باب ما يقول بعد التكبير
حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد قال : حدثنا عمارة بن القعقاع قال : حدثنا أبو زرعة قال : حدثنا أبو هريرة قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة - قال : أحسبه قال هنية - فقلت : بأبي وأمي يا رسول الله ، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول ؟ قال : أقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد . مطابقته للترجمة من حيث إن الحديث يتضمن أنه – صلى الله عليه وسلم - كان يقول بين التكبير والقراءة هذا الدعاء المذكور ، فيصدق عليه القول بعد التكبير ، وهذا ظاهر في رواية ما يقول بعد التكبير ، وأما على رواية ما يقرأ بعد التكبير فيحمل على معنى ما يجمع بين الدعاء والقراءة بعد التكبير ؛ لأن أصل هذا اللفظ الجمع ، وكل شيء جمعته فقد قرأته ، ومنه سمي القرآن قرآنا ؛ لأنه جمع القصص ، والأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، والآيات والسور بعضها إلى بعض ، وقول من قال : لما كان الدعاء والقراءة يقصد بهما التقرب إلى الله تعالى استُغْنِيَ بذكر أحدهما عن الآخر كما جاء - : علفتها تبنا وماء باردا - غير سديد ، وكذا قول من قال : دعاء الافتتاح يتضمن مناجاة الرب ، والإقبال عليه بالسؤال . وقراءة الفاتحة تتضمن هذا المعنى ، فظهرت المناسبة بين الحديثين غير موجه ؛ لأن المقصود وجود المناسبة بين الترجمة وحديث الباب لا وجود المناسبة بين الحديثين .
( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري المعروف بالتبوذكي ، الثاني : عبد الواحد بن زياد العبدي أبو بشر البصري ، الثالث : عمارة بضم العين المهملة وتخفيف الميم ابن القعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي . الرابع : أبو زرعة ، هو عمرو بن جرير البجلي ، واختلف في اسمه فقيل : هرم ، وقيل : عبد الله ، وقيل : عبد الرحمن ، وقيل : عمرو ، وقيل : جرير . الخامس : أبو هريرة .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في جميع الإسناد ، وهذا نادر ؛ فلذلك اختار البخاري رواية عبد الواحد ، وفيه القول في خمسة مواضع ، وفيه الاثنان الأولان من الرواة بصريان ، واثنان بعدهما كوفيان . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الصلاة أيضا ، عن زهير بن حرب ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير ، وعن أبي كامل ، وأخرجه أبو داود ، عن أبي كامل الجحدري به ، وعن أحمد بن أبي شعيب الخزاعي ، وأخرجه النسائي فيه ، عن محمود بن غيلان ، عن سفيان عنه مختصرا ، وفيه وفي الطهارة ، عن علي بن حجر ، عن جرير بتمامه . وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن محمد الطنافسي ، وروى البزار بسند جيد من حديث خبيب بن سليمان بن سمرة ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا صلى أحدكم فليقل : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم إني أعوذ بك أن تصدعني بوجهك يوم القيامة ، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم أحيني مسلما ، وأمتني مسلما .
وخبيب بضم الخاء المعجمة وثقه ابن حبان ، وكذلك وثق أباه سليمان ، ورد ابن القطان هذا الحديث بجهل حالهما غير جيد ، وقال الإشبيلي : الصحيح في هذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني حديث أبي هريرة لا أمره . ( ذكر معناه ) قوله : يسكت بفتح الياء من سكت يسكت سكوتا ، ويروى : يسكت بضم الياء من أسكت يسكت إسكاتا ، قال الكرماني : الهمزة للصيرورة . ( قلت ) : معناها صيرورة الشيء إلى ما اشتق منه الفعل ، كأغد البعير : أي صار ذا غدة ، ومعناه هنا : يصير ذا سكوت ، ويجوز أن يكون بمعنى الدخول في الشيء ، تقديره : كان يدخل في السكوت بين التكبير وبين القراءة .
قوله : إسكاتة بكسر الهمزة على وزن إفعالة قال بعضهم : إسكاتة من السكوت ، ( قلت ) : لا بل من أسكت ، والسكوت من سكت ، وهذا الوزن للمرة ، والنوع من الثلاثي المزيد فيه ، ومن المجرد يجيء على سكتة بالفتح للمرة ، وبالكسر للنوع ، والأصل في المزيد فيه من الثلاثي والرباعي المجرد ، والمزيد أن مصدرها إذا كان بالتاء فالمرة والنوع على مصدرها المستعمل ، والفارق القرائن نحو : استقامة ، ودحرجة واحدة ، أو حسنة ، وإن لم يكن بالتاء فالبناء على مصدره مزيدا فيه التاء ، نحو : انطلاقة ، وتدحرجة واحدة ، أو حسنة ، وشذ قولهم : أتيته إتيانة ، ولقيته لقاءة ؛ لأنهما من الثلاثي المجرد الذي لا تاء في مصدره ؛ إذ مصدرهما : إتيان ولقاء ، والقياس : إتية ولقية ، وقال الخطابي : معناه سكوتا يقتضي بعده كلاما ، أو قراءة مع قصر المدة ، وأريد بهذا النوع من السكوت ترك رفع الصوت بالكلام ، ألا تراه يقول : ما تقول في إسكاتك ؟ وانتصاب إسكاتة على أنه مفعول مطلق إما على رواية يسكت بضم الياء فظاهر ؛ لأنه على الأصل ، وإما على رواية يسكت بفتح الياء فعلى خلاف القياس ؛ لأن القياس سكوتا ، كما جاء بالعكس في قوله تعالى : ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ﴾والقياس : إنباتا . قوله : أحسبه قال هنية : أي قال أبو زرعة : قال أبو هريرة : بدل إسكاته هنية ، هذه رواية عبد الواحد بن زياد بالظن ، ورواه جرير عند مسلم وغيره ، وابن فضيل عند ابن ماجه ، وغيره بلفظ : سكت هنية بغير تردد ، وإنما اختار البخاري رواية عبد الواحد ؛ لوقوع التصريح بالتحديث فيها في جميع الإسناد كما ذكرناه ، وأما هنيئة ففيه أوجه : الأول : بضم الهاء ، وفتح النون ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفتح الهمزة ، وقال ابن قرقول : كذا عند الطبري ، ولا وجه له ، وقال : وعند الأصيلي ، وابن الحذاء ، وابن السكن : هنيهة بالهاء المفتوحة موضع الهمزة وهو الوجه الثاني . ( قلت ) : وهو رواية الكشميهني ، ورواية إسحاق ، والحميدي في مسنديهما عن جرير .
الوجه الثالث : قاله النووي هنية بضم الهاء ، وفتح النون ، وتشديد الياء بغير همزة ، ومن همزها فقد أخطأ . ( قلت ) : ذكر عياض ، والقرطبي أن أكثر رواة مسلم بالهمزة ، وقال النووي : أصلها هنوة ، فلما صغرت صارت هنيوة ، فاجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، وفي الموعب لابن التياني : هنية هي اليسيرة من الشيء ما كان . قوله : بأبي وأمي الباء تتعلق بمحذوف إما اسم فيكون تقديره : أنت مفدى بأبي وأمي ، وإما فعل فالتقدير فديتك بأبي ، وحذف تخفيفا ؛ لكثرة الاستعمال ، وعلم المخاطب به ، وفيه تفدية الشارع بالآباء والأمهات ، وهل يجوز تفدية غيره من المؤمنين فيه مذاهب ، أصحها نعم بلا كراهة .
وثانيها : المنع وذلك خاص به ، وثالثها : يجوز تفدية العلماء الصالحين الأخيار دون غيرهم . قوله : إسكاتك بكسر الهمزة ، قال بعضهم : وهو بالرفع على الابتداء ، ولم يبين خبره ، والصحيح أنه بالنصب على أنه مفعول فعل مقدر : أي أسألك إسكاتك ما تقول فيه ؟ . أو منصوب بنزع الخافض : أي ما تقول في إسكاتك ؟ ووقع في رواية المستملي والسرخسي بفتح الهمزة وضم السين على الاستفهام ، وفي رواية الحميدي : ما تقول في سكتتك بين التكبير والقراءة ، ولمسلم : أرأيت سكوتك ، وكذا في رواية أبي داود ، ومعناه أخبرني سكوتك ، قوله : ما تقول : أي فيها ، قيل : السكوت مناف للقول ، فكيف يصح أن يقال : ما تقول في سكوتك .
( وأجيب ) بأنه يحتمل أنه استدل على أصل القول بحركة الفم ، كما استدل به على قراءة القرآن في الظهر والعصر باضطراب اللحية ، قوله : باعد بمعنى : أبعد ، قال الكرماني : أخرجه إلى صيغة المفاعلة للمبالغة . ( قلت ) : لم يقل أهل التصريف إلا للتكثير نحو ضاعفت بمعنى ضعفت ، وفي المبالغة معنى التكثير ، قوله : خطاياي جمع خطية ، كالعطايا جمع عطية ، يقال : خطأ في دينه خطأ إذا أثم فيه ، والخطأ بالكسر الذنب والإثم ، وأصل خطايا خطايئ فقلبوا الياء همزة كما في قبائل جمع قبيلة ، فصار خطائئ بهمزتين فقلبوا الثانية ياء ، فصار خطائي ، ثم قلبت الهمزة ياء مفتوحة ، فصارت خطايي ، فقلبت الياء فصار خطايا ، ثم الخطايا إن كان يراد بها اللاحقة ، فمعناه إذا قدر لي ذنب فبعِّد بيني وبينه ، وإن كان يراد بها السابقة فمعناه المحو والغفران ، ويقال : المراد بالمباعدة محو ما حصل منها والعصمة عما سيأتي منها ، وهذا مجاز ؛ لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان ، قوله : كما باعدت كلمة ما مصدرية ، تقديره كتبعيدك بين المشرق والمغرب ، ووجه الشبه أن التقاء المشرق والمغرب لما كان مستحيلا شبه أن يكون اقترابه من الذنب كاقتراب المشرق والمغرب ، وقال الكرماني : كرر لفظ البين في قوله : وباعد بيني وبين خطاياي ولم يكرر بين المشرق والمغرب ؛ لأنه إذا عطف على المضمر المجرور أعيد الخافض . ( قلت ) : يرد عليه قوله بين التكبير وبين القراءة ، قوله : نقني بتشديد القاف ، وهو أمر من نقى ينقي تنقية وهو مجاز عن إزالة الذنوب ومحو أثرها ، قوله : من الدنس بفتح النون وهو الوسخ ، قوله : كما ينقى الثوب الأبيض ، وإنما شبه به ؛ لأن الثوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان .
قوله : والبرد بفتح الراء وهو حب الغمام ، قال الكرماني : الغسل البالغ إنما يكون بالماء الحار فلم ذكر كذلك ؟ فأجاب ناقلا عن محي السنة معناه : طهرني من الذنوب ، وذكرهما مبالغة في التطهير ، وقال الخطابي : هذه أمثال ، ولم يرد بها أعيان هذه المسميات ، وإنما أراد بها التوكيد في التطهير من الخطايا والمبالغة في محوها عنه ، والثلج والبرد ماءان لم تمسهما الأيدي ، ولم يمتهنهما استعمال ، فكان ضرب المثل بهما أوكد في بيان معنى ما أراده من تطهير الثوب . وقال التوربشتي : ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها ؛ بيانا لأنواع المغفرة التي لا تخلص من الذنوب إلا بها : أي طهرني بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس ، ورفع الأحداث ، وقال الطيبي : يمكن أن يقال ذكر الثلج والبرد بعد ذكر الماء لطلب شمول الرحمة بعد المغفرة ، والتركيب من باب رأيته متقلدا سيفا ورمحا : أي اغسل خطاياي بالماء : أي اغفرها ، وزد على الغفران شمول الرحمة ، طلب أولا المباعدة بينه وبين الخطايا ، ثم طلب تنقية ما عسى أن يبقى منها شيء تنقية تامة ، ثم سأل ثالثا بعد الغفران غاية الرحمة عليه بعد التخلية . وقال الكرماني : والأقرب أن يقول : جعل الخطايا بمنزلة نار جهنم ؛ لأنها مستوجبة لها بحسب وعد الشارع ، قال تعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل ؛ تأكيدا في الإطفاء ، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى أبرد منه وهو الثلج ، ثم إلى أبرد من الثلج وهو البرد ، بدليل جموده ؛ لأن ما هو أبرد فهو أجمد ، وأما تثليث الدعوات فيحتمل أن يكون نظرا إلى الأزمنة الثلاثة ، فالمباعدة للمستقبل والتنقية للحال والغسل للماضي .
( ذكر ما يستنبط منه ) ذكر البخاري لهذا الحديث في هذا الباب دليل على أنه يرى الاستفتاح بهذا ، وقد اختلف الناس فيما يستفتح به الصلاة ، فأبو حنيفة ، وأحمد يريان الاستفتاح بما رواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، فأبو داود ، عن حسين بن عيسى ، حدثنا طلق بن غنام ، حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي ، عن بديل بن ميسرة ، عن أبي الجوراء ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استفتح الصلاة ، قال : ( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ) ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث حارثة بن أبي الرجال ، عن عمرة ، عن عائشة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استفتح الصلاة قال : سبحانك اللهم إلى آخره نحوه ، وأبو الجوراء بالجيم والراء ، واسمه أوس بن عبد الله الربعي البصري . ( فإن قلت ) : قال أبو داود : هذا الحديث ليس بالمشهور ، عن عبد السلام بن حرب ، ولم يروه إلا طلق بن غنام ، وقد روى قصة الصلاة جماعة غير واحد ، عن بديل لم يذكروا فيه شيئا من هذا ، وقال الترمذي : هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وحارثة قد تكلم فيه . ( قلت ) : قد أخرجه الحاكم في المستدرك بالإسناد ، أعني إسناد أبي داود ، وإسناد الترمذي ، وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، ولا أحفظ في قوله : سبحانك اللهم وبحمدك في الصلاة أصح من هذا الحديث .
وقد صح عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان يقوله ، ثم أخرجه عن الأعمش ، عن الأسود ، عن عمر قال ، وقد أسنده بعضهم عن عمر ولا يصح ، وأخرجه مسلم في صحيحه ، عن عبدة ، وهو ابن أبي لبابة ، أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول : سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك . وقال المنذري : وعبدة لا يعرف له سماع من عمر ، وإنما سمع من ابنه عبد الله ، ويقال : إنه رأى عمر رؤية ، وقال صاحب التنقيح : وإنما أخرجه مسلم في صحيحه ؛ لأنه سمعه مع غيره ، وقال الدارقطني في كتابه العلل : وقد رواه إسماعيل بن عياش ، عن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية عن أبي إسحاق السبيعي ، عن الأسود ، عن عمر ، عن النبي – صلى الله عليه وسلم - ، وخالفه إبراهيم النخعي فرواه عن الأسود ، عن عمر قوله ، وهو الصحيح ، وروى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة كبر ، ثم يقول : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ، ثم يقول : الله أكبر كبيرا ، ثم يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزة ونفخه ونفثه . ثم قال : وفي الباب عن علي ، وعبد الله بن مسعود ، وعائشة ، وجابر ، وجبير بن مطعم ، وابن عمر ، ثم قال : وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب ، وقد أخذ قوم من أهل العلم بهذا الحديث ، وأما أكثر أهل العلم فقالوا : إنما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ، وهكذا روي عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما ، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم .
( قلت ) : أما حديث علي فأخرجه إسحاق بن راهويه في أول كتاب الجامع ، عن الليث بن سعد ، عن سعيد بن يزيد ، عن الأعرج ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن علي بن أبي طالب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه كان يجمع في أول صلاته بين سبحانك اللهم وبحمدك ، وبين وجهت وجهي إلى آخرهما . قال إسحاق : والجمع بينهما أحب إلي ، وفي كتاب العلل لابن أبي حاتم سئل أحمد بن سلمة : أي عن هذا الحديث ؟ فقال : حديث موضوع باطل ، لا أصل له ، أرى أن هذا من رواية خالد بن القاسم المدايني ، وقد كان خرج إلى مصر ، فسمع من الليث ، ورجع إلى المدائن ، فسمع منه الناس ، فكان يوصل المراسيل ، ويضع لها أسانيد ، فخرج رجل من أهل الحديث إلى مصر ، فكتب كتب الليث هنالك ، ثم قدم بها بغداد فعارضوا بتلك الأحاديث ، فبان لهم أن أحاديث خالد مفتعلة ، وقد روى مسلم حديث علي منفردا بقوله : وجهت وجهي فقط ، أخرجه في التهجد من رواية عبيد الله بن أبي رافع ، عن علي بن أبي طالب : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة قال : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ، وفي رواية لمسلم : وأنا أول المسلمين ، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت الحديث . وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الطبراني في معجمه من حديث أبي الأحوص، عن عبد الله قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة قال : سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره .
وأما حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقد ذكرناه عن قريب . وأما حديث جابر رضي الله تعالى عنه فأخرجه الدارقطني عنه : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستفتح الصلاة بسبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره ، وقال ابن الجوزي ، وبعده ابن قدامة : رجال إسناده كلهم ثقات ، وطعن فيه أبو حاتم الرازي . وأما حديث جبير بن مطعم فأخرجه أبو داود ، عن ابن جبير بن مطعم ، عن أبيه أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة ، قال عمر : ولا أدري أي صلاة هي ، قال : الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا والحمد لله حمدا كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه .
وأما حديث ابن عمر فأخرجه الطبراني في معجمه من حديث محمد بن المنكدر ، عن عبد الله بن عمر قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة قال : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ، سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ، ولا إله غيرك ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ﴿لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ﴾. وقد ذكرنا عن مسلم أنه أخرج عن علي وجهت وجهي إلى آخره . ( قلت ) : وفي الباب أيضا عن أنس أخرجه الدارقطني من حديث حميد ، عن أنس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة كبر ، ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه ، ثم يقول : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ، ثم قال : ورجال إسناده كلهم ثقات .
وعن الحكم بن عمير الثمالي أخرجه الطبراني عنه قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا إذا قمتم إلى الصلاة فارفعوا أيديكم ، ولا تخالف آذانكم ثم قولوا : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ، ولا إله غيرك ، وإن لم تزيدوا على التكبير أجزاكم . وعن واثلة أخرجه الطبراني عنه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كان يقول إذا افتتح الصلاة : سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره . وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أخرجه الدارقطني ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر بن الخطاب كان النبي - عليه الصلاة والسلام - إذا كبر للصلاة قال : سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره ، وقال الدارقطني : والمحفوظ أنه موقوف على عمر رضي الله تعالى عنه ، وقد مر الكلام فيه مستوفى عن قريب ، واستحب الشافعي الاستفتاح بحديث علي من عند مسلم ، وقد مضى عن قريب .
وقال ابن الجوزي : كان ذلك في أول الأمر أو النافلة . ( قلت ) : كان في النافلة ، والدليل عليه ما رواه النسائي من حديث محمد بن مسلمة : أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان إذا قام يصلي تطوعا قال : وجهت وجهي إلى آخره ، ولكن في صحيح ابن حبان : كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة قاله ، وقال ابن قدامة : العمل به متروك ؛ فإنا لا نعلم أحدا استفتح بالحديث كله ، وإنما يستفتحون بأوله ، وقال ابن الأثير في شرح المسند : الذي ذهب إليه الشافعي في الأم أنه يأتي بهذه الأذكار جميعا من أولها إلى آخرها في الفريضة والنافلة ، وأما المزني فروي عنه أنه يقول : وجهت وجهي إلى قوله : من المسلمين ، قال أبو يوسف : يجمع بين قول : سبحانك اللهم وبحمدك ، وبين قول : وجهت وجهي ، وهو قول أبي إسحاق المروزي ، وأبي حامد الشافعيين . وفي المحيط : يستحب قول وجهت وجهي قبل التكبير ، وقيل : لا يستحب لتطويل القيام مستقبل القبلة من غير صلاة ، وقال ابن بطال : إن الشافعي قال : أحب للإمام أن يكون له سكتة بين التكبير والقراءة ليقرأ المأموم فيها ، ثم قال : وحديث أبي هريرة يرد العلة التي علل بها الشافعي هذه السكتة ؛ لأن أبا هريرة سأل الشارع عنها ، فقال : أقول اللهم باعد إلى آخره ، ولو كان ليقرأ من وراء الإمام فيها لذكر ذلك ، فبين أن السكتة لغير ما قاله الشافعي .
وقال صاحب التوضيح : هذا الذي قاله عن الشافعي غلط من أصله ، فإن الذي استحبه الشافعي السكتة فيها لأجل قراءة المأموم الفاتحة إنما هي السكتة الثالثة بعد قوله : آمين ، ورده ابن المنير أيضا بأنه لا يلزم من كونه أخبره بصفة ما يقول أن لا يكون سبب السكوت ما ذكر ، وقيل : هذا النقل من أصله غير معروف عن الشافعي ، ولا عن أصحابه ، إلا أن الغزالي قال في الإحياء : إن المأموم يقرأ الفاتحة إذا اشتغل الإمام بدعاء الافتتاح ، وخولف في ذلك ، بل أطلق المتولي وغيره تقديم المأموم قراءة الفاتحة على الإمام ، وفي وجه إن فرغها قبله بطلت صلاته ، والمعروف أن المأموم يقرؤها إذا سكت الإمام بين الفاتحة والسورة ، وهو الذي حكاه عياض ، وغيره عن الشافعي . وقد نص الشافعي على أن المأموم يقول دعاء الافتتاح كما يقوله الإمام . ( قلت ) : قال المزني وهو في حق الإمام فقط ، وقال بعضهم : والسكتة التي بين الفاتحة والسورة ثبت فيها حديث سمرة عند أبي داود وغيره .
( قلت ) : قال أبو داود : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا إسماعيل ، عن يونس ، عن الحسن قال : قال سمرة : حفظت سكتتين في الصلاة : سكتة إذا كبر الإمام حين يقرأ ، وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب ، وسورة عند الركوع قال : فأنكر ذلك عليه عمران بن الحصين قال : فكتبوا في ذلك إلى المدينة إلى أبي فصدق سمرة قوله : سكتة إذا كبر الإمام فيه دليل لأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، والجمهور أنه يستحب دعاء الافتتاح ، وقال مالك : لا يستحب دعاء الافتتاح بعد تكبيرة الافتتاح ، قوله : وسكتة إذا فرغ : أي عند فراغ الإمام من فاتحة الكتاب وسورة ، وقال الخطابي : وهذه السكتة ليقرأ من خلف الإمام ولا ينازعه في القراءة ، وهو مذهب الشافعي ، وعند أصحابنا لا يقرأ المقتدي خلف الإمام ، فتحمل هذه السكتة عندنا على الفصل بين القراءة والركوع بالتأني وترك الاستعجال بالركوع بعد الفراغ من القراءة ، ولكن حد هذه السكتة قدر ما يقع به الفصل بين القراءة والركوع ، حتى إذا طال جدا فإن كان عمدا يكره ، وإن كان سهوا يجب عليه سجدة السهو ؛ لأن فيه تأخير الركن . وقال أبو داود ، وكذا قال حميد : وسكتة إذا فرغ من القراءة ، وقد حمل البعض هذه السكتة على ترك رفع الصوت بالقراءة دون السكوت عن القراءة ، وقال أبو داود : حدثنا القعنبي ، قال مالك : لا بأس بالدعاء في الصلاة في أوله ، وفي أوسطه ، وفي آخره في الفريضة وغيرها . ( قلت ) : وكذا روي عن الشافعي ، وقال البغوي : وبأي دعاء من الأدعية الواردة في هذا الباب استفتح حصلت سنة الافتتاح ، وعندنا لا يستفتح إلا بسبحانك اللهم إلى آخره ، وأما الأدعية المذكورة في هذا الباب فإن أراد يدعو بها في آخر صلاته بعد الفراغ من التشهد في الفرض ، وأما باب النفل فواسع ، وكل ما جاء في هذه الأدعية فمحمول على صلاة الليل ، وقال ابن بطال : لو كانت هذه السكتة فيما واظب عليه الشارع لنقلها أهل المدينة عيانا وعملا ، فيحتمل أنه – صلى الله عليه وسلم - فعلها في وقت ، ثم تركها فتركها واسع ، وقال صاحب التوضيح : الحديث ورد بلفظ : كان إذا قام إلى الصلاة ، وبلفظ : كان إذا قام يصلي تطوعا ، وبلفظ : كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة قاله ، وكان هنا يشعر بالمداومة عليه .
( قلت ) : إذا ثبتت المداومة يثبت الوجوب ، ولم يقل به أحد .