة بالرجل ، معَ القدرة على المصافّةِ . والثاني : تصحُّ ، وَهوَ قول صاحب ( الكافي ) أبي محمد المقدسي ، وَهوَ ظاهر تبويب البخاري ؛ لأن المرأةَ تكون وحدها صفاً ، ولا تحتاج إلى مِن يصافّها ، وكذا قالَ الإمام أحمد في رواية حربٍ : المرأة وحدها صفٌ . وقد استدل طائفة مِن العلماء بصلاة المرأة وحدها على صحة صلاة الرجل النفل ، وهذا جمعُ بين ما فرقت السنة بينهُ ؛ فإن السنة دلت على صحة صلاة المرأة وحدها خلف الصفوف ، ونهت الرجل عَن ذَلِكَ ، فأمرتهُ بالإعادة ، على ما يأتي ذكرهُ في موضعه إن شاء الله تعالى . وأقرب مِن هَذا قولُ مِن قالَ : إن صلاةَ الرجلِ خلف الصفوف وحده إذا تعذَرَ عليهِ مِن يصافه تصحُّ إلحاقاً لها بصلاة المرأة وحدها إذا لَم تجد مِن يصافها ، كَما قالَه بعض المتأخرين مِن أصحابنا ، ولكن المذهب خلافهُ . واستدل - أيضاً - بحديث أنسٍ هَذا على أن الإمام إذا كانَ خلفهُ رجلانِ أو صبيان قاما خلفه ، وهذا قول جمهور العلماء . وكان ابن مسعود يرى أن الاثنين يقومان معَ الإمام عَن يمينه وشماله . خرجه مسلم بإسناده عَنهُ . وخرجه أبو داود والنسائي ، عنه ، مرفوعاً . وقال ابن عبد البر : لا يصح رفعهُ . فَمِن العلماء مِن قالَ : نُسخ ذَلِكَ ؛ لأن ابن مسعودٍ قرنه بالتطبيق في حديث واحد ، والتطبيق منسوخٌ ، فكذلك القيام . ومنهم مِن تأوَّله على أنَّهُ فعله لضيقِ المكان ، رويَ ذَلِكَ عَن ابن سيرين ، وفيه نظرٌ . ومنهم من تأوَّلهُ على أن ابن مسعودٍ فعل ذَلِكَ بعلقمة والأسود حيث فاتتهم الجمعةُ ، وقصد إخفاء الجماعة للظهر يومَ الجمعةِ ، وعلى ذَلِكَ حملهُ الإمام أحمد في رواية إسحاق بنِ هانئ ، وفعله - أيضاً - معَ صاحبين لَهُ في مسجدٍ مِن المساجد . ومنهم مِن تأوله على أن علقمة كانَ غلاماً ، فلم يرَ ابن مسعودٍ للأسود أن يصافه في الفريضة ، وعلى ذَلِكَ حمله الإمام أحمد في رواية أخرى عَنهُ ، نقلها عَنهُ ابنه عبد الله والميموني وغيرهما . وحمل أحمد حديث أنسٍ هَذا في مصافته لليتيم على أن الصلاةَ كانت نفلاً ، والرجلُ يجوز لَهُ أن يصافف الصبيَّ في النفل خاصة . وقد خرج هَذا الحديث أبو داود مِن حديث ثابتٍ ، عَن أنسٍ ، وفيه : فصلى بنا ركعتين تطوعاً . وقد سبق الكلامُ عليهِ مستوفىً في ( باب : الصلاة على الحصير ) . وقال الإمام أحمد - مرة أخرى - : قلبي لا يجسر على حديث إسحاق ، عَن أنسٍ ؛ لأن حديث موسى خلافهُ ، ليسَ فيهِ ذكر اليتيمِ . قالَ أبو حفصٍ البرمكيُّ مِن أصحابنا : حديث إسحاق الذِي فيهِ ذكر اليتيمِ . وحديث موسى خرجه مسلمٌ مِن طريق شعبةَ ، عَن عبد الله بنِ المختار ، سمع موسى بنِ أنس يحدث ، عَن أنس بنِ مالكٍ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى به وبأمه - أو خالته - ، قالَ : فأقامني عن يمينه ، وأقام المرأةَ خلفَنا . وخرج مسلم - أيضاً - مِن طريق سليمانِ بنِ المغيرةِ ، عَن ثابت ، عَن أنسٍ ، قالَ : دخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا ، وما هوَ إلا أنا وأمِّي وأُمُّ حَرامٍ خالتي ، فقالَ : ( قوموا فلأُصلِّي بكم ) في غير وقت صلاةٍ ، فصلى بنا ، فقالَ رجل لثابت : أين جعل أنساً منهُ ؟ قالَ : جعله عَن يمينه . وخرجه أبو داود مِن طريق حماد بنِ سلمة ، عَن ثابتٍ ، وقال فيهِ : فأقامني عَن يمينه وأمَّ حرامٍ خلفنا . وفي رواية لَهُ : قالَ ثابت : لا أعلمه إلا قالَ : أقامني عَن يمينه . وقد رجَّح الدارقطنيُّ وغيرهُ وقفَ الحديثِ على أنسٍ ، وأنه هوَ الذِي أقام ثابتاً عَن يمينه . وفي الجملة ؛ فللعلماء في هَذهِ الأحاديث ، عَن أنسٍ مسلكان : أحدهما : تعارُضُهُما ، وترجيح رواية موسى بنِ أنسٍ عَنهُ ؛ لموافقتِهِ لحديث ابن عباسٍ وغيرهِ . والثاني : أنهما قضيَّتان متغايرتانِ ، وَهوَ مسلكُ ابن حبان وغيره . وأجاز أحمد مصافة الرجل للصبيِّ في النفل دونَ الفرض ، كَما قال ذَلِكَ في إمامته بالرجال في إحدى الروايتين عَنهُ . ومن أصحابنا من قالَ : يصحّ مصافته في الفرض والنفلِ . ومنهم من قالَ : لا يصحُّ فيهما ، وحمل كلام أحمد على أن النفل يصحُّ فيهِ صلاةُ الفذِّ خلف الصفوفِ ، وهذا بعيدٌ . واستدل بعضُ من يرى صحةَ صلاةِ الفذِّ بمصافةِ أنسٍ لليتيم ، ذكره الترمذي في ( جامعه ) ، ثُمَّ ردَّهُ بأنهُ لو كانَ الصبيُّ لا صلاةَ لَهُ لأقام أنساً عَن يمينه . ويحتمل - أيضاً - أن يكون أنسٌ حينئذٍ كانَ صبياً لم يبلغِ الحلمَ ، أو أن الذِي صلى معه كانَ بالغاً ، وسمي يتيماً تعريفاً لَهُ بما كانَ عليهِ ، كَما يُقال : أبو الأسودِ يتيم عروةَ . وأكثر العلماء على أن الرجل يصحُّ أن يصافَّ الصبيَّ ، وَهوَ قولُ الثوريِّ . وقالَ الأوزاعي : إن كانَ الصبِّيان ممن نَبتَ صفَ الرجلُ والصبيان خلف الإمام ، وإن كانَ ممن لا نبت قامَ الرجلُ عَن يمين إمامهِ . وقال حرب : سألت إسحاق عَن رجلٍ صلَّى وحضره رجلٌ وغلامٌ ابنُ ستِّ سنينَ ، كيف يقيمهما ؟ قالَ : يقيمهما خلفه ، قلت : يُقيمهما جميعاً عَن يمينه ؟ فلم يرخص فيهِ ، وذكر حديث أنسٍ : ( صليت أنا ويتيمٌ لنا خلفَ النبي صلى الله عليه وسلم ) . وقد تقدم عَن الحسن أن مِن صلَّى معه رجلٌ وامرأةٌ قام الرجل خلفه والمرأةُ خلفهما . وَهوَ مخالفٌ لرواية موسى بنِ أنسٍ وثابتٍ ، عَن أنسٍ . وجمهورُ أهلِ العلم على أنَّ الرجل يقوم عَن يمين الإمام ، والمرأة خلفه ، فعلى قول الحسن إذا كانَ معَ الرجل صبيٌّ ، فلا إشكال عنده في مصافة الرجل . واستدل - أيضاً - بحديث أنسٍ هَذا على أنَّ الصبي يقوم في صفِّ الرجال مِن غير كراهةٍ ، وقَد رُويت كراهته عن عمر بنِ الخطاب وأُبي بنِ كعبٍ ، وكانا يُخرجان الصبيان مِن صفوف الرجال ، وَهوَ قولُ الثوري وأحمد . وأجاب أحمد عَن حديث أنسٍ هَذا في إقامةِ اليتيم معَ أنسٍ ، بأنَّهُ كانَ في التطوع . ويُجاب عَنهُ - أيضاً - بأنَّ الكراهة إنما هي حيث كانَ هناك رجالٌ يملأون الصفَّ ، فيمنع الصبيُّ ، ويخرج منهُ ليقوم مقامه رجلٌ ، فَهوَ أولى بالصفِّ منهُ ، فأما في حديث أنسٍ ، فإنما هوَ ويتيمٌ واحدٌ في بيت ، فلم يكن مقام اليتيم مانعاً للرجالِ مِن الصلاةِ في الصفِّ مكانه . وعلى تقدير أن يكون أنسٌ صبياً إذ ذاكَ لَم يبلغِ الحلمَ ، فَقد كانا جميعاُ صبيين . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المرأة وحدها تكون صفا · ص 260 ( باب المرأة وحدها تكون صفا ) . أي هذا باب في بيان أن المرأة تكون صفا اعترض الإسماعيلي فقال : الواحد والواحدة لا تسمى صفا إذا انفرد ، وإن جازت صلاته منفردا خلف الصف ، وأقل ما يسمى إذا جمع بين اثنين على طريقة واحدة ، ورد عليه بأنه ، قيل : في قوله تعالى : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا إن الروح وحده صف ، والملائكة صف ، وأجاب الكرماني بأن المراد أنها لا تقف في صف الرجال ، بل تقف وحدها ، ويكون في حكم صف ، أو أن جنس المرأة غير مختلطة بالرجال تكون صفا . 115 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا سفيان ، عن إسحاق ، عن أنس بن مالك قال : صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمي أم سليم خلفنا . مطابقته للترجمة في قوله : " وأمي أم سليم خلفنا " ؛ لأنها وقفت خلفهم وحدها ، فصارت في حكم الصف ، وعبد الله بن أبي محمد هو الجعفي المعروف بالمسندي ، وسفيان هو ابن عيينة ، وإسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة ، وفي رواية الحميدي عند أبي نعيم ، وعلي بن المدني عند الإسماعيلي ، كلاهما عن سفيان ، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه . وأخرجه النسائي أيضا عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري ، وأخرج البخاري هذا الحديث مطولا في باب الصلاة على الحصير ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن إسحاق بن عبد الله ، وقد ذكرنا مباحثه هناك مستوفاة . قوله : " صليت أنا ويتيم " ذكر لفظة : " أنا " ليصح العطف على الضمير المرفوع ، وهو مذهب البصريين . والكوفيون لم يشترطوا ذلك ، واليتيم هو : ضميرة بن أبي ضميرة ، بضم الضاد المعجمة ، له ولابنه صحبة . قوله : " وأمي أم سليم " وأمي عطف على يتيم ، وأم سليم عطف بيان ، وكانت مشتهرة بهذه الكنية ، واسمها سهلة ، وقيل : رميلة ، أو رميثة ، أو الرميصا أو الغميصا زوجة أبي طلحة ، وكانت فاضلة دينة . ( ذكر ما يستفاد منه ) من ذلك : أن النساء إذا صلين مع الرجال يجوز ، ولكن يقفن في آخر الصفوف ؛ لما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : " أخروهن من حيث أخرهن الله " ، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ، عن سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر ، عن ابن مسعود ، ومن طريقه رواه الطبراني في معجمه ، وكلمة حيث عبارة عن المكان ، ولا مكان يجب تأخيرهن فيه إلا مكان الصلاة ، فالمأمور بالتأخير الرجال ، فإذا حاذت الرجل امرأة فسدت صلاته دون صلاتها ؛ لأنه ترك ما هو مخاطب به ، وقال بعضهم : المرأة لا تصف مع الرجال ، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور ، وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة ، وهو عجيب وفي توجيهه تعسف . ( قلت ) : هذا القائل لو أدرك دقة ما قاله الحنفية هاهنا ما قال : وهو عجيب ، وتوجيهه ما ذكرنا ، وليس فيه تعسف ، والتعسف على الذي لا يفهم كلام القوم ، وقال هذا القائل أيضا : واستدل بقوله : " فصففت أنا واليتيم وراءه " على أن السنة في موقف الاثنين أن يصفا خلف الإمام خلافا لمن قال من الكوفيين : أحدهما يقف عن يمينه ، والآخر عن يساره . ( قلت ) : القائل بذلك من الكوفيين هو أبو يوسف ، فإنه قال : الإمام يقف بينهما ؛ لما روى الترمذي في جامعه ، عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود ، فقام بينهما ، وأما عند أبي حنيفة فإنه يتقدم على الاثنين ؛ لما في حديث أنس المذكور ، وأجيب عن حديث ابن مسعود بثلاثة أجوبة : الأول : أن ابن مسعود لم يبلغه حديث أنس رضي الله تعالى عنه . والثاني : أنه كان لضيق المكان ، رواه الطحاوي ، عن ابن سيرين أنه قال : الذي فعله ابن مسعود كان لضيق المكان ، أو لعذر آخر لا على أنه من السنة . والثالث : ما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم – يصلي ، وأبو ذر عن يمينه ، وكل واحد يصلي لنفسه ، فقام ابن مسعود خلفهما ، فأومأ إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بشماله ، فظن ابن مسعود أن ذلك سنة الموقف ، ولم يعلم أنه لا يؤمهما ، وعلمه أبو ذر رضي الله تعالى عنه ، حتى قال : يصلي كل رجل منا لنفسه . واستدل به ابن بطال على صحة صلاة المنفرد خلف الصف ؛ لأنه لما ثبت ذلك للمرأة كان للرجل أولى ، وقال الخطابي : اختلف أهل العلم فيمن صلى خلف الصف وحده ، فقالت طائفة : صلاته فاسدة على ظاهر حديث أبي هريرة ، الذي رواه الطبراني في الأوسط: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده ، فقال : أعد الصلاة " ، هذا قول النخعي ، وأحمد ، وإسحاق . وقال ابن حزم : صلاة المنفرد خلف الصف وحده باطلة ؛ لما في حديث وابصة بن معبد ، أخرجه ابن حبان في صحيحه: " صلى رجل خلف الصف ، فقال له – صلى الله عليه وسلم - : أعد صلاتك ؛ فإنه لا صلاة لك " ، وفي حديث علي بن شيبان : " استقبل صلاتك " ، وفي لفظ : " أعد صلاتك ؛ فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف وحده " . وقال أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي : صلاة المنفرد خلف الإمام جائزة . ( وأجيب ) عن حديث أبي هريرة : بأن الأمر بالإعادة على الاستحباب دون الإيجاب ، وعن حديث وابصة : أنه لم يثبت عن جماعة ، وفيه اضطراب ، قاله أبو عمر ، وقال الشافعي : في سنده اختلاف ، وعن حديث ابن شيبان : أن رجاله غير مشهورين ، وعن الشافعي لو ثبت هذا لقلت به .