82 - بَاب إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ 732 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًا فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ ، قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا ، ثُمَّ قَالَ لَمَّا سَلَّمَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ . 733 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ : خَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ ، فَصَلَّى لَنَا قَاعِدًا ، فَصَلَّيْنَا مَعَهُ قُعُودًا ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ : إِنَّمَا الْإِمَامُ - أَوْ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ - لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَقُولُوا : رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا . 734 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ . ( أبواب صفة الصلاة ) . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ) قِيلَ : أَطْلَقَ الْإِيجَابَ وَالْمُرَادُ الْوُجُوبُ تَجَوُّزًا ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ خِطَابُ الشَّارِعِ ، وَالْوُجُوبَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُكَلَّفِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا . ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ ، إِمَّا عَلَى الْمُضَافِ وَهُوَ إِيجَابٌ ، وَإِمَّا عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَهُوَ التَّكْبِيرُ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِافْتِتَاحِ الدُّعَاءُ ؛ لَكِنَّهُ لَا يَجِبُ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى مَعَ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالِافْتِتَاحِ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ . وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا بِمَعْنَى الْمُوَحَّدَةِ أَوِ اللَّامِ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْتَتِحُ بِالتَّكْبِيرِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى تَعَيُّنِ لَفْظِ التَّكْبِيرِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْظِيمِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو يُوسُفَ . وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ تَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ . وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ رِفَاعَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ : لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ، فَيَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ ، ثُمَّ يُكَبِّرَ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ : ثُمَّ يَقُولَ : اللَّهُ أَكْبَرُ وَحَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا وَرَفَعَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَهَذَا فِيهِ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالتَّكْبِيرِ وَهُوَ قَوْلُ : اللَّهُ أَكْبَرُ . وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِأَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ كُلَّمَا وَضَعَ وَرَفَعَ ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ ، ثُمَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ ، وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ : لَيْسَ فِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ ذِكْرُ التَّكْبِيرِ وَلَا فِي الثَّانِي ، وَالثَّالِثُ بَيَانُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَإِنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِتَأْخِيرِ الْمَأْمُومِ عَنِ الْإِمَامِ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ إِيجَابًا لِلتَّكْبِيرِ لَكَانَ قَوْلُهُ : فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ إِيجَابًا لِذَلِكَ عَلَى الْمَأْمُومِ . وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ وَاحِدٌ ، اخْتَصَرَهُ شُعَيْبٌ وَأَتَمَّهُ اللَّيْثُ ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى ذِكْرِ الطَّرِيقِ الْمُخْتَصَرَةِ ؛ لِتَصْرِيحِ الزُّهْرِيِّ فِيهَا بِإِخْبَارِ أَنَسٍ لَهُ ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ ، وَفِعْلُهُ بَيَانٌ لِمُجْمَلِ الصَّلَاةِ ، وَبَيَانُ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ ، كَذَا وَجَّهَهُ ابْنُ رَشِيدٍ ، وَتُعُقِّبَ بِالِاعْتِرَاضِ الثَّالِثِ وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَى الْبُخَارِيِّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَائِلًا بِوُجُوبِهِ ، كَمَا قَالَ بِهِ شَيْخُهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . وَقِيلَ فِي الْجَوَابِ أَيْضًا : إِذَا ثَبَتَ إِيجَابُ التَّكْبِيرِ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ طَابَقَ التَّرْجَمَةَ ، وَوُجُوبُهُ عَلَى الْمَأْمُومِ ظَاهِرٌ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : فِي السِّيَاقِ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِيجَابِ ؛ لِتَعْبِيرِهِ بِإِذَا الَّتِي تَخْتَصُّ بِمَا يُجْزَمُ بِوُقُوعِهِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ التَّرْجَمَةِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ : إِذَا صَلَّى قَائِمًا مُتَنَاوِلٌ لِكَوْنِ الِافْتِتَاحِ فِي حَالِ الْقِيَامِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِذَا افْتَتَحَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ قَائِمًا فَافْتَتِحُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِيَامًا . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ ، وَالْمَعْنَى : بَابُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ، فَحِينَئِذٍ دَلَالَتُهُ عَلَى التَّرْجَمَةِ مُشْكِلٌ . انْتَهَى . وَمُحَصِّلُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ تَوْجِيهُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ فِي قَوْلِهِ : فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ : لَوْلَا الدَّلِيلُ الْخَارِجِيُّ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ لَكَانَ هُوَ أَيْضًا وَاجِبًا . انْتَهَى . وَقَدْ قَالَ بِوُجُوبِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمُ الْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ الْمَتْنِ الْمَذْكُورِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ فِي طَرِيقِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي طَرِيقِ اللَّيْثِ : ثُمَّ انْصَرَفَ بَدَلَ قَوْلِهِ : فَلَمَّا انْصَرَفَ ، وَزِيَادَةُ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ : رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ ، وَسَقَطَ لَفْظُ : جُعِلَ عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ . ( فَائِدَةٌ ) : تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ رُكْنٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقِيلَ : شَرْطٌ وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقِيلَ : سُنَّةٌ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، والْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَصْرِيحًا ، وَإِنَّمَا قَالُوا فِيمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا تُجْزِئُهُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ . نَعَمْ نَقَلَهُ الْكَرْخِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُلَيَّةَ ، وَأَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ ، وَمُخَالَفَتُهُمَا لِلْجُمْهُورِ كَثِيرَةٌ . ( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِيجَابِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْإِيمَانِ حَيْثُ قَالَ : بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ فَدَخَلَ فِيهِ الْإِيمَانُ وَالْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ · ص 253 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة · ص 283 82 - باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة فيهِ ثلاثةُ أحاديث : 732 - حدثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، قالَ : أخبرني أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرساً فجحشَ شقهُ الأيمن ، قالَ أنس : فصلى لنا يومئذ صلاةً من الصلوات وهو قاعدٌ ، فصلينا وراءه قعوداً ، ثم قالَ لما سلمَ : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفعَ فارفعوا ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا قالَ : سمع الله لمن حمدهُ ، فقولوا : ربنا ولك الحمدُ ) . 733 - حدثنا قُتيبةُ ، ثنا الليث ، عن ابن شهابٍ ، عن أنس بن مالك ، قالَ : خرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرس فجحشَ ، فصلى لنا قاعداً ، فصلينا معه قعوداً ، ثم انصرف ، فقالَ : ( إنما الإمام - أو إنما جعلَ الإمام - ليؤتم به ، فإذا كبَّر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قالَ : سمع الله لمن حمدهْ ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا ) . 734 - حدثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، حدثني أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قالَ : قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا قالَ : سمع الله لمن حمدهْ ، فقولوا : ربنا ولك الحمدُ ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعونَ ) . حديث أنسٍ ، ساقه من طريقين : من طريق شعيب ، عن الزهري ، وفيه التصريح بسماع الزهري لهُ من أنسٍ . ومن طريق الليث ، عن الزهري ، وليس فيهِ ذَلِكَ . وقد تقدم من حديث مالكٍ ، عن الزهري كذلك . وليس في حديث مالك ولا شعيب ذكر التكبير ، وهو في حديث الليث وحده . وقد خرجه مسلم بهذه الزيادة من طريق ابن عيينة وغيرهِ ، عن الزهري . وخرجه البخاري بها - أيضاً - فيما تقدم من طريق حميدٍ ، عن أنس . وخرجه هاهنا من حديث أبي هريرة ، أيضاً . وهذه اللفظة هي مقصودهُ من هذه الأحاديث في هذا الباب ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من يصلي خلف الإمام أن يكبر إذا كبر الإمام ، فدل على أن التكبير واجب على المأموم ، فدخل في ذَلِكَ تكبيرة الإحرام وغيرها - أيضاً - من التكبير . ويأتي الكلام في التكبير غير تكبيرة الإحرام في غير هذا الموضع - إن شاء الله تعالى - ، وإنما المقصود هنا تكبيرة الإحرام . وقوله : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ) قد فسرهُ بمتابعة الإمام في أقواله وأفعاله . وقد أدخل طائفةٌ من العلماء متابعته في نيته ، وقد سبق القول في ذَلِكَ . وأدخل بعضهم - أيضاً - متابعته في ترك بعض أفعال الصلاة المسنونة ، كرفع اليدين ، فقالَ : لا يرفع المأموم يديه إلا إذا رفع الإمام ، وهو قول أبي بكر بن أبي شيبة . والجمهور على خلاف ذَلِكَ ، وأن المأموم يتابع إمامه فيما يفعلهُ ، ويفعل ما تركه من السنن عمداً أو سهواً ، كرفع اليدين والاستفتاح والتعوذ والتسمية وغير ذلك ، فيما لا يفعله بعض الأئمة معتقداً لهُ ، فكل هذا يفعله المأموم ، ولا يقتدي بإمامه في تركه . ومما يدخل في ائتمام المأموم بإمامه : أنه لا يتخلف عنه تخلفاً كثيراً ، بل تكون أفعال المأموم عقب أفعال إمامه ، حتى السلام . وقد نص أحمد على أن الإمام إذا سلم وقد بقي على المأموم شيء من الدعاء ، فإنه يسلم معه ، إلا أن يكون بقي عليه شيء يسير ، فيأتي به ويسلم ، واستدل بقولِهِ : ( إنما الإمام ليؤتم به ) . وقوله : ( فإذا كبر فكبروا ) يدل على أن المأموم لا يكبر إلا بعد تكبير الإمام عقيبه ، وقد سبق الكلام على هذه المسألة مستوفىً . وكان ذكرَ حديث أبي هريرة في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم المسيء في صلاته ، وقوله : ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة وكبر ) وذكر الحديث - وقد خرجه البخاري في موضع آخر - أولى من ذكر : ( إذا كبر فكبروا ) ؛ فإن هذا الحديث إنما فيهِ أمر المأموم بالتكبير ، وأما تكبير الإمام فليس فيهِ الأمر به ، بل فيهِ ما يشعر بأنه لا بد من فعله كركوعه وسجوده . وحينئذٍ فيستدل بحديث أنس على أنه لا بدَّ للإمام من التسميع ، وأن المأموم مأمور بالتحميد عقيب تسميعه . وأما حديث تعليم المسيء ، ففيه تصريح بالأمر لكل قائم إلى الصلاة أن يكبر ، وسواء كانَ إماماً أو مأموماً أو منفرداً . وأما حديث : ( مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ) فليس هوَ من شرط البخاري ، مع تعدد طرقه . وكذلك حديث عائشة : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير . خرجه مسلم من طريق حسين المعلم ، عن بديل بن ميسرة ، عن أبي الجوزاء ، عن عائشة . وخالفه حماد بن زيد ، فرواه عن بديل ، عن عبد الله بن شقيق ، عن عائشة . ومقصود البخاري : أن الصلاة لا تفتتح إلا بالتكبير ، ولا تنعقد بدونه . وقد روي عن ابن مسعودٍ وابن عباسٍ والشعبي ، قالوا : تحريم الصلاة التكبير . وروي عن ابن المسيب وبكير بن الأشج والنخعي فيمن نسي تكبيرة الاستفتاح : يستأنف الصلاة . وهو قول الثوري وابن المبارك ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم . وقال الحكم وأبو حنيفة وعامةُ أصحابه : تنعقد الصلاة بكل لفظ من ألفاظ الذكر ، كالتهليل والتسبيح . وعن النخعي ، قالَ : يجزئه ، ويسجد للسهو . وعن الشعبي ، قالَ : بأي أسماء الله تعالى افتتحت الصلاة أجزأكَ . وفي الإسناد إليه مجهولٌ . خرجه ابن أبي شيبة في ( كتابه ) . وهو رواية عن الثوري ، رواها عنه النعمان بن عبد السلام . وحكى ابن المنذر ، عن الزهري ، أن الصلاة تنعقد بمجرد النية ، ولا تحتاج إلى لفظ بالكلية . قلت : وروي نحوه - أيضاً - عن عطاء : قالَ عبد الرزاق : عن ابن جريجٍ ، قلت لعطاء : أقيمت الصلاة وأنا مع الناس ، فكبر الإمام ورفع من الركعة ، ولم أكبر في ذَلِكَ ؟ قالَ : إن كنت قد اعتدلت في الصف فاعتدَّ بها ، وإن كنت لم تزل تتحدث حتى ركعَ ورفع رأسه من الركعة فكبر ثم اركعْ واعتدَّ بها ، وإن كنت لم تعتدل في الصف فلا . وعن ابن جريج ، عن عطاء ، في رجل دخل المسجد والإمام ساجد ، أو حين رفع رأسه من الركعة أو السجدة ، أو جالساً يتشهد : يكبر تكبيرة استفتاح الصلاة ؟ قالَ : إن شاء فليكبر ، وإن شاء فلا يكبر ، ولكن إذا قام وقد قام الإمام فليكبر ويستفتح . وروى - أيضاً - عن معمر ، عن قتادة ، في رجل انتهى إلى قوم وهم جلوس في آخر صلاتهم ؟ قالَ : يجلس معهم ، ولا يكبر . ولعله أراد : أنه يكتفي بتكبيره إذا قام إلى القضاء ، فلا يكونُ قبل ذَلِكَ قد دخل في الصلاة . وقريبٌ من هذا : أنه قد روي عن طائفة من السلف ، أن من نسي تكبيرة الافتتاح في الصلاة ، فإنه تجزئه تكبيرة الركوع ، روي هذا عن سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة والحكم والأوزاعي ، وهو رواية عن حماد بن أبي سليمان ، حكاه ابن المنذر وغيره . وروي عن الزهري ، أنه قالَ : يسجد للسهو إذا سها . وهذا يحتاج إلى تحقيق ونظر في مأخذ ذَلِكَ . وظاهر ما حكاه ابن المنذر عن هؤلاء : أنهم رأوا تكبيرة الركوع تقوم مقام تكبيرة الافتتاح في انعقاد الصلاة بها ، وهو ظاهر كلامهم - أيضاً - ، حيث قالوا : تجزئه تكبيرة الركوع ، وتنعقد بها الصلاة ، وقال بكر المزني : يكبر إذا ذكر . وظاهر كلامهم : أنه عامٌ في حق الإمام والمأموم والمنفرد ، وقد روي عن الحكم صريحاً في الإمام ، فأما في حق الإمام والمنفرد فيحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون الصلاة انعقدت بمجرد النية ، كما روي عن الزهري . والثاني : أن تكون الصلاة إنما انعقدت بتكبيرة الركوع ، وتكون القراءةُ ساقطةً عنهما في هذه الركعة ، بناء على أن القراءة لا تجب في جميع الركعات ، وهذا هوَ الذي يتبادر فهمهُ من كلامهم . وهو قول سفيان الثوري ، ذكره أصحابه في كتبهم ، لكنه يشترط : أن ينوي بتكبيرته عندَ الركوع تكبيرة الإحرام ، كما سيأتي قوله في ذَلِكَ . وأما قول بكر المزني : ( يكبر إذا ذكر ) ، فإن أراد ما لم يركع ، فهوَ يرجع إلى ما ذكرنا ، وإن كانَ مراده أعمَّ من ذَلِكَ ، فلا يرجع إلا إلى أنَّ الصلاة يدخل فيهِا بمجرد النيةِ - أيضاً - إلا أن يكون أراد أنه يكبر متى ما ذكر ، ويستأنف الصلاة من حينئذ . وأما في حق المأموم ، فقد وافق من تقدم ذكرهُ على قولهم يجزئه تكبيرة الركوع ، مالك وأحمد في رواية عنهما . فذكر مالك في ( الموطأ ) في الإمام والمنفرد أنهما إذا نسيا تكبيرة الإحرام يبتدئان الصلاة ، وفي المأموم إذا نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع : رأيت ذَلِكَ مجزئاً عنه . قالَ ابن عبد البر : قالَ الزهري والأوزاعي وطائفةٌ : تكبيرة الإحرام ليست بواجبة . وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول ، ولم يختلف قوله في الإمام والمنفرد : أن تكبيرة الإحرام واجبة على كل واحدٍ منهما ، والصحيح من مذهبه : إيجاب تكبيرة الإحرام ، وأنها فرضٌ ركنٌ من أركان الصلاة . قلت : يمكن أن يحمل ما نقل عن السلف ، أو عن بعضهم في ذلك على المأموم خاصةً ، وكذلك حكاه عنهم ابن عبد البر في المأموم خاصةً ، وهذا أشبه وأظهر . ويدل عليهِ : ما خرجه حربٌ بإسناده ، عن خليد ، عن الحسن وقتادة قالا : إن نسيت تكبيرة الاستفتاح وكبرت للركوع وأنت مع الإمام فقد مضت صلاتك . وبإسناده ، عن الوليد بن مسلم ، قالَ أبو عمرو - يعني : الأوزاعي - فيمن نسي تكبيرة الاستفتاح : إن كانَ وحده استأنف الصلاة ، وإن كانَ مع الإمام أجزأته تكبيرة الركوع ، وكان كمن أدرك ركعة الإمام فكبر تكبيرة ، وأمكن كفيه من ركبتيه ، ورفع الإمام رأسه فقد أجزأتهُ تلك الركعة . قالَ الوليد : فقلت لأبي عمرو : فإن نسي تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع ؟ فأخبرني أن ابن شهاب قالَ : يضيف إلى صلاته ركعةً ، ولا يعتدُّ بتلك الركعة التي لم يكبِّر لها . وقال أبو عمرٍو : وإذا كانَ وحده ، فنسي الأولى والآخرة أعاد الصلاة ، وإذا كانَ مع الإمام أضاف إلى صلاته ركعةً أخرى . فقد فرق الأوزاعي بين المنفرد والمأموم ، وأما الزهري فلم يفرق . والتفريق بينهما لهُ مأخذان : أحدهما : أن الإمام يتحمل عن المأموم التكبير ، كما يتحمل عنه القراءة ، وقد صرح بهذا المأخذ الإمام أحمد . قالَ حنبل : سألت أبا عبد الله عن قول : إذا سها المأموم عن تكبيرة الافتتاح وكبر للركوع رأيت ذَلِكَ مجزئاً عنه ؟ فقالَ أبو عبد الله : يجزئه إن كانَ ساهياً ؛ لأن صلاة الإمام لهُ صلاةٌ . فصرح بالمأخذ ، وهو تحملُ الإمام عنه تكبيرة الإحرام في حال السهو . ذكر هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز في ( كتاب الشافي ) ، وهذه رواية غريبة عن أحمد ، لم يذكرها الأصحاب . والمذهب عندهم : أنه لا يجزئه ، كما لا يجزئ الإمام والمنفرد ، وقد نقله غير واحد عن أحمد . ونقل إسماعيل بن سعيد ، عن أحمد فيمن ترك تكبيرة الافتتاح في الصلاة ؟ قالَ : إن تركها عمداً لم تجزئه صلاته . ومفهومه : أنه إن تركها سهواً أجزأته صلاته . وينبغي حمل ذَلِكَ على المأموم خاصةً ، كما نقله حنبل . وهذا المأخذ هوَ مأخذ من فرق بين الإمام والمأموم والمنفرد ، كالأوزاعي ؛ ولهذا طرد قوله في المأموم ينسى تكبيرة الافتتاح مع تكبيرة الركوع ، وقال : إن صلاته جائزة ، ويقضي ركعةً . ولو كانَ مأخذه : أن صلاته انعقدت بالتكبيرة في الركعة الثانية لم يكن بين الإمام والمأموم فرقٌ . وهو - أيضاً - مأخذ مالك وأصحابه . وفي ( تهذيب المدونة ) : وإن ذكر مأموم أنه نسي تكبيرة الإحرام ، فإن كانَ كبر للركوع ونوى بها تكبيرة الإحرام أجزأه ، فإن كبرها ولم ينو بها ذَلِكَ تمادى مع الإمام ، وأعاد صلاته احتياطاً ؛ لأنه لا يجزئه عندَ ربيعة ، ويجزئه عندَ ابن المسيب ، وإن لَم يكبر للركوع ولا للافتتاح حتى ركع الإمام ركعةً ركعها معه ، وابتدأ التكبير ، وكان الآن داخلاً في الصلاة ، ويقضي ركعةً بعد سلام الإمام ، ولو كانَ وحده ابتدأ متى ذكر ، قبل ركعةً أو بعد ركعةٍ ، نوى بتكبيرة الركوع الإحرام أم لا ، وكذلك الإمام لا يجزئه إن نوى بتكبيرة الإحرام الركوع ، فأن فعل أعاد هوَ ومن خلفه . انتهى . وهذا التفريق ، إنما هوَ لتحمل الإمام القراءة . وما ذكر مِن أن المسبوق إن لَم ينو بتكبيرته عند الركوع الإحرام يتمادى معَ الإمام ، ويعيد صلاته احتياطاً ، مخالف لما نص عليهِ مالك في ( الموطأ ) : أنَّهُ تجزئه صلاته إذا سها عَن تكبيرة الافتتاح . ولكن في بعض روايات ( الموطأ ) عَن مالك ، أنه اشترط في هَذا الموضع نية الافتتاح ، أيضاً . وذكر ابن عبد البر : أن أصحاب مالك اضطربوا في هَذهِ المسألة اضطراباً عظيماً ، ونقضوا أصلهم في وجوب تكبيرة الإحرام في حق المأموم ؛ لأجل الاختلاف فيهِ . وقد قالَ مالك في ( الموطأ ) : إن المأموم إذا نسي تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع وكبرَّ في الثانية ، أنَّهُ يبتدئ صلاته أحبُّ إليَّ . فظاهر هَذا : أنه لَم يوجب عليهِ الإعادة للاختلاف في تحمل الإمام عَنهُ التكبير ، وهذا يدل على أنه رأى الاختلاف في حق المأموم خاصةً ؛ فإنه قالَ في المنفرد : يعيد صلاته جزماً . والمأخذ الثاني : وقد بنى ما روي عَن السلف عليهِ طائفة مِن العلماء ، مِنهُم : عباس العنبري ، وَهوَ : أن المأموم إذا أدرك الإمام في الركوع فكبر تكبيرة واحدةً ، فإنه تجزئهُ وتنعقد صلاته عند جمهور العلماء ، وفيه خلاف عَن ابن سيرين وحماد بنِ أبي سليمان . وحكاه بعض أصحابنا روايةً عَن أحمد أنه لا يصح حتى يكبر تكبيرتين ، ولا يصح هَذا عَن أحمد . فعلى قول الجمهور : إذا كبر تكبيرةً واحدةً ، فله أربعةُ أحوال : إحداها : أن ينوي بها تكبيرة الافتتاح ، فتجزئه صلاته بغير توقف . الحالة الثانية : أن ينوي تكبيرة الركوع خاصةً ، فلا تجزئه عند الأكثرين ، قاله الثوري ومالك . ونص عليهِ أحمد في رواية أبي الحارث ، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ : ( تحريمها التكبير ) ، وهذا لَم يحرم بالصلاة . فإن كانَ ساهياً عَن تكبيرة الإحرام ، فقالَ مالك في ( الموطأ ) : تجزئه . وَهوَ رواية حنبل عَن أحمد . ولا تجزئه عند الثوري ، وَهوَ المشهور عَن أحمد ومذهب الأكثرين . الحالة الثالثة : أن ينويهما معاً ، ففيه قولان : أحدهما : تجزئه ، حكي عَن أبي حنيفة ومالك وأبي ثور ، وحكي رواية عَن أحمد ، اختارها ابن شاقلا . والثاني : لا تجزئه ، وَهوَ المشهور عند أصحابنا ، وقول الشَافِعي وإسحاق . الحالة الرابعة : أن لا ينوي شيئاً ، بل يطلق النية ، فهل تجزئه ، أم لا ؟ فيه قولان : أحدهما : لا تجزئه حتى ينوي بها الافتتاح ؛ فإنه قَد اجتمع في هَذا المحل تكبيرتان ؛ إحداهما فرض ، فاحتاج الفرض إلى تمييزه بالنية ، بخلاف تكبير الإمام أو المنفرد أو المأموم إذا أدرك الإمام قبل الركوع ، فإنه لَم يجتمع في حقه تكبيرتان في وقت واحدٍ . وهذا القول حكي عَن أبي حنيفة ، وَهوَ قول الثوري ومالك وإسحاق ، ونقله ابن منصور وغير واحدٍ عَن أحمد . وقاله أبو بكر عبد العزيز بنِ جعفر مِن أصحابنا في ( كتاب الشافي ) والقاضي أبو يعلى في ( جامعه الكبير ) ، وجعله المذهب روايةً واحدةً ، وتأول ما خالف ذَلِكَ عَن أحمد . والثاني : تجزئه وإن أطلق النية ، نقله ابن منصور - أيضاً - عَن أحمد ، ونقله - أيضاً - صالح ومهنا وأبو طالب عَن أحمد . وقال : ما علمنا أحداً قالَ : ينوي بها الافتتاح . يشير إلى الصحابة والتابعين . وعلل : بأنَّهُ خرج مِن بيته وَهوَ يريد الصلاة . يشير إلى أن نية الصلاة موجودة معه ؛ بخروجه إلى الصلاة ، فلا يكبر للصلاة إلا بتلك النية ، ولا يكبر للركوع إلا مِن دخل في الصلاة ، فأما مِن لَم يكن دخل فيها فإنما يكبر لدخوله في الصلاة أولاً ، ولا يضره عدم استحضاره لهذه النية عند التكبيرة ؛ لأن تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير جائزٌ عنده . وللشافعي قولان في هَذهِ المسألة . وقد يجاب عَن قول مِن قالَ : إنه قَد اجتمع في حقه تكبيرتان بأنهما لَم تجتمعا عليهِ ؛ فإن تكبيرة الافتتاح محلها القيام ، وتكبيرة الركوع محلها الانحناء للركوع ، فلم تجتمعا في محل واحد . وهذا بناءً على أنه لا تنعقد صلاة مدرك الركوع ، إلا بالتكبير قائماً ، وَهوَ قول الشَافِعي وإسحاق وأصحابنا . وحكى صاحب ( شرحِ المهذب ) أنه رواية عَن مالك ، قالَ : والمشهور عَنهُ : أنه تنعقد صلاته إذا كبر وَهوَ مسبوق في حال الركوع ، قالَ : وَهوَ نصه في ( المدونة ) و ( الموطأ ) . قلت : هَذا مقتضى الرواية عَن مالك في المأموم إذا نسي تكبيرة الافتتاح وكبر للركوع : أنه تجزئه ، كذا رواه القعنبي وغيره عَن مالك . ورواه يحيى بنِ يحيى ، عَن مالك ، بشرط أن ينوي بها الافتتاح . فينبغي على هَذا : أن لا يأتي بها إلا قائماً . أو مقتضى قول مِن قالَ : تجزئه تكبيرة الركوع عَن تكبيرة الإحرام : أنه تنعقد الصلاة بالتكبير في حال الركوع ؛ لأن تكبيرة الركوع إنما تكون في حال الانحناء للركوع . وقد روى عبد الرزاق في ( كتابه ) عَن ابن جريج ، قالَ : أخبرت عَن ابن مسعود ، أنه كانَ يقول : إذا وجدت الإمام والناس جلوساً في آخر الصلاة فكبر قائماً ، ثم اجلس وكبر حين تجلس ، فتلك تكبيرتان : الأولى وأنت قائم لاستفتاح الصلاة ، والأخرى حين تجلس ؛ كأنها للسجدة . وهذا منقطع . وهذا التفسير كأنه مِن قول ابن جريج . وروى وكيع ، عَن إبراهيم بن إسماعيل بنِ مجمع ، عَن الزهري ، عن عروة وزيد بنِ ثابت ، أنهما كانا يجيئان والإمام راكع ، فيكبران تكبيرة الافتتاح ، لافتتاح الصلاة وللركعة . إبراهيم هَذا ، فيهِ مقال . وقد رواه معمر وإبراهيم بنِ سعد وابن أبي ذئب ، عَن الزهري ، عَن ابن عمر وزيد بنِ ثابت ، قالا : تجزئه تكبيرة واحدةٌ . وروي عَن معمر ، عَن الزهري ، عن سالم ، عَن ابن عمر وزيد . فيصير إسناده متصلاً . وليس في رواية أحدٍ مِنهُم أنه يكبر للافتتاح ، وهذا أصح إن شاء الله تعالى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة · ص 270 121 - حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا ليث ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك ، أنه قال : خر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرس فجحش ، فصلى لنا قاعدا ، فصلينا معه قعودا ، ثم انصرف فقال : إنما الإمام - أو إنما جعل الإمام - ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : ربنا لك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا . هذا طريق عن قتيبة بن سعيد ، عن الليث بن سعيد ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن أنس عن مالك ، قوله : خر بفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء : أي وقع ، من الخرور وهو السقوط . قوله : فجحش بتقديم الجيم على الحاء المهملة : أي خدش ، وهو أن يتقشر جلد العضو ، قوله : فلما انصرف ، وفي رواية الكشميهني : ثم انصرف ، قوله : أو إنما شك من الراوي في زيادة لفظ : جعل ومفعول فكبروا ، ومفعول ارفعوا محذوفان . قوله : سمع الله لمن حمده قال الكرماني : فلا بد أن يستعمل بمن ، لا باللام . ( قلت ) : معناه سمع الحمد لأجل الحامد منه ، ( قلت ) يقال : استمعت له ، وتسمعت إليه ، وسمعت له ، وسمعت عنه كله بمعنى : أي أصغيت إليه ، قال الله تعالى : لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وقال تعالى : لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى والمراد منه في التسميع مجاز بطريق إطلاق اسم السبب ، وهو الإصغاء على المسبب ، وهو القبول والإجابة : أي أجاب له وقبله ، بمعنى قبل الله حمد من حمده ، يقال : سمع الأمير كلام فلان إذا قبل ، ويقال : ما سمع كلامه : أي رده ، ولم يقبله ، وإن سمع حقيقة . قوله : ولك الحمد قال الكرماني : بدون الواو ، وفي الرواية السابقة بالواو ، والأمران جائزان ، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر في مختار أصحابنا . ( قلت ) : روي هنا أيضا بالواو فلا يحتاج إلى هذا التصرف ، وقوله : ولا ترجيح لأحدهما على الآخر غير مسلم ؛ لأن بعضهم رجح الذي بدون الواو ؛ لكونها زائدة ، وفي المحيط : ربنا لك الحمد أفضل لزيادة الواو ، وبعضهم رجح الذي بالواو ؛ لأن تقديره : ربنا حمدناك ، ولك الحمد ، فيكون الحمد مكررا ، ثم لفظ : ربنا لا يمكن أن يتعلق بما قبله ؛ لأنه كلام المأموم ، وما قبله كلام الإمام ؛ بدليل فقولوا ، بل هو ابتداء كلام ، ولك الحمد حال منه : أي أدعوك والحال أن الحمد لك لا لغيرك ، ولا يجوز أن يعطف على أدعوك ؛ لأنها إنشائية ، وتلك خبرية .