بَاب إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
( أبواب صفة الصلاة ) . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ) قِيلَ : أَطْلَقَ الْإِيجَابَ وَالْمُرَادُ الْوُجُوبُ تَجَوُّزًا ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ خِطَابُ الشَّارِعِ ، وَالْوُجُوبَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُكَلَّفِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا . ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ ، إِمَّا عَلَى الْمُضَافِ وَهُوَ إِيجَابٌ ، وَإِمَّا عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَهُوَ التَّكْبِيرُ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِافْتِتَاحِ الدُّعَاءُ ؛ لَكِنَّهُ لَا يَجِبُ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى مَعَ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالِافْتِتَاحِ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ .
وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا بِمَعْنَى الْمُوَحَّدَةِ أَوِ اللَّامِ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْتَتِحُ بِالتَّكْبِيرِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى تَعَيُّنِ لَفْظِ التَّكْبِيرِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْظِيمِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو يُوسُفَ . وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ تَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ . وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ رِفَاعَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ : لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ، فَيَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ ، ثُمَّ يُكَبِّرَ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ : ثُمَّ يَقُولَ : اللَّهُ أَكْبَرُ وَحَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا وَرَفَعَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَهَذَا فِيهِ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالتَّكْبِيرِ وَهُوَ قَوْلُ : اللَّهُ أَكْبَرُ .
وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِأَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ كُلَّمَا وَضَعَ وَرَفَعَ ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ ، ثُمَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ ، وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ : لَيْسَ فِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ ذِكْرُ التَّكْبِيرِ وَلَا فِي الثَّانِي ، وَالثَّالِثُ بَيَانُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَإِنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِتَأْخِيرِ الْمَأْمُومِ عَنِ الْإِمَامِ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ إِيجَابًا لِلتَّكْبِيرِ لَكَانَ قَوْلُهُ : فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ إِيجَابًا لِذَلِكَ عَلَى الْمَأْمُومِ . وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ وَاحِدٌ ، اخْتَصَرَهُ شُعَيْبٌ وَأَتَمَّهُ اللَّيْثُ ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى ذِكْرِ الطَّرِيقِ الْمُخْتَصَرَةِ ؛ لِتَصْرِيحِ الزُّهْرِيِّ فِيهَا بِإِخْبَارِ أَنَسٍ لَهُ ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ ، وَفِعْلُهُ بَيَانٌ لِمُجْمَلِ الصَّلَاةِ ، وَبَيَانُ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ ، كَذَا وَجَّهَهُ ابْنُ رَشِيدٍ ، وَتُعُقِّبَ بِالِاعْتِرَاضِ الثَّالِثِ وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَى الْبُخَارِيِّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَائِلًا بِوُجُوبِهِ ، كَمَا قَالَ بِهِ شَيْخُهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ . وَقِيلَ فِي الْجَوَابِ أَيْضًا : إِذَا ثَبَتَ إِيجَابُ التَّكْبِيرِ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ طَابَقَ التَّرْجَمَةَ ، وَوُجُوبُهُ عَلَى الْمَأْمُومِ ظَاهِرٌ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : فِي السِّيَاقِ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِيجَابِ ؛ لِتَعْبِيرِهِ بِإِذَا الَّتِي تَخْتَصُّ بِمَا يُجْزَمُ بِوُقُوعِهِ .
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ التَّرْجَمَةِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ : إِذَا صَلَّى قَائِمًا مُتَنَاوِلٌ لِكَوْنِ الِافْتِتَاحِ فِي حَالِ الْقِيَامِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِذَا افْتَتَحَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ قَائِمًا فَافْتَتِحُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِيَامًا . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ ، وَالْمَعْنَى : بَابُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ، فَحِينَئِذٍ دَلَالَتُهُ عَلَى التَّرْجَمَةِ مُشْكِلٌ . انْتَهَى .
وَمُحَصِّلُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ تَوْجِيهُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ فِي قَوْلِهِ : فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ : لَوْلَا الدَّلِيلُ الْخَارِجِيُّ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ لَكَانَ هُوَ أَيْضًا وَاجِبًا . انْتَهَى .
وَقَدْ قَالَ بِوُجُوبِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمُ الْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ الْمَتْنِ الْمَذْكُورِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ فِي طَرِيقِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا .
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي طَرِيقِ اللَّيْثِ : ثُمَّ انْصَرَفَ بَدَلَ قَوْلِهِ : فَلَمَّا انْصَرَفَ ، وَزِيَادَةُ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ : رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ ، وَسَقَطَ لَفْظُ : جُعِلَ عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ . ( فَائِدَةٌ ) : تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ رُكْنٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقِيلَ : شَرْطٌ وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقِيلَ : سُنَّةٌ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، والْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَصْرِيحًا ، وَإِنَّمَا قَالُوا فِيمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا تُجْزِئُهُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ .
نَعَمْ نَقَلَهُ الْكَرْخِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُلَيَّةَ ، وَأَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ ، وَمُخَالَفَتُهُمَا لِلْجُمْهُورِ كَثِيرَةٌ . ( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِيجَابِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْإِيمَانِ حَيْثُ قَالَ : بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ فَدَخَلَ فِيهِ الْإِيمَانُ وَالْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ .