حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى مَعَ الِافْتِتَاحِ سَوَاءً

بَاب رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى مَعَ الِافْتِتَاحِ سَوَاءً . 735 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا وَقَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى مَعَ الِافْتِتَاحِ سَوَاءٌ ) هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ : يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ فَهَذَا دَلِيلُ الْمُقَارَنَةِ .

وَقَدْ وَرَدَ تَقْدِيمُ الرَّفْعِ عَلَى التَّكْبِيرِ وَعَكْسُهُ ، أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ ، فَفِي حَدِيثِ الْبَابِ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ : رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عِنْدَهُ : كَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَفِي الْمُقَارَنَةِ وَتَقْدِيمِ الرَّفْعِ عَلَى التَّكْبِيرِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْمُقَارَنَةُ ، وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِتَقْدِيمِ التَّكْبِيرِ عَلَى الرَّفْعِ ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ : رَفَعَ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ ، وَقَضِيَّةُ الْمَعِيَّةِ أَنَّهُ يَنْتَهِي بِانْتِهَائِهِ ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَنَقَلَهَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ . وَصُحِّحَ فِي الرَّوْضَةِ - تَبَعًا لِأَصْلِهَا - أَنَّهُ لَا حَدَّ لِانْتِهَائِهِ . وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : الْأَصَحُّ يَرْفَعُ ثُمَّ يُكَبِّرُ ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ نَفْيُ صِفَةِ الْكِبْرِيَاءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ ، وَالتَّكْبِيرُ إِثْبَاتُ ذَلِكَ لَهُ ، وَالنَّفْيُ سَابِقٌ عَلَى الْإِثْبَاتِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ .

وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الرَّفْعِ مَا ذَكَرَ . وَقَدْ قَالَ فَرِيقٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : الْحِكْمَةُ فِي اقْتِرَانِهِمَا أَنْ يَرَاهُ الْأَصَمُّ وَيَسْمَعَهُ الْأَعْمَى . وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي ذَلِكَ مُنَاسَبَاتٌ أُخَرُ ، فَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْإِشَارَةُ إِلَى طَرْحِ الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ ، وَقِيلَ : إِلَى الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ ؛ لِيُنَاسِبَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ : اللَّهُ أَكْبَرُ .

وَقِيلَ : إِلَى اسْتِعْظَامِ مَا دَخَلَ فِيهِ ، وَقِيلَ : إِشَارَةٌ إِلَى تَمَامِ الْقِيَامِ ، وَقِيلَ : إِلَى رَفْعِ الْحِجَابِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْمَعْبُودِ ، وَقِيلَ : لِيَسْتَقْبِلَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا أَنْسَبُهَا . وَتُعُقِّبَ . وَقَالَ الرَّبِيعُ : قُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ : مَا مَعْنَى رَفْعِ الْيَدَيْنِ ؟ قَالَ : تَعْظِيمُ اللَّهِ ، وَاتِّبَاعُ سُنَّةِ نَبِيِّهِ .

وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : رَفْعُ الْيَدَيْنِ مِنْ زِينَةِ الصَّلَاةِ . وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : بِكُلِّ رَفْعٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ، بِكُلِّ إِصْبَعٍ حَسَنَةٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ ، وَفِي رِوَايَتِهِ هَذِهِ عَنْ مَالِكٍ خِلَافُ مَا فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَتِهِ بِلَفْظِ الْمُوَطَّأِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، وَالْقَعْنَبِيُّ ، وَسَرَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ الرَّفْعَ عِنْدَ الرُّكُوعِ .

قَالَ : وَحَدَّثَ بِهِ عَنْ مَالِكٍ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَالْقَطَّانُ وَغَيْرُهُمْ بِإِثْبَاتِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَثْبَتَهُ غَيْرُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ خَاصَّةً ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَسْطُرٍ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنَ الرَّفْعِ ، إِلَّا أَنَّهُ حُكِيَ وُجُوبُهُ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ عَنْ دَاوُدَ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ مِنْ أَصْحَابِنَا اهـ . وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ تَنَاقُضٌ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْمُعْتَرِضُ ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِجْمَاعَ مَنْ قَبْلَ الْمَذْكُورِينَ ، أَوْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ عَنْهُمَا أَوْ لِأَنَّ الِاسْتِحْبَابَ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ ، وَبِالِاعْتِذَارِ الْأَوَّلِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ : إِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ ، نَقَلَهُ صَاحِبُ التَّبْصِرَةِ مِنْهُمْ ، وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مُتَقَدِّمِيهِمْ .

وَأَسْلَمُ الْعِبَارَاتِ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ : لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ . وَقَوْلُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ . وَمِمَّنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ أَيْضًا الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا ، نَقَلَهُ عَنْهُ الْحَاكِمُ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَلَوِيِّ ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كُلُّ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ الْإِيجَابُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِتَرْكِهِ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحُمَيْدِيِّ .

قُلْتُ : وَنَقَلَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : يَأْثَمُ تَارِكُهُ ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : أَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَنَقَلَ الْعَبْدَرِيُّ عَنِ الزَّيْدِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ ، وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ ، وَنَقَلَ الْقَفَّالُ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَيَّارٍ أَنَّهُ أَوْجَبَهُ ، وَإِذَا لَمْ يَرْفَعْ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ ، وَفِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ ؛ فَقَدْ نُقِلَ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ عَنْ بَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَهُ ، وَنَقَلَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ عَنْ أَحْمَدِ بْنِ سَيَّارٍ الَّذِي مَضَى ، وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي أَوَائِلِ تَفْسِيرِهِ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ خُزَيْمَةَ : إِنَّهُ رُكْنٌ ، وَاحْتَجَّ ابْنُ حَزْمٍ بِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ، وَسَيَأْتِي مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى نِهَايَةِ الرَّفْعِ بَعْدُ بِبَابٍ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث