حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما يقول بعد التكبير

( باب ما يقول بعد التكبير ) .

131 - حدثنا حفص بن عمر ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ، وعمر رضي الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين .

مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله ذكروا غير مرة ، وأخرجه مسلم في الصلاة ، عن أبي موسى ، وبندار ، وأخرجه النسائي فيه عن أبي سعيد الأشج ، وحميد الطويل ، ومحمد بن نوح . قوله : " يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين " : أي بهذا اللفظ ، وهذا ظاهر في عدم الجهر بالبسملة ، وتأويله على إرادة اسم السورة يتوقف على أن السورة كانت تسمى عندهم بهذه الجملة ، فلا يعدل عن حقيقة اللفظ وظاهره إلى مجازه إلا بدليل ، وقال بعضهم : لا يلزم من قوله : " كانوا يفتتحون " أنهم لم ج٥ / ص٢٨٢يقرؤوا البسملة سرا ، ( قلت ) : لا نزاع فيه ، وإنما النزاع في جهر البسملة ؛ لعدم كونها آية من الفاتحة ، قوله : " بالحمد لله " بضم الدال على سبيل الحكاية ، الكلام في هذا الباب على أنواع : الأول : أن هذا الحديث رواه عن أنس رضي الله تعالى عنه جماعة ، منهم : قتادة ، وإسحاق بن عبد الله ، ومنصور بن زاذان ، وأيوب على اختلاف فيه ، وأبو نعامة قيس بن عباية الحنفي ، وعائذ بن شريح بخلاف ، والحسن ، وثابت البناني ، وحميد الطويل ، ومحمد بن نوح . أما حديث قتادة عن أنس فأخرجه البخاري ومسلم والنسائي كما ذكرنا الآن ، وأما حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس فأخرجه البخاري ومسلم ، عن محمد بن مهران ، عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أنس : " صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " .

وأما حديث منصور فأخرجه النسائي ، وقال : " فلم يسمعنا قراءتها " ، وأما حديث أيوب فأخرجه الشافعي والنسائي وابن ماجه ، فقال النسائي : أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان ، عن أيوب ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : " صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومع أبي بكر ، ومع عمر فافتتحوا بالحمد " ، وقال الدارقطني : اختلف فيه ، عن أيوب ، فقيل : عن قتادة ، عن أنس ، وقيل : عن أبي قلابة ، عن أنس ، وقيل : عن أيوب ، عن أنس رضي الله تعالى عنه . وأما حديث أبي نعامة فأخرجه البيهقي بلفظ : " لا يقرؤون " يعني لا يجهرون بها ، وفي لفظ : " لا يقرؤون " فقط ، وأما حديث عائذ بن شريح فقال الدارقطني : اختلف عنه ، فقيل : عنه ، عن أنس ، وقيل : عنه عن ثمامة ، عن أنس رضي الله تعالى عنه . وأما حديث الحسن ، عن أنس فأخرجه الطبراني بلفظ : " كان يسر بها " ، وأما حديث ثابت فذكره البيهقي والطحاوي من حديث شعبة ، عن ثابت ، عن أنس قال : " لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم " .

وأما حديث حميد ، عن أنس فأخرجه الطحاوي أيضا عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن مالك ، عن حميد الطويل ، عن أنس أنه قال : " قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان ، فكلهم لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم إذ افتتح الصلاة " . وقال الطحاوي : حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو غسان قال : حدثنا زهير ، عن حميد ، عن أنس ، أن أبا بكر وعمر ، ويروي حميد أنه قد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم ذكر نحوه . وأما حديث محمد بن نوح ، عن أنس فأخرجه الطحاوي أيضا ، عن إبراهيم بن منقذ ، عن عبد الله بن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب أن محمد بن نوح أخا بني سعد بن بكر حدثه عن أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين .

وروى عن قتادة جماعة : شعبة ، وهشام ، وأبو عوانة ، وأيوب ، وسعيد بن أبي عروبة ، والأوزاعي ، وشيبان . فرواية شعبة عن قتادة أخرجها البخاري ومسلم ، ورواية هشام عنه أخرجها أبو داود ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر وعثمان : " كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين " ،

ورواية أبي عوانة ، عن قتادة أخرجها الترمذي والنسائي وابن ماجه ، فقال الترمذي : حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أنس قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان رضي الله تعالى عنهم يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين " وقال : حديث حسن صحيح
. وقال النسائي : أخبرنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أنس قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين " .

وقال ابن ماجه : حدثنا جبارة بن المفلس ، حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : فذكره نحو رواية النسائي ، ورواية أيوب ، عن قتادة أخرجها النسائي وابن ماجه ، وقد ذكرناها الآن ، ورواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أخرجها النسائي ، أخبرنا عبد الله بن سعيد الأشج أبو سعيد ، قال : حدثني عقبة قال : حدثنا شعبة ، وابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس قال : " صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان رضي الله تعالى عنهم ، فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " ، ورواية الأوزاعي ، عن قتادة أخرجها مسلم ، ولفظه : " أن قتادة كتب إليه يخبره ، عن أنس أنه حدثه قال : صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون ببسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ، ولا في آخرها " ، وليس للأوزاعي عن قتادة ، عن أنس في الصحيح غير هذا . ورواية شيبان ، عن قتادة أخرجها الطحاوي ، عن ابن أبي عمران ، وعلي بن عبد الرحمن ، كلاهما عن علي بن الجعد ، قال : ج٥ / ص٢٨٣أخبرنا شيبان ، عن قتادة ، قال : " سمعت أنسا يقول : صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " ، وروى هذا الحديث عن شعبة أيضا جماعةٌ ، منهم : حفص بن عمر ، كما سبق عن البخاري ، ومنهم : غندر في مسلم ، ولفظه : " صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان ، فلم أسمع أحدا منهم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم " ومنهم : الأعمش ، أخرجها الطحاوي ، حدثنا أبو أمية قال : حدثنا الأحوص بن جواب قال : حدثنا عمار بن زريق ، عن الأعمش ، عن شعبة ، عن ثابت ، عن أنس قال : " لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم " . ومنهم : عبد الرحمن بن زياد ، أخرجها الطحاوي أيضا ، عن سليمان بن شعيب الكيساني ، عن عبد الرحمن بن زياد قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة قال : سمعت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يقول : " صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان ، فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " .

النوع الثاني : في اختلاف ألفاظ هذا الحديث ، فلفظ البخاري ما مر ، ولفظ مسلم : " فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها " ، ورواه النسائي ، وأحمد ، وابن حبان ، والدارقطني وقالوا فيه : " فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم " وزاد ابن حبان : " ويجهرون بالحمد لله رب العالمين " . وفي لفظ للنسائي ، وابن حبان أيضا : " فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " . وفي لفظ أبي يعلى في مسنده : " فكانوا يفتتحون القراءة فيما يجهر به بالحمد لله رب العالمين " .

وفي لفظ للطبراني في معجمه ، وأبي نعيم في الحلية ، وابن خزيمة في مختصر المختصر : " فكانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم " ، ورجال هؤلاء الروايات كلهم ثقات ، مخرج لهم في الصحيح
،
وروى الترمذي : حدثنا أحمد بن منيع قال : حدثنا سعيد الجزيري ، عن قيس بن عباية : " عن عبد الله بن مغفل قال : سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال : أي بني ، محدث ؟ إياك والحدث قال : ولم أر أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أبغض إليه الحدث في الإسلام ، يعني منه قال : وقد صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر ، ومع عمر ، ومع عثمان فلم أسمع أحدا منهم يقولها ؛ فلا تقلها إذا أنت صليت فقل : الحمد لله رب العالمين " قال الترمذي : حديث حسن ، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - عليه الصلاة والسلام - منهم : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي وغيرهم ، ومن بعدهم من التابعين ، وأخرجه النسائي ، وابن ماجه أيضا
، ولحديث أنس طرق أخرى دون ما أخرجه أصحاب الصحاح في الصحة ، وكل ألفاظه ترجع إلى معنى واحد يصدق بعضها بعضا وهي سبعة ألفاظ : فالأول : كانوا لا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم . والثاني : فلم أسمع أحدا منهم يقول ، أو يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم . والثالث : فلم يكونوا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم .

والرابع : فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم . والخامس : فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم . والسادس : فكانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم .

والسابع : فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ، وهذا اللفظ الذي صححه الخطيب ، وضعف ما سواه لرواية الحفاظ له ، عن قتادة ، ولمتابعة غير قتادة له ، عن أنس فيه ، وجعل اللفظ المحكم عن أنس ، وجعل غيره متشابها ، وحمل على الافتتاح بالسورة لا بالآية ، وهو غير مخالف للألفاظ الباقية بوجه ، فكيف يجعل مناقضا لها ، فإن حقيقة هذا اللفظ الافتتاح بالآية من غير ذكر التسمية جهرا أو سرا فكيف يجوز العدول عنه بغير موجب ، ويؤيده قوله في رواية مسلم " لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم " في أول قراءة ولا في آخرها
. ( فإن قلت )
قال النووي في الخلاصة : وقد ضعف الحفاظ الذي أخرجه الترمذي ، وأنكروا على الترمذي تحسينه ، كابن خزيمة ، وابن عبد البر ، والخطيب قالوا : إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل وهو مجهول
. ( قلت ) : ورواه أحمد في مسنده من حديث أبي نعامة ، عن ابن عبد الله بن مغفل قال : " كان أبونا إذا سمع أحدا منا يقول : بسم الله الرحمن الرحيم يقول : أي بني ، صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم ، فلم أسمع أحدا منهم يقول : بسم الله الرحمن الرحيم " ، ورواه الطبراني في معجمه ، عن عبد الله بن بريدة ، عن ابن عبد الله بن مغفل ، عن أبيه مثله ، ثم أخرجه عن أبي سفيان طريف بن شهاب ، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل ، عن أبيه قال : " صليت خلف إمام فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، فلما فرغ من صلاته قال : ما هذا غيب عنا هذه التي أراك تجهر بها ج٥ / ص٢٨٤فإني قد صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان فلم يجهروا بها " ، فهؤلاء ثلاثة رووا هذا الحديث ، عن ابن عبد الله بن مغفل ، عن أبيه ، وهو أبو نعامة الحنفي قيس بن عباية ، وثقه ابن معين وغيره ، وقال ابن عبد البر : هو ثقة عند جميعهم ، وقال الخطيب : لا أعلم أحدا رماه ببدعة في دينه ، ولا كذب في روايته ، وعبد الله بن بريدة وهو أشهر من أن يثنى عليه ، وأبو سفيان السعدي وهو وإن تكلم فيه ، ولكنه يعتبر به فيما تابعه عليه غيره من الثقات ، وهو الذي سمى ابن عبد الله بن مغفل يزيد ، كما هو عند الطبراني ، فقد ارتفعت الجهالة ، عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة عنه ، وقد تقدم في مسند الإمام أحمد ، عن أبي نعامة ، عن بني عبد الله بن مغفل وبنوه الذين يروي عنهم : يزيد ، وزياد ، ومحمد .

والنسائي ، وابن حبان وغيرهما يحتجون بمثل هؤلاء ، مع أنهم مشهورون بالرواية ، ولم يرو أحد منهم حديثا منكرا ليس له شاهد ولا متابع حتى يخرج بسببه ، وإنما رووا ما رواه غيرهم من الثقات ، فأما يزيد فهو الذي سمى في هذا الحديث ، وأما محمد فروى له الطبراني عنه عن أبيه قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ما من إمام يبيت غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة " . وزياد أيضا روى له الطبراني عنه ، عن أبيه مرفوعا : " لا تخذفوا فإنه لا يصاد به صيد ، ولا ينكأ العدو ، ولكنه يكسر السن ، ويفقأ العين " ، وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالبسملة ، وهو وإن لم يكن من أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن ، وقد حسنه الترمذي ، والحديث الحسن يحتج به لا سيما إذا تعددت شواهده ، وكثرت متابعاته ، والذين تكلموا فيه ، وتركوا الاحتجاج به بجهالة ابن عبد الله بن مغفل قد احتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه ، بل احتج الخطيب بما يعلم أنه موضوع ، فذلك جرأة عظيمة لأجل تعصبه وحميته بما لا ينفعه في الدنيا ولا في الآخرة ، ولم يحسن البيهقي في تضعيف هذا الحديث ، إذ قال بعد أن رواه في كتاب المعرفة : فهذا حديث تفرد به أبو نعامة قيس بن عباية ، وابن عبد الله بن مغفل ، وأبو نعامة ، وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحبا الصحيح . فقوله : تفرد به أبو نعامة غير صحيح ، فقد تابعه عبد الله بن بريدة ، وأبو سفيان ، كما ذكرناه ، وقوله : وأبو نعامة ، وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحبا الصحيح ليس هذا لازما في صحة الإسناد ، ولئن سلمنا فقد قلنا : إنه حسن ، والحسن يحتج به ، وهذا الحديث يدل على أن ترك الجهر عندهم كان ميراثا عن نبيهم يتوارثونه خلفهم عن سلفهم ، وهذا وحده كاف في المسألة ؛ لأن الصلاة الجهرية دائمة صباحا ومساء ، فلو كان عليه السلام يجهر بها دائما لما وقع فيه الاختلاف ، ولا الاشتباه ، ولكان معلوما بالاضطرار ، ولما قال أنس : يجهر بها – صلى الله عليه وسلم - ولا خلفاؤه الراشدون ، ولما قال عبد الله بن مغفل ذلك أيضا ، وسماه حدثا ، ولما استمر عمل أهل المدينة في محراب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومقامه على ترك الجهر ، فيتوارثه آخرهم عن أولهم ، ولا يظن عاقل أن أكابر الصحابة والتابعين ، وأكثر أهل العلم كانوا يواظبون على خلاف ما كان – صلى الله عليه وسلم - يفعله ، وسيأتي الجواب عن أحاديث الجهر إن شاء الله تعالى .

النوع الثالث : احتج به مالك وأصحابه على ترك التسمية في ابتداء الفاتحة ، وأنها ليست منها ، وبه قال الأوزاعي والطبري ، وقال أصحابنا : البسملة آية من القرآن ، أنزلت للفصل بين السور ، وليست من الفاتحة ، ولا من أول كل سورة ، ولا يجهر بها ، بل يقولها سرا ، وبه قال الثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال أبو عمر : قال مالك : لا تقرؤوا البسملة في الفرض سرا ولا جهرا ، وفي النافلة إن شاء فعل وإن شاء ترك ، وهو قول الطبري . وقال الثوري ، وأبو حنيفة ، وابن أبي ليلى ، وأحمد : يقرأ مع أم القرآن في كل ركعة ، إلا ابن أبي ليلى فإنه قال : إن شاء جهر بها ، وإن شاء أخفاها ، وقال الشافعي : هي آية من الفاتحة يخفيها إذا أخفى ، ويجهر بها إذا جهر . واختلف قوله : هل هي آية من كل سورة أم لا ؟ على قولين : أحدهما : نعم ، وهو قول ابن المبارك والثاني : لا .

النوع الرابع : في أنها يجهر بها أم لا ، قال صاحب التوضيح : وعندنا يستحب الجهر بها فيما يجهر فيه ، وبه قال أكثر العلماء ، والأحاديث الواردة في الجهر كثيرة متعددة ، عن جماعة من الصحابة ، يرتقي عددهم إلى أحد وعشرين صحابيا ، رووا ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم من صرح بذلك ، ومنهم من فهم من عبارته ، والحجة قائمة بالجهر وبالصحة ، ثم ذكر من الصحابة : أبا هريرة ، وأم سلمة ، وابن عباس ، وأنسا ، وعلي بن أبي طالب ، وسمرة بن جندب . ( قلت ) : ومن الذين عدهم : عمار ، وعبد الله بن عمر ، والنعمان بن بشير ، والحكم بن عمير ، ومعاوية ، وبريدة بن الحصيب ، وجابر ، وأبو سعيد ، وطلحة ، وعبد الله بن أبي أوفى ، وأبو بكر الصديق ، ومجالد بن ثور ، وبشر بن معاوية ، والحسين بن عرفطة ، وأبو موسى الأشعري فهؤلاء أحد ج٥ / ص٢٨٥وعشرون نفسا ، أما حديث أبي هريرة فرواه النسائي في سننه من حديث نعيم المجمر ، قال : " صليت وراء أبي هريرة ، فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثم قرأ بأم القرآن حتى قال : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قال آمين في آخره ، فلما سلم قال : إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم – " ، وأخرجه ابن خزيمة ، وابن حبان في صحيحيهما ، والحاكم في مستدركه ، وقال : إنه على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، ورواه الدارقطني في سننه ، وقال : حديث صحيح ، ورواته كلهم ثقات وأخرجه البيهقي في سننه ، وقال : إسناده صحيح ، وله شواهد ، وقال في الخلافيات : رواته كلهم ثقات مجمع على عدالتهم ، محتج بهم في الصحيح ، والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه معلول ، فإن ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم المجمر من بين أصحاب أبي هريرة ، وهم ثمانمائة ما بين صاحب وتابع ، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنه حدث عن أبي هريرة ، أنه – صلى الله عليه وسلم - كان يجهر بالبسملة في الصلاة ، ألا ترى كيف أعرض صاحب الصحيح عن ذكر البسملة في حديث أبي هريرة ، كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها الحديث . ( فإن قلت ) : قد رواها نعيم المجمر ، وهو ثقة ، والزيادة عن الثقة مقبولة .

( قلت ) : في هذا خلاف مشهور ، فمنهم من لا يقبلها . الثاني : أن قوله : فقرأ أو قال : ليس بصريح أنه سمعها منه ؛ إذ يجوز أن يكون أبو هريرة أخبر نعيما بأنه قرأها سرا ، ويجوز أن يكون سمعها منه في مخافتته لقربه منه ، كما روى عنه من أنواع الاستفتاح ، وألفاظ الذكر في قيامه وقعوده وركوعه وسجوده ، ولم يكن منه ذلك دليلا على الجهر . الثالث : أن التشبيه لا يقتضي أن يكون مثله من كل وجه ، بل يكفي في غالب الأفعال ، وذلك متحقق في التكبير وغيره دون البسملة ، فإن التكبير وغيره من أفعال الصلاة ثابت صحيح ، عن أبي هريرة ، وكان مقصوده الرد على من تركه ، وأما التسمية ففي صحتها عنه نظر ، فينصرف إلى الصحيح الثابت دون غيره ، ويلزمهم على القول بالتشبيه من كل وجه أن يقولوا بالجهر بالتعوذ ، فإن الشافعي روى : أخبرنا أبو محمد الأسلمي ، عن ربيعة بن عثمان ، عن صالح بن أبي صالح ، أنه سمع أبا هريرة وهو يؤم الناس رافعا صوته في المكتوبة إذا فرغ من أم القرآن : ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم ، فهلا أخذوا بهذا كما أخذوا بجهر البسملة ، مستدلين بما في الصحيحين عنه ، فما أسمعنا – صلى الله عليه وسلم - أسمعناكم ، وما أخفانا أخفيناكم ، وكيف يظن بأبي هريرة أنه يريد التشبيه في الجهر بالبسملة ، وهو الراوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : " يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فنصفها لي ، ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى : حمدني عبدي " .. .

الحديث ، أخرجه مسلم عن سفيان بن عيينة ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، وهذا ظاهر في أن البسملة ليست من الفاتحة ، وإلا لابتدأ بها . وقال أبو عمر : حديث العلاء هذا قاطع لقلق المنازعين ، وهو نص لا يحتمل التأويل ، ولا أعلم حديثا في سقوط البسملة أبين منه ، واعترض بعض المتأخرين على هذا الحديث بأمرين : أحدهما : لا يعتبر بكون هذا الحديث في مسلم ، فإن العلاء بن عبد الرحمن تكلم فيه ابن معين ، فقال : ليس حديثه بحجة ، مضطرب الحديث ، وقال ابن عدي : وقد انفرد بهذا الحديث فلا يحتج به . الثاني : على تقدير صحته فقد جاء في بعض الروايات عنه ذكر التسمية ، كما أخرجه الدارقطني ، عن عبد الله بن زياد بن سمعان ، عن العلاء ابن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ، فنصفها له ، يقول عبدي إذا افتتح الصلاة : بسم الله الرحمن الرحيم ، فيذكرني عبدي ، ثم يقول : الحمد لله رب العالمين ، فأقول : حمدني عبدي " .. .

الحديث ، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة ، ولكنها مفسرة بحديث مسلم أنه أراد السورة لا الآية . ( قلت ) : هذا القائل حمله الجهل ، وفرط التعصب ، ورداءة الرأي والفكر على أنه ترك الحديث الصحيح ، وضعفه ؛ لكونه غير موافق لمذهبه ، وقال : لا يعتبر بكونه في مسلم مع أنه قد رواه عن العلاء الأئمة الثقات الأثبات ، كمالك ، وسفيان بن عيينة ، وابن جريج ، وشعيب ، وعبد العزيز الداروردي ، وإسماعيل بن جعفر ، ومحمد بن إسحاق ، والوليد بن كثير وغيرهم ، والعلاء في نفسه ثقة صدوق ، وهذه الرواية مما انفرد بها عنه ابن سمعان ، وقال عمر بن عبد الواحد : سألت مالكا عنه : أي ابن سمعان ، فقال : كان كذابا ، وكذا قال يحيى بن معين ، وقال يحيى بن بكير ، قال هشام بن عروة فيه : لقد كذب علي ، وحدث عني بأحاديث لم أحدثها له ، وعن أحمد متروك الحديث ، وكذا قال أبو داود ، وزاد من الكذابين . ( فإن قلت ) : أخرج الخطيب عن أبي أويس ج٥ / ص٢٨٦واسمه عبد الله بن أويس ، قال : أخبرني العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أم الناس جهر ببسم الله الرحمن الرحيم " ، ورواه الدارقطني في سننه ، وابن عدي في الكامل ، فقالا فيه : قرأ عوض جهر ، وكأنه رواه بالمعنى .

( قلت ) : أبو أويس ضعفه أحمد ، وابن معين ، وأبو حاتم فلا يحتج بما انفرد به ، فكيف إذا انفرد بشيء ، وقد خالفه فيه من هو أوثق منه . ( فإن قلت ) أخرج مسلم لأبي أويس ( قلت ) : صاحبا الصحيح إذا أخرجا لمن تكلم فيه إنما يخرجان بعد إنقائهما من حديثه ما توبع عليه ، وظهرت شواهده ، وعلم أن له أصلا ، ولا يخرجان ما تفرد به سيما إذا خالف الثقات ، وهذه العلة راجت على كثير ممن استدرك على الصحيحين ، فتساهلوا في استدراكهم ، ومن أكثرهم تساهلا الحاكم أبو عبد الله في كتابه المستدرك ، فإنه يقول هذا على شرط الشيخين أو أحدهما ، وفيه هذه العلة ، إذ لا يلزم من كون الراوي محتجا به في الصحيح أنه إذا وجد في أي حديث ، كأن يكون ذلك الحديث على شرطه ، ولهذا قال ابن دحية في كتاب العلم المشهور : ويجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكم أبي عبد الله ، فإنه كثير الغلط ، ظاهر السقط ، وقد غفل عن ذلك كثير ممن جاء بعده وقلده في ذلك . ( فإن قلت ) : قد جاء في طريق آخر أخرجه الدارقطني ، عن خالد بن إلياس ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " علمني جبريل عليه الصلاة والسلام الصلاة ، فقام فكبر لنا ، ثم قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فيما يجهر به في كل ركعة " .

( قلت ) : هذا إسناد ساقط ، فإن خالد بن إلياس مجمع على ضعفه ، وعن البخاري ، عن أحمد أنه منكر الحديث ، وقال ابن معين : ليس بشيء ، ولا يكتب حديثه ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الثقات ، وقال الحاكم : روى عن المقبري ، ومحمد بن المنكدر ، وهشام بن عروة أحاديث موضوعة . ( فإن قلت ) : روى الدارقطني أيضا ، عن جعفر بن مكرم ، حدثنا أبو بكر الحنفي ، حدثنا عبد المجيد ، عن جعفر ، أخبرني نوح بن أبي بلال ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - : " إذا قرأتم الحمد فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم ؛ إنها أم القرآن ، وأم الكتاب ، والسبع المثاني ، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها " . ( قلت ) : قال أبو بكر الحنفي : ثم لقيت نوحا فحدثني عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة مثله ، ولم يرفعه .

( فإن قلت ) : قال عبد الحق في أحكامه الكبرى : رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر ، وهو ثقة وثقه ابن معين . ( قلت ) : كان سفيان الثوري يضعفه ، ويحمل عليه ، ولئن سلمنا رفعه فليس فيه دلالة على الجهر ، ولئن سلم فالصواب فيه الوقف ، قال الدارقطني : لأنه رواه المُعَافَى بن عمران ، عن عبد الحميد ، عن نوح ، عن المقبري ، عن أبي هريرة مرفوعا ، ورواه أسامة بن زيد ، وأبو بكر الحنفي ، عن نوح ، عن المقبري ، عن أبي هريرة موقوفا . ( فإن قلت ) : هذا موقوف في حكم المرفوع ؛ إذ لا يقول الصحابي : إن البسملة إحدى آيات الفاتحة إلا عن توقيف أو دليل قوي ظهر له ، فحينئذ يكون له حكم سائر آيات الفاتحة من الجهر والإسرار .

( قلت ) : لعل أبا هريرة سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأها ، فظنها من الفاتحة ، فقال : إنها إحدى آياتها ، ونحن لا ننكر أنها من القرآن ، ولكن النزاع في موضعين : أحدهما أنها آية من الفاتحة ، والثاني : أن لها حكم سائر آيات الفاتحة جهرا وسرا ، ونحن نقول : إنها آية مستقلة قبل السورة ، وليست منها جمعا بين الأدلة ، وأبو هريرة لم يخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : هي إحدى آياتها وقراءتها قبل الفاتحة لا تدل على ذلك ، وإذا جاز أن يكون مستند أبي هريرة قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - لها ، وقد ظهر أن ذلك ليس بدليل على محل النزاع فلا تعارض به أدلتنا الصحيحة الثابتة ،

وأيضا فالمحفوظ الثابت عن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة ، كما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الحمد لله هي أم القرآن ، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم " . ورواه أبو داود ، والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح على أن عبد الحميد بن جعفر ممن تكلم فيه ولكن وثقه أكثر العلماء ، واحتج به مسلم في صحيحه ، وليس تضعيف من ضعفه مما يوجب رد حديثه ، ولكن الثقة قد يغلط ، والظاهر أنه قد غلط في هذا الحديث والله تعالى أعلم
. وأما حديث أم سلمة فرواه الحاكم في المستدرك ، عن عمر بن هارون ، عن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها ، " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في الصلاة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فعدها آية ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ آيتين ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثلاث آيات إلى آخره " .

ورواه الدارقطني ، ج٥ / ص٢٨٧والبيهقي ، والجواب عنه أن مدار هذه الرواية على عمر بن هارون البلخي ، وهو مجروح ، تكلم فيه غير واحد من الأئمة ، فعن أحمد : لا أروي عنه شيئا ، وعن يحيى : ليس بشيء ، وعن ابن المبارك : كذاب ، وعن النسائي : متروك الحديث ، وعن ابن الجوزي ، عن يحيى : كذاب خبيث ، ليس حديثه بشيء . ( فإن قلت ) : روى أبو داود في كتاب الحروف حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال : حدثنا أبي قال : حدثنا ابن جريج ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، " عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها ذكرت - أو كلمة غيرها - قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقطع قراءته آية آية " ، وأخرجه أحمد ، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي إلى آخره نحوه ، ولفظه : " أنها سئلت عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : كان يقطع آية آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " . ( قلت ) : ليس فيه حجة للخصم ؛ لأن فيه ذكرها قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف كانت ، وبيان ترتيله ، وليس فيه ذكر الصلاة .

( فإن قلت ) :

قال البيهقي في كتاب المعرفة : قال البويطي في كتابه : أخبرني غير واحد ، عن حفص بن غياث ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم – " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ بأم القرآن بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم ، يعدها آية ، ثم قرأ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يعدها ست آيات " . ( قلت ) : قال الطحاوي في كتاب الرد على الكرابيسي : لم يسمع ابن أبي مليكة هذا الحديث من أم سلمة ، والذي يروى عن ابن أبي مليكة ، عن يعلى بن مالك ، عن أم سلمة هو الأصح ، ولهذا أسنده الترمذي من جهة يعلى ، وقال : غريب حسن صحيح ؛ لأن فيه ذكر قراءة بسم الله الرحمن الرحيم من أم سلمة نعت منها لقراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسائر القرآن كيف كانت ، وليس فيه ما يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ والعجب من البيهقي أنه ذكر حديث يعلى في باب ترتيل القراءة ، وتركه في باب الدليل على أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية تامة من الفاتحة ؛ لكونه لا يوافق مقصوده ، ولأن فيه بيان علة حديثه ، والعجب ثم العجب منه روى هذا من عمر بن هارون ، وألان القول فيه ، وقال : ورواه عمر بن هارون البلخي ، وليس بالقوي ، وذكره في باب لا شفعة فيما ينقل أنه ضعيف ، لا يحتج به ، ثم إن كان العد بلسانه في الصلاة فذلك مناف للصلاة ، وإن كان بأصابعه فلا يدل على أنها آية من الفاتحة ، قاله الذهبي في مختصر السنن
. وأما حديث ابن عباس فأخرجه البيهقي في سننه من حديث ابن المبارك ، عن ابن جريج ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في السبع المثاني قال : هي فاتحة الكتاب ، قرأها ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم سبعا ، فقلت لأبي : أخبرك سعيد عن ابن عباس أنه قال : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية من كتاب الله ؟ قال : نعم ، ثم قال : قرأها ابن عباس في الركعتين جميعا ، وأخرجه الطحاوي عن أبي بكرة ، عن أبي عاصم ، عن ابن جريج ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن عبد الله بن عباس : " وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي قال : فاتحة الكتاب ، ثم قرأ ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم ، وقال : هي الآية السابعة " .

قال : وقرأ على سعيد بن جبير ، كما قرأ عليه ابن عباس ، ( قلت ) الجواب : أولا أن في إسناده عبد العزيز بن جريج والد عبد الملك ، وقد قال البخاري : حديثه لا يتابع عليه ، وثانيا : أنه لا يعارضه ما يدل على خلافه ، وهو حديث أبي هريرة قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نهض من الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين " ، رواه مسلم ، والطحاوي ، وهذا دليل صريح على أن البسملة ليست من الفاتحة ؛ إذ لو كانت منها لقرأها في الثانية مع الفاتحة .

( فإن قلت ) : روى الحاكم في المستدرك ، عن عبد الله بن عمرو بن حسان ، عن شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " ، قال الحاكم : إسناده صحيح ، وليس له علة . ( قلت ) : هذا غير صريح ، ولا صحيح ، أما أنه غير صريح فلأنه ليس فيه أنه في الصلاة ، وأما أنه غير صحيح فلأن عبد الله بن عمرو بن حسان كان يضع الحديث ، قاله إمام الصنعة علي بن المديني ، وقال أبو حاتم : ليس بشيء ، كان يكذب
.

( فإن قلت )

رواه الدارقطني ، عن أبي الصلت الهروي ، واسمه عبد السلام بن صالح ، حدثنا عباد بن العوام ، حدثنا شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم " . ( قلت ) : هذا أضعف من الأول ؛ فإن أبا الصلت متروك ، وقال أبو حاتم : ليس عندي بصدوق ، وقال الدارقطني : رافضي خبيث
،
روى البزار في ج٥ / ص٢٨٨مسنده ، عن المعتمر بن سليمان ، حدثنا إسماعيل ، عن أبي خالد ، عن ابن عباس : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة " ، وأخرجه أبو داود في سننه ، والترمذي في جامعه بهذا السند ، والدارقطني في سننه ، وكلهم قالوا فيه : كان يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم . ( قلت ) : قال البزار : إسماعيل ليس بالقوي في الحديث ، وقال الترمذي : ليس إسناده بذاك ، وقال أبو داود : حديث ضعيف ، ورواه العقيلي في كتابه ، وأعله بإسماعيل هذا ، وقال : حديثه غير محفوظ ، وأبو خالد مجهول ، ولا يصح في الجهر بالبسملة حديث مسند
، ورواه الدارقطني من طريق عمر بن حفص المكي ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم حتى قبض " .

( قلت ) : هذا لا يجوز الاحتجاج به ؛ فإن عمر بن حفص هذا ضعيف ، وقال ابن الجوزي في التحقيق : أجمعوا على تركه ، وأما حديث أنس رضي الله تعالى عنه فأخرجه الحاكم ، والدارقطني من حديث محمد بن أبي المتوكل بن أبي السري ، قال : " صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها الصبح والمغرب ، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب ، وبعدها ، قال المعتمر : ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي ، وقال أبي : ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس ، وقال أنس : ما أكره أن أقتدي بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – " . ( قلت ) : الجواب أن هذا معارض بما رواه ابن خزيمة في مختصره ، والطبراني في معجمه ، عن معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أنس : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة " ، وزاد ابن خزيمة ، وأبو بكر ، وعمر في الصلاة . ( فإن قلت ) : روى الحاكم من طريق آخر ، عن محمد بن أبي السري ، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، حدثنا مالك ، عن حميد ، عن أنس قال : " صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم ، وكلهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم " ، قال الحاكم : وإنما ذكرته شاهدا .

( قلت ) قال الذهبي في مختصره : أما يستحي الحاكم أن يورد في كتابه مثل هذا الحديث الموضوع ، فأنا أشهد بالله والله إنه لكذب ، وقال ابن عبد الهادي : سقط منه ، لا وقد

روى الحاكم عن عبد الله بن عثمان بن خيثم حديثا آخر ، عن أنس أنه قال : صلى معاوية بالمدينة صلاة ، فجهر فيها بالقراءة ، فبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم الحديث مطولا ، وفيه مقال كثير
، وروى الخطيب أيضا عن ابن أبي داود ، عن ابن أخي ابن وهب ، عن عمه ، عن العمري ، ومالك ، وابن عيينة ، عن حميد ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – " كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الفريضة " . وجوابه ما قاله ابن عبد الهادي سقط منه ، لا كما رواه الباغندي وغيره عن ابن أخي ابن وهب ، هذا هو الصحيح . وأما حديث علي رضي الله تعالى عنه فما رواه الحاكم في مستدركه ، عن سعيد بن عثمان الخراز ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد المؤذن ، حدثنا قطر بن خليفة ، عن أبي الطفيل ، عن علي ، وعمار " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم " ، وقال : صحيح الإسناد ، ولا أعلم في رواته منسوبا إلى الجرح .

( قلت ) : قال الذهبي في مختصره : هذا خبر واه كأنه موضوع ؛ لأن عبد الرحمن صاحب مناكير ، ضعفه ابن معين ، وسعيد إن كان الكريزي فهو ضعيف وإلا فهو مجهول ، وقال ابن عبد الهادي : هذا حديث باطل .

وأما حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه فأخرجه البوشنجي " كان للنبي – صلى الله عليه وسلم - سكتتان : سكتة إذا فرغ من القراءة ، وسكتة إذا قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " فأنكر ذلك عمران بن حصين ، فكتبوا إلى أبي بن كعب ، فكتب أن صدق سمرة ، قال الدارقطني والبيهقي : رجال إسناده ثقات ، وصححه أبو شامة وغيره
. ( قلت ) : هذا لا يدل على الجهر ، بل هو دليل لنا على الإخفاء .

وأما حديث عمار فقد ذكرناه مع حديث علي رضي الله عنه .

وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه الدارقطني ، حدثنا عمر بن الحسن بن علي الشيباني ، حدثنا جعفر بن محمد بن مروان ، حدثنا أبو طاهر أحمد ابن عيسى ، حدثنا ابن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : " صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم " . ( قلت ) : هذا باطل من هذا الوجه ، لم يحدث به ابن أبي فديك قط ، والمتهم به أحمد بن عيسى أبو طاهر القرشي ، وقد كذبه الدارقطني فيكون كاذبا في روايته ، عن مثل هذا الثقة ، وشيخ الدارقطني ضعيف وهو أيضا ضعفه ، والحسن بن علي ، وجعفر بن محمد تكلم فيه الدارقطني ، وقال : لا يحتج به
، وله طريق آخر عند الخطيب ، عن عبادة بن زياد الأسدي ، حدثنا يونس بن أبي يعفور العبدي ، عن المعتمر بن سليمان ، عن أبي عبيدة ، عن مسلم بن حيان قال : " صليت خلف ابن عمر فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين ، فقيل له : فقال : صليت خلف رسول الله ج٥ / ص٢٨٩- صلى الله عليه وسلم - حتى قبض ، وخلف أبي بكر حتى قبض ، وخلف عمر حتى قبض ، فكانوا يجهرون بها في السورتين ، فلا أدع الجهر بها حتى أموت " .

( قلت ) : هذا أيضا باطل ، وعبادة بن زياد بفتح العين كان من رؤوس الشيعة ، قاله أبو حاتم ، وقال الحافظ محمد النيسابوري : هو مجمع على كذبه ، وشيخه يونس بن يعفور ضعفه النسائي وابن معين ، وقال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به عندي ، ومسلم بن حيان مجهول .

وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه الدارقطني في سننه ، عن يعقوب بن يوسف بن زياد الضبي ، حدثنا أحمد بن حماد الهمداني ، عن قطر بن خليفة ، عن أبي الضحى ، عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أمني جبريل عند الكعبة ، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " . ( قلت ) : هذا حديث منكر ، بل موضوع ، وأحمد بن حماد ضعفه الدارقطني ، ويعقوب بن يوسف ليس بمشهور ، وسكوت الدارقطني والخطيب وغيرهما من الحفاظ عن مثل هذا الحديث بعد روايتهم له قبيح جدا
.

وأما

حديث الحكم بن عمير فأخرجه الدارقطني ، حدثنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن بشر الكوفي ، حدثنا أحمد بن موسى بن إسحاق الجمار ، حدثنا إبراهيم بن حبيب ، حدثنا موسى بن أبي حبيب الطائفي ، عن الحكم بن عمير ، وكان بدريا قال : " صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الليل ، وصلاة الغداة ، وصلاة الجمعة " . ( قلت ) : هذا من الأحاديث الغريبة المنكرة ، بل هو حديث باطل ؛ لأن الحكم بن عمير ليس بدريا ، ولا في البدريين أحد اسمه الحكم بن عمير ، بل لا تعرف له صحبة له أحاديث منكرة ، وقال الذهبي : الحكم بن عمير ، وقيل : عمر ، والثمالي الأزدي له أحاديث ضعيفة الإسناد إليه ، وموسى بن حبيب الراوي عنه لم يلق صحابيا ، بل هو مجهول لا يحتج بحديثه . وذكر الطبراني في معجمه الكبير الحكم بن عمير ، ثم روى له بضعة عشر حديثا منكرا ، وإبراهيم بن حبيب وهم فيه الدارقطني ، فإنه إبراهيم بن إسحاق الصيني ، ووهم فيه أيضا الدارقطني ، فقال : الضبي بالضاد المعجمة ، والباء الموحدة المشددة
.

وأما

حديث معاوية فأخرجه الحاكم في مستدركه ، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره ، أن أنس بن مالك قال : " صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة ، فبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك الصلاة ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة ، فلما سلم ناداه من سمع ذاك من المهاجرين والأنصار ، ومن كان على مكان يا معاوية ، أسرقت الصلاة أم نسيت ؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم ، وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت ؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن ، وكبر حين يهوي ساجدا " ، قال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ، ورواه الدارقطني ، وقال : رواته كلهم ثقات ، وقد اعتمد الشافعي على حديث معاوية هذا في إثبات الجهر ، وقال الخطيب : هو أجود ما يعتمد عليه في هذا الباب . ( قلت ) : مداره على عبد الله بن عثمان فهو ، وإن كان من رجال مسلم ، لكنه متكلم فيه من يحيى ، أحاديثه غير قوية ، وعن النسائي : لين الحديث ليس بالقوي فيه ، وعن ابن المديني منكر الحديث ، وبالجملة فهو مختلف فيه ، فلا يقبل ما تفرد به مع أن إسناده مضطرب ، بيناه في شرح معاني الآثار ، وشرح سنن أبي داود ، وهو أيضا شاذ معلل ، فإنه مخالف لما رواه الثقات الأثبات ، عن أنس ، وكيف يرى أنس بمثل حديث معاوية هذا محتجا به ، وهو مخالف لما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعن الخلفاء الراشدين ولم يعرف أحد من أصحاب أنس المعروفين بصحبته أنه نقل عنه مثل ذلك ، ومما يرد حديث معاوية هذا أن أنسا كان مقيما بالبصرة ، ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أن أنسا كان معه ، بل الظاهر أنه لم يكن معه ، وأيضا أن مذهب أهل المدينة قديما وحديثا ترك الجهر بها ، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلا قال عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة : أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا بالحمد لله رب العالمين ، ولا يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيح أنه كان يجهر بها إلا بشيء يسير ، وله محمل ، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم ، فكيف ينكرون على معاوية ما هو سنتهم وهذا باطل
. وأما حديث بريدة بن الحصيب فأخرجه الدارقطني ، والحاكم في الإكليل ، " قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بأي شيء تفتتح القرآن إذا افتتحت الصلاة ؟ قال : قلت : ببسم الله الرحمن الرحيم قال : هي هي " .

( قلت ) : أسانيده واهية ، عن عمر بن شمر ، عن الجعفي ، ومن حديث إبراهيم بن المحشر ، وأبي خالد الدلاني ، وعبد الكريم أبي أمية . وأما حديث جابر فأخرجه الحاكم في الإكليل : " قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة ؟ قلت : أقول الحمد لله رب العالمين ، قال : قل بسم الله الرحمن الرحيم " . ( قلت ) : هذا لا يدل على الجهر .

ج٥ / ص٢٩٠

وأما حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه فأخرجه الحافظ البوشنجي : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم المغرب ، وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم " . ( قلت ) : في إسناده نظر
. وأما حديث طلحة بن عبيد الله فأخرجه الحاكم في الإكليل من حديث سليمان بن مسلم المكي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن أبي ابن مليكة عنه بلفظ : " من ترك من أم القرآن بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله " ، ( قلت ) : لا يدل على الجهر .

وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى فأخرجه الدارقطني بإسناد فيه ضعف قال : " جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا ؛ فعلمني ما يجزيني منه ، فقال : باسم الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله والله أكبر " ، ( قلت ) : ضعيف ولا يدل على إثبات الجهر
. وأما
حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فأخرجه الحافظ أبو القاسم الغافقي الأندلسي في كتابه المسلسل بسند فيه مجاهيل أنه قال : " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عن جبريل عليه الصلاة والسلام ، عن إسرافيل عليه الصلاة والسلام ، عن رب العزة عز وجل فقال : من قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ متصلة بفاتحة الكتاب في صلاته غفرت ذنوبه " ، ( قلت ) : ضعيف ولا يدل على إثبات الجهر
. وأما
حديث مجالد بن ثور ، وبشر بن معاوية فأخرجه الخطيب بسند فيه مجهولون ، أنهما كانا من الوفد الذين قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلمهما يس ، وقرأ الحمد لله رب العالمين ، والمعوذات الثلاث ، وعلمهما الابتداء ببسم الله الرحمن الرحيم ، والجهر بها في الصلاة
.

وأما

حديث الحسين بن عرفطة الأسدي فأخرجه أبو موسى المديني في كتاب المستفاد بالنظر ، وبالكتابة في معرفة الصحابة ، قال : كان اسمه حسيلا ، فسماه سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حسينا ، ثم ذكر بسند فيه مجاهيل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : إذا قمت إلى الصلاة فقل : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حتى تختمها ببسم الله الرحمن الرحيم ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إلى آخرها
. وأما
حديث أبي موسى الأشعري فأخرجه البوشنجي بإسناده ، عن أبي بردة ، عنه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ( قلت ) في إسناده نظر
.
وإن كثرت رواتها فكلها ضعيفة ، وأحاديث الجهر ليست مخرجة في الصحاح ، ولا في المسانيد المشهورة ، ولم يرو أكثرها إلا الحاكم والدارقطني ، فالحاكم قد عرف تساهله ، وتصحيحه للأحاديث الضعيفة ، بل الموضوعة والدارقطني فقد ملأ كتابه من الأحاديث الغريبة والشاذة والمعللة ، وكم فيه من حديث لا يوجد في غيره وفي رواتها الكذابون والضعفاء والمجاهيل الذين لا يوجدون في كتب التواريخ ، ولا في كتب الجرح والتعديل
، كعمرو بن شمر ، وجابر بن الجعفي ، وحصين بن مخارق ، وعمر بن حفص المكي ، وعبد الله بن عمرو بن حسان ، وأبي الصلت الهروي الملقب بجراب الكذب ، وعمر بن هارون البلخي ، وعيسى بن ميمون المدني ، وآخرون ، وكيف يجوز أن يعارض برواية هؤلاء ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس الذي رواه عنه غير واحد من الأئمة الثقات الأثبات ، ومنهم قتادة الذي كان أحفظ أهل زمانه ، ويرويه عنه شعبة الملقب بأمير المؤمنين في الحديث ، وتلقاه الأئمة بالقبول ، وهذا البخاري مع شدة تعصبه ، وفرط تحمله على مذهب أبي حنيفة لم يودع في صحيحه منها حديثا واحدا ، وقد تعب كثيرا في تحصيل حديث صحيح في الجهر حتى يخرجه في صحيحه فما ظفر به ، وكذلك مسلم لم يذكر شيئا من ذلك ، ولم يذكرا في هذا الباب إلا حديث أنس الدال على الإخفاء .

( فإن قلت ) : إنهما لم يلتزما أن يودعا في صحيحيهما كل حديث صحيح ، فيكونان قد تركا أحاديث الجهر في جملة ما تركاه من الأحاديث الصحيحة . ( قلت ) : هذا لا يقوله إلا كل مكابر ، أو سخيف ، فإن مسألة الجهر من أعلام المسائل ومعضلات الفقه ، ومن أكثرها دورانا في المناظرة ، وجولانا في المصنفات ، ولو حلف الشخص بالله أيمانا مؤكدة أن البخاري لو اطلع على حديث منها موافق لشرطه ، أو قريب منه لم يخل منه كتابه ، ولئن سلمنا فهذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه مع اشتمال كتبهم على الأحاديث السقيمة ، والأسانيد الضعيفة لم يخرجوا منها شيئا ، فلولا أنها واهية عندهم بالكلية لما تركوها ، وقد

تفرد النسائي منها ، وهو أقوى ما فيها عندهم ، وقد بينا ضعفه من وجوه
. ( فإن قلت ) أحاديث الجهر تقدم على أحاديث الإخفاء بأشياء ، منها : كثرة الرواة ، فإن أحاديث الإخفاء رواها اثنان من الصحابة ، وهما أنس بن مالك ، وعبد الله بن مغفل ، وأحاديث الجهر فرواها أكثر من عشرين صحابيا كما ذكرنا .

ومنها أن أحاديث الإخفاء شهادة على نفي ، وأحاديث الجهر شهادة على إثبات ، والإثبات مقدم على النفي .

ومنها أن أنسا قد روي عنه إنكار ذلك في الجملة ج٥ / ص٢٩١فروى أحمد ، والدارقطني من حديث سعيد بن زيد أبي سلمة قال : سألت أنسا أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ؟ قال : إنك لتسألني عن شيء ما أحفظ ، أو ما سألني أحد قبلك . قال الدارقطني : إسناده صحيح
، ( قلت ) : الجواب عن الأول أن الاعتماد على كثرة الرواة إنما تكون بعد صحة الدليل ،
ليس فيها صحيح صريح
، بخلاف فإنه صحيح صريح ثابت .

مخرجه في الصحيح ، والمسانيد المعروفة ، والسنن المشهورة ، مع أن جماعة من الحنفية لا يرون الترجيح بكثرة الرواة . وعن الثاني أن هذه الشهادة وإن ظهرت في صورة النفي فمعناها الإثبات ، على أن هذا مختلف فيه ، فعند البعض هما سواء ، وعند البعض النافي مقدم على المثبت ، وعند البعض على العكس . وعن الثالث أن إنكار أنس لا يقاوم ما ثبت عنه في الصحيح ، ويحتمل أن يكون أنس نسي في تلك الحال ؛ لكبر سنه ، وقد وقع مثل هذا كثيرا ، كما سئل يوما ، عن مسألة فقال : عليكم بالحسن ، فاسألوه فإنه حفظ ونسينا ، وكم ممن حدث ونسي ، ويحتمل أنه إنما سأله عن ذكرها في الصلاة أصلا لا عن الجهر بها وإخفائها .

( فإن قلت ) : يجمع بين الأحاديث بأن يكون أنس لم يسمعه لبعده ، وأنه كان صبيا يومئذ ( قلت ) : هذا مردود ؛ لأنه – صلى الله عليه وسلم - هاجر إلى المدينة ، ولأنس يومئذ عشر سنين ، ومات وله عشرون سنة ، فكيف يتصور أن يكون يصلي خلفه عشر سنين ، فلا يسمعه يوما من الدهر يجهر هذا بعيد ، بل يستحيل ، ثم قد روى في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكيف وهو رجل في زمن أبي بكر وعمر ، وكهل في زمن عثمان مع تقدمه في زمانهم ، وروايته للحديث . وقال الحازمي في الناسخ والمنسوخ : إن أحاديث الجهر وإن صحت فهي منسوخة بما أخبرنا ، وساق من طريق أبي داود : حدثنا عباد بن موسى ، حدثنا عباد بن العوام ، عن شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بمكة ، قال : وكان أهل مكة يدعون مسيلمة الرحمن ، وقالوا : إن محمدا يدعو إله اليمامة ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخفاها فما جهر بها حتى مات " . ( فإن قلت ) : هذا مرسل ( قلت ) : نعم ، ولكنه يتقوى بفعل الخلفاء الراشدين ؛ لأنهم كانوا أعرف بأواخر الأمور ، والعجب من صاحب التوضيح كيف يقول : وردت أحاديث كثيرة في الجهر ،

ولم يرد تصريح بالإسرار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا روايتان أحدهما : وهي ضعيفة
،
والثانية : وهي معللة بما أوجب سقوط الاحتجاج بها
، وهل هذا إلا من عدم البصيرة ، وفرط شدة العصبية الباطلة ، وقد عرفت فيما مضى ظلم المتعصبين الذين عرفوا الحق ، وغمضوا أعينهم عنه ، وأعجب من هذا بعضهم من الذين يزعمون أن لهم يدا طولى في هذا الفن ، كيف يقول : يتعين الأخذ بحديث من أثبتت الجهر ، فكيف يجترئ هذا ويصدر منه هذا القول الذي تمجه الأسماع ، فأي حديث صح في الجهر عنده حتى يقول هذا القول ؟ .

النوع الخامس : في كونها من القرآن أم لا ، وفي أنها من الفاتحة أم لا ، ومن أول كل سورة أم لا . والصحيح من مذهب أصحابنا أنها من القرآن ؛ لأن الأمة أجمعت على أن ما كان مكتوبا بين الدفتين بقلم الوحي فهو من القرآن ، والتسمية كذلك ، وينبني على هذا أن فرض القراءة في الصلاة يتأدى بها عند أبي حنيفة إذا قرأها على قصد القراءة دون الثناء عند بعض مشايخنا ؛ لأنها آية من القرآن ، وقال بعضهم : لا يتأدى ؛ لأن في كونها آية تامة احتمال فإنه روي عن الأوزاعي أنه قال : ما أنزل الله في القرآن بسم الله الرحمن الرحيم إلا في سورة النمل وحدها ، وليست بآية تامة ، وإنما الآية من قوله : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فوقع الشك في كونها آية تامة ، فلا يجوز بالشك ، وكذلك يحرم قراءتها على الجنب والحائض والنفساء على قصد القرآن ، أما على قياس رواية الكرخي فظاهر ؛ لأن ما دون الآية يحرم عليهم ، وأما على رواية الطحاوي لاحتمال أنها آية تامة فيحرم عليهم احتياطا ، وهذا القول قول المحققين من أصحاب أبي حنيفة ، وهو قول ابن المبارك ، وداود ، وأتباعه وهو المنصوص عن أحمد ، وقالت طائفة : ليست من القرآن إلا في سورة النمل ، وهو قول مالك ، وبعض الحنفية ، وبعض الحنابلة ، وقالت طائف : إنها آية من كل سورة ، أو بعض آية ، كما هو المشهور عن الشافعي ومن وافقه ، وقد نقل عن الشافعي أنها ليست من أوائل السور غير الفاتحة ، وإنما يستفتح بها في السور تبركا بها ، وقال الطحاوي : لما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الجهر بالبسملة ، ثبت أنها ليست من القرآن ، ولو كانت من القرآن لوجب أن يجهر بها كما يجهر بالقرآن سواها ، ألا يرى أن بسم الله الرحمن الرحيم التي في النمل يجب أن يجهر بها ، كما يجهر بغيرها من القرآن ؛ لأنها ج٥ / ص٢٩٢من القرآن ، وثبت أن يخافت بها ، كما يخافت بالتعوذ والافتتاح وما أشبهها ، وقد رأيناها أيضا مكتوبة في فواتح السور في المصحف في فاتحة الكتاب وفي غيرها ، ولما كانت في غير فاتحة الكتاب ليست بآية ثبت أيضا أنها في فاتحة الكتاب ليست بآية . ( فإن قلت ) : إذا لم تكن قرآنا لكان مدخلها في القرآن كافرا .

( قلت ) : الاختلاف فيها يمنع من أن تكون آية ، ويمنع من تكفير من يعدها من القرآن ، فإن الكفر لا يكون إلا بمخالفة النص ، والإجماع في أبواب العقائد ، فإن قيل : نحن نقول : إنها آية في غير الفاتحة فكذلك إنها آية من الفاتحة . ( قلت ) : هذا قول لم يقل به أحد ، ولهذا قالوا : زعم الشافعي أنها آية من كل سورة ، وما سبقه إلى هذا القول أحد ؛ لأن الخلاف بين السلف إنما هو في أنها من الفاتحة ، أو ليست بآية منها ، ولم يعدها أحد آية من سائر السور ، والتحقيق فيه أنها آية من القرآن حيث كتبت ، وأنها مع ذلك ليست من السور ، بل كتبت آية في كل سورة ، ولذلك تتلى آية مفردة في أول كل سورة ، كما تلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أنزلت عليه : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ وعن هذا قال الشيخ حافظ الدين النسفي : وهي آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور ،

وعن ابن عباس : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وفي رواية : لا يعرف انقضاء السورة ، رواه أبو داود والحاكم ، وقال : إنه على شرط الشيخين
. ( فإن قلت ) : لو لم تكن من أول كل سورة لما قرأها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكوثر ؟ ( قلت ) : لا نسلم أنه يدل على أنها من أول كل سورة ، بل يدل على أنها آية منفردة ، والدليل على ذلك ما ورد في حديث بدء الوحي : " فجاءه الملك ، فقال له : اقرأ ، فقال : ما أنا بقارئ ثلاث مرات ، ثم قال له : اقرأ باسم ربك الذي خلق " ، فلو كانت البسملة آية من أول كل سورة لقال : اقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
ويدل على ذلك أيضا ما رواه أصحاب السنن الأربعة ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن عياش الجهني ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن سورة من القرآن شفعت لرجل حتى غفر له ، وهي تبارك الذي بيده الملك " ، وقال الترمذي : حديث حسن ، ورواه أحمد في مسنده ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه
، ولو كانت البسملة من أول كل سورة لافتتحها – صلى الله عليه وسلم - بذلك .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث