89 - بَاب مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ 743 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بَابُ مَا يَقْرَأُ بَدَلَ مَا يَقُولُ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ . وَاسْتَشْكَلَ إِيرَادَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذْ لَا ذِكْرَ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ ، وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : ضَمَّنَ قَوْلَهُ مَا يَقْرَأُ مَا يَقُولُ مِنَ الدُّعَاءِ قَوْلًا مُتَّصِلًا بِالْقِرَاءَةِ ، أَوْ لَمَّا كَانَ الدُّعَاءُ وَالْقِرَاءَةُ يُقْصَدُ بِهِمَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى اسْتَغْنَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ كَمَا جَاءَ عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا . وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ يَتَضَمَّنُ مُنَاجَاةَ الرَّبِّ وَالْإِقْبَالَ عَلَيْهِ بِالسُّؤَالِ ، وَقِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ تَتَضَمَّنُ هَذَا الْمَعْنَى ، فَظَهَرَتِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ . قَوْلُهُ : ( كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ ) أَيِ : الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالْجَوْزَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُمَرَ الدَّوْرِيِّ وَهُوَ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ : كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ شُعْبَةَ وَذَكَرَ أَنَّهَا أَبْيَنُ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( بِـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) بِضَمِّ الدَّالِ عَلَى الْحِكَايَةِ . وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ فَقِيلَ : الْمَعْنَى كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِالْفَاتِحَةِ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَثْبَتَ الْبَسْمَلَةَ فِي أَوَّلِهَا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا إِنَّمَا تُسَمَّى الْحَمْدَ فَقَطْ ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْحَصْرِ ، وَمُسْتَنَدُهُ ثُبُوتُ تَسْمِيَتِهَا بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهِيَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَخْرَجَهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقِيلَ الْمَعْنَى كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ نَفَى قِرَاءَةَ الْبَسْمَلَةِ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ : كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِالْحَمْدِ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْرَءُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سِرًّا ، وَقَدْ أَطْلَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ السُّكُوتَ عَلَى الْقِرَاءَةِ سِرًّا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنَ الْبَابِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ شُعْبَةَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ : فَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ بِلَفْظِ : كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَرَوَاهُ آخَرُونَ عَنْهُ بِلَفْظِ : فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُمَرَ الدُّورِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ بِاللَّفْظَيْنِ ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَثْبَتِ أَصْحَابِ شُعْبَةَ ، وَلَا يُقَالُ هَذَا اضْطِرَابٌ مِنْ شُعْبَةَ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ قَتَادَةَ عَنْهُ بِاللَّفْظَيْنِ ، فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ وَهَؤُلَاءِ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ ، وَالْبُخَارِيُّ فِيهِ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَالْبُخَارِيُّ فِيهِ وَالسَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ : لَمْ يَكُونُوا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَقَدْ قَدَحَ بَعْضُهُمْ فِي صِحَّتِهِ بِكَوْنِ الْأَوْزَاعِيِّ رَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ مُكَاتَبَةً ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى ، عَنْ أَحْمَدَ الدَّوْرَقِيِّ ، وَالسَّرَّاجُ ، عَنْ يَعْقُوبَ الدَّوْرَقِيِّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيِّ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ : فَلَمْ يَكُونُوا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . قَالَ شُعْبَةُ قُلْتُ لِقَتَادَةَ : سَمِعْتُهُ مِنْ أَنَسٍ ؟ قَالَ : نَحْنُ سَأَلْنَاهُ ؛ لَكِنَّ هَذَا النَّفْيَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُمُ الْبَسْمَلَةُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا يَقْرَءُونَهَا سِرًّا ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِلَفْظِ : فَلَمْ يَكُونُوا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَهَمَّامٌ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَشَيْبَانُ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَشُعْبَةُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْهُ عِنْدَ أَحْمَدَ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ قَتَادَةَ . وَلَا يُقَالُ هَذَا اضْطِرَابٌ مِنْ قَتَادَةَ لِأَنَّا نَقُولُ : قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَنَسٍ عَنْهُ كَذَلِكَ : فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ وَالسَّرَّاجُ ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَالسَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، وَالْبُخَارِيُّ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ أَيْضًا ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ أَيْضًا ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ ، والطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَعَامَةَ ، كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ بِاللَّفْظِ النَّافِي لِلْجَهْرِ ، فَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ حَمَلُ نَفْيِ الْقِرَاءَةِ عَلَى نَفْيِ السَّمَاعِ وَنَفْيِ السَّمَاعِ عَلَى نَفْيِ الْجَهْرِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ : فَلَمْ يُسْمِعْنَا قِرَاءَةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ : كَانُوا يُسِرُّونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَانْدَفَعَ بِهَذَا تَعْلِيلُ مَنْ أَعَلَّهُ بِالِاضْطِرَابِ كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ إِذَا أَمْكَنَ تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ . وَأَمَّا مَنْ قَدَحَ فِي صِحَّتِهِ بِأَنَّ أَبَا سَلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ سَأَلَ أَنَسًا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ : إِنَّكَ لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ وَلَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ ، وَدَعْوَى أَبِي شَامَةَ أَنَّ أَنَسًا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ سُؤَالَيْنِ فَسُؤَالُ أَبِي سَلَمَةَ : هَلْ كَانَ الِافْتِتَاحُ بِالْبَسْمَلَةِ أَوِ الْحَمْدَلَةِ ؟ وَسُؤَالُ قَتَادَةَ : هَلْ كَانَ يَبْدَأُ بِالْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا ؟ قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ قَتَادَةَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ نَحْنُ سَأَلْنَاهُ انْتَهَى . فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ رَوَى فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ سُؤَالَ قَتَادَةَ نَظِيرُ سُؤَالِ أَبِي سَلَمَةَ ، وَالَّذِي فِي مُسْلِمٍ إِنَّمَا قَالَهُ عَقِبَ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مُسْلِمٌ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَهَا أَبُو يَعْلَى ، وَالسَّرَّاجُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَاتِهِمُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنِ افْتِتَاحِ الْقِرَاءَةِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ طَرِيقِ أَبِي جَابِرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسًا : أَيَقْرَأُ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ فَقَالَ : صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ فَلَمْ أَسْمَعَ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَظَهَرَ اتِّحَادُ سُؤَالِ أَبِي سَلَمَةَ ، وَقَتَادَةَ وَغَايَتُهُ أَنَّ أَنَسًا أَجَابَ قَتَادَةَ بِالْحُكْمِ دُونَ أَبِي سَلَمَةَ ، فَلَعَلَّهُ تَذَكَّرَهُ لَمَّا سَأَلَهُ قَتَادَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ : مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ ، أَوْ قَالَهُ لَهُمَا مَعًا فَحَفِظَهُ قَتَادَةُ دُونَ أَبِي سَلَمَةَ فَإِنَّ قَتَادَةَ أَحْفَظُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَا نِزَاعٍ ، وَإِذَا انْتَهَى الْبَحْثُ إِلَى أَنَّ مُحَصَّلَ حَدِيثِ أَنَسٍ نَفْيُ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلَفِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ فَمَتَى وُجِدَتْ رِوَايَةٌ فِيهَا إِثْبَاتُ الْجَهْرِ قُدِّمَتْ عَلَى نَفْيِهِ ، لَا لِمُجَرَّدِ تَقْدِيمِ رِوَايَةِ الْمُثْبِتِ عَلَى النَّافِي ؛ لِأَنَّ أَنَسًا يَبْعُدُ جِدًّا أَنْ يَصْحَبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُدَّةَ عَشْرِ سِنِينَ ثُمَّ يَصْحَبُ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمُ الْجَهْرَ بِهَا فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ ، بَلْ لِكَوْنِ أَنَسٍ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ لَا يَحْفَظُ هَذَا الْحُكْمَ كَأَنَّهُ لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِهِ ، ثُمَّ تَذَكَّرَ مِنْهُ الْجَزْمَ بِالِافْتِتَاحِ بِالْحَمْد جَهْرًا وَلَمْ يَسْتَحْضِرِ الْجَهْرَ بِالْبَسْمَلَةِ ، فَيَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِحَدِيثِ مَنْ أَثْبَتَ الْجَهْرَ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ جَهْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا . وَتَرْجَمَ لَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ إِبَاحَةُ الْإِسْرَارِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِبَاحَتِهِ بَلْ فِي اسْتِحْبَابِهِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى تَرْكِ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي بَعْدَهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ ، وَقَدْ تَحَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ بَيَانُ مَا يَفْتَتِحُ بِهِ الْقِرَاءَةَ ، فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِنَفْيِ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ ذِكْرُ عُثْمَانَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَهُوَ فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ ، وَهِشَامٍ ، والْأَوْزَاعِيِّ . وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى رِوَايَتِهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ · ص 265 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ · ص 342 89 - باب مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ 743 - حَدَّثَنَا حفص بْن عُمَر ، نا شعبة ، عَن قتادة ، عَن أَنَس بْن مَالِك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بَكْر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 744 - حَدَّثَنَا موسى بن إِسْمَاعِيل ، ثنا عَبْد الواحد بن زياد ، ثنا عمارة بن القعقاع ، ثنا أبو زُرْعَة ، ثنا أبو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت بَيْن التكبير وبين القراءة إسكاتة - قَالَ : أحسبه قَالَ : هنية - فَقُلْت : بأبي وأمي يَا رسول الله ، إسكاتك بَيْن التكبير وبين القراءة ، مَا تَقُول : قال : ( أقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بَيْن المشرق والمغرب ، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد ) . قَالَ الخطابي : قوله : ( إسكاتة ) وزن إفعالة ، من السكوت ، ومعناه : سكوت يقتضي بعده كلاماً ، أو قراءة مَعَ قصر المدة فِيهِ ، وإنما أراد ترك رفع الصوت ، ألا تراه يَقُول : مَا تَقُول فِي إسكاتك . قَالَ : وقوله : ( اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد ) ، فإنها أمثال ، ولم يرد أعيان هذه المسميات ، وإنما أراد التوكيد فِي التطهير ، والثلج والبرد ماءان ، لَمْ تمسهما الأيدي ، ولم يمرس ولم يمتهن . قَالَ : وفيه مستدل لمن منع من الماء المستعمل ؛ لأنه يَقُول : إن منزلة الخطايا المغسولة بالماء بمنزلة الأوضار الحالة فِي الماء والغسولات المانعة من التطهير . قَالَ : وعندي فِي قوله : ( اغسل خطاياي ) عجائب . انتهى مَا ذكره . وكأنه يشير إلى مسألة العصمة ، ولا حاجة إلى ذكرها . ولما كَانَتْ الذنوب تؤثر فِي القلب دنساً ، وَهُوَ المذكور فِي قوله تعالى : كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وتوجب للقلب احترافاً ؛ طلب فِي هَذَا الدعاء المباعدة بينه وبينها عَلَى أقصى وجوه المباعدة ، والمراد : المباعدة من تأثيراتها وعقوباتها الدنيوية والأخروية . وربما دَخَلَ فِيهِ المباعدة بَيْن مَا قدر مِنْهَا ولم يعمله بعد ، فطلب مباعدته مِنْهُ ، عَلَى نحو قوله : ( أعوذ بك من شر مَا عملت وما لَمْ أعمل ) . وطلب - أَيْضاً - أن ينقي قلبه من دنسها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس . وطلب - أَيْضاً - إطفاء حرارتها وحريقها للقلب بأعظم مَا يوجد فِي الدنيا إنقاء وتبريداً ، وَهُوَ الماء والثلج والبرد . وفي حَدِيْث عَائِشَة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُول فِي دعائه : ( اللهم اغسل خطاياي بالثلج والبرد ، وأنق قلبي من الخطايا كما أنقيت الثوب الأبيض من الدنس ، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بَيْن المشرق والمغرب ) . وقد خرجه البخاري فِي موضع آخر ، وخرجه مُسْلِم - أَيْضاً . وإنما كَانَ يدعو فِي افتتاح الصلاة المكتوبة بهذا - والله أعلم - ؛ لأن الصلوات الخمس تكفر الذنوب والخطايا ، كما قَالَ تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ فإقامة الصلوات المفروضات عَلَى وجهها يوجب مباعدة الذنوب ، ويوجب - أَيْضاً - إنقاءها وتطهيرها ؛ فإن ( مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار ، يغتسل فِيهِ كل يوم خمس مرات ) وقد تقدم الحَدِيْث فِي ذَلِكَ ، ويوجب - أَيْضاً - تبريد الحريق الَّذِي تكسبه الذنوب وإطفاءه . وخرج الطبراني من حَدِيْث ابن مَسْعُود - مرفوعاً - : ( تحترقون تحترقون حَتَّى إذا صليتم الفجر غسلتها ، ثُمَّ تحترقون تحترقون حَتَّى إذا صليتم الظهر غسلتها ، ثُمَّ تحترقون تحترقون حَتَّى إذا صليتم العصر غسلتها ، ثُمَّ تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها ، ثُمَّ تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها ) . وقد روي موقوفاً ، وَهُوَ أشبه . وخرج - أَيْضاً - من حَدِيْث أَنَس - مرفوعاً - : ( إن لله ملكاً ينادي عِنْدَ كل صلاة : يَا بني آدم ، قوموا إلى نيرانكم الَّتِيْ أوقدتموها عَلَى أنفسكم فأطفئوها ) . وخرج الإسماعيلي من حَدِيْث عُمَر بْن الخَطَّاب - مرفوعاً - : ( يحرقون ، فإذا صلوا الصبح غسلت الصلاة مَا كَانَ قبلها ) حَتَّى ذكر الصلوات الخمس . ولما كَانَتْ الصلاة صلة بَيْن العبد وربه ، وكان المصلي يناجي ربه ، وربه يقربه مِنْهُ ، لَمْ يصلح للدخول فِي الصلاة إلا من كَانَ طاهراً فِي ظاهره وباطنه ؛ ولذلك شرع للمصلي أن يتطهر بالماء ، فيكفر ذنوبه بالوضوء ، ثُمَّ يمشي إلى المساجد فيكفر ذنوبه بالمشي ، فإن بقي من ذنوبه شيء كفرته الصلاة . قَالَ سُلَيْمَان الفارسي : الوضوء يكفر الجراحات الصغار ، والمشي إلى المسجد يكفر أكثر من ذَلِكَ ، والصلاة تكفر أكثر من ذَلِكَ . خرجه مُحَمَّد بْن نصر المروزي وغيره . فإذا قام المصلي بَيْن يدي ربه فِي الصلاة وشرع فِي مناجاته ، شرع لَهُ أول مَا يناجي ربه أن يسأل ربه أن يباعد بينه وبين مَا يوجب لَهُ البعد من ربه ، وَهُوَ الذنوب ، وأن يطهره مِنْهَا ؛ ليصلح حينئذ للتقريب والمناجاة ، فيستكمل فوائد الصلاة وثمراتها من المعرفة والأنس والمحبة والخشية ، فتصير صلاته ناهية لَهُ عَن الفحشاء والمنكر ، وهي الصلاة النافعة . وقد روي ، أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يستعيذ من صلاة لا تنفع . خرجه أبو داود . وخرجه البزار فِي ( مسنده ) بإسناد فِيهِ ضعف ، عَن سمرة بْن جندب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُول لنا : ( إذا صلى أحدكم فليقل : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بيني وبين المشرق والمغرب ، اللهم إني أعوذ بك أن تصد عني وجهك يوم القيامة ، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم أحيني مسلماً وتوفني مسلماً ) . وهذا حَدِيْث غريب . والاستعاذة من الإعراض مناسبة لهذا المقام ؛ فإن المصلي قائم بَيْن يدي الله لمناجاته ، فيحسن أن يستعيذ بِهِ من أن يعرض بوجهه عَنْهُ . وفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ جواز التفدية بالأبوين ، وفيه كلام يذكر فِي موضع آخر إن شاء الله تعالى . وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ استدل بِهِ من يَقُول : إنه يستحب استفتاح الصلاة بذكر قَبْلَ الشروع فِي القراءة ، وَهُوَ قَوْلِ أكثر العلماء ، ثُمَّ اختلفوا : فَقَالَ كثير منهم : يستحب استفتاح الصلاة بقول : ( سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك ) . صح هَذَا عَن عُمَر بْن الخَطَّاب ، روي عَنْهُ من وجوه كثيرة ، وعن ابن مَسْعُود ، وروي عَن أَبِي بَكْر الصديق وعثمان بْن عَفَّانَ ، وعن الْحَسَن وقتادة والنخعي ، وَهُوَ قَوْلِ الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وابن المبارك وأحمد وإسحاق فِي رِوَايَة . وقد روي فِي ذَلِكَ أحاديث مرفوعة من وجوه متعددة ، أجودها : من حَدِيْث أَبِي سَعِيد وعائشة . وَقَالَ الإمام أحمد : نذهب فِيهِ إلى حَدِيْث عُمَر ، وقد روي فِيهِ من وجوه ليست بذاك ، فذكر حَدِيْث عَائِشَة وأبي هُرَيْرَةَ . فصرح بأن الأحاديث المرفوعة ليست قوية ، وأن الاعتماد عَلَى الموقوف عَن الصَّحَابَة ؛ لصحة مَا روي عَن عُمَر . وروي عَن أَبِي إِسْحَاق ، عَن عَبْد الله بْن أَبِي الخليل ، قالَ : سَمِعْت علياً حِينَ افتتح الصلاة قَالَ : لا إله إلا أنت سبحانك إني قَدْ ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، فاغفر ذنوبي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . وروي عَن ابن عُمَر ، أَنَّهُ افتتح الصلاة ، فَقَالَ : الله أكبر كبيراً ، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلاً ، اللهم اجعلك أحب شيء إلي ، وأخشى شيء عندي . وذهب طائفة إلى الاستفتاح بقول : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا الآيات ، وما بعده من الدعاء . وقد خرجه مُسْلِم من حَدِيْث عَلِيّ بْن أَبِي طالب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يستفتح بذلك ، خرجه فِي ( أبواب : صلاة الليل ) . وخرجه الترمذي ، وعنده : أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يستفتح بِهِ فِي الصلاة المكتوبة . وفي إسناده مقال . وخرجه الطبراني من وجه آخر كذلك . وخرجه النسائي من رِوَايَة مُحَمَّد بْن مسلمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا قام يصلي تطوعاً يَقُول ذَلِكَ . وممن ذهب إلى الاستفتاح بهذا : الشَّافِعِيّ وأصحابه وإسحاق ، فِي رِوَايَة . وروي عَن عَلِيّ ، أَنَّهُ كَانَ يستفتح بِهِ من وجه منقطع . وظاهر كلام الشَّافِعِيّ وبعض أصحابه : أَنَّهُ يستفتح بِهِ كله الإمام وغيره . وَقَالَ كثير من أصحابه : يقتصر الإمام عَلَى قوله : وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وقالت طائفة : يجمع بَيْن قوله : ( سبحانك اللهم وبحمدك ) وقوله : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ . وَهُوَ قَوْلِ أَبِي يوسف وإسحاق - فِي رِوَايَة - وطائفة من الشافعية ، ومنهم : أبو إِسْحَاق المروزي ، وطائفة قليلة من أصحابنا . وقد ورد فِي الجمع بَيْنَهُمَا أحاديث غير قوية الأسانيد . وكل هَذَا عَلَى وجه الاستحباب ، فلو لَمْ يستفتح الصلاة بذكر ، بل بدأ بالقراءة صحت صلاته ، ولو استفتح بشيء مِمَّا ورد حصلت بِهِ سَنَة الاستفتاح عِنْدَ الإمام أحمد وغيره من العلماء ، ولو كَانَ الأفضل عِنْدَ بعضهم غيره . وَقَالَ أحمد فِي رِوَايَة الميموني : مَا أحسن حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الاستفتاح - يعني : الحَدِيْث الَّذِي خرجه البخاري هاهنا - فَقِيلَ لَهُ : فإن بعض النَّاس يَقُول : هَذَا كلام ؟ فَقَالَ - متعجباً - : وهل الدعاء إلا كلام فِي الصلاة ويجوز . والمنكر لهذا هُوَ من يَقُول من الكوفيين : إنه لا يجوز الدعاء فِي الصلاة إلا بلفظ القرآن ، فأما الثناء عَلَى الله فمتفق عَلَى جوازه فِي الصلاة . وهذا مِمَّا يرجح بِهِ الاستفتاح بـ ( سبحانك اللهم وبحمدك ) ؛ لاشتماله عَلَى أفضل الكلام ، فإنه إذا جمع مَعَ التكبير صار متضمناً لقول : ( سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ) ، وقد قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم فيهن : ( إنهن أفضل الكلام بعد القرآن ) . وذهبت طائفة قليلة : إلى أن من ترك الاستفتاح عمداً أعاد صلاته ، منهم : ابن بطة وغيره من أصحابنا ، وربما حكي رِوَايَة عَن أحمد . وَقَالَ الحكم : إذا قَالَ : سبحان الله حِينَ يفتتح الصلاة والحمد لله ، أجزأه . وهذا يشعر بوجوبه . وَقَالَ إِسْحَاق : إن تركه عمداً فهو مسيء ، ولا يتبين لِي إيجاب الإعادة ؛ لما ذكر فِي غير حَدِيْث ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا كبر قرأ فاتحة الكتاب . وحكى الترمذي عَن بعض أهل الكوفة : أن حَدِيْث عَلِيّ بْن أَبِي طالب يعمل بِهِ فِي التطوع دون الفريضة . وكذلك خرجه مُسْلِم فِي ( أبواب قيام الليل ) . وَقَالَ أحمد - فِي رِوَايَة ابن منصور - : أنا أذهب إلى قَوْلِ ابن عُمَر ، وإن قَالَ كما روي عَن النبي صلى الله عليه وسلم فلا بأس ، وعامة مَا قَالَ فِي صلاة الليل . وَقَالَ الوليد بْن مُسْلِم : ذكرت ذَلِكَ لسعيد بْن عَبْد العزيز ، فأخبرني عَن المشيخة ، أنهم كانوا يقولون هؤلاء الكلمات حِينَ يقبلون بوجوههم إلى القبلة ، قَبْلَ تكبيرة الاستفتاح - يعني : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ - قَالَ : ثُمَّ يتبعون تكبيرة الاستفتاح بـ ( سبحانك وبحمدك ) إلى آخره . وذهب مَالِك إلى أَنَّهُ لا يشرع الاستفتاح فِي الصلاة ، بل يتبع التكبير بقراءة الفاتحة . وحكاه الإمام أحمد - فِي رِوَايَة حَنْبل - عَن ابن مَسْعُود وأصحابه . وهذا غريب . واستدل لمن ذهب إلى هَذَا القول بظاهر حَدِيْث أَنَس الَّذِي خرجه البخاري هاهنا فِي أول الباب . وقد تقدم عَن إِسْحَاق ، أَنَّهُ استدل بِهِ عَلَى أن الاستفتاح غير واجب . وحمله آخرون عَلَى أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يتركه أحياناً ؛ ليبين أَنَّهُ غير واجب . وحمله آخرون عَلَى أن المراد بِهِ : أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يبدأ بقراءة الفاتحة قَبْلَ السورة ، ولم يرد بِهِ نفي الاستفتاح والتعوذ ، فالمراد بِهِ - حينئذ - استفتاح قراءة الصلاة بالفاتحة . وعلى هَذَا حمله الشَّافِعِيّ وأصحابه . ويدل عَلِيهِ : أن الترمذي خرج هَذَا الحَدِيْث من رِوَايَة أَبِي عوانة ، عَن قتادة ، عَن أَنَس ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بَكْر وعمر وعثمان يفتتحون القراءة بـ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ولو كَانَتْ رِوَايَة شعبة الَّتِيْ خرجها البخاري عَلَى ظاهرها فِي افتتاح الصلاة لدلت عَلَى أن الصلاة تفتتح بكلمة : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ دون التكبير ، ولم يقل أحد : إن هَذَا هُوَ المراد من هَذَا الحَدِيْث . وَقَالَ آخرون : المراد من حَدِيْث أَنَس أن القراءة فِي الصلاة الجهرية تفتتح بكلمة الْحَمْدُ لِلَّهِ دون البسملة . واستدلوا لذلك بما خرجه مُسْلِم فِي ( صحيحه ) من طريق غندر ، عَن شعبة ، قَالَ : سَمِعْت قتادة يحدث ، عَن أَنَس ، قَالَ : صليت مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بَكْر وعمر وعثمان ، فَلَمْ أسمع أحداً منهم يقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) . وخرجه - أَيْضاً - من طريق أَبِي داود ، عَن شعبة ، وزاد : قَالَ شعبة : فَقُلْت لقتادة : أسمعته من أنس ؟ قَالَ : نَعَمْ ، نحن سألناه عَنْهُ . ففي هذه الرواية : تصريح قتادة بسماعه لَهُ من أَنَس ، فبطل بذلك تخيل من أعل الحَدِيْث بتدليس قتادة . وخرجه مُسْلِم - أَيْضاً - من طريق الأوزاعي ، عَن عبدة ، أن عُمَر بْن الخَطَّاب كَانَ يجهر بهؤلاء الكلمات ، يَقُول : سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك . وعن قتادة ، أَنَّهُ كتب إليه يخبره عَن أَنَس بْن مَالِك ، أَنَّهُ حدثه ، قَالَ : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بَكْر وعمر وعثمان ، فكانوا يستفتحون بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا يذكرون ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، لا فِي أول قراءة ولا آخرها . وعن الأوزاعي ، قَالَ : أخبرني إِسْحَاق بْن عَبْد الله بْن أَبِي طلحة ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَس بْن مَالِك يذكر ذَلِكَ . فهذه الرواية صحيحة ، متصلة الإسناد بالسماع المُتَّصِل عَن قتادة ، وإسحاق عَن أَنَس . وقد روي حَدِيْث شعبة ، عَن قتادة بألفاظ أخر . فرواه وكيع ، عَن شعبة ، عَن قتادة ، عَن أَنَس ، قَالَ : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، وخلف أَبِي بَكْر وعمر وعثمان ، فكانوا لا يجهرون بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) . خرجه الإمام أحمد ، عَن وكيع . وخرجه الدارقطني من طرق ، عَن شعبة ، بنحوه . ومن طريق شيبان وهمام عَن قتادة - أَيْضاً - بنحوه . ومن طريق زيد بْن الحباب ، عَن شعبة ، وَقَالَ فِي حديثه : فَلَمْ أسمع أحدا منهم يجهر بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) . وكذا رواه سَعِيد بْن أَبِي عروبة وحجاج ، عَن قتادة ، عَن أَنَس . وخرجه النسائي من رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عروبة وشعبة ، كلاهما عَن قتادة ، ولفظه : فَلَمْ أسمع أحداً منهم يجهر بِهَا . وخرجه أبو يعلى الموصلي من طريق غندر ، عَن شعبة ، ولفظه : لَمْ يكونوا يستفتحون الصلاة بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) قُلتُ لقتادة : أسمعته من أَنَس ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ونحن سألناه عَنْهُ . ورواه الأعمش ، عَن شعبة ، فَقَالَ : عَن ثابت ، عَن أَنَس ، بنحو هَذَا اللفظ . وأخطأ في قوله : ( ثابت ) ، إنما هُوَ : ( عَن قتادة ) ، قاله أبو حاتم الرَّازِي والترمذي فِي ( كِتَاب العلل ) . وقيل : إن الخطأ من عمار بْن رزيق ، راويه عَن الأعمش . وقد روي عَن شعبة ، عَن قتادة وحميد وثابت ، عَن أنس من وجه آخر فِيهِ نظر . ورواه يزيد بْن هارون ، عَن حماد ، عَن قتادة وثابت ، عَن أَنَس . وخرجه الإمام أحمد ، عَن أَبِي كامل ، عَن حماد بْن سَلَمَة ، عَن ثابت وقتادة وحميد ، عَن أَنَس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بَكْر وعمر كانوا يفتتحون القراءة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . ورواه حماد بْن سَلَمَة فِي ( كتابه ) كذلك ، إلا أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يذكر حميد فِي روايته : النبي صلى الله عليه وسلم . يعني : أن حميداً وحده وقفه ، ولم يرفعه . وقد رواه مَالِك فِي ( الموطأ ) عَن حميد ، عَن أَنَس ، قَالَ : قمت وراء أَبِي بَكْر وعمر وعثمان ، فكلهم لا يقرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) إذا افتتح الصلاة . وقد رفعه عَن مَالِك الوليد بْن مُسْلِم وأبو قرة الزبيدي وإسماعيل بْن موسى السدي وابن وهب ، من رِوَايَة ابن أخيه عَنْهُ . والصحيح عَن مَالِك ليس فِيهِ ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذا الصحيح عَن حميد . قَالَ أحمد : حميد لَمْ يرفعه . وذكر الدارقطني جماعة رووه عَن حميد ورفعوه ، منهم : معمر وابن عُيَيْنَة والثقفي وأبو بَكْر بْن عياش ومروان بْن معاوية وغيرهم . ثُمَّ قَالَ : والمحفوظ : أن حميداً رواه عَن أَنَس ، وشك فِي رفعه ، وأخذه عَن قتادة ، عَن أنس مرفوعاً . وخرج النسائي من رِوَايَة أَبِي حَمْزَة ، عَن منصور بْن زاذان ، عَن أَنَس ، قَالَ : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يسمعنا قراءة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، وصلى بنا أبو بَكْر وعمر فَلَمْ نسمعها منهما . وروى مُحَمَّد بْن أَبِي السري ، عَن معتمر بْن سُلَيْمَان ، عَن أَبِيه ، عَن الْحَسَن ، عَن أَنَس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يسر ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وأبو بَكْر وعمر . خرجه الطبراني . وروي من وجه آخر ، عَن الْحَسَن ، عَن أَنَس . وروي عَن أَنَس من وجوه أخر ، مِنْهَا : عَن أَبِي قلابة وثمامة وعائذ بْن شريح وغيرهم . وقد اعترض طائفة من العلماء عَلَى هَذَا ، بأن حَدِيْث أَنَس اختلفت ألفاظه ، والمحفوظ من ذَلِكَ رِوَايَة من قَالَ : كَانَ يفتتح الصلاة - أو القراءة - بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كما هِيَ الرواية الَّتِيْ خرجها البخاري ، وهذه الرواية تحتمل أن المراد : افتتاح القراءة بقراءة سورة الفاتحة دون غيرها من السور . وزعم الدارقطني : أن عامة أصْحَاب قتادة رووه عَنْهُ كذلك ، منهم : أيوب وحميد ، وأنه المحفوظ عَن قتادة وغيره ، عَن أَنَس . وكذلك رواه جماعة عَن شعبة كما خرجه البخاري ، عَن أَبِي عُمَر الحوضي ، عَنْهُ ، كذا رواه يَحْيَى القطان ويزيد بْن هارون ، عَن شعبة . وكذلك ذكر الشَّافِعِيّ أن أصْحَاب حميد خالفوا مالكاً فِي لفظ حديثه الَّذِي خرجه فِي ( الموطأ ) ، وقالوا : كانوا يفتتحون قراءتهم بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وذكر منهم سبعة أو ثمانية ، منهم : ابن عُيَيْنَة والفزاري والثقفي . والجواب عَن ذَلِكَ : أن مَا ذكروه من اخْتِلاَف ألفاظ الرواية يدل عَلَى أنهم كانوا يروون الحَدِيْث بالمعنى ، ولا يراعون اللفظ ، فإذا كَانَ أحد الألفاظ محتملاً ، والآخر صريحاً لا احتمال فِيهِ ، علم أنهم أرادوا باللفظ المحتمل هُوَ مَا دل عَلَيْهَا اللفظ الصريح الَّذِي لا احتمال فِيهِ ، وأن معناهما عندهم واحد ، وإلا لكان الرواة قَدْ رووا الحَدِيْث الواحد بألفاظ مختلفة متناقضة ، ولا يظن ذَلِكَ بهم مَعَ علمهم وفقههم وعدالتهم وورعهم . لا سيما وبعضهم قَدْ زاد فِي الحَدِيْث زيادة تنفي كل احتمال وشك ، وهي عدم ذكر قراءة البسملة فِي القراءة ، وهذه زيادة من ثقات عدول حفاظ ، تقضي عَلَى كل لفظ محتمل ، فكيف لا تقبل ؟ لا سيما وممن زاد هذه الزيادة الأوزاعي فقيه أهل الشام وإمامهم وعالمهم ، مَعَ مَا اشتهر من بلاغته وفصاحته وبلوغه الذروة العليا من ذَلِكَ . والذي رَوَى نفي قراءة البسملة من أصْحَاب حميد هُوَ مَالِك ، ومالك مَالِك فِي فقهه وعلمه وورعه وتحريه فِي الرواية ، فكيف ترد روايته المصرحة بهذا المعنى برواية شيوخ ليسوا فقهاء لحديث حميد بلفظ محتمل ؟ فالواجب فِي هَذَا ونحوه : أن تجعل الرواية الصريحة مفسرة للرواية المحتملة ؛ فإن هَذَا من بَاب عرض المتشابه عَلَى المحكم ، فأما رد الروايات الصريحة للرواية المحتملة فغير جائز ، كما لا يجوز رد المحكم للمتشابه . ومن زعم أن ألفاظ الحَدِيْث متناقضة فلا يجوز الاحتجاج بِهِ فَقَدْ أبطل ، وخالف مَا عَلِيهِ أئمة الإسلام قديماً وحديثاً فِي الاحتجاج بهذا الحَدِيْث والعمل بِهِ . وأيضاً ؛ فأي فائدة فِي رِوَايَة أَنَس أو غيره : أن القراءة تفتتح بفاتحة الكتاب ، فتقرأ الفاتحة قَبْلَ السورة ، وهذا أمر معلوم من عمل الأمة ، لَمْ يخالف فِيهِ منهم أحد ، ولا اختلف فِيهِ اثنان ، لا يحتاج إلى الإخبار بِهِ ، كما أن أحداً من الصَّحَابَة لَمْ يرو فِي أمور الصلاة مَا كَانَ مقرراً عِنْدَ الأمة ، لا يحتاج إلى الإخبار بِهِ ، مثل عدد الركعات بعد استقرارها أربعاً ، ومثل الجهر فيما يجهر بِهِ والإسرار فيما يسر ، ونحو ذَلِكَ مِمَّا لا فائدة فِي الإخبار بِهِ . فكذلك ابتداء القراءة بالفاتحة ، لا يحتاج إلى الإخبار بِهِ ، ولا إلى السؤال عَنْهُ ، وقد كَانَ أَنَس يسأل عَن هَذَا - كما قَالَ قتادة : نحن سألناه عَنْهُ ، وقد تقدم - وكان يَقُول - أحياناً - : مَا سألني عَن هَذَا أحد . وروي عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : مَا أحفظه . وهذا يدل عَلَى أَنَّهُ مِمَّا يخفى عَلَى السائل والمسئول ، ولو كَانَ السؤال عَن الابتداء بقراءة الفاتحة لَمْ يخف عَلَى سائل ولا مسئول عَنْهُ . فخرج الإمام أحمد من طريق شعبة : قَالَ قتادة : سألت أَنَس بْن مَالِك : بأي شيء كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح القراءة ؟ قَالَ : إنك لتسألني عَن شيء مَا سألني عَنْهُ أحد . ومن طريق سَعِيد ، عَن قتادة ، قَالَ : قُلتُ لأنس ... ، فذكره . قَالَ : وحدثنا إِسْمَاعِيل - يعني : ابن علية - ، ثنا سَعِيد بْن يزيد ، أنا قتادة - أبو مسلمة - قَالَ : قُلتُ لأنس قَالَ أحمد : وحدثنا غسان بْن مضر ، عَن أَبِي مسلمة سَعِيد بْن يزيد ، قَالَ : سألت أَنَس بْن مَالِك : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أو الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ؟ فَقَالَ : إنك لتسألني عَن شيء مَا أحفظه ، أو مَا سألني عَنْهُ أحد قبلك . وخرجه من هَذَا الوجه ابن خزيمة والدارقطني ، وصحح إسناده . وقد ذكرنا أَنَّهُ مختلف فِيهِ ، وعلى تقدير أن يكون محفوظاً ، فالمراد : هَلْ كَانَ يقرأ البسملة فِي نفسه ، أم لا ؟ فَلَمْ يكن عنده مِنْهُ علم ؛ لأنه لَمْ يسمع قراءتها ، فلا يدري : هَلْ كَانَ يسرها ، أم لا ؟ وأيضاً ؛ فَقَدْ شك الرَّاوي : هَلْ قَالَ : ( لا أحفظه ) ، أو ( مَا سألني عَنْهُ أحد قبلك ) ، فالظاهر : أَنَّهُ إنما قَالَ : ( مَا سألني عَنْهُ أحد قبلك ) ، كما رواه شعبة وغيره عَن قتادة ، كما تقدم . وعلى تقدير أن يكون قَالَ : ( مَا أحفظه ) ، فيجوز أن يكون نسي مَا أخبر بِهِ قتادة وغيره من قَبْلَ ذَلِكَ ، ويكون قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ كبره وبعد عهده بما سئل عَنْهُ . قَالَ ابن عَبْد البر : من حفظ عَنْهُ حجة عَلَى من سأله فِي حال نسيانه . والله أعلم . فإن قيل : فَقَدْ رَوَى الأوزاعي ، عَن إِسْحَاق بْن عَبْد الله بْن أَبِي طلحة ، عَن أَنَس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بَكْر وعمر وعثمان كانوا يستفتحون بأم القرآن ، فيما يجهر فِيهِ . خرجه ابن جوصا والدارقطني . وهذا صريح فِي أن المراد ابتداء القراءة بفاتحة الكتاب . قيل : ليس المراد الإخبار بأنهم كانوا يقرأون أم القرآن قَبْلَ سور سواها ؛ فإن هذا لا فائدة فِيهِ ، إنما المراد : أنهم كانوا لا يقرأون قَبْلَ أم القرآن شيئاً يجهرون بِهِ فِي الصلاة ، فدخل فِي ذَلِكَ البسملة ؛ فإنها ليست من أم القرآن . ويدل على هَذَا شيئان : أحدهما : أن رِوَايَة الأوزاعي الَّتِيْ فِي ( صحيح مُسْلِم ) : لا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أول قراءة ولا آخرها . والأوزاعي إمام فقيه عالم بما يروي ، فرواياته كلها متفقة . والثاني : أن الأوزاعي كَانَ يأخذ بهذا الحَدِيْث الَّذِي رواه ، ولا يرى قراءة البسملة قَبْلَ الفاتحة سرا ولا جهراً ، وسنذكر قوله فِي ذَلِكَ فيما بعد إن شاء الله سبحانه وتعالى . وقد عارض بعضهم حَدِيْث أَنَس هَذَا بما خرجه البخاري فِي ( فضل القرآن ) من ( صحيحه ) هَذَا : حَدَّثَنَا عَمْرِو بْن عاصم ، ثنا همام ، عَن قتادة ، قَالَ : سئل أَنَس : كَيْفَ كَانَتْ قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ : كَانَتْ مداً ، ثُمَّ قرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، يمد بـ ( بسم الله ) ، ويمد بـ ( الرحمن ) ويمد بـ ( الرحيم ) . وخرجه - أَيْضاً - من طريق جرير بْن حَازِم ، عَن قتادة ، إلى قوله : ( مداً ) ، ولم يذكر : ( ثُمَّ قرأ ) وما بعده . وقد ذكر ابن أَبِي خيثمة فِي ( كتابه ) : أن يَحْيَى بْن معين سئل عَن حَدِيْث جرير هَذَا ، فَقَالَ : ليس بشيء . قُلتُ : وروايات جرير بْن حَازِم عَنْ قتادة فيها مناكير ، قاله الإمام أحمد ويحيى وغير واحد . وقد تابعه عَلَى هَذَا : همام . قَالَ : وروي عَن قتادة مرسلاً ، وَهُوَ أشبه ، ذكره فِي ( العلل ) . قُلتُ : وقد روي بإسناد فِيهِ لين ، عَن حرب بْن شداد ، عَن قتادة ، قَالَ : سألت أَنَس بْن مَالِك : كَيْفَ كَانَتْ قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ : كَانَ إذا قرأ مد صوته مداً . خرجه الطبراني . وفي الجملة ؛ فتفرد عَمْرِو بْن عاصم عَن همام بذكر البسملة فِي هَذَا الحَدِيْث . وقد روي عَن شعبة ، عَن همام بدون هذه الزيادة . خرجه أبو الحسين ابن المظفر فِي ( غرائب شعبة ) . وعلى تقدير أن تكون محفوظة ، فليس فِي الحَدِيْث التصريح بقراءته فِي الصلاة ، فَقَدْ يكون وصف قراءته فِي غير الصلاة ، ويحتمل - وَهُوَ أشبه - أن يكون أَنَس أو قتادة قرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) عَلَى هَذَا الوجه ، وأراد تمثيل قراءته بالمد ، ولم يرد بِهِ حكاية عين قراءته للبسملة . ويشهد لهذا مَا خرجه أبو داود من حَدِيْث ابن جُرَيْج ، عَن ابن أَبِي مليكة ، عَن أم سَلَمَة ، ذكرت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بسم الله الرحمن الرحيم الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) يقطع قراءته آية آية . وخرجه الترمذي ولم يذكر فِي أوله البسملة ، وزاد : وكان يقرأها مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ . وقراءة هذه الآيات عَلَى هَذَا الوجه إنما هُوَ من حكاية ابن جُرَيْج لحديث أم سَلَمَة ، وقولها : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته آية آية ، كذلك قاله النسائي وأبو داود السجستاني ، حكاه عنهما أبو بَكْر بْن أَبِي داود فِي كتابه ( المصاحف ) . وكذا قَالَه الإمام أحمد فِي رِوَايَة ابن الْقَاسِم ، وقالوا : ابن جُرَيْج هُوَ الَّذِي قرأ ( مَلِكِ ) ، وليس ذَلِكَ فِي حَدِيْث أم سَلَمَة . يدل على صحة هَذَا مَا خرجه الإمام أحمد من طريق نَافِع ، عَن ابن أَبِي مليكة ، عَن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ نَافِع : أراها حَفْصَةَ ، أنها سئلت عَن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فَقَالَتْ : إنكم لا تستطيعونها ، فَقِيلَ : أخبرينا بِهَا ، فقرأت قراءة ترسلت فيها ، قَالَ نَافِع : فحكى لنا ابن أَبِي مليكة : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ قطع الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ قطع مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . ففي هذه الرواية تصريح ابن جُرَيْج بأن هذه القراءة إنما هِيَ حكاية مَا قرأ لهم ابن أَبِي مليكة . وفي لفظ الحَدِيْث اختلاف فِي ذكر البسملة وإسقاطها . وفي إسناده - أَيْضاً - اخْتِلاَف ؛ فَقَدْ أدخل الليث بْن سعد فِي روايته عَن ابن أَبِي مليكة بينه وبين أم سلمة : يعلى بْن مملك ، وصحح روايته الترمذي وغيره . وَقَالَ النسائي فِي يعلى هَذَا : ليس بمشهور . وَقَالَ بعضهم : عَن يعلى ، عَن عَائِشَة . وقد ذكر الاختلاف فِيهِ الدارقطني فِي ( علله ) ، وذكر أن عُمَر بْن هارون زاد فِيهِ : عَن ابن جُرَيْج ، وعد : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) آية . وعمر بْن هارون ، لا يلتفت إلى ما تفرد بِهِ . وقد يكون ابن جُرَيْج عدها آية أو ابن أَبِي مليكة . ومن زعم أَنَّهُ صحيح ؛ لتخريج ابن خزيمة لَهُ ، فَقَدْ وهم . ومن زعم من متقدمي الفقهاء أن حفص بْن غياث رواه عَن ابن جُرَيْج كذلك وأنه أخبره بِهِ عَنْهُ غير واحد فَقَدْ وهم ، ورواه بالمعنى الَّذِي فهمه هُوَ ، وَهُوَ وأمثاله من الفقهاء يروون بالمعنى الَّذِي يفهمونه ، فيغيرون معنى الحَدِيْث . وحديث حفص مشهور ، مخرج فِي المسانيد والسنن باللفظ المشهور . وقد ادعى طائفة أن حَدِيْث قتادة وإسحاق بْن أَبِي طلحة ومن تابعهما عَن أَنَس كما تقدم معارض بروايات أخر عَن أَنَس ، تدل عَلَى الجهر بالبسملة ، فإما أن تتعارض الروايات وتسقط ، أو ترجح رِوَايَة الجهر ؛ لأن الإثبات مقدم عَلَى النفي . فروى الشَّافِعِيّ : نا عَبْد المجيد بْن عَبْد العزيز ، عَن ابن جُرَيْج ، قَالَ : أخبرني عَبْد الله بْن عُثْمَان بْن خثيم ، أن أَبَا بَكْر بْن حفص بْن عُمَر أخبره ، أن أنس بْن مَالِك قَالَ : صلى معاوية بالمدينة صلاة ، فجهر فيها بالقراءة ، فقرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) لأم القرآن ، ولم يقرأ بِهَا للسورة الَّتِيْ بعدها حَتَّى قضى تلك القراءة ، ولم يكبر حَتَّى قضى تلك ، فلما سلم ناداه من شهد ذَلِكَ من المهاجرين من كل مكان : يَا معاوية ، أسرقت الصلاة ، أم نسيت ؟ فلما صلى بعد ذَلِكَ قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) للسورة الَّتِيْ بعد أم القرآن ، وكبر حِينَ يهوي ساجداً . ورواه عَبْد الرزاق عَن ابن جُرَيْج بهذا الإسناد ، وَقَالَ فِيهِ : فَلَمْ يقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) لأم القرآن ، ولم يقرأ بِهَا للسورة التي بعدها . وخرجه الشافعي - أيضا - عن إبراهيم بن محمد - هو : ابن أبي يحيى - ، حدثني عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة ، عن أبيه ، أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ، ولم يقرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، ولم يكبر إذا رفع . ورواه - أَيْضاً - عَن يَحْيَى بْن سليم ، عَن عَبْد الله بْن عُثْمَان بْن خثيم ، عَن إِسْمَاعِيل بْن عُبَيْدِ بن رِفَاعَة ، عَن أَبِيه ، فذكر بنحوه . قَالَ الشَّافِعِيّ : وأحسب هَذَا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول . قَالَ البيهقي : ورواه إِسْمَاعِيل بْن عياش ، عَن ابن خثيم ، عَن إِسْمَاعِيل بن عُبَيْدِ بْن رِفَاعَة ، عن أبيه ، عَن جده ، أن معاوية قدم المدينة . قَالَ : ويحتمل أن يكون ابن خثيم سمعه منهما ، والله أعلم . انتهى . فعلى طريقة الشَّافِعِيّ فِي ترجيح الإسناد الثاني عَلَى الحَدِيْث ، ليس هَذَا الحَدِيْث من رِوَايَة أَنَس بْن مَالِك بالكلية ، فلا يكون معارضاً لروايات أَنَس الصحيحة الثابتة . وعلى التقدير الآخر ، فليس هَذَا الحَدِيْث مرفوعاً ، وإنما فِيهِ إنكار من كَانَ حاضراً تلك الصلاة من المهاجرين ، وإنما حضر ذَلِكَ قليل منهم ؛ فإن أكابرهم توفوا قَبْلَ ذَلِكَ ، فغاية هَذَا : أن يكون موقوفاً عَلَى جماعة من الصَّحَابَة ، فكيف ترد بِهِ الرواية المرفوعة ، وليس فِيهِ تصريح بإنكار ترك الجهر بالبسملة ، بل يحتمل أنهم إنما أنكروا قراءتها فِي الجملة ، وذلك محتمل بأن يكون معاوية وصل تكبيرة الإحرام بقراءة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ من غير سكوت بَيْنَهُمَا يتسع للبسملة ، ثُمَّ وصل الفاتحة بقراءة سورة من غير سكوت يتسع للبسملة . ورواية ابن جُرَيْج صريحة فِي أن معاوية لَمْ يقرأ البسملة مَعَ الفاتحة - أَيْضاً - فيدل هَذَا عَلَى اتفاقهم عَلَى أن البسملة ليست من الفاتحة ، وإلا لأمروه بإعادة الصلاة ، أو لأعادوا هم صلاتهم خلفه . وبكل حال ؛ المضطرب إسناده وألفاظه لا يجوز أن يكون معارضاً لأحاديث أَنَس الصحيحة الصريحة . وقد تفرد بهذا الحَدِيْث عَبْد الله بْن عُثْمَان بْن خثيم ، وليس بالقوي ؛ ترك حديثه يَحْيَى القطان وابن مهدي . ومن العجب ، قَوْلِ بعضهم : يكفي أن مسلماً خرج لَهُ ، مَعَ طعنه فِي حَدِيْث الأوزاعي الَّذِي خرجه مُسْلِم فِي ( صحيحه ) من حَدِيْث أنس المصرح بنفي قراءة البسملة . وقوله : إنه معلول غير ثابت ، بغير حجة ولا برهان ، نعوذ بالله من اتباع الهوى . فإن قيل : فَقَدْ روي عَن أَنَس أحاديث صريحة فِي الجهر بالبسملة : فروى حاتم بْن إِسْمَاعِيل ، عَن شريك بن عَبْد الله بن أَبِي نمر ، عَن أَنَس ، قَالَ : سَمِعْت النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) . خرجه الحَاكِم فِي ( المستدرك ) من طريق أصبع بْن الفرج ، عَن حاتم ، بِهِ . وَقَالَ : رواته ثقات . قُلتُ : هَذَا لا يثبت ؛ فَقَدْ خرجه الدارقطني من طريق آخر عَن حاتم بْن إِسْمَاعِيل ، عَن شريك بْن عَبْد الله ، عَن إِسْمَاعِيل المكي ، عَن قتادة ، عَن أَنَس ، فذكره . فتبين بهذه الرواية أَنَّهُ سقط من رِوَايَة الحَاكِم من إسناده رجلان : أحدهما إِسْمَاعِيل المكي ، وَهُوَ : ابن مُسْلِم ، متروك الحَدِيْث ، لا يجوز الاحتجاج بِهِ . وخرج الدارقطني - أَيْضاً - من طريق معتمر بْن سُلَيْمَان ، عَن أَبِيه ، عَن أَنَس ، قَالَ : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وفي إسناده مجاهيل لا يعرفون . وخرج - أَيْضاً - بإسناد منقطع وجادة وجدها فِي كِتَاب عَن مُحَمَّد بْن المتوكل بْن أَبِي السري العسقلاني ، أَنَّهُ صلى خلف المعتمر بْن سُلَيْمَان ، فكان يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَقَالَ : إني مَا آلو أن أقتدي بصلاة المعتمر ، وَقَالَ أَنَس : مَا آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا لا يثبت ؛ لوجوه : مِنْهَا : انقطاع أول إسناده . ومنها : أَنَّهُ ليس فِيهِ تصريح برواية معتمر للجهر بالبسملة بهذا الإسناد ، وإنما فِيهِ اقتداء كلي فِي الصلاة ، ومثل هَذَا لا يثبت به نقل تفاصيل أحكام الصلاة الخاصة . ومنها : أن المعتمر بْن سُلَيْمَان إنما كَانَ يروي حَدِيْث البسملة بإسناد آخر عَن إِسْمَاعِيل بْن حماد ، عَن أَبِي خَالِد ، عَن ابن عَبَّاس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يفتتح صلاته بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . خرجه من طريقه كذلك أبو داود ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيْث ضَعِيف . والترمذي ، وَقَالَ : إسناده ليس بذاك ، وقال : إِسْمَاعِيل بْن حماد ، هُوَ : ابن أَبِي سُلَيْمَان ، وأبو خالد ، هُوَ : الوالبي ، كذا قَالَ . وَقَالَ الإمام أحمد - فِي رِوَايَة حَنْبل - : إِسْمَاعِيل بْن حماد ليس بِهِ بأس ، ولا أعرف أبا خَالِد ، يعني : أَنَّهُ غير الوالبي . كذا قَالَ العقيلي ، قَالَ : إِسْمَاعِيل بْن حماد بْن أَبِي سليمان حديثه غير محفوظ - يعني : هَذَا الحَدِيْث - ، ويحكيه عَن مجهول كوفي . وخرجه ابن عدي فِي ( كتابه ) من طريق معتمر ، كما خرجه أبو داود وغيره . وخرج - أَيْضاً - من طريق آخر عَن معتمر ، قَالَ : سَمِعْت ابن حماد ، عَن عمران بْن خَالِد ، عَن ابن عَبَّاس . ثُمَّ قَالَ : هَذَا الحَدِيْث لا يرويه غير معتمر ، وَهُوَ غير محفوظ ، سواء قَالَ : عَن أَبِي خَالِد ، أو عمران بْن خَالِد ؛ جميعاً مجهولان . وَقَالَ ابن عَبْد البر : هَذَا الحَدِيْث - والله أعلم - إنه روي عَن ابن عَبَّاس من فعله لا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ومنها : أن مُحَمَّد بْن المتوكل لَمْ يخرج لَهُ فِي ( الصحيح ) ، وقد تكلم فِيهِ أبو حاتم الرَّازِي وغيره ولينوه ، وَهُوَ كثير الوهم . وقد روي عَنْهُ هَذَا الحَدِيْث عَلَى وجه آخر : خرجه الطبراني عَن عَبْد الله بْن وهيب الغزي ، عَن مُحَمَّد بْن أَبِي السري ، عَن معتمر بْن سُلَيْمَان ، عَن أَبِيه ، عَن الْحَسَن ، عَن أَنَس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يسر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وأبو بَكْر وعمر . فهذه الرواية المتصلة الإسناد أولى من تلك المنقطعة . وأعجب من هَذَا مَا خرجه الحَاكِم من طريق سيف بْن عَمْرِو أَبِي جابر ، عَن مُحَمَّد بْن أَبِي السري ، عَن إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أويس ، عَن مَالِك ، عَن حميد ، عَن أَنَس ، قَالَ : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، وخلف أَبِي بَكْر ، وخلف عُمَر ، وخلف عُثْمَان ، وخلف عَلِيّ ، فكلهم كانوا يجهرون بقراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وتخريج هَذَا فِي ( المستدرك ) من المصائب ، ومن يخفى عَلِيهِ أن هَذَا كذب عَلَى مَالِك ، وأنه لَمْ يحدث بِهِ عَلَى هَذَا الوجه قط ؛ إنما رَوَى عَن حميد ، عَن أَنَس ، أن أَبَا بَكْر وعمر وعثمان كانوا لا يقرأون : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . هكذا خرجه فِي ( الموطأ ) ، ورواه عَنْهُ جماعة ، وذكروا فِيهِ النبي صلى الله عليه وسلم - أَيْضاً - ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ . فمن اتقى وأنصف علم أن حَدِيْث أنس الصحيح الثابت لا يدفع بمثل هذه المناكير والغرائب والشواذ الَّتِيْ لَمْ يرض بتخريجها أصْحَاب الصحاح ، ولا أهل السنن ، مَعَ تساهل بعضهم فيما يخرجه ، ولا أهل المسانيد المشهورة مَعَ تساهلهم فيما يخرجونه . وإنما جمعت هذه الطرق الكثيرة الغريبة والمنكرة لما اعتنى بهذه المسألة من اعتنى بِهَا ، ودخل فِي ذَلِكَ نوع من الهوى والتعصب ، فإن أئمة الإسلام المجتمع عليهم إنما قصدوا اتباع مَا ظهر لهم من الحق وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لَمْ يكن لهم قصد فِي غير ذَلِكَ رضي الله عنهم ، ثُمَّ حدث بعدهم من كَانَ قصده أن تكون كلمة فلان وفلان هِيَ العليا ، ولم يكن ذَلِكَ قصد أولئك المتقدمين ، فجمعوا وكثروا الطرق والروايات الضعيفة والشاذة والمنكرة والغريبة ، وعامتها موقوفات رفعها من ليس بحافظ ، أو من هُوَ ضَعِيف لا يحتج بِهِ ، أو مرسلات وصلها من لا يحتج بِهِ ، مثلما وصل بعضهم مرسل الزُّهْرِيّ فِي هَذَا ، فجعله عَنْهُ ، عَن ابن المُسَيِّب ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، ووصله باطل قطعاً . والعجب ممن يعلل الأحاديث الصحيحة المخرجة فِي ( الصحيح ) بعلل لا تساوي شيئاً ، إنما هِيَ تعنت محض ، ثُمَّ يحتج بمثل هذه الغرائب الشاذة المنكرة ، ويزعم أنها صحيحة لا علة لها . وقد اعتنى بهذه المسألة وأفردها بالتصنيف كثير من المُحَدِّثِين ، منهم : مُحَمَّد بْن نصر ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والدارقطني ، وأبو بَكْر الخَطِيْب ، والبيهقي ، وابن عَبْد البر ، وغيرهم من المتأخرين . ولولا خشية الإطالة لذكرنا كل حَدِيْث احتجوا بِهِ ، وبيان أَنَّهُ لا حجة فِيهِ عَلَى الجهر ؛ فإنها دائرة بَيْن أمرين : إما حَدِيْث صحيح غير صريح ، أو حَدِيْث صريح غير صحيح . ومن أقوى مَا احتجوا بِهِ : حَدِيْث خَالِد بْن يزيد ، عَن سَعِيد بْن أَبِي هلال ، عَن نعيم المجمر ، أَنَّهُ صلى وراء أَبِي هُرَيْرَةَ ، فقرأ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، ثُمَّ قرأ بأم القرآن ، ثُمَّ قَالَ لما سلم : إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم . خرجه النسائي وابن خزيمة والحاكم وغيرهم . وسعيد وخالد ، وإن كانا ثقتين ، لكن قَالَ أبو عُثْمَان البرذعي فِي ( علله عَن أَبِي زُرْعَة الرَّازِي ) ، أَنَّهُ قَالَ فيهما : ربما وقع فِي قلبي من حسن حديثهما . قَالَ : وَقَالَ أبو حاتم : أخاف أن يكون بعضها مراسيل ، عَن ابن أبي فروة وابن سمعان . يعني : مدلسة عنهما . ثُمَّ هَذَا الحَدِيْث ليس بصريح فِي الجهر ، إنما فِيهِ أَنَّهُ قرأ البسملة ، وهذا يصدق بقراءتها سراً . وقد خرجه النسائي فِي ( باب : ترك الجهر بالبسملة ) . وعلى تقدير أن يكون جهر بِهَا ، فيحتمل أن يكون جهر بِهَا ليعلم النَّاس استحباب قراءتها فِي الصلاة ، كما جهر عُمَر بالتعوذ لذلك . وأيضاً ؛ فإنه قَالَ : قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ثُمَّ قرأ بأم القرآن ، وهذا دليل عَلَى أنها ليست من أم القرآن ، وإنما تقرأ قَبْلَ أم القرآن تبركاً بقراءتها . وأيضاً ؛ فليس فِي الحَدِيْث تصريح بأن جميع مَا فعله أبو هُرَيْرَةَ فِي هذه الصلاة نقله صريحاً عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما فِيهِ أن صلاته أشبه بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم من غيره . وخرج الدارقطني من حَدِيْث أَبِي أويس ، عَن العلاء ، عَن أَبِيه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، كَانَ إذا أم النَّاس قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وهذا مِمَّا تفرد بِهِ أبو أويس ، وقد تكلم فِيهِ ، وإن خرج لَهُ مُسْلِم ، ووثقه غير واحد . وليس - أَيْضاً - بصريح فِي الجهر ، بل يحتمل أَنَّهُ كَانَ يقرأها سراً . وقد روي بهذا الإسناد بعينه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ لا يجهر بِهَا ، وسنذكره . وخرج ابن عَبْد البر بهذا الإسناد : التصريح بالجهر بِهَا ، بإسناد فِيهِ النضر بن سَلَمَة ، شاذان ، وَهُوَ متهم بالكذب . وخرج الدارقطني - أَيْضاً - من رِوَايَة أَبِي بَكْر الحنفي ، عَن عَبْد الحميد بْن جَعْفَر ، عَن نوح بْن أَبِي بلال ، عَن سَعِيد المقبري ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إذا قرأتم ( الْحَمْدُ ) فاقرأوا : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؛ إنها أحد آياتها ) ، وذكر فِيهِ فضل الفاتحة ، قَالَ الحنفي : لقيت نوحاً ، فحدثني عَن سَعِيد ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ بمثله ، ولم يرفعه . وذكر الدارقطني فِي ( علله ) أن وقفه أشبه بالصواب . قُلتُ : ويدل عَلَى صحة قوله : أن ابن أَبِي ذئب رَوَى الحَدِيْث فِي فضل الفاتحة ، عَن المقبري ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعاً ، ولم يذكر فِيهِ : البسملة . وروى إِبْرَاهِيْم بْن إِسْحَاق السراج ، عَن عقبة بْن مكرم ، عَن يونس بْن بكير ، ثنا مِسْعَر ، عَن مُحَمَّد بْن قيس ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . خرجه الدارقطني والحاكم . وظن بعضهم أَنَّهُ إسناد صحيح ، وليس كذلك ؛ فإن السراج وهم فِي قوله فِي إسناده : ( حَدَّثَنَا مِسْعَر ) ، إنما هُوَ ( أبو معشر ) ، كذا قَالَ الدارقطني والخطيب ، وقبلهما أبو بَكْر الإسماعيلي فِي ( مسند مِسْعَر ) ، وحكاه عَن أَبِي بَكْر بن عمير الحافظ . وَقَالَ البيهقي : الصواب أبو معشر . وأبو معشر ، هُوَ نجيح السندي ، ضَعِيف جداً . وخرج الدارقطني وغيره من حَدِيْث حميد ، عَن الْحَسَن ، عَن سمرة ، قَالَ : كَانَتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتان : سكتة إذا قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وسكتة إذا فرغ من القراءة ، فأنكر ذَلِكَ عمران بْن حصين ، فكتبوا إلى أَبِي بْن كعب ، فكتب : أن صدق سمرة . ورواة هَذَا الحَدِيْث كلهم ثقات ، كما ذكره غير واحد ، لكن سماع الْحَسَن من سمرة مختلف فِيهِ . وإن ثبت فهو دليل عَلَى الإسرار بالبسملة ، لا عَلَى الجهر ؛ لأنه صرح بأن سكتته الأولى كَانَتْ إذا قرأ البسملة ، ومراده : إذا أراد قراءتها ، فدل عَلَى أَنَّهُ كَانَ يقرأها فِي السكتة الأولى ، وإلا فلا يَقُول أحد : إن السنة أن يقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) جهراً ، ثُمَّ يسكت بعد ذَلِكَ سكتة ، ثُمَّ يقرأ الفاتحة ، ولا نقل هَذَا أحد عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عَن أحد من أصحابه ، ولا قَالَ بِهِ قائل . وقد رَوَى هَذَا الحَدِيْث قتادة ، عَن الْحَسَن ، عَن سمرة ، وفسر قتادة السكتتين : إذا دَخَلَ فِي الصلاة ، وإذا فرغ من القراءة . وفي رِوَايَة قَالَ : سكتة إذا كبر ، وسكتة إذا فرغ . خرجه أبو داود وغيره . وخرج - أَيْضاً - من حَدِيْث يونس ، عَن الْحَسَن ، عَن سمرة ، قَالَ : حفظت سكتتين فِي الصلاة : سكتة إذا كبر الإمام حَتَّى يقرأ ، وسكتة إذا فرغ . ففي هذه الروايات كلها : تصريح بأن السكتة كَانَتْ بَيْن التكبير والقراءة ، كما فِي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ . وخرج الحَاكِم من طريق عَبْد الله بْن عَمْرِو بْن حسان ، عَن شريك ، عَن سَالِم الأفطس ، عَن سَعِيد بْن جبير ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وَقَالَ : صحيح ، ليس لَهُ علة . وهذه زلة عظيمة ؛ فإن عَبْد الله بْن عَمْرِو بْن حسان هَذَا هُوَ الواقعي ، نسبه ابن المديني إلى الوضع ، وَقَالَ الدارقطني : كَانَ يكذب ، وَقَالَ أبو حاتم الرَّازِي : كَانَ لا يصدق . وخرج الدارقطني هَذَا الحَدِيْث من طريق أَبِي الصلت الهروي ، عَن عباد بن العَوَّامِ ، عَن شريك ، وَقَالَ فِيهِ : يجهر فِي الصلاة . وأبو الصلت هَذَا ، متروك . وخرجه الطبراني فِي ( أوسطه ) من طريق يَحْيَى بْن طلحة اليربوعي ، عَن عباد بْن العَوَّامِ بهذا الإسناد ، ولفظ حديثه : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هزأ مِنْهُ المشركون ، وقالوا : مُحَمَّد يذكر إله اليمامة ، وكان مسيلمة يتسمى الرحمن ، فلما نزلت هذه الآية أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يجهر بِهَا . وهذا لَوْ صح لدل عَلَى نسخ الجهر بِهَا ، ولكن الصحيح أَنَّهُ مرسل ، كذلك رواه يَحْيَى بْن معين ، عَن عباد بْن العَوَّامِ ، ثنا شريك بْن عَبْد الله بْن سنان ، عَن سَالِم الأفطس ، عَن سَعِيد بْن جبير ، فِي قوله تعالى : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا قَالَ : نَزَلَتْ فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وذكر الحَدِيْث بمعناه مرسلاً . كذا خرجه عَنْهُ المفضل الغلابي فِي ( تاريخه ) . وكذا خرجه أبو داود فِي ( المراسيل ) عَن عباد بْن موسى ، عَن عباد بْن العَوَّامِ ، وعنده : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخفائها ، فما جهر بِهَا حَتَّى مات . وكذا رواه يَحْيَى بْن آدم ، عَن شريك ، عَن سَالِم ، عَن سَعِيد ، مرسلاً . وَهُوَ أصح . وقد روي عَن إِسْحَاق بْن راهويه ، عَن إِسْحَاق ، موصولاً ، ولا يصح . ذكره البيهقي فِي ( المعرفة ) . وروى عُبَيْدِ الله بْن عَمْرِو الرقي ، عَن عَبْد الكريم الجزري ، عَن أَبِي الزُّبَيْر ، عَن ابن عُمَر ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، أَنَّهُ كَانَ إذا قام إلى الصلاة ، فأراد أن يقرأ ، قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . قَالَ ابن عَبْد البر : قَدْ رفعه غيره أَيْضاً عَن ابن عُمَر ، ولا يصح ؛ لأنه موقوف عَلَى ابن عُمَر من فعله ، كذلك رواه سَالِم ونافع ويزيد الفقير ، عَن ابن عُمَر . وَقَالَ البيهقي : الصواب موقوف . وقد قَالَ العقيلي فِي ( كتابه ) : لا يصح فِي الجهر بالبسملة حَدِيْث مسند . يعني : مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وحكي مثله عَن الدارقطني . وما ينقل عَنْهُ فِي ( سننه ) من تصحيح أحاديث فِي هَذَا الباب ، فلا توجد فِي جميع النسخ ، بل فِي بعضها ، ولعله من زيادة بعض الرواة . وفي ترك الجهر بِهَا حَدِيْث عَبْد الله بْن مغفل ، وَهُوَ شاهد لحديث أَنَس الَّذِي خرجه مُسْلِم ، وَهُوَ من رِوَايَة أَبِي نعامة الحنفي ، عَن ابن عَبْد الله بْن مغفل ، قَالَ : سمعني أَبِي وأنا فِي الصلاة أقول : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ : أي بني ، محدث ، إياك والحدث ، قَالَ : ولم أر أحداً من أصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ أبغض إليه الحدث فِي الإسلام - يعني : مِنْهُ - ، قَالَ : وقد صليت مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع أَبِي بَكْر ومع عُمَر ومع عُثْمَان ، فَلَمْ أسمع أحداً منهم يقولها ، إذا أنت صليت فقل : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي ، وَقَالَ : حَدِيْث حسن . وخرجه النسائي مختصراً . وأبو نعامة هَذَا ، بصري ، قَالَ ابن معين : ثقة . قَالَ ابن عَبْد البر : هُوَ ثقة عِنْدَ جميعهم . وله رِوَايَة عَن عَبْد الله بْن مغفل فِي الاعتداء فِي الدعاء والطهور . وأما هَذَا الحديث ، فَقَدْ رواه عَن ابن عَبْد الله بْن مغفل ، عَن أَبِيه . وابن عَبْد الله بْن مغفل ، يقال : اسمه : يزيد . وقد رَوَى هَذَا الحَدِيْث أبو حنيفة ، عَن أَبِي سُفْيَان ، عَن يزيد بْن عبد الله بن مغفل ، عَن أَبِيه . وكذلك خرجه أبو بَكْر عَبْد العزيز بن جَعْفَر فِي ( كِتَاب الشافي ) لَهُ من طريق حَمْزَة الزيات ، عَن أَبِي سُفْيَان ، عَن يزيد بْن عَبْد الله بْن مغفل ، قَالَ : صلى بنا إمام فجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَقَالَ لَهُ أَبِي : تأخر عَن مصلانا ، تجنب عنا هَذَا الحرف الَّذِي أراك تجهر بِهِ ؛ فإني صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بَكْر وعمر فَلَمْ يجهروا بِهَا ، قَالَ لَهُ رَجُل : وعثمان ؟ فسكت . ويزيد هَذَا ، لَمْ نعلم فِيهِ جرحاً ، وقد حسن حديثه الترمذي . وما قاله طائفة من المتأخرين : إنه مجهول ، كابن خزيمة وابن عَبْد البر ، فَقَدْ علله ابن عَبْد البر ، بأنه لَمْ يرو عَنْهُ إلاّ واحد فيكون مجهولاً ، يجاب عَنْهُ : بأنه قَدْ رَوَى عَنْهُ اثنان ، فخرج بذلك عَن الجهالة عِنْدَ كثير من أهل الحَدِيْث . وقد رَوَى سُفْيَان الثوري ، عَن خَالِد الحذاء ، عَن أَبِي نعامة ، عَن أَنَس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمْ يكن ولا أبو بَكْر ولا عُمَر يجهرون بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كذا رواه غير واحد عَن سُفْيَان . وخالفهم يَحْيَى بْن آدم ، فرواه عَن سُفْيَان ، عَن خَالِد ، عَن أَبِي قلابة ، عَن أنس . ووهم فِيهِ ، إنما هُوَ أبو نعامة ، قاله الإمام أحمد . ثُمَّ اختلف الحفاظ : فمنهم من قَالَ : الأشبه بالصواب رِوَايَة من رواه عَن أَبِي نعامة ، عَن ابنَ مغفل ، عَن أَبِيه ، ومنهم : الدارقطني ، وكلام أحمد يدل عَلِيهِ أَيْضاً ، قالوا : لأنه رواه ثَلاَثَة عَن أَبِي نعامة بهذا الإسناد ، وهم : الجريري وعثمان بْن غياث وراشد الحراني ، فقولهم أولى من قَوْلِ خَالِد الحذاء وحده . ومنهم من قَالَ : يجوز أن يكون القولان عَن أَبِي نعامة صحيحين . ومن العجائب تأويل بعضهم لحديث ابن مغفل عَلَى مثل تأويله لحديث أَنَس ، وأن المراد افتتاحهم بالفاتحة . وهذا إسقاط لفائدة أول الحَدِيْث وآخره ، والسبب الَّذِي لأجله رواه ابن مغفل ، وإنما الصواب عكس هَذَا ، وَهُوَ حمل حَدِيْث أَنَس عَلَى مثل مَا رواه ابن مغفل . وروى عُبَيْدِ الله بْن عَمْرِو الرقي ، عَن زيد بْن أَبِي أنيسة ، عَن عَمْرِو بْن مرة ، عَن نَافِع بْن جبير بْن مطعم ، عَن أَبِيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمْ يجهر فِي صلاته بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . ذكره الدارقطني فِي ( علله ) . وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات مشهورون ، ولكن لَهُ علة ، وهي : أن هَذَا الحَدِيْث قطعة من حَدِيْث جبير بْن مطعم فِي صفة تكبير النبي صلى الله عليه وسلم وتعوذه فِي الصلاة ، وقد رواه الثقات عَن عَمْرِو بْن مرة ، عَن عاصم العنزي ، عَنْ نَافِع بْن جبير ، عَن أَبِيه ، بدون هذه الزيادة ؛ فإنه تفرد بِهَا الرقي عَن زيد . وروى الحافظ أبو أحمد العسال ، ثنا عَبْد الله بن العباس الطيالسي ، ثنا عَبْد الرحيم بْن زياد السكري ، ثنا عَبْد الله بْن إدريس ، عَن عُبَيْدِ الله بْن عُمَر ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بَكْر وعمر وعثمان ، فَلَمْ يقنتوا ولم يجهروا . وهذا الإسناد أَيْضاً كلهم ثقات مشهورون . وهذا والذي قبله خير من كثير من أحاديث الجهر الَّتِيْ يصححها الحَاكِم وأمثاله ، ويحتجون بِهَا ، ولكن لا نستحل كتمان مَا ذكر فِي تعليله . فذكر الدارقطني فِي ( العلل ) أَنَّهُ تفرد بِهِ السكري ، عَن ابن إدريس مرفوعاً ، قَالَ : ورواه زائدة والقطان ومحمد بْن بشر وابن نمير ، عَن عُبَيْدِ الله ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، موقوفاً . قَالَ : وكذلك رواه مَالِك فِي ( الموطأ ) عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، موقوفاً . قَالَ : وَهُوَ الصواب . وفي ( صحيح مُسْلِم ) عَن عَائِشَة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يستفتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وفيه : عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا نهض فِي الثانية استفتح بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ولم يسكت . وروى منصور بْن مزاحم - وَهُوَ صدوق - ، ثنا أبو أويس ، عَن العلاء بن عَبْد الرحمن ، عَن أَبِيه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ لا يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . ذكره ابن عَبْد البر وغيره . وهذا إسناد جيد . وقد عضده : أن مسلماً خرج بهذا الإسناد بعينه حَدِيْث : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ) ، وذكر سورة الفاتحة بكمالها ، فَلَمْ يذكر فيها البسملة . وروى عمار بْن زربي ، عَن المعتمر بْن سُلَيْمَان ، عَن أَبِيه ، عَن أَبِي عُثْمَان النهدي ، عَن عُمَر بْن الخَطَّاب ، قَالَ : كَانَ قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم مداً الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَتَّى يختم السورة . عمار هَذَا ، تكلم فِيهِ . وليست هذه الأحاديث بدون الأحاديث الَّتِيْ يستدل بِهَا الحَاكِم وأمثاله عَلَى الجهر ، بل إما أن تكون مساوية لها ، أو أقوى مَعَ اعتضادها بالأحاديث الصحيحة والحسنة المخرجة فِي الصحاح والسنن ، وتلك لا تعتضد بشيء من ذَلِكَ . وفي الباب أحاديث أخر ، تركناها اختصاراً ، وبعضها مخرج فِي بعض السنن أَيْضاً . وأما الآثار الموقوفة فِي المسألة فكثيرة جداً . وإلى ذَلِكَ ذهب أكثر أهل العلم من أصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم : أبو بَكْر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ، ومن بعدهم من التابعين ، وبه يَقُول سُفْيَان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق ، لا يرون أن يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، قالوا : ويقولها فِي نفسه . انتهى . وحكى ابن المنذر هَذَا القول عَن سُفْيَان وأهل الرأي وأحمد وأبي عُبَيْدِ ، قَالَ : ورويناه عَن عُمَر وعلي وابن مَسْعُود وعمار بْن ياسر وابن الزُّبَيْر والحكم وحماد . قَالَ : وَقَالَ الأوزاعي : الإمام يخفيها . وحكاه ابن شاهين عَن عامة أهل السنة ، قَالَ : وهم السواد الأعظم . وروى شعبة ، عَن حصين ، عَن أَبِي وائل ، قَالَ : كانوا لا يجهرون بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وروى الأثرم بإسناده ، عَن عُرْوَةَ بْن الزُّبَيْر ، قَالَ : أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلاّ بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وعن الأعرج مثله . وعن النخعي ، قَالَ : مَا أدركت أحداً يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وعنه ، قَالَ : الجهر بِهَا بدعة . وعن عَكْرِمَة ، قَالَ : أنا أعرابي إن جهرت بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وروى وكيع فِي ( كتابه ) ، عَن همام ، عَن قتادة ، قَالَ : الجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أعرابية . وعن سُفْيَان ، عَن عَبْد الملك بْن أَبِي بشير ، عَن عَكْرِمَة ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : الجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قراءة الأعراب . وعن إسرائيل ، عَن جابر ، عَن أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَلِيّ ، قَالَ : لا يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وهذه الرواية تدل عَلَى أَنَّهُ لا يصح مَا حكي عَن أَبِي جَعْفَر وأهل البيت من الجهر بِهَا ، ولعل الشيعة تفتري ذَلِكَ عليهم . وممن روي عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لا يجهر بِهَا : بَكْر المزني ، والحسن ، وابن سيرين ، والشعبي ، وأبو إِسْحَاق السبيعي ، وعمر بْن عَبْد العزيز فِي رِوَايَة عَنْهُ رواها الوليد بن مُسْلِم عَن عَبْد الله بْن العلاء عَنْهُ ، وقتادة وابن أَبِي ليلى وابن شبرمة والحسن بْن حي . وَقَالَ الْحَسَن : الجهر بِهَا أعرابية . خرجه حرب الكرماني . وروي عَنْهُ من وجه آخر ، قَالَ : الجهر بِهَا قراءة الأعراب . وأكثر هؤلاء يكرهون الجهر ، كما أنكره عَبْد الله بْن مغفل ، وكما أنكره من قَالَ : ذَلِكَ قراءة الأعراب ، ومن قَالَ : هُوَ بدعة ، ونص أحمد عَلَى كراهته . وروي عَن طائفة ، أَنَّهُ يخير بَيْن الجهر والإسرار ، ولا يكره الجهر وإن كَانَ الإسرار أفضل ، وحكي هَذَا عَن ابن أَبِي ليلى وإسحاق ، ورجحه طائفة من أهل الحَدِيْث . ومنهم من قَالَ : الجهر أفضل . وقالت طائفة : يجهر بِهَا وَهُوَ السنة ، وَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيّ وأصحابه وأبي ثور ، وروي عَن الليث بْن سعد . قَالَ ابن المنذر : وروينا عَن عُمَر وابن عَبَّاس أنهما كانا يستفتحان بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . انتهى . وليس عَن ابن عُمَر تصريح بالجهر ، بل بقراءة البسملة . وأما المروي عَن عُمَر ، فَقَدْ ثبت عَنْهُ فِي ( صحيح مُسْلِم ) من حَدِيْث أَنَس ، أَنَّهُ لَمْ يكن يجهر بِهَا ، فلعله جهر بِهَا مرة ليبين جواز ذَلِكَ . وخرج ابن أَبِي شيبة بإسناد جيد ، عَن الأسود ، قَالَ : صليت خلف عُمَر سبعين صلاة ، فَلَمْ يجهر فيها بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) . قَالَ ابن عَبْد البر : روي عَن عُمَر وعلي وعمار بْن ياسر ، أنهم كانوا يجهرون بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، والطرق ليست بالقوية ، وقد قدمنا الاختلاف عنهم فِي ذَلِكَ . قَالَ : وروي عَن عُمَر فيها ثلاث روايات : أحدها : أَنَّهُ كَانَ لا يَقْرَؤُهَا . والثانية : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا سراً . والثالثة : أَنَّهُ جهر بِهَا . وكذلك اختلف عَن أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الجهر والإسرار ، وعن ابن عَبَّاس أَيْضاً ، والأكثر عَنْهُ الجهر بِهَا ، وعليه جماعة أصحابه . وذكر ابن عَبْد البر جماعة ممن كَانَ يرى الجهر بِهَا ، منهم : مكحول وعمر بن عَبْد العزيز ومحمد بْن كعب القرظي ، قَالَ : وَهُوَ أحد قولي ابن وهب ، إلا أَنَّهُ رجع عَنْهُ إلى الإسرار بِهَا . وعن عَطَاء الخراساني ، قَالَ : الجهر بِهَا حسن . وَقَالَ الزُّهْرِيّ : من سَنَة الصلاة أن يقرأ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ فاتحة الكتاب ، ثُمَّ يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ يقرأ بسورة ، وكان يَقُول : أول من قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سراً بالمدينة عَمْرِو بْن سَعِيد بْن العاص . خرجه البيهقي . ومراسيل الزُّهْرِيّ من أردأ المراسيل . وإنما عنى أول من أسر بِهَا ممن أدركه ، فَقَدْ ثبت عَن أَبِي بَكْر وعمر وعثمان الإسرار بِهَا ، فلا عبرة بمن حدث بعدهم وبعد انتقال عَلِيّ بْن أَبِي طالب من المدينة ؛ فإن هؤلاء هم الخُلَفَاء الراشدون الذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنتهم ، وهم كانوا لا يجهرون بِهَا . قَالَ البيهقي : وروينا الجهر بِهَا عَن فقهاء مكة : عَطَاء وطاوس ومجاهد وسعيد بْن جبير . وَقَالَ الإمام أحمد - فِي رِوَايَة مهنا - : عامة أهل المدينة يجهر بِهَا : الزُّهْرِيّ وربيعة ، وذكر ابن عَبَّاس وابن الزُّبَيْر . وأما مَا ذكره الخَطِيْب فِي كتابه فِي الجهر بالبسملة من الآثار الكثيرة فِي المسألة حَتَّى اعتقد بعض من وقف عَلِيهِ أَنَّهُ قَوْل الجمهور ، فغالب آثاره أو كثير مِنْهَا معلول لا يصح عِنْدَ التحقيق . وكثير منهم يروي الجهر والإسرار ، وقد حكي عَن الدارقطني أَنَّهُ قَالَ فِي المنقول عَن الصَّحَابَة : . . . منهم : عَمْرِو بْن دينار وابن جُرَيْج ومسلم بْن خَالِد ، وعن بعض أهل المدينة دون سائر الأمصار ، ولقلة من كَانَ يجهر بِهَا اعتقد بعضهم أن الجهر بِهَا بدعة ، وأنه من شعار أهل الأهواء كالشيعة ، حَتَّى تركه بعض أئمة الشافعية ، منهم : ابن أَبِي هُرَيْرَةَ ، لهذا المعنى . وكان سُفْيَان الثوري وغيره من أئمة الأمصار يعدون الإسرار بالبسملة من جملة مسائل أصول الدين الَّتِيْ يتميز بِهَا أهل السنة عَن غيرهم ، كالمسح عَلَى الخفين ونحوه ، حَتَّى قَالَ سُفْيَان لشعيب بْن حرب : لا ينفعك مَا كتبت حَتَّى ترى أن إخفاء : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أفضل من الجهر بِهَا . وَقَالَ وكيع : لا يصلى خلف من يجهر بِهَا . وَقَالَ أحمد فِي الصلاة خلف من يجهر بِهَا : إن كَانَ يتأول فلا بأس بِهِ ، وإن كَانَ غير ذَلِكَ فلا يصلى خلفه . يشير إلى أَنَّهُ يصلى خلف من جهر بِهَا من أهل العلم والحديث ، دون من يجهر بِهَا من أهل الأهواء ، فإنهم المعروفون بالجهر بِهَا . ونقل أبو طالب ، عَن أحمد ، وسأله : يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ قَالَ : بالمدينة نَعَمْ ، وهاهنا من كَانَ يرى أنها آية من كِتَاب الله مثلما قَالَ ابن عَبَّاس وأبو هُرَيْرَةَ وابن الزُّبَيْر كانوا يجهرون بِهَا ، ويتأولونها من كِتَاب الله . قَالَ القاضي أبو يعلى : ظاهر هَذَا أَنَّهُ أجاز الجهر لمن كَانَ بالمدينة دون غيرها من البلاد ، قَالَ : ولعله ذهب فِي هَذَا إلى أن أهل المدينة يرون الجهر بِهِا ، فإذا خافت استنكروا فعله ، وامتنعوا من الصلاة خلفه . قُلتُ : إنما مراد أحمد الإخبار عَن الجهر بِهَا أَنَّهُ سائغ لمثل أهل المدينة ومن يتأول من غيرهم من أهل الحَدِيْث والعلم ، وليس مراده أَنَّهُ يرى الجهر بِهَا بالمدينة . وقد حكى أبو حفص العكبري رِوَايَة أَبِي طالب عَن أحمد ، بلفظ صريح فِي هَذَا المعنى ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : سئل أحمد : هَلْ يصلي الرَّجُلُ خلف من يجهر بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ قَالَ : بالمدينة نَعَمْ ، وهاهنا من كَانَ يتأول ... ، وذكر بقية الرواية . وهذا تصريح بالمعنى الَّذِي ذكرناه ، وَهُوَ أَنَّهُ إنما يسوغ الخلاف فِي هذه المسألة من مثل هؤلاء العلماء المجتهدين ، دون أهل الأهواء الذين كَانَتْ هذه المسألة مشهورة عنهم . ولذلك نقل مهنا عَن أحمد ، أن عامة أهل المدينة يرون الجهر بالبسملة . ونقل صالح بْن أحمد ، عَن أَبِيه ، قَالَ : نحن لا نرى الجهر ولا نقنت ؛ فإن جهر رَجُل وليس بصاحب بدعة ، يتبع مَا روي عَن ابن عَبَّاس وابن عُمَر ، فلا بأس بالصلاة خلفه والقنوت هكذا . ونقل عَنْهُ يعقوب بْن بختان ، قَالَ : يصلى خلف من يجهر من الكوفيين ، إلا أن يكون رافضياً . واختلفت الرواية عَن أحمد فِي قراءة البسملة بَيْن السورتين فِي قيام رمضان ، فروي عَنْهُ ، أَنَّهُ يسر بِهَا ولا يجهر . وروي عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : أرجو . وظاهر هذه الرواية يدل عَلَى أَنَّهُ لا يكره الجهر بِهَا فِي هَذَا الموطن خاصة ؛ فإن النفل يسامح فِيهِ وخصوصاً قيام الليل ؛ فإنه لا يكره الجهر بالقراءة فِيهِ للمنفرد . وإلى هَذَا القول ذهب أبو عُبَيْدِ وعلي بْن المديني ، حكاه عنهما الأثرم . وذهبت طائفة إلى أَنَّهُ لا يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصلاة سراً ولا جهراً ، هَذَا قَوْلِ مَالِك وأصحابه ، ورخص فِيهِ فِي السور بعد الفاتحة فِي قيام رمضان خاصة . وحكي عَنْهُ إجازته فِي أول الفاتحة وغيرها للمتهجدين ، وفي النوافل . وروي عَنْهُ ، أَنَّهُ لا بأس بقراءتها فِي الفرائض والنوافل ، ذكره القاضي إِسْمَاعِيل فِي ( مبسوطه ) من طريق ابن نَافِع ، عَن مَالِك . قَالَ ابن عَبْد البر : لا يصح هَذَا عندنا عَن مَالِك ، إنما هُوَ عَن صاحبه عَبْد الله بْن نَافِع . وكذلك روي عَن عُمَر بْن عَبْد العزيز ، أَنَّهُ لا يَقْرَؤُهَا سراً ولا جهراً ، من وجه فِيهِ نظر ، ذكره ابن سعد فِي ( طبقاته ) . وكذلك قَالَ الأوزاعي : لا يقرأ بِهَا سراً ولا جهراً ، نقله عَنْهُ الوليد بْن مُسْلِم . قَالَ الوليد : فذكرت ذَلِكَ لخليد ، فأخبرني أن الْحَسَن كَانَ لا يَقْرَؤُهَا ، فَقَالَ الَّذِي سأله : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرها ؟ فَقَالَ الْحَسَن : لَوْ أسر قراءتها فيما يسر بِهَا لجهر بِهَا فيما يجهر ، ولكنها أعرابية . قَالَ الوليد : وأقول أنا : إن قرأتها فحسن ، وذلك لما أخبرنا بِهِ عَبْد الله بْن عُمَر بْن حفص ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، أَنَّهُ كَانَ لا يدع قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حِينَ يستفتح الحمد والسورة الَّتِيْ بعدها . خرجه حرب الكرماني . واختاره ابن جرير الطبري ، وَهُوَ مذهب مَالِك والأوزاعي . وبهذا المروي عَن ابن عُمَر استدل أحمد عَلَى قراءتها ، وبالمروي عَن ابن عَبَّاس وابن الزُّبَيْر وأبي هُرَيْرَةَ . ومالك ومن وافقه تأولوا ظاهر حَدِيْث أَنَس ، وعند التحقيق فِي التأمل إنما يدل عَلَى نفي الجهر لا عَلَى قراءتها سراً ، وبذلك تجتمع ألفاظ الحَدِيْث وعامة الأدلة فِي هذه المسألة ، والله أعلم . وأكثر من يرى قراءتها فِي الصلاة يرى قراءتها فِي الفاتحة والسورة الَّتِيْ بعدها . وقالت طائفة قليلة منهم : إنما يقرأ بِهَا فِي ابتداء الفاتحة دون السورة الَّتِيْ بعدها ، روي عَن طاوس ، وَهُوَ قَوْلِ سُفْيَان الثوري وسليمان بْن داود الهاشمي ، وَهُوَ رِوَايَة عَن أَبِي حنيفة . وروى يوسف بْن أسباط ، عَن الثوري ، قَالَ : من قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فِي أول القرآن أجزأه لكل القرآن . واعلم أن الجهر بقراءة البسملة مَعَ الفاتحة ليس مبنياً عَلَى القول بأن البسملة آية من سورة الفاتحة وغيرها ، كما ظنه طائفة من النَّاس من أصحابنا وغيرهم ، وإنما الصحيح عِنْدَ المحققين من أصحابنا وأصحاب الشَّافِعِيّ وغيرهم أَنَّهُ غير مبني عَلَى ذَلِكَ . ولهذا اختلفت الرواية عَن أحمد : هَلْ البسملة آية من الفاتحة ، أو لا ؟ وأكثر الروايات عَنْهُ عَلَى أنها ليست من الفاتحة ، وَهُوَ قَوْلِ أكثر أصحابه . ولم تختلف عَنْهُ فِي أَنَّهُ لا يجهر بِهَا ، وكذا قَالَ الجوزجاني وغيره من فقهاء الحَدِيْث . واختلف قَوْلِ الشَّافِعِيّ : هَلْ البسملة آية من كل سورة سوى الفاتحة ، وَهُوَ يرى الجهر بِهَا فِي السور ، أَيْضاً . وحينئذ ؛ فلا يصح أن يؤخذ الجهر بِهَا من القول بأنها آية من الفاتحة ، كما يفعله كثير من النَّاس ؛ فإنهم يحكون عمن قَالَ : هِيَ آية من الفاتحة ، الجهر بِهَا ، وليس ذَلِكَ بلازم . ومما يستحب الإتيان بِهِ قَبْلَ القراءة فِي الصلاة : التعوذ ، عِنْدَ جمهور العلماء . واستدلوا بقوله تعالى : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ والمعنى : إذا أردت القراءة ، هكذا فسر الآية الجمهور ، وحكي عَن بعض المتقدمين ، منهم : أبو هُرَيْرَةَ وابن سيرين وعطاء ، التعوذ بعد القراءة . والمروي عَن ابن سيرين : قَبْلَ قراءة أم القرآن وبعدها ، فلعله كَانَ يستعيذ لقراءة السورة ، كما يقرأ البسملة لها أَيْضاً . وقد جاءت الأحاديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يتعوذ قَبْلَ القراءة فِي الصلاة : فروى عَمْرِو بْن مرة ، عَن عاصم العنزي ، عَن ابن جبير بْن مطعم ، عَن أَبِيه ، أَنَّهُ رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة ، قَالَ : ( الله أكبر كبيراً ، الله أكبر كبيراً ، الله أكبر كبيراً ، والحمد لله كثيراً ، سبحان الله بكرة وأصيلاً ) - ثلاثاً - ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، من نفخه ونفثه وهمزه ) ، قَالَ : نفثه الشعر ، ونفخه الكبر ، وهمزه الموتة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان فِي ( صحيحه ) ، والحاكم ، وصححه . وابن جبير ، هُوَ : نَافِع ، وقع مسمى فِي رِوَايَة كذلك ، وعاصم العنزي ، قَالَ أحمد : لا يعرف ، وَقَالَ غيره : رَوَى عَنْهُ غير واحد ، ذكره ابن حبان فِي ( ثقاته ) . وروى عَطَاء بْن السائب ، عَن أَبِي عَبْد الرحمن السلمي ، عَن ابن مَسْعُود ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، أَنَّهُ كَانَ إذا دَخَلَ فِي الصلاة يَقُول : ( اللهم إني أعوذ بك من الشيطان وهمزه ونفخه ونفثه ) . خرجه ابن ماجه والحاكم ، وهذا لفظه . وَقَالَ : صحيح الإسناد ؛ فَقَدْ استشهد البخاري بعطاء بْن السائب . وروى عَلِيّ بْن عَلِيّ الرفاعي ، عَن أَبِي المتوكل ، عَن أَبِي سَعِيد الْخُدرِيَّ ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر ، ثُمَّ يَقُول : ( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، من همزه ونفخه ونفثه ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي . وَقَالَ : كَانَ يَحْيَى بْن سَعِيد يتكلم فِي عَلِيّ بْن عَلِيّ ، وَقَالَ أحمد : لا يصح هَذَا الحَدِيْث . كذا قَالَ ، وإنما تكلم فِيهِ يَحْيَى بْن سَعِيد من جهة أَنَّهُ رماه بالقدر ، وقد وثقه وكيع ويحيى بْن معين وأبو زُرْعَة . وَقَالَ أحمد : لا بأس بِهِ ، إلا أَنَّهُ رفع أحاديث . وَقَالَ أبو حاتم : ليس بِهِ بأس ، ولا يحتج بحديثه . وإنما تكلم أحمد فِي هَذَا الحَدِيْث ؛ لأنه روي عَن عَلِيّ بْن عَلِيّ ، عَن الْحَسَن مرسلاً ، وبذلك أعله أبو داود ، وخرج فِي ( مراسيله ) من طريق عمران بْن مُسْلِم ، عَن الْحَسَن ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا قام من الليل يريد أن يتهجد ، يَقُول قَبْلَ أن يكبر : ( لا إله إلا الله ، لا إله إلا الله ، والله أكبر كبيراً ، الله أكبر كبيراً ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، من همزه ونفخه ونفثه ) ، ثُمَّ يَقُول : ( الله أكبر ) . وفي الباب أحاديث أخر مرفوعة ، فيها ضعف . واعتماد الإمام أحمد عَلَى المروي عَن الصَّحَابَة فِي ذَلِكَ ؛ فإنه روي التعوذ قَبْلَ القراءة فِي الصلاة عَن عُمَر بْن الخَطَّاب وابن مَسْعُود وابن عُمَر وأبي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ قَوْلِ جمهور العلماء كما تقدم . والجمهور عَلَى أَنَّهُ غير واجب ، وحكي وجوبه عَن عَطَاء والثوري وبعض الظاهرية ، وَهُوَ قَوْلِ ابن بطة من أصحابنا . والجمهور عَلَى أَنَّهُ يسره فِي الصلاة الجهرية ، وَهُوَ قَوْلِ ابن عُمَر وابن مَسْعُود والأكثرين . وروي عَن أَبِي هُرَيْرَةَ الجهر بِهِ . وللشافعي قولان . وعن ابن أَبِي ليلى : الإسرار والجهر سواء . واختلفوا : هَلْ يختص التعوذ بالركعة الأولى ، أم يستحب فِي كل ركعة ؟ عَلَى قولين : أحدهما : يستحب فِي كل ركعة ، وَهُوَ قَوْلِ ابن سيرين والحسن والشافعي وأحمد ، فِي رِوَايَة . والثاني : أَنَّهُ يختص بالركعة الأولى ، وَهُوَ قَوْلِ عَطَاء والحسن والنخعي والثوري وأبي حنيفة وأحمد ، فِي رِوَايَة عَنْهُ . وَقَالَ هِشَام بْن حسان : كَانَ الْحَسَن يتعوذ فِي كل ركعة ، وكان ابن سيرين يتعوذ فِي كل ركعتين . وذهب مَالِك وأصحابه إلى أَنَّهُ لا يتعوذ فِي الصلاة المكتوبة ، بل يفتتح بعد التكبير بقراءة الفاتحة من غير استعاذة ولا بسملة ، واستدلوا بظاهر حَدِيْث أَنَس : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَهُوَ الحَدِيْث الَّذِي خرجه البخاري فِي أول هَذَا الباب . ويجاب عَنْهُ بأنه إنما أراد أَنَّهُ يفتتح قراءة الصَّلاة بالتكبير والقراءة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وافتتاح القراءة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ إما أن يراد بِهِ افتتاحها بقراءة الفاتحة كما يَقُول الشَّافِعِيّ ، أو افتتاح قراءة الصلاة الجهرية بكلمة ( الْحَمْدُ ) من غير بسملة كما يقوله الآخرون . ودل عَلِيهِ : حَدِيْث أَنَس الَّذِي خرجه مُسْلِم صريحاً . وعلى التقديرين ، فلا ينفي ذَلِكَ أن يكون يَقُول قَبْلَ القراءة ذكراً ، أو دعاء ، أو استفتاحاً ، أو تعوذاً ، أو بسملةً ؛ فإنه لا يخرج بذلك عَن أن يكون افتتح القراءة بالفاتحة ، أو افتتح الجهر بالقراءة بكلمة ( الْحَمْدُ ) . ولا يمكن حمل الحَدِيْث عَلَى أَنَّهُ كَانَ أول مَا يفتتح بِهِ الصلاة قراءة كلمة ( الْحَمْدُ ) ؛ فإنه لَوْ كَانَ كذلك لكان لا يفتتح الصلاة بالتكبير ، وهذا باطل غير مراد قطعاً . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يقول بعد التكبير · ص 281 ( باب ما يقول بعد التكبير ) . أي هذا باب في بيان ما يقرأ المصلي بعد أن يكبر للشروع ، وقوله : " ما يقرأ " هو في رواية المستملي ، وفي رواية غيره : باب ما يقول بعد التكبير . 131 - حدثنا حفص بن عمر ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ، وعمر رضي الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله ذكروا غير مرة ، وأخرجه مسلم في الصلاة ، عن أبي موسى ، وبندار ، وأخرجه النسائي فيه عن أبي سعيد الأشج ، وحميد الطويل ، ومحمد بن نوح . قوله : " يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين " : أي بهذا اللفظ ، وهذا ظاهر في عدم الجهر بالبسملة ، وتأويله على إرادة اسم السورة يتوقف على أن السورة كانت تسمى عندهم بهذه الجملة ، فلا يعدل عن حقيقة اللفظ وظاهره إلى مجازه إلا بدليل ، وقال بعضهم : لا يلزم من قوله : " كانوا يفتتحون " أنهم لم يقرؤوا البسملة سرا ، ( قلت ) : لا نزاع فيه ، وإنما النزاع في جهر البسملة ؛ لعدم كونها آية من الفاتحة ، قوله : " بالحمد لله " بضم الدال على سبيل الحكاية ، الكلام في هذا الباب على أنواع : الأول : أن هذا الحديث رواه عن أنس رضي الله تعالى عنه جماعة ، منهم : قتادة ، وإسحاق بن عبد الله ، ومنصور بن زاذان ، وأيوب على اختلاف فيه ، وأبو نعامة قيس بن عباية الحنفي ، وعائذ بن شريح بخلاف ، والحسن ، وثابت البناني ، وحميد الطويل ، ومحمد بن نوح . أما حديث قتادة عن أنس فأخرجه البخاري ومسلم والنسائي كما ذكرنا الآن ، وأما حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس فأخرجه البخاري ومسلم ، عن محمد بن مهران ، عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أنس : " صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " . وأما حديث منصور فأخرجه النسائي ، وقال : " فلم يسمعنا قراءتها " ، وأما حديث أيوب فأخرجه الشافعي والنسائي وابن ماجه ، فقال النسائي : أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان ، عن أيوب ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : " صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومع أبي بكر ، ومع عمر فافتتحوا بالحمد " ، وقال الدارقطني : اختلف فيه ، عن أيوب ، فقيل : عن قتادة ، عن أنس ، وقيل : عن أبي قلابة ، عن أنس ، وقيل : عن أيوب ، عن أنس رضي الله تعالى عنه . وأما حديث أبي نعامة فأخرجه البيهقي بلفظ : " لا يقرؤون " يعني لا يجهرون بها ، وفي لفظ : " لا يقرؤون " فقط ، وأما حديث عائذ بن شريح فقال الدارقطني : اختلف عنه ، فقيل : عنه ، عن أنس ، وقيل : عنه عن ثمامة ، عن أنس رضي الله تعالى عنه . وأما حديث الحسن ، عن أنس فأخرجه الطبراني بلفظ : " كان يسر بها " ، وأما حديث ثابت فذكره البيهقي والطحاوي من حديث شعبة ، عن ثابت ، عن أنس قال : " لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم " . وأما حديث حميد ، عن أنس فأخرجه الطحاوي أيضا عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن مالك ، عن حميد الطويل ، عن أنس أنه قال : " قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان ، فكلهم لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم إذ افتتح الصلاة " . وقال الطحاوي : حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو غسان قال : حدثنا زهير ، عن حميد ، عن أنس ، أن أبا بكر وعمر ، ويروي حميد أنه قد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم ذكر نحوه . وأما حديث محمد بن نوح ، عن أنس فأخرجه الطحاوي أيضا ، عن إبراهيم بن منقذ ، عن عبد الله بن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب أن محمد بن نوح أخا بني سعد بن بكر حدثه عن أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين . وروى عن قتادة جماعة : شعبة ، وهشام ، وأبو عوانة ، وأيوب ، وسعيد بن أبي عروبة ، والأوزاعي ، وشيبان . فرواية شعبة عن قتادة أخرجها البخاري ومسلم ، ورواية هشام عنه أخرجها أبو داود ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر وعثمان : " كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين " ، ورواية أبي عوانة ، عن قتادة أخرجها الترمذي والنسائي وابن ماجه ، فقال الترمذي : حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أنس قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان رضي الله تعالى عنهم يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين " وقال : حديث حسن صحيح . وقال النسائي : أخبرنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أنس قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين " . وقال ابن ماجه : حدثنا جبارة بن المفلس ، حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : فذكره نحو رواية النسائي ، ورواية أيوب ، عن قتادة أخرجها النسائي وابن ماجه ، وقد ذكرناها الآن ، ورواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أخرجها النسائي ، أخبرنا عبد الله بن سعيد الأشج أبو سعيد ، قال : حدثني عقبة قال : حدثنا شعبة ، وابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس قال : " صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان رضي الله تعالى عنهم ، فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " ، ورواية الأوزاعي ، عن قتادة أخرجها مسلم ، ولفظه : " أن قتادة كتب إليه يخبره ، عن أنس أنه حدثه قال : صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون ببسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ، ولا في آخرها " ، وليس للأوزاعي عن قتادة ، عن أنس في الصحيح غير هذا . ورواية شيبان ، عن قتادة أخرجها الطحاوي ، عن ابن أبي عمران ، وعلي بن عبد الرحمن ، كلاهما عن علي بن الجعد ، قال : أخبرنا شيبان ، عن قتادة ، قال : " سمعت أنسا يقول : صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " ، وروى هذا الحديث عن شعبة أيضا جماعةٌ ، منهم : حفص بن عمر ، كما سبق عن البخاري ، ومنهم : غندر في مسلم ، ولفظه : " صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان ، فلم أسمع أحدا منهم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم " ومنهم : الأعمش ، أخرجها الطحاوي ، حدثنا أبو أمية قال : حدثنا الأحوص بن جواب قال : حدثنا عمار بن زريق ، عن الأعمش ، عن شعبة ، عن ثابت ، عن أنس قال : " لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم " . ومنهم : عبد الرحمن بن زياد ، أخرجها الطحاوي أيضا ، عن سليمان بن شعيب الكيساني ، عن عبد الرحمن بن زياد قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة قال : سمعت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يقول : " صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان ، فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " . النوع الثاني : في اختلاف ألفاظ هذا الحديث ، فلفظ البخاري ما مر ، ولفظ مسلم : " فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها " ، ورواه النسائي ، وأحمد ، وابن حبان ، والدارقطني وقالوا فيه : " فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم " وزاد ابن حبان : " ويجهرون بالحمد لله رب العالمين " . وفي لفظ للنسائي ، وابن حبان أيضا : " فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " . وفي لفظ أبي يعلى في مسنده : " فكانوا يفتتحون القراءة فيما يجهر به بالحمد لله رب العالمين " . وفي لفظ للطبراني في معجمه ، وأبي نعيم في الحلية ، وابن خزيمة في مختصر المختصر : " فكانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم " ، ورجال هؤلاء الروايات كلهم ثقات ، مخرج لهم في الصحيح ، وروى الترمذي : حدثنا أحمد بن منيع قال : حدثنا سعيد الجزيري ، عن قيس بن عباية : " عن عبد الله بن مغفل قال : سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال : أي بني ، محدث ؟ إياك والحدث قال : ولم أر أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أبغض إليه الحدث في الإسلام ، يعني منه قال : وقد صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر ، ومع عمر ، ومع عثمان فلم أسمع أحدا منهم يقولها ؛ فلا تقلها إذا أنت صليت فقل : الحمد لله رب العالمين " قال الترمذي : حديث حسن ، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - عليه الصلاة والسلام - منهم : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي وغيرهم ، ومن بعدهم من التابعين ، وأخرجه النسائي ، وابن ماجه أيضا ، ولحديث أنس طرق أخرى دون ما أخرجه أصحاب الصحاح في الصحة ، وكل ألفاظه ترجع إلى معنى واحد يصدق بعضها بعضا وهي سبعة ألفاظ : فالأول : كانوا لا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم . والثاني : فلم أسمع أحدا منهم يقول ، أو يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم . والثالث : فلم يكونوا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم . والرابع : فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم . والخامس : فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم . والسادس : فكانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم . والسابع : فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ، وهذا اللفظ الذي صححه الخطيب ، وضعف ما سواه لرواية الحفاظ له ، عن قتادة ، ولمتابعة غير قتادة له ، عن أنس فيه ، وجعل اللفظ المحكم عن أنس ، وجعل غيره متشابها ، وحمل على الافتتاح بالسورة لا بالآية ، وهو غير مخالف للألفاظ الباقية بوجه ، فكيف يجعل مناقضا لها ، فإن حقيقة هذا اللفظ الافتتاح بالآية من غير ذكر التسمية جهرا أو سرا فكيف يجوز العدول عنه بغير موجب ، ويؤيده قوله في رواية مسلم " لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم " في أول قراءة ولا في آخرها . ( فإن قلت ) قال النووي في الخلاصة : وقد ضعف الحفاظ حديث عبد الله بن مغفل الذي أخرجه الترمذي ، وأنكروا على الترمذي تحسينه ، كابن خزيمة ، وابن عبد البر ، والخطيب قالوا : إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل وهو مجهول . ( قلت ) : ورواه أحمد في مسنده من حديث أبي نعامة ، عن ابن عبد الله بن مغفل قال : " كان أبونا إذا سمع أحدا منا يقول : بسم الله الرحمن الرحيم يقول : أي بني ، صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم ، فلم أسمع أحدا منهم يقول : بسم الله الرحمن الرحيم " ، ورواه الطبراني في معجمه ، عن عبد الله بن بريدة ، عن ابن عبد الله بن مغفل ، عن أبيه مثله ، ثم أخرجه عن أبي سفيان طريف بن شهاب ، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل ، عن أبيه قال : " صليت خلف إمام فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، فلما فرغ من صلاته قال : ما هذا غيب عنا هذه التي أراك تجهر بها فإني قد صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان فلم يجهروا بها " ، فهؤلاء ثلاثة رووا هذا الحديث ، عن ابن عبد الله بن مغفل ، عن أبيه ، وهو أبو نعامة الحنفي قيس بن عباية ، وثقه ابن معين وغيره ، وقال ابن عبد البر : هو ثقة عند جميعهم ، وقال الخطيب : لا أعلم أحدا رماه ببدعة في دينه ، ولا كذب في روايته ، وعبد الله بن بريدة وهو أشهر من أن يثنى عليه ، وأبو سفيان السعدي وهو وإن تكلم فيه ، ولكنه يعتبر به فيما تابعه عليه غيره من الثقات ، وهو الذي سمى ابن عبد الله بن مغفل يزيد ، كما هو عند الطبراني ، فقد ارتفعت الجهالة ، عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة عنه ، وقد تقدم في مسند الإمام أحمد ، عن أبي نعامة ، عن بني عبد الله بن مغفل وبنوه الذين يروي عنهم : يزيد ، وزياد ، ومحمد . والنسائي ، وابن حبان وغيرهما يحتجون بمثل هؤلاء ، مع أنهم مشهورون بالرواية ، ولم يرو أحد منهم حديثا منكرا ليس له شاهد ولا متابع حتى يخرج بسببه ، وإنما رووا ما رواه غيرهم من الثقات ، فأما يزيد فهو الذي سمى في هذا الحديث ، وأما محمد فروى له الطبراني عنه عن أبيه قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ما من إمام يبيت غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة " . وزياد أيضا روى له الطبراني عنه ، عن أبيه مرفوعا : " لا تخذفوا فإنه لا يصاد به صيد ، ولا ينكأ العدو ، ولكنه يكسر السن ، ويفقأ العين " ، وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالبسملة ، وهو وإن لم يكن من أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن ، وقد حسنه الترمذي ، والحديث الحسن يحتج به لا سيما إذا تعددت شواهده ، وكثرت متابعاته ، والذين تكلموا فيه ، وتركوا الاحتجاج به بجهالة ابن عبد الله بن مغفل قد احتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه ، بل احتج الخطيب بما يعلم أنه موضوع ، فذلك جرأة عظيمة لأجل تعصبه وحميته بما لا ينفعه في الدنيا ولا في الآخرة ، ولم يحسن البيهقي في تضعيف هذا الحديث ، إذ قال بعد أن رواه في كتاب المعرفة : فهذا حديث تفرد به أبو نعامة قيس بن عباية ، وابن عبد الله بن مغفل ، وأبو نعامة ، وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحبا الصحيح . فقوله : تفرد به أبو نعامة غير صحيح ، فقد تابعه عبد الله بن بريدة ، وأبو سفيان ، كما ذكرناه ، وقوله : وأبو نعامة ، وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحبا الصحيح ليس هذا لازما في صحة الإسناد ، ولئن سلمنا فقد قلنا : إنه حسن ، والحسن يحتج به ، وهذا الحديث يدل على أن ترك الجهر عندهم كان ميراثا عن نبيهم يتوارثونه خلفهم عن سلفهم ، وهذا وحده كاف في المسألة ؛ لأن الصلاة الجهرية دائمة صباحا ومساء ، فلو كان عليه السلام يجهر بها دائما لما وقع فيه الاختلاف ، ولا الاشتباه ، ولكان معلوما بالاضطرار ، ولما قال أنس : يجهر بها – صلى الله عليه وسلم - ولا خلفاؤه الراشدون ، ولما قال عبد الله بن مغفل ذلك أيضا ، وسماه حدثا ، ولما استمر عمل أهل المدينة في محراب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومقامه على ترك الجهر ، فيتوارثه آخرهم عن أولهم ، ولا يظن عاقل أن أكابر الصحابة والتابعين ، وأكثر أهل العلم كانوا يواظبون على خلاف ما كان – صلى الله عليه وسلم - يفعله ، وسيأتي الجواب عن أحاديث الجهر إن شاء الله تعالى . النوع الثالث : احتج به مالك وأصحابه على ترك التسمية في ابتداء الفاتحة ، وأنها ليست منها ، وبه قال الأوزاعي والطبري ، وقال أصحابنا : البسملة آية من القرآن ، أنزلت للفصل بين السور ، وليست من الفاتحة ، ولا من أول كل سورة ، ولا يجهر بها ، بل يقولها سرا ، وبه قال الثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال أبو عمر : قال مالك : لا تقرؤوا البسملة في الفرض سرا ولا جهرا ، وفي النافلة إن شاء فعل وإن شاء ترك ، وهو قول الطبري . وقال الثوري ، وأبو حنيفة ، وابن أبي ليلى ، وأحمد : يقرأ مع أم القرآن في كل ركعة ، إلا ابن أبي ليلى فإنه قال : إن شاء جهر بها ، وإن شاء أخفاها ، وقال الشافعي : هي آية من الفاتحة يخفيها إذا أخفى ، ويجهر بها إذا جهر . واختلف قوله : هل هي آية من كل سورة أم لا ؟ على قولين : أحدهما : نعم ، وهو قول ابن المبارك والثاني : لا . النوع الرابع : في أنها يجهر بها أم لا ، قال صاحب التوضيح : وعندنا يستحب الجهر بها فيما يجهر فيه ، وبه قال أكثر العلماء ، والأحاديث الواردة في الجهر كثيرة متعددة ، عن جماعة من الصحابة ، يرتقي عددهم إلى أحد وعشرين صحابيا ، رووا ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم من صرح بذلك ، ومنهم من فهم من عبارته ، والحجة قائمة بالجهر وبالصحة ، ثم ذكر من الصحابة : أبا هريرة ، وأم سلمة ، وابن عباس ، وأنسا ، وعلي بن أبي طالب ، وسمرة بن جندب . ( قلت ) : ومن الذين عدهم : عمار ، وعبد الله بن عمر ، والنعمان بن بشير ، والحكم بن عمير ، ومعاوية ، وبريدة بن الحصيب ، وجابر ، وأبو سعيد ، وطلحة ، وعبد الله بن أبي أوفى ، وأبو بكر الصديق ، ومجالد بن ثور ، وبشر بن معاوية ، والحسين بن عرفطة ، وأبو موسى الأشعري فهؤلاء أحد وعشرون نفسا ، أما حديث أبي هريرة فرواه النسائي في سننه من حديث نعيم المجمر ، قال : " صليت وراء أبي هريرة ، فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثم قرأ بأم القرآن حتى قال : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قال آمين في آخره ، فلما سلم قال : إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم – " ، وأخرجه ابن خزيمة ، وابن حبان في صحيحيهما ، والحاكم في مستدركه ، وقال : إنه على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، ورواه الدارقطني في سننه ، وقال : حديث صحيح ، ورواته كلهم ثقات وأخرجه البيهقي في سننه ، وقال : إسناده صحيح ، وله شواهد ، وقال في الخلافيات : رواته كلهم ثقات مجمع على عدالتهم ، محتج بهم في الصحيح ، والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه معلول ، فإن ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم المجمر من بين أصحاب أبي هريرة ، وهم ثمانمائة ما بين صاحب وتابع ، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنه حدث عن أبي هريرة ، أنه – صلى الله عليه وسلم - كان يجهر بالبسملة في الصلاة ، ألا ترى كيف أعرض صاحب الصحيح عن ذكر البسملة في حديث أبي هريرة ، كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها الحديث . ( فإن قلت ) : قد رواها نعيم المجمر ، وهو ثقة ، والزيادة عن الثقة مقبولة . ( قلت ) : في هذا خلاف مشهور ، فمنهم من لا يقبلها . الثاني : أن قوله : فقرأ أو قال : ليس بصريح أنه سمعها منه ؛ إذ يجوز أن يكون أبو هريرة أخبر نعيما بأنه قرأها سرا ، ويجوز أن يكون سمعها منه في مخافتته لقربه منه ، كما روى عنه من أنواع الاستفتاح ، وألفاظ الذكر في قيامه وقعوده وركوعه وسجوده ، ولم يكن منه ذلك دليلا على الجهر . الثالث : أن التشبيه لا يقتضي أن يكون مثله من كل وجه ، بل يكفي في غالب الأفعال ، وذلك متحقق في التكبير وغيره دون البسملة ، فإن التكبير وغيره من أفعال الصلاة ثابت صحيح ، عن أبي هريرة ، وكان مقصوده الرد على من تركه ، وأما التسمية ففي صحتها عنه نظر ، فينصرف إلى الصحيح الثابت دون غيره ، ويلزمهم على القول بالتشبيه من كل وجه أن يقولوا بالجهر بالتعوذ ، فإن الشافعي روى : أخبرنا أبو محمد الأسلمي ، عن ربيعة بن عثمان ، عن صالح بن أبي صالح ، أنه سمع أبا هريرة وهو يؤم الناس رافعا صوته في المكتوبة إذا فرغ من أم القرآن : ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم ، فهلا أخذوا بهذا كما أخذوا بجهر البسملة ، مستدلين بما في الصحيحين عنه ، فما أسمعنا – صلى الله عليه وسلم - أسمعناكم ، وما أخفانا أخفيناكم ، وكيف يظن بأبي هريرة أنه يريد التشبيه في الجهر بالبسملة ، وهو الراوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : " يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فنصفها لي ، ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى : حمدني عبدي " ... الحديث ، أخرجه مسلم عن سفيان بن عيينة ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، وهذا ظاهر في أن البسملة ليست من الفاتحة ، وإلا لابتدأ بها . وقال أبو عمر : حديث العلاء هذا قاطع لقلق المنازعين ، وهو نص لا يحتمل التأويل ، ولا أعلم حديثا في سقوط البسملة أبين منه ، واعترض بعض المتأخرين على هذا الحديث بأمرين : أحدهما : لا يعتبر بكون هذا الحديث في مسلم ، فإن العلاء بن عبد الرحمن تكلم فيه ابن معين ، فقال : ليس حديثه بحجة ، مضطرب الحديث ، وقال ابن عدي : وقد انفرد بهذا الحديث فلا يحتج به . الثاني : على تقدير صحته فقد جاء في بعض الروايات عنه ذكر التسمية ، كما أخرجه الدارقطني ، عن عبد الله بن زياد بن سمعان ، عن العلاء ابن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ، فنصفها له ، يقول عبدي إذا افتتح الصلاة : بسم الله الرحمن الرحيم ، فيذكرني عبدي ، ثم يقول : الحمد لله رب العالمين ، فأقول : حمدني عبدي " ... الحديث ، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة ، ولكنها مفسرة بحديث مسلم أنه أراد السورة لا الآية . ( قلت ) : هذا القائل حمله الجهل ، وفرط التعصب ، ورداءة الرأي والفكر على أنه ترك الحديث الصحيح ، وضعفه ؛ لكونه غير موافق لمذهبه ، وقال : لا يعتبر بكونه في مسلم مع أنه قد رواه عن العلاء الأئمة الثقات الأثبات ، كمالك ، وسفيان بن عيينة ، وابن جريج ، وشعيب ، وعبد العزيز الداروردي ، وإسماعيل بن جعفر ، ومحمد بن إسحاق ، والوليد بن كثير وغيرهم ، والعلاء في نفسه ثقة صدوق ، وهذه الرواية مما انفرد بها عنه ابن سمعان ، وقال عمر بن عبد الواحد : سألت مالكا عنه : أي ابن سمعان ، فقال : كان كذابا ، وكذا قال يحيى بن معين ، وقال يحيى بن بكير ، قال هشام بن عروة فيه : لقد كذب علي ، وحدث عني بأحاديث لم أحدثها له ، وعن أحمد متروك الحديث ، وكذا قال أبو داود ، وزاد من الكذابين . ( فإن قلت ) : أخرج الخطيب عن أبي أويس واسمه عبد الله بن أويس ، قال : أخبرني العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أم الناس جهر ببسم الله الرحمن الرحيم " ، ورواه الدارقطني في سننه ، وابن عدي في الكامل ، فقالا فيه : قرأ عوض جهر ، وكأنه رواه بالمعنى . ( قلت ) : أبو أويس ضعفه أحمد ، وابن معين ، وأبو حاتم فلا يحتج بما انفرد به ، فكيف إذا انفرد بشيء ، وقد خالفه فيه من هو أوثق منه . ( فإن قلت ) أخرج مسلم لأبي أويس ( قلت ) : صاحبا الصحيح إذا أخرجا لمن تكلم فيه إنما يخرجان بعد إنقائهما من حديثه ما توبع عليه ، وظهرت شواهده ، وعلم أن له أصلا ، ولا يخرجان ما تفرد به سيما إذا خالف الثقات ، وهذه العلة راجت على كثير ممن استدرك على الصحيحين ، فتساهلوا في استدراكهم ، ومن أكثرهم تساهلا الحاكم أبو عبد الله في كتابه المستدرك ، فإنه يقول هذا على شرط الشيخين أو أحدهما ، وفيه هذه العلة ، إذ لا يلزم من كون الراوي محتجا به في الصحيح أنه إذا وجد في أي حديث ، كأن يكون ذلك الحديث على شرطه ، ولهذا قال ابن دحية في كتاب العلم المشهور : ويجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكم أبي عبد الله ، فإنه كثير الغلط ، ظاهر السقط ، وقد غفل عن ذلك كثير ممن جاء بعده وقلده في ذلك . ( فإن قلت ) : قد جاء في طريق آخر أخرجه الدارقطني ، عن خالد بن إلياس ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " علمني جبريل عليه الصلاة والسلام الصلاة ، فقام فكبر لنا ، ثم قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فيما يجهر به في كل ركعة " . ( قلت ) : هذا إسناد ساقط ، فإن خالد بن إلياس مجمع على ضعفه ، وعن البخاري ، عن أحمد أنه منكر الحديث ، وقال ابن معين : ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الثقات ، وقال الحاكم : روى عن المقبري ، ومحمد بن المنكدر ، وهشام بن عروة أحاديث موضوعة . ( فإن قلت ) : روى الدارقطني أيضا ، عن جعفر بن مكرم ، حدثنا أبو بكر الحنفي ، حدثنا عبد المجيد ، عن جعفر ، أخبرني نوح بن أبي بلال ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - : " إذا قرأتم الحمد فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم ؛ إنها أم القرآن ، وأم الكتاب ، والسبع المثاني ، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها " . ( قلت ) : قال أبو بكر الحنفي : ثم لقيت نوحا فحدثني عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة مثله ، ولم يرفعه . ( فإن قلت ) : قال عبد الحق في أحكامه الكبرى : رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر ، وهو ثقة وثقه ابن معين . ( قلت ) : كان سفيان الثوري يضعفه ، ويحمل عليه ، ولئن سلمنا رفعه فليس فيه دلالة على الجهر ، ولئن سلم فالصواب فيه الوقف ، قال الدارقطني : لأنه رواه المُعَافَى بن عمران ، عن عبد الحميد ، عن نوح ، عن المقبري ، عن أبي هريرة مرفوعا ، ورواه أسامة بن زيد ، وأبو بكر الحنفي ، عن نوح ، عن المقبري ، عن أبي هريرة موقوفا . ( فإن قلت ) : هذا موقوف في حكم المرفوع ؛ إذ لا يقول الصحابي : إن البسملة إحدى آيات الفاتحة إلا عن توقيف أو دليل قوي ظهر له ، فحينئذ يكون له حكم سائر آيات الفاتحة من الجهر والإسرار . ( قلت ) : لعل أبا هريرة سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأها ، فظنها من الفاتحة ، فقال : إنها إحدى آياتها ، ونحن لا ننكر أنها من القرآن ، ولكن النزاع في موضعين : أحدهما أنها آية من الفاتحة ، والثاني : أن لها حكم سائر آيات الفاتحة جهرا وسرا ، ونحن نقول : إنها آية مستقلة قبل السورة ، وليست منها جمعا بين الأدلة ، وأبو هريرة لم يخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : هي إحدى آياتها وقراءتها قبل الفاتحة لا تدل على ذلك ، وإذا جاز أن يكون مستند أبي هريرة قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - لها ، وقد ظهر أن ذلك ليس بدليل على محل النزاع فلا تعارض به أدلتنا الصحيحة الثابتة ، وأيضا فالمحفوظ الثابت عن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة ، كما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الحمد لله هي أم القرآن ، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم " . ورواه أبو داود ، والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح على أن عبد الحميد بن جعفر ممن تكلم فيه ولكن وثقه أكثر العلماء ، واحتج به مسلم في صحيحه ، وليس تضعيف من ضعفه مما يوجب رد حديثه ، ولكن الثقة قد يغلط ، والظاهر أنه قد غلط في هذا الحديث والله تعالى أعلم . وأما حديث أم سلمة فرواه الحاكم في المستدرك ، عن عمر بن هارون ، عن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها ، " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في الصلاة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فعدها آية ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ آيتين ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثلاث آيات إلى آخره " . ورواه الدارقطني ، والبيهقي ، والجواب عنه أن مدار هذه الرواية على عمر بن هارون البلخي ، وهو مجروح ، تكلم فيه غير واحد من الأئمة ، فعن أحمد : لا أروي عنه شيئا ، وعن يحيى : ليس بشيء ، وعن ابن المبارك : كذاب ، وعن النسائي : متروك الحديث ، وعن ابن الجوزي ، عن يحيى : كذاب خبيث ، ليس حديثه بشيء . ( فإن قلت ) : روى أبو داود في كتاب الحروف حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال : حدثنا أبي قال : حدثنا ابن جريج ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، " عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها ذكرت - أو كلمة غيرها - قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقطع قراءته آية آية " ، وأخرجه أحمد ، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي إلى آخره نحوه ، ولفظه : " أنها سئلت عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : كان يقطع آية آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " . ( قلت ) : ليس فيه حجة للخصم ؛ لأن فيه ذكرها قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف كانت ، وبيان ترتيله ، وليس فيه ذكر الصلاة . ( فإن قلت ) : قال البيهقي في كتاب المعرفة : قال البويطي في كتابه : أخبرني غير واحد ، عن حفص بن غياث ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم – " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ بأم القرآن بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم ، يعدها آية ، ثم قرأ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يعدها ست آيات " . ( قلت ) : قال الطحاوي في كتاب الرد على الكرابيسي : لم يسمع ابن أبي مليكة هذا الحديث من أم سلمة ، والذي يروى عن ابن أبي مليكة ، عن يعلى بن مالك ، عن أم سلمة هو الأصح ، ولهذا أسنده الترمذي من جهة يعلى ، وقال : غريب حسن صحيح ؛ لأن فيه ذكر قراءة بسم الله الرحمن الرحيم من أم سلمة نعت منها لقراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسائر القرآن كيف كانت ، وليس فيه ما يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ والعجب من البيهقي أنه ذكر حديث يعلى في باب ترتيل القراءة ، وتركه في باب الدليل على أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية تامة من الفاتحة ؛ لكونه لا يوافق مقصوده ، ولأن فيه بيان علة حديثه ، والعجب ثم العجب منه روى هذا من عمر بن هارون ، وألان القول فيه ، وقال : ورواه عمر بن هارون البلخي ، وليس بالقوي ، وذكره في باب لا شفعة فيما ينقل أنه ضعيف ، لا يحتج به ، ثم إن كان العد بلسانه في الصلاة فذلك مناف للصلاة ، وإن كان بأصابعه فلا يدل على أنها آية من الفاتحة ، قاله الذهبي في مختصر السنن . وأما حديث ابن عباس فأخرجه البيهقي في سننه من حديث ابن المبارك ، عن ابن جريج ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في السبع المثاني قال : هي فاتحة الكتاب ، قرأها ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم سبعا ، فقلت لأبي : أخبرك سعيد عن ابن عباس أنه قال : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية من كتاب الله ؟ قال : نعم ، ثم قال : قرأها ابن عباس في الركعتين جميعا ، وأخرجه الطحاوي عن أبي بكرة ، عن أبي عاصم ، عن ابن جريج ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن عبد الله بن عباس : " وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي قال : فاتحة الكتاب ، ثم قرأ ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم ، وقال : هي الآية السابعة " . قال : وقرأ على سعيد بن جبير ، كما قرأ عليه ابن عباس ، ( قلت ) الجواب : أولا أن في إسناده عبد العزيز بن جريج والد عبد الملك ، وقد قال البخاري : حديثه لا يتابع عليه ، وثانيا : أنه لا يعارضه ما يدل على خلافه ، وهو حديث أبي هريرة قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نهض من الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين " ، رواه مسلم ، والطحاوي ، وهذا دليل صريح على أن البسملة ليست من الفاتحة ؛ إذ لو كانت منها لقرأها في الثانية مع الفاتحة . ( فإن قلت ) : روى الحاكم في المستدرك ، عن عبد الله بن عمرو بن حسان ، عن شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " ، قال الحاكم : إسناده صحيح ، وليس له علة . ( قلت ) : هذا غير صريح ، ولا صحيح ، أما أنه غير صريح فلأنه ليس فيه أنه في الصلاة ، وأما أنه غير صحيح فلأن عبد الله بن عمرو بن حسان كان يضع الحديث ، قاله إمام الصنعة علي بن المديني ، وقال أبو حاتم : ليس بشيء ، كان يكذب . ( فإن قلت ) رواه الدارقطني ، عن أبي الصلت الهروي ، واسمه عبد السلام بن صالح ، حدثنا عباد بن العوام ، حدثنا شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم " . ( قلت ) : هذا أضعف من الأول ؛ فإن أبا الصلت متروك ، وقال أبو حاتم : ليس عندي بصدوق ، وقال الدارقطني : رافضي خبيث ، روى البزار في مسنده ، عن المعتمر بن سليمان ، حدثنا إسماعيل ، عن أبي خالد ، عن ابن عباس : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة " ، وأخرجه أبو داود في سننه ، والترمذي في جامعه بهذا السند ، والدارقطني في سننه ، وكلهم قالوا فيه : كان يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم . ( قلت ) : قال البزار : إسماعيل ليس بالقوي في الحديث ، وقال الترمذي : ليس إسناده بذاك ، وقال أبو داود : حديث ضعيف ، ورواه العقيلي في كتابه ، وأعله بإسماعيل هذا ، وقال : حديثه غير محفوظ ، وأبو خالد مجهول ، ولا يصح في الجهر بالبسملة حديث مسند ، ورواه الدارقطني من طريق عمر بن حفص المكي ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم حتى قبض " . ( قلت ) : هذا لا يجوز الاحتجاج به ؛ فإن عمر بن حفص هذا ضعيف ، وقال ابن الجوزي في التحقيق : أجمعوا على تركه ، وأما حديث أنس رضي الله تعالى عنه فأخرجه الحاكم ، والدارقطني من حديث محمد بن أبي المتوكل بن أبي السري ، قال : " صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها الصبح والمغرب ، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب ، وبعدها ، قال المعتمر : ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي ، وقال أبي : ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس ، وقال أنس : ما أكره أن أقتدي بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – " . ( قلت ) : الجواب أن هذا معارض بما رواه ابن خزيمة في مختصره ، والطبراني في معجمه ، عن معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أنس : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة " ، وزاد ابن خزيمة ، وأبو بكر ، وعمر في الصلاة . ( فإن قلت ) : روى الحاكم من طريق آخر ، عن محمد بن أبي السري ، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، حدثنا مالك ، عن حميد ، عن أنس قال : " صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم ، وكلهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم " ، قال الحاكم : وإنما ذكرته شاهدا . ( قلت ) قال الذهبي في مختصره : أما يستحي الحاكم أن يورد في كتابه مثل هذا الحديث الموضوع ، فأنا أشهد بالله والله إنه لكذب ، وقال ابن عبد الهادي : سقط منه ، لا وقد روى الحاكم عن عبد الله بن عثمان بن خيثم حديثا آخر ، عن أنس أنه قال : صلى معاوية بالمدينة صلاة ، فجهر فيها بالقراءة ، فبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم الحديث مطولا ، وفيه مقال كثير ، وروى الخطيب أيضا عن ابن أبي داود ، عن ابن أخي ابن وهب ، عن عمه ، عن العمري ، ومالك ، وابن عيينة ، عن حميد ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – " كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الفريضة " . وجوابه ما قاله ابن عبد الهادي سقط منه ، لا كما رواه الباغندي وغيره عن ابن أخي ابن وهب ، هذا هو الصحيح . وأما حديث علي رضي الله تعالى عنه فما رواه الحاكم في مستدركه ، عن سعيد بن عثمان الخراز ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد المؤذن ، حدثنا قطر بن خليفة ، عن أبي الطفيل ، عن علي ، وعمار " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم " ، وقال : صحيح الإسناد ، ولا أعلم في رواته منسوبا إلى الجرح . ( قلت ) : قال الذهبي في مختصره : هذا خبر واه كأنه موضوع ؛ لأن عبد الرحمن صاحب مناكير ، ضعفه ابن معين ، وسعيد إن كان الكريزي فهو ضعيف وإلا فهو مجهول ، وقال ابن عبد الهادي : هذا حديث باطل . وأما حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه فأخرجه البوشنجي " كان للنبي – صلى الله عليه وسلم - سكتتان : سكتة إذا فرغ من القراءة ، وسكتة إذا قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " فأنكر ذلك عمران بن حصين ، فكتبوا إلى أبي بن كعب ، فكتب أن صدق سمرة ، قال الدارقطني والبيهقي : رجال إسناده ثقات ، وصححه أبو شامة وغيره . ( قلت ) : هذا لا يدل على الجهر ، بل هو دليل لنا على الإخفاء . وأما حديث عمار فقد ذكرناه مع حديث علي رضي الله عنه . وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه الدارقطني ، حدثنا عمر بن الحسن بن علي الشيباني ، حدثنا جعفر بن محمد بن مروان ، حدثنا أبو طاهر أحمد ابن عيسى ، حدثنا ابن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : " صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم " . ( قلت ) : هذا باطل من هذا الوجه ، لم يحدث به ابن أبي فديك قط ، والمتهم به أحمد بن عيسى أبو طاهر القرشي ، وقد كذبه الدارقطني فيكون كاذبا في روايته ، عن مثل هذا الثقة ، وشيخ الدارقطني ضعيف وهو أيضا ضعفه ، والحسن بن علي ، وجعفر بن محمد تكلم فيه الدارقطني ، وقال : لا يحتج به ، وله طريق آخر عند الخطيب ، عن عبادة بن زياد الأسدي ، حدثنا يونس بن أبي يعفور العبدي ، عن المعتمر بن سليمان ، عن أبي عبيدة ، عن مسلم بن حيان قال : " صليت خلف ابن عمر فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين ، فقيل له : فقال : صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قبض ، وخلف أبي بكر حتى قبض ، وخلف عمر حتى قبض ، فكانوا يجهرون بها في السورتين ، فلا أدع الجهر بها حتى أموت " . ( قلت ) : هذا أيضا باطل ، وعبادة بن زياد بفتح العين كان من رؤوس الشيعة ، قاله أبو حاتم ، وقال الحافظ محمد النيسابوري : هو مجمع على كذبه ، وشيخه يونس بن يعفور ضعفه النسائي وابن معين ، وقال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به عندي ، ومسلم بن حيان مجهول . وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه الدارقطني في سننه ، عن يعقوب بن يوسف بن زياد الضبي ، حدثنا أحمد بن حماد الهمداني ، عن قطر بن خليفة ، عن أبي الضحى ، عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أمني جبريل عند الكعبة ، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " . ( قلت ) : هذا حديث منكر ، بل موضوع ، وأحمد بن حماد ضعفه الدارقطني ، ويعقوب بن يوسف ليس بمشهور ، وسكوت الدارقطني والخطيب وغيرهما من الحفاظ عن مثل هذا الحديث بعد روايتهم له قبيح جدا . وأما حديث الحكم بن عمير فأخرجه الدارقطني ، حدثنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن بشر الكوفي ، حدثنا أحمد بن موسى بن إسحاق الجمار ، حدثنا إبراهيم بن حبيب ، حدثنا موسى بن أبي حبيب الطائفي ، عن الحكم بن عمير ، وكان بدريا قال : " صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الليل ، وصلاة الغداة ، وصلاة الجمعة " . ( قلت ) : هذا من الأحاديث الغريبة المنكرة ، بل هو حديث باطل ؛ لأن الحكم بن عمير ليس بدريا ، ولا في البدريين أحد اسمه الحكم بن عمير ، بل لا تعرف له صحبة له أحاديث منكرة ، وقال الذهبي : الحكم بن عمير ، وقيل : عمر ، والثمالي الأزدي له أحاديث ضعيفة الإسناد إليه ، وموسى بن حبيب الراوي عنه لم يلق صحابيا ، بل هو مجهول لا يحتج بحديثه . وذكر الطبراني في معجمه الكبير الحكم بن عمير ، ثم روى له بضعة عشر حديثا منكرا ، وإبراهيم بن حبيب وهم فيه الدارقطني ، فإنه إبراهيم بن إسحاق الصيني ، ووهم فيه أيضا الدارقطني ، فقال : الضبي بالضاد المعجمة ، والباء الموحدة المشددة . وأما حديث معاوية فأخرجه الحاكم في مستدركه ، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره ، أن أنس بن مالك قال : " صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة ، فبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك الصلاة ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة ، فلما سلم ناداه من سمع ذاك من المهاجرين والأنصار ، ومن كان على مكان يا معاوية ، أسرقت الصلاة أم نسيت ؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم ، وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت ؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن ، وكبر حين يهوي ساجدا " ، قال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ، ورواه الدارقطني ، وقال : رواته كلهم ثقات ، وقد اعتمد الشافعي على حديث معاوية هذا في إثبات الجهر ، وقال الخطيب : هو أجود ما يعتمد عليه في هذا الباب . ( قلت ) : مداره على عبد الله بن عثمان فهو ، وإن كان من رجال مسلم ، لكنه متكلم فيه من يحيى ، أحاديثه غير قوية ، وعن النسائي : لين الحديث ليس بالقوي فيه ، وعن ابن المديني منكر الحديث ، وبالجملة فهو مختلف فيه ، فلا يقبل ما تفرد به مع أن إسناده مضطرب ، بيناه في شرح معاني الآثار ، وشرح سنن أبي داود ، وهو أيضا شاذ معلل ، فإنه مخالف لما رواه الثقات الأثبات ، عن أنس ، وكيف يرى أنس بمثل حديث معاوية هذا محتجا به ، وهو مخالف لما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعن الخلفاء الراشدين ولم يعرف أحد من أصحاب أنس المعروفين بصحبته أنه نقل عنه مثل ذلك ، ومما يرد حديث معاوية هذا أن أنسا كان مقيما بالبصرة ، ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أن أنسا كان معه ، بل الظاهر أنه لم يكن معه ، وأيضا أن مذهب أهل المدينة قديما وحديثا ترك الجهر بها ، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلا قال عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة : أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا بالحمد لله رب العالمين ، ولا يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيح أنه كان يجهر بها إلا بشيء يسير ، وله محمل ، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم ، فكيف ينكرون على معاوية ما هو سنتهم وهذا باطل . وأما حديث بريدة بن الحصيب فأخرجه الدارقطني ، والحاكم في الإكليل ، " قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بأي شيء تفتتح القرآن إذا افتتحت الصلاة ؟ قال : قلت : ببسم الله الرحمن الرحيم قال : هي هي " . ( قلت ) : أسانيده واهية ، عن عمر بن شمر ، عن الجعفي ، ومن حديث إبراهيم بن المحشر ، وأبي خالد الدلاني ، وعبد الكريم أبي أمية . وأما حديث جابر فأخرجه الحاكم في الإكليل : " قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة ؟ قلت : أقول الحمد لله رب العالمين ، قال : قل بسم الله الرحمن الرحيم " . ( قلت ) : هذا لا يدل على الجهر . وأما حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه فأخرجه الحافظ البوشنجي : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم المغرب ، وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " . ( قلت ) : في إسناده نظر . وأما حديث طلحة بن عبيد الله فأخرجه الحاكم في الإكليل من حديث سليمان بن مسلم المكي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن أبي ابن مليكة عنه بلفظ : " من ترك من أم القرآن بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله " ، ( قلت ) : لا يدل على الجهر . وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى فأخرجه الدارقطني بإسناد فيه ضعف قال : " جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا ؛ فعلمني ما يجزيني منه ، فقال : باسم الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله والله أكبر " ، ( قلت ) : ضعيف ولا يدل على إثبات الجهر . وأما حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فأخرجه الحافظ أبو القاسم الغافقي الأندلسي في كتابه المسلسل بسند فيه مجاهيل أنه قال : " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عن جبريل عليه الصلاة والسلام ، عن إسرافيل عليه الصلاة والسلام ، عن رب العزة عز وجل فقال : من قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ متصلة بفاتحة الكتاب في صلاته غفرت ذنوبه " ، ( قلت ) : ضعيف ولا يدل على إثبات الجهر . وأما حديث مجالد بن ثور ، وبشر بن معاوية فأخرجه الخطيب بسند فيه مجهولون ، أنهما كانا من الوفد الذين قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلمهما يس ، وقرأ الحمد لله رب العالمين ، والمعوذات الثلاث ، وعلمهما الابتداء ببسم الله الرحمن الرحيم ، والجهر بها في الصلاة . وأما حديث الحسين بن عرفطة الأسدي فأخرجه أبو موسى المديني في كتاب المستفاد بالنظر ، وبالكتابة في معرفة الصحابة ، قال : كان اسمه حسيلا ، فسماه سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حسينا ، ثم ذكر بسند فيه مجاهيل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : إذا قمت إلى الصلاة فقل : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حتى تختمها ببسم الله الرحمن الرحيم ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إلى آخرها . وأما حديث أبي موسى الأشعري فأخرجه البوشنجي بإسناده ، عن أبي بردة ، عنه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ( قلت ) في إسناده نظر . وأحاديث الجهر وإن كثرت رواتها فكلها ضعيفة ، وأحاديث الجهر ليست مخرجة في الصحاح ، ولا في المسانيد المشهورة ، ولم يرو أكثرها إلا الحاكم والدارقطني ، فالحاكم قد عرف تساهله ، وتصحيحه للأحاديث الضعيفة ، بل الموضوعة والدارقطني فقد ملأ كتابه من الأحاديث الغريبة والشاذة والمعللة ، وكم فيه من حديث لا يوجد في غيره وفي رواتها الكذابون والضعفاء والمجاهيل الذين لا يوجدون في كتب التواريخ ، ولا في كتب الجرح والتعديل ، كعمرو بن شمر ، وجابر بن الجعفي ، وحصين بن مخارق ، وعمر بن حفص المكي ، وعبد الله بن عمرو بن حسان ، وأبي الصلت الهروي الملقب بجراب الكذب ، وعمر بن هارون البلخي ، وعيسى بن ميمون المدني ، وآخرون ، وكيف يجوز أن يعارض برواية هؤلاء ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس الذي رواه عنه غير واحد من الأئمة الثقات الأثبات ، ومنهم قتادة الذي كان أحفظ أهل زمانه ، ويرويه عنه شعبة الملقب بأمير المؤمنين في الحديث ، وتلقاه الأئمة بالقبول ، وهذا البخاري مع شدة تعصبه ، وفرط تحمله على مذهب أبي حنيفة لم يودع في صحيحه منها حديثا واحدا ، وقد تعب كثيرا في تحصيل حديث صحيح في الجهر حتى يخرجه في صحيحه فما ظفر به ، وكذلك مسلم لم يذكر شيئا من ذلك ، ولم يذكرا في هذا الباب إلا حديث أنس الدال على الإخفاء . ( فإن قلت ) : إنهما لم يلتزما أن يودعا في صحيحيهما كل حديث صحيح ، فيكونان قد تركا أحاديث الجهر في جملة ما تركاه من الأحاديث الصحيحة . ( قلت ) : هذا لا يقوله إلا كل مكابر ، أو سخيف ، فإن مسألة الجهر من أعلام المسائل ومعضلات الفقه ، ومن أكثرها دورانا في المناظرة ، وجولانا في المصنفات ، ولو حلف الشخص بالله أيمانا مؤكدة أن البخاري لو اطلع على حديث منها موافق لشرطه ، أو قريب منه لم يخل منه كتابه ، ولئن سلمنا فهذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه مع اشتمال كتبهم على الأحاديث السقيمة ، والأسانيد الضعيفة لم يخرجوا منها شيئا ، فلولا أنها واهية عندهم بالكلية لما تركوها ، وقد تفرد النسائي منها بحديث أبي هريرة ، وهو أقوى ما فيها عندهم ، وقد بينا ضعفه من وجوه . ( فإن قلت ) أحاديث الجهر تقدم على أحاديث الإخفاء بأشياء ، منها : كثرة الرواة ، فإن أحاديث الإخفاء رواها اثنان من الصحابة ، وهما أنس بن مالك ، وعبد الله بن مغفل ، وأحاديث الجهر فرواها أكثر من عشرين صحابيا كما ذكرنا . ومنها أن أحاديث الإخفاء شهادة على نفي ، وأحاديث الجهر شهادة على إثبات ، والإثبات مقدم على النفي . ومنها أن أنسا قد روي عنه إنكار ذلك في الجملة فروى أحمد ، والدارقطني من حديث سعيد بن زيد أبي سلمة قال : سألت أنسا أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ؟ قال : إنك لتسألني عن شيء ما أحفظ ، أو ما سألني أحد قبلك . قال الدارقطني : إسناده صحيح ، ( قلت ) : الجواب عن الأول أن الاعتماد على كثرة الرواة إنما تكون بعد صحة الدليل ، وأحاديث الجهر ليس فيها صحيح صريح ، بخلاف حديث الإخفاء فإنه صحيح صريح ثابت . مخرجه في الصحيح ، والمسانيد المعروفة ، والسنن المشهورة ، مع أن جماعة من الحنفية لا يرون الترجيح بكثرة الرواة . وعن الثاني أن هذه الشهادة وإن ظهرت في صورة النفي فمعناها الإثبات ، على أن هذا مختلف فيه ، فعند البعض هما سواء ، وعند البعض النافي مقدم على المثبت ، وعند البعض على العكس . وعن الثالث أن إنكار أنس لا يقاوم ما ثبت عنه في الصحيح ، ويحتمل أن يكون أنس نسي في تلك الحال ؛ لكبر سنه ، وقد وقع مثل هذا كثيرا ، كما سئل يوما ، عن مسألة فقال : عليكم بالحسن ، فاسألوه فإنه حفظ ونسينا ، وكم ممن حدث ونسي ، ويحتمل أنه إنما سأله عن ذكرها في الصلاة أصلا لا عن الجهر بها وإخفائها . ( فإن قلت ) : يجمع بين الأحاديث بأن يكون أنس لم يسمعه لبعده ، وأنه كان صبيا يومئذ ( قلت ) : هذا مردود ؛ لأنه – صلى الله عليه وسلم - هاجر إلى المدينة ، ولأنس يومئذ عشر سنين ، ومات وله عشرون سنة ، فكيف يتصور أن يكون يصلي خلفه عشر سنين ، فلا يسمعه يوما من الدهر يجهر هذا بعيد ، بل يستحيل ، ثم قد روى في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكيف وهو رجل في زمن أبي بكر وعمر ، وكهل في زمن عثمان مع تقدمه في زمانهم ، وروايته للحديث . وقال الحازمي في الناسخ والمنسوخ : إن أحاديث الجهر وإن صحت فهي منسوخة بما أخبرنا ، وساق من طريق أبي داود : حدثنا عباد بن موسى ، حدثنا عباد بن العوام ، عن شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بمكة ، قال : وكان أهل مكة يدعون مسيلمة الرحمن ، وقالوا : إن محمدا يدعو إله اليمامة ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخفاها فما جهر بها حتى مات " . ( فإن قلت ) : هذا مرسل ( قلت ) : نعم ، ولكنه يتقوى بفعل الخلفاء الراشدين ؛ لأنهم كانوا أعرف بأواخر الأمور ، والعجب من صاحب التوضيح كيف يقول : وردت أحاديث كثيرة في الجهر ، ولم يرد تصريح بالإسرار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا روايتان أحدهما : عن ابن مغفل وهي ضعيفة ، والثانية : عن أنس وهي معللة بما أوجب سقوط الاحتجاج بها ، وهل هذا إلا من عدم البصيرة ، وفرط شدة العصبية الباطلة ، وقد عرفت فيما مضى ظلم المتعصبين الذين عرفوا الحق ، وغمضوا أعينهم عنه ، وأعجب من هذا بعضهم من الذين يزعمون أن لهم يدا طولى في هذا الفن ، كيف يقول : يتعين الأخذ بحديث من أثبتت الجهر ، فكيف يجترئ هذا ويصدر منه هذا القول الذي تمجه الأسماع ، فأي حديث صح في الجهر عنده حتى يقول هذا القول ؟. النوع الخامس : في كونها من القرآن أم لا ، وفي أنها من الفاتحة أم لا ، ومن أول كل سورة أم لا . والصحيح من مذهب أصحابنا أنها من القرآن ؛ لأن الأمة أجمعت على أن ما كان مكتوبا بين الدفتين بقلم الوحي فهو من القرآن ، والتسمية كذلك ، وينبني على هذا أن فرض القراءة في الصلاة يتأدى بها عند أبي حنيفة إذا قرأها على قصد القراءة دون الثناء عند بعض مشايخنا ؛ لأنها آية من القرآن ، وقال بعضهم : لا يتأدى ؛ لأن في كونها آية تامة احتمال فإنه روي عن الأوزاعي أنه قال : ما أنزل الله في القرآن بسم الله الرحمن الرحيم إلا في سورة النمل وحدها ، وليست بآية تامة ، وإنما الآية من قوله : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فوقع الشك في كونها آية تامة ، فلا يجوز بالشك ، وكذلك يحرم قراءتها على الجنب والحائض والنفساء على قصد القرآن ، أما على قياس رواية الكرخي فظاهر ؛ لأن ما دون الآية يحرم عليهم ، وأما على رواية الطحاوي لاحتمال أنها آية تامة فيحرم عليهم احتياطا ، وهذا القول قول المحققين من أصحاب أبي حنيفة ، وهو قول ابن المبارك ، وداود ، وأتباعه وهو المنصوص عن أحمد ، وقالت طائفة : ليست من القرآن إلا في سورة النمل ، وهو قول مالك ، وبعض الحنفية ، وبعض الحنابلة ، وقالت طائف : إنها آية من كل سورة ، أو بعض آية ، كما هو المشهور عن الشافعي ومن وافقه ، وقد نقل عن الشافعي أنها ليست من أوائل السور غير الفاتحة ، وإنما يستفتح بها في السور تبركا بها ، وقال الطحاوي : لما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الجهر بالبسملة ، ثبت أنها ليست من القرآن ، ولو كانت من القرآن لوجب أن يجهر بها كما يجهر بالقرآن سواها ، ألا يرى أن بسم الله الرحمن الرحيم التي في النمل يجب أن يجهر بها ، كما يجهر بغيرها من القرآن ؛ لأنها من القرآن ، وثبت أن يخافت بها ، كما يخافت بالتعوذ والافتتاح وما أشبهها ، وقد رأيناها أيضا مكتوبة في فواتح السور في المصحف في فاتحة الكتاب وفي غيرها ، ولما كانت في غير فاتحة الكتاب ليست بآية ثبت أيضا أنها في فاتحة الكتاب ليست بآية . ( فإن قلت ) : إذا لم تكن قرآنا لكان مدخلها في القرآن كافرا . ( قلت ) : الاختلاف فيها يمنع من أن تكون آية ، ويمنع من تكفير من يعدها من القرآن ، فإن الكفر لا يكون إلا بمخالفة النص ، والإجماع في أبواب العقائد ، فإن قيل : نحن نقول : إنها آية في غير الفاتحة فكذلك إنها آية من الفاتحة . ( قلت ) : هذا قول لم يقل به أحد ، ولهذا قالوا : زعم الشافعي أنها آية من كل سورة ، وما سبقه إلى هذا القول أحد ؛ لأن الخلاف بين السلف إنما هو في أنها من الفاتحة ، أو ليست بآية منها ، ولم يعدها أحد آية من سائر السور ، والتحقيق فيه أنها آية من القرآن حيث كتبت ، وأنها مع ذلك ليست من السور ، بل كتبت آية في كل سورة ، ولذلك تتلى آية مفردة في أول كل سورة ، كما تلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أنزلت عليه : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ وعن هذا قال الشيخ حافظ الدين النسفي : وهي آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور ، وعن ابن عباس : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وفي رواية : لا يعرف انقضاء السورة ، رواه أبو داود والحاكم ، وقال : إنه على شرط الشيخين . ( فإن قلت ) : لو لم تكن من أول كل سورة لما قرأها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكوثر ؟ ( قلت ) : لا نسلم أنه يدل على أنها من أول كل سورة ، بل يدل على أنها آية منفردة ، والدليل على ذلك ما ورد في حديث بدء الوحي : " فجاءه الملك ، فقال له : اقرأ ، فقال : ما أنا بقارئ ثلاث مرات ، ثم قال له : اقرأ باسم ربك الذي خلق " ، فلو كانت البسملة آية من أول كل سورة لقال : اقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ويدل على ذلك أيضا ما رواه أصحاب السنن الأربعة ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن عياش الجهني ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن سورة من القرآن شفعت لرجل حتى غفر له ، وهي تبارك الذي بيده الملك " ، وقال الترمذي : حديث حسن ، ورواه أحمد في مسنده ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه ، ولو كانت البسملة من أول كل سورة لافتتحها – صلى الله عليه وسلم - بذلك .