باب المرأة وحدها تكون صفا
( باب المرأة وحدها تكون صفا ) . 115 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا سفيان ، عن إسحاق ، عن أنس بن مالك قال : صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمي أم سليم خلفنا .
مطابقته للترجمة في قوله : " وأمي أم سليم خلفنا " ؛ لأنها وقفت خلفهم وحدها ، فصارت في حكم الصف ، وعبد الله بن أبي محمد هو الجعفي المعروف بالمسندي ، وسفيان هو ابن عيينة ، وإسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة ، وفي رواية الحميدي عند أبي نعيم ، وعلي بن المدني عند الإسماعيلي ، كلاهما عن سفيان ، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه . وأخرجه النسائي أيضا عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري ، وأخرج البخاري هذا الحديث مطولا في باب الصلاة على الحصير ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن إسحاق بن عبد الله ، وقد ذكرنا مباحثه هناك مستوفاة . قوله : " صليت أنا ويتيم " ذكر لفظة : " أنا " ليصح العطف على الضمير المرفوع ، وهو مذهب البصريين .
والكوفيون لم يشترطوا ذلك ، واليتيم هو : ضميرة بن أبي ضميرة ، بضم الضاد المعجمة ، له ولابنه صحبة . قوله : " وأمي أم سليم " وأمي عطف على يتيم ، وأم سليم عطف بيان ، وكانت مشتهرة بهذه الكنية ، واسمها سهلة ، وقيل : رميلة ، أو رميثة ، أو الرميصا أو الغميصا زوجة أبي طلحة ، وكانت فاضلة دينة . ( ذكر ما يستفاد منه ) من ذلك : أن النساء إذا صلين مع الرجال يجوز ، ولكن يقفن في آخر الصفوف ؛ لما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : " أخروهن من حيث أخرهن الله " ، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ، عن سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر ، عن ابن مسعود ، ومن طريقه رواه الطبراني في معجمه ، وكلمة حيث عبارة عن المكان ، ولا مكان يجب تأخيرهن فيه إلا مكان الصلاة ، فالمأمور بالتأخير الرجال ، فإذا حاذت الرجل امرأة فسدت صلاته دون صلاتها ؛ لأنه ترك ما هو مخاطب به ، وقال بعضهم : المرأة لا تصف مع الرجال ، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور ، وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة ، وهو عجيب وفي توجيهه تعسف .
( قلت ) : هذا القائل لو أدرك دقة ما قاله الحنفية هاهنا ما قال : وهو عجيب ، وتوجيهه ما ذكرنا ، وليس فيه تعسف ، والتعسف على الذي لا يفهم كلام القوم ، وقال هذا القائل أيضا : واستدل بقوله : " فصففت أنا واليتيم وراءه " على أن السنة في موقف الاثنين أن يصفا خلف الإمام خلافا لمن قال من الكوفيين : أحدهما يقف عن يمينه ، والآخر عن يساره . ( قلت ) : القائل بذلك من الكوفيين هو أبو يوسف ، فإنه قال : الإمام يقف بينهما ؛ لما روى الترمذي في جامعه ، عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود ، فقام بينهما ، وأما عند أبي حنيفة فإنه يتقدم على الاثنين ؛ لما في حديث أنس المذكور ، وأجيب عن حديث ابن مسعود بثلاثة أجوبة : الأول : أن ابن مسعود لم يبلغه حديث أنس رضي الله تعالى عنه . والثاني : أنه كان لضيق المكان ، رواه الطحاوي ، عن ابن سيرين أنه قال : الذي فعله ابن مسعود كان لضيق المكان ، أو لعذر آخر لا على أنه من السنة .
والثالث : ما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم – يصلي ، وأبو ذر عن يمينه ، وكل واحد يصلي لنفسه ، فقام ابن مسعود خلفهما ، فأومأ إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بشماله ، فظن ابن مسعود أن ذلك سنة الموقف ، ولم يعلم أنه لا يؤمهما ، وعلمه أبو ذر رضي الله تعالى عنه ، حتى قال : يصلي كل رجل منا لنفسه . واستدل به ابن بطال على صحة صلاة المنفرد خلف الصف ؛ لأنه لما ثبت ذلك للمرأة كان للرجل أولى ، وقال الخطابي : اختلف أهل العلم فيمن صلى خلف الصف وحده ، فقالت طائفة : صلاته فاسدة على ظاهر حديث أبي هريرة ، الذي رواه الطبراني في الأوسط: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده ، فقال : أعد الصلاة " ، هذا قول النخعي ، وأحمد ، وإسحاق . وقال ابن حزم : صلاة المنفرد خلف الصف وحده باطلة ؛ لما في حديث وابصة بن معبد ، أخرجه ابن حبان في صحيحه: " صلى رجل خلف الصف ، فقال له – صلى الله عليه وسلم - : أعد صلاتك ؛ فإنه لا صلاة لك " ، وفي حديث علي بن شيبان : " استقبل صلاتك " ، وفي لفظ : " أعد صلاتك ؛ فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف وحده " .
وقال أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي : صلاة المنفرد خلف الإمام جائزة . ج٥ / ص٢٦٢( وأجيب ) عن حديث أبي هريرة : بأن الأمر بالإعادة على الاستحباب دون الإيجاب ، وعن حديث وابصة : أنه لم يثبت عن جماعة ، وفيه اضطراب ، قاله أبو عمر ، وقال الشافعي : في سنده اختلاف ، وعن حديث ابن شيبان : أن رجاله غير مشهورين ، وعن الشافعي لو ثبت هذا لقلت به .