731 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ حُجْرَةً - قَالَ : حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ : - مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ : قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ ؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ . قَالَ عَفَّانُ : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا مُوسَى ، سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ ، عَنْ بُسْرٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، وَخَالَفَهُمُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُوسَى ، فَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا النَّضْرِ فِي الْإِسْنَادِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَرِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى . وَقَدْ وَافَقَهُمْ مَالِكٌ فِي الْإِسْنَادِ لَكِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ مَرْفُوعًا ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مَدَنِيُّونَ عَلَى نَسَقٍ أَوَّلُهُمْ مُوسَى الْمَذْكُورُ . قَوْلُهُ : ( حُجْرَةٌ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالرَّاءِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ - أَيْضًا - بِالزَّايِ . قَوْلُهُ : ( مِنْ صَنِيعِكُمْ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِضَمِّ الصَّادِ وَسُكُونِ النُّونِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ صَلَاتُهُمْ فَقَطْ ، بَلْ كَوْنُهُمْ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَسَبَّحُوا بِهِ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ ، وَحَصَبَ بَعْضُهُمُ الْبَابَ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ نَائِمٌ ، كَمَا ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ ذَلِكَ فِي الْأَدَبِ وَفِي الِاعْتِصَامِ ، وَزَادَ فِيهِ : حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْخَطَّابِيُّ هَذِهِ الْخَشْيَةَ ، كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي كِتَابِ التَّهَجُّدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ النَّوَافِلِ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَكْتُوبَةِ الْمَفْرُوضَةُ ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا يُشْرَعُ فِيهِ التَّجْمِيعُ ، وَكَذَا مَا لَا يَخُصُّ الْمَسْجِدَ كَرَكْعَتَيِ التَّحِيَّةِ ، كَذَا قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ مَا يُشْرَعُ فِي الْبَيْتِ وَفِي الْمَسْجِدِ مَعًا ، فَلَا تَدْخُلُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُشْرَعُ فِي الْبَيْتِ ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَكْتُوبَةِ مَا تُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ ، وَهَلْ يَدْخُلُ مَا وَجَبَ بِعَارِضٍ كَالْمَنْذُورَةِ ؟ فِيهِ نَظَرٌ ، وَالْمُرَادُ بِالْمَكْتُوبَةِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، لَا مَا وَجَبَ بِعَارِضٍ كَالْمَنْذُورَةِ ، وَالْمُرَادُ بِالْمَرْءِ جِنْسُ الرِّجَالِ فَلَا يَرِدُ اسْتِثْنَاءُ النِّسَاءِ ؛ لِثُبُوتِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تَمْنَعُوهُنَّ الْمَسَاجِدَ . وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ؛ قَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّمَا حَثَّ عَلَى النَّافِلَةِ فِي الْبَيْتِ ؛ لِكَوْنِهِ أَخْفَى وَأَبْعَدَ مِنَ الرِّيَاءِ ، وَلِيَتَبَرَّكَ الْبَيْتُ بِذَلِكَ فَتَنْزِلُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَيَنْفِرَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ ، وَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ بِقَوْلِهِ : فِي بَيْتِهِ بَيْتُ غَيْرِهِ وَلَوْ أَمِنَ فِيهِ مِنَ الرِّيَاءِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَفَّانُ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَحْدَهَا ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَا أَبُو نُعَيْمٍ ، وَذَكَرَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ بِوَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَفَّانَ . ثُمَّ فَائِدَةُ هَذِهِ الطَّرِيقِ بَيَانُ سَمَاعِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ لَهُ مِنْ أَبِي النَّضْرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( خَاتِمَةٌ ) : اشْتَمَلَتْ أَبْوَابُ الْجَمَاعَةِ وَالْإِمَامَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا ، الْمَوْصُولُ مِنْهَا سِتَّةٌ وَتِسْعُونَ ، وَالْمُعَلَّقُ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعُونَ حَدِيثًا ، الْخَالِصُ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى تِسْعَةِ أَحَادِيثَ وَهِيَ : حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي فَضْلِ الْجَمَاعَةِ ، وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ : مَا أَعْرِفُ شَيْئًا ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ : كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ضَخْمًا ، وَحَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : يُصَلُّونَ فَإِنْ أَصَابُوا ، وَحَدِيثُ النُّعْمَانِ الْمُعَلَّقِ فِي الصُّفُوفِ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ : كَانَ أَحَدُنَا يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ ، وَحَدِيثُهِ فِي إِنْكَارِهِ إِقَامَةِ الصُّفُوفِ . وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ سَبْعَةَ عَشَرَ أَثَرًا ، كُلُّهَا مُعَلَّقَةٌ إِلَّا أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ : كَانَ يَأْكُلُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ ، وَأَثَرَ عُثْمَانَ : الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ فَإِنَّهُمَا مَوْصُولَانِ - وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ - .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب صَلَاةِ اللَّيْلِ · ص 252 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا كانَ بينَ الإِمَامِ وَبَيْنَ القَوْمِ حَائِطٌ أوْ سُتْرَةٌ · ص 281 الحديث الثالث : قالَ : 731 - حدثنا عبد الأعلى بن حماد ، ثنا وهيبٌ ، قالَ : ثنا موسى بن عقبة ، عن سالم أبي النضر ، عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن ثابت ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة - قالَ : حسبت أنه قالَ : من حصير - في رمضان ، فصلى فيها ليالي ، فصلى بصلاته ناس من أصحابه ، فلما علم بهم جعل يقعد ، فخرج إليهم ، فقالَ : ( قد عرفت الذي رأيتُ من صنيعكم ، فصلوا أيها الناس في بيوتكم ؛ فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته ، إلا المكتوبة ) . وخرَّجهُ - أيضاً - في ( الاعتصام ) من كتابه هذا من طريق عفان ، عن وهيبٍ ، به ، وقال فيهِ : اتخذ حجرةً في المسجد من حصير ، ولم يذكر فيهِ شكاً . وخرجه - أيضاً - من رواية عبد الله بن سعيدٍ ، عن سالم مولى أبي النضر ، ولفظُ حديثه : احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة مخصفة - أو حصيراً - فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيها ، وذكر الحديث . وهذه الحجرة هي المذكورة في حديث عائشة المتقدم ، وقد تبين أنها لم تكنْ تمنع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لمن صلى وراءها خلفه . وقد روى ابن لهيعة حديث زيد بن ثابت هذا ، عن موسى بن عقبة ، بهذا الإسناد ، وذكر أن موسى كتب به إليه ، واختصر الحديث وصحفهُ ، فقالَ : ( احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ) فقيل لابن لهيعة : مسجد بيتهِ ؟ قالَ : لا ، مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم . وقد خرج حديثه هذا الإمام أحمد . وقوله : ( احتجم ) غلطٌ فاحش ؛ وإنما هوَ : ( احتجر ) ، أي : اتخذ حجرةً . وهذا آخرُ ( أبواب : الإمامةِ ) ، وبعدها ( أبواب : صفة الصلاة ) .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب صلاة الليل · ص 265 119 - حدثنا عبد الأعلى بن حماد ، قال : حدثنا وهيب ، قال : حدثنا موسى بن عقبة ، عن سالم أبي النضر ، عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن ثابت ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتخذ حجرة ، قال : حسبت أنه قال : من حصير في رمضان ، فصلى فيها ليالي ، فصلى بصلاته ناس من أصحابه ، فلما علم بهم جعل يقعد فخرج إليهم ، فقال : قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم ، فصلوا أيها الناس في بيوتكم ؛ فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة . قال عفان : حدثنا وهيب ، قال : حدثنا موسى ، قال : سمعت أبا النضر عن بسر ، عن زيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن الحديث في صلاة الليل . ( ذكر رجاله ) وهم كلهم ذكروا ، فعبد الأعلى بن حماد بتشديد الميم ابن نصر أبو يحيى ، مر في باب الجنب يخرج ، ووهيب ابن خالد مر في باب من أجاب الفتيا ، وموسى بن عقبة ابن أبي عياش الأسدي ، وسالم أبو النضر بسكون الضاد المعجمة ، وهو ابن أبي أمية مر في باب المسح على الخفين ، وبسر بضم الباء الموحدة ، وسكون السين المهملة ابن سعيد مر في باب الخوخة في المسجد ، وزيد بن ثابت الأنصاري كاتب الوحي مر في باب إقبال الحيض . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه ثلاثة مدنيون على نسق واحد من التابعين ، أولهم : موسى بن عقبة ، ووهيب بصري ، وعبد الأعلى أصله من البصرة ، سكن بغداد . وفيه عن سالم أبي النضر ، وروى ابن جريج ، عن موسى فلم يذكر سالما وأبا النضر في هذا الإسناد ، أخرجه النسائي ، وقال : ذكر فيه اختلاف ابن جريج ، ووهيب على موسى بن عقبة في خبر زيد بن ثابت ، أخبرني عبد الله بن محمد بن تميم المصيصي ، قال : سمعت حجاجا قال : قال ابن جريج : أخبرني موسى بن عقبة ، عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن ثابت ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة . أخبرنا أحمد بن سليمان قال : حدثنا عفان بن مسلم قال : حدثنا وهيب ، قال : سمعت موسى بن عقبة ، قال : سمعت أبا النضر يحدث ، عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن ثابت ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : صلوا أيها الناس في بيوتكم ؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة ، ثم قال : وقفه مالك ، أخبرنا قتيبة بن سعيد ، عن مالك ، عن أبي النضر ، عن بسر بن سعيد ، أن زيد بن ثابت قال : أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم : يعني إلا صلاة الجماعة . ( قلت ) : وروي عن مالك خارج الموطأ مرفوعا . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام ، عن إسحاق ، عن عفان ، وفي الأدب : وقال المكي : حدثنا عبد الله بن سعيد ، وعن محمد بن زياد ، عن محمد بن جعفر ، وأخرجه مسلم في الصلاة أيضا ، عن محمد بن المثنى ، عن محمد بن جعفر به ، وعن محمد بن حاتم ، عن بهز بن أسد ، عن وهيب به . وأخرجه أبو داود فيه عن هارون بن عبد الله ، عن مكي بن إبراهيم به ، وعن أحمد بن صالح ، عن ابن وهب الفصل الأخير . وأخرجه الترمذي فيه ، عن بندار ، عن محمد بن جعفر الفصل الأخير منه ، وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن سليمان بن عفان به ، وعن عبد الله بن محمد بن تميم ، عن حجاج ، عن ابن جريج الفصل الأخير منه ، ولما أخرج الترمذي الفصل الأخير قال : وفي الباب عن عمر بن الخطاب ، وجابر ، وأبي سعيد ، وأبي هريرة ، وابن عمر ، وعائشة ، وعبد الله بن سعيد ، وزيد بن خالد . ( قلت ) : حديث عمر بن الخطاب عند ابن ماجه ولفظه : قال عمر : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أما صلاة الرجل في بيته فنور فنوروا بيوتكم ، وفيه انقطاع ، وحديث جابر عند مسلم في أفراده ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل في بيته نصيبا من صلاته . وحديث أبي سعيد عند ابن ماجه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا قضى أحدكم صلاته فليجعل لبيته منها نصيبا ؛ فإن الله - عز وجل - جاعل في بيته من صلاته خيرا . وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم ، والنسائي في الكبير ، وفي اليوم والليلة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تجعلوا بيوتكم مقابر ، إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة . وحديث ابن عمر أخرجه الشيخان ، وأبو داود ، وابن ماجه . وحديث عائشة أخرجه أحمد ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : صلوا في بيوتكم ، ولا تجعلوها عليكم قبورا . وحديث عبد الله بن سعيد أخرجه الترمذي في الشمائل ، وابن ماجه قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيما أفضل الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد ؟ قال : ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد ، فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة . وحديث زيد بن خالد أخرجه أحمد ، والبزار ، والطبراني ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صلوا في بيوتكم ، ولا تتخذوها قبورا . ( قلت ) : مما لم يذكره عن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وصهيب بن النعمان ، أما حديث الحسن فأخرجه أبو يعلى قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا .... الحديث ، وأما حديث صهيب بن النعمان فأخرجه الطبراني في المعجم الكبير قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس ، كفضل المكتوبة على النافلة . ( ذكر معناه ) قوله : اتخذ حجرة بالراء عند الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني بالزاي أيضا ، فمعناه شيئا حاجزا : أي مانعا بينه وبين الناس . قوله : قد عرفت ، ويروى : قد علمت ، قوله : من صنيعكم بفتح الصاد ، وكسر النون ، وفي رواية الكشميهني : من صنعكم بضم الصاد ، وسكون النون : أي حرصكم على إقامة صلاة التراويح ، وهذا الكلام ليس لأجل صلاتهم فقط ، بل لكونهم رفعوا أصواتهم ، وسبحوا به ؛ ليخرج إليهم ، وحصب بعضهم الباب لظنهم أنه نائم ، وسيأتي ذلك في الأدب . وزاد في الاعتصام : حتى خشيت أن يكتب عليكم ، ولو كتب عليكم ما قمتم به قوله : فإن أفضل الصلاة إلى آخره ظاهره يشمل جميع النوافل ، قوله : إلا المكتوبة : أي الفريضة . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن صلاة التطوع فعلها في البيوت أفضل من فعلها في المساجد ، ولو كانت في المساجد الفاضلة التي تضعف فيها الصلاة على غيرها ، وقد ورد التصريح بذلك في إحدى روايتي أبي داود ؛ لحديث زيد بن ثابت ، فقال فيها : صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة ، وإسنادها صحيح ، فعلى هذا : لو صلى نافلة في مسجد المدينة كانت بألف صلاة على القول بدخول النوافل في عموم الحديث ، وإذا صلاها في بيته كانت أفضل من ألف صلاة ، وهكذا حكم مسجد مكة ، وبيت المقدس ، إلا أن التضعيف بمكة يحصل في جميع مكة ، بل صحح النووي أن التضعيف يحصل في جميع الحرم ، واستثنى من عموم الحديث عدة من النوافل ففعلها في غير البيت أكمل ، وهي ما تشرع فيها الجماعة ، كالعيدين ، والاستسقاء ، والكسوف . وقالت الشافعية : وكذلك تحية المسجد ، وركعتا الطواف ، وركعتا الإحرام إن كان عند الميقات مسجد ، كذي الحليفة ، وكذلك التنفل في يوم الجمعة قبل الزوال وبعده . وفيه حجة على من استحب النوافل في المسجد ليلية كانت أو نهارية ، حكاه القاضي عياض والنووي عن جماعة من السلف ، وعلى من استحب نوافل النهار في المسجد دون نوافل الليل ، وحكي ذلك عن سفيان الثوري ومالك . وفيه ما يدل على أصل التراويح ؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلاها في رمضان بعض الليالي ، ثم تركها ؛ خشية أن تكتب علينا ، ثم اختلف العلماء في كونها سنة أو تطوعا مبتدأ ، فقال الإمام حميد الدين الضرير : نفس التراويح سنة ، أما أداؤها بالجماعة فمستحب ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أن التراويح سنة لا يجوز تركها . وقال الشهيد : هو الصحيح ، وفي جوامع الفقه: التراويح سنة مؤكدة ، والجماعة فيها واجبة ، وفي الروضة لأصحابنا : إن الجماعة فضيلة ، وفي الذخيرة لأصحابنا عن أكثر المشايخ : إن إقامتها بالجماعة سنة على الكفاية ، ومن صلى في البيت فقد ترك فضيلة المسجد ، وفي المبسوط : لو صلى إنسان في بيته لا يأثم ؛ فعلها ابن عمر ، وسالم ، والقاسم ، ونافع ، وإبراهيم ، ثم إنها عشرون ركعة ، وبه قال الشافعي ، وأحمد ، ونقله القاضي عن جمهور العلماء . وحكي أن الأسود بن يزيد كان يقوم بأربعين ركعة ، ويوتر بسبع ، وعند مالك : تسع ترويحات بست وثلاثين ركعة غير الوتر ، واحتج على ذلك بعمل أهل المدينة ، واحتج أصحابنا والشافعية والحنابلة بما رواه البيهقي بإسناد صحيح ، عن السائب بن يزيد الصحابي قال : كانوا يقومون على عهد عمر رضي الله تعالى عنه بعشرين ركعة ، وعلى عهد عثمان ، وعلي رضي الله تعالى عنهما مثله . فإن ( قلت ) قال في الموطأ : عن يزيد بن رومان قال : كان الناس في زمن عمر رضي الله تعالى عنه يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة . ( قلت ) : قال البيهقي : والثلاث هو الوتر ، ويزيد لم يدرك عمر ؛ ففيه انقطاع . ( فائدة ) استثناء المكتوبة مما يصلى في البيوت هو في حق الرجال دون النساء ، فإن صلاتهن في البيوت أفضل ، وإن أذن لهن في حضور بعض الجماعات ، وقد قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في الحديث الصحيح : إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن وبيوتهن خير لهن . أخرى قوله : في بيوتكم يحتمل أن يكون المراد بذلك إخراج بيوت الله تعالى ، وهي المساجد ، فيدخل فيه بيت المصلي ، وبيت غيره ، كمن يريد أن يزور قوما في بيوتهم ونحو ذلك . ويحتمل أن يريد بيت المصلي دون بيت غيره ، وهو ظاهر قوله في الرواية الأخرى : أفضل صلاة المرء في بيته فيخرج بذلك أيضا بيت غير المصلي . أخرى اختلف في المراد بقوله في حديث ابن عمر : صلوا في بيوتكم فقال الجمهور فيما حكاه القاضي عنهم : إن المراد في صلاة النافلة استحباب إخفائها قال : وقيل هذا في الفريضة ، ومعناه اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ؛ ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة ، وعبيد ، ومريض ونحوهم . قال النووي : والصواب أن المراد النافلة ، فلا يجوز حمله على الفريضة . أخرى إنما حث على النوافل في البيوت ؛ لكونها أخفى وأبعد من الرياء ، وأصون من المحبطات ، وليتبرك البيت بذلك ، وتنزل فيه الرحمة ، والملائكة ، وتنفر منه الشياطين ، والله تعالى أعلم .