حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما يقول بعد التكبير

‎ - حدثنا ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا نافع بن عمر ، قال : حدثني ابن أبي مليكة ، عن أسماء بنت أبي بكر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الكسوف ، فقام فأطال القيام ، ثم ركع فأطال الركوع ، ثم قام فأطال القيام ، ثم ركع فأطال الركوع ، ثم رفع ، ثم سجد فأطال السجود ، ثم رفع ، ثم سجد فأطال السجود ، ثم قام فأطال القيام ، ثم ركع فأطال الركوع ، ثم رفع فأطال القيام ، ثم ركع فأطال الركوع ، ثم رفع فسجد فأطال السجود ، ثم رفع ، ثم سجد فأطال السجود ، ثم انصرف فقال : قد دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها ، ودنت مني النار حتى قلت : أي رب ، أوأنا معهم ، فإذا امرأة حسبت أنه قال : تخدشها هرة ، قلت : ما شأن هذه ؟ قالوا : حبستها حتى ماتت جوعا لا أطعمتها ولا أرسلتها تأكل ، قال نافع : حسبت أنه قال : من خشيش الأرض ، أو خشاش . لم يقع بين هذا الحديث والحديث الذي قبله شيء من لفظة : باب مجردة ، ولا بترجمة في رواية أبي ذر ، وأبي الوقت ، وكذا لم يذكر أبو نعيم ، ولا ذكره ابن بطال في شرحه ، ووقع في رواية الأصيلي وكريمة لفظة باب بلا ترجمة ، وكذا ذكره الإسماعيلي لفظة باب بلا ترجمة ، ثم على تقدير عدم وقوع شيء من ذلك بين الحديثين يطلب وجه المطابقة بين هذا الحديث وبين الترجمة ، فقال بعضهم : فعلى هذا مناسبة الحديث غير ظاهرة للترجمة . ( قلت ) : ظاهرة وهي في قوله : فقام فأطال القيام ؛ لأن إطالة النبي - صلى الله عليه وسلم - القيام بحسب الظاهر كانت مشتملة على قراءة الدعاء وقراءة القرآن ، وقد علم أن الدعاء عقيب الافتتاح قبل الشروع في القراءة فصدق عليه باب ما يقول بعد التكبير وهي مطابقة ظاهرة جدا ، وقد قال الكرماني لما كانت قراءة دعاء الافتتاح مستلزمة لتطويل القيام ، وهذا فيه تطويل القيام ذكره هاهنا من جهة هذه المناسبة .

( قلت ) : هذا غير سديد ؛ لأن الترجمة باب ما يقول بعد التكبير وليست في تطويل القيام ، وقال بعضهم : وأحسن منه ما قاله ابن رشيد يحتمل أن تكون المناسبة في قوله : حتى قلت : إي رب ، أوأنا معهم ؛ لأنه وإن لم يكن فيه دعاء ففيه مناجاة واستعطاف فيجمعه مع الذي قبله جواز دعاء الله ومناجاته بكل ما فيه خضوع ، ولا يختص بما ورد في القرآن خلافا للحنفية انتهى . ( قلت ) : هذا كلام طائح أما أولا فلأنه لا يدل أصلا على المقصود على ما لا يخفى على من له ذوق من طعم تراكيب الكلام ، وأما ثانيا : فلأن العبد يناجي ربه ويستعطفه وهو ساكت ، ومقام المناجاة والاستعطاف يكون بكل ذكر يليق لذاته وصفاته ، والحال أن الله حث عبيده في غير موضع من القرآن ، وحث نبيه – صلى الله عليه وسلم - في غير موضع من حديثه بذكره ، ومدح الذاكرين والذاكرات ، وكل ذلك باللسان ، وهو ترجمان القلب ، ومجرد الخضوع لا يغني عن الذكر ، والحسن في الخضوع مع الذكر ، وأما ثالثا : فكيف يقول : ولا يختص بما ورد في القرآن أفيليق للعبد أن يقول في صلاته وهي محل المناجاة والخضوع : اللهم أعطني ألف دينار مثلا ، أو زوجني امرأة فلانية ؟ وهذا ينافي الخضوع والخشوع ، وكيف وقد قال – صلى الله عليه وسلم - : إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس الحديث ، وأما على تقدير وقوع لفظة باب بين الحديثين فهي بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله ، وتكون المناسبة بينهما تعلقا ما ، والذي ذكره الكرماني هو هذا التعلق فافهم . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول : سعيد بن محمد بن الحكم ابن أبي مريم الجمحي مولاهم البصري .

الثاني : نافع بن عمر بن عبد الله الجمحي القرشي من أهل مكة ، ذكر الطبري أنه مات بمكة سنة تسع وستين ومائة . الثالث : عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي مليكة أبو بكر ، ويقال : أبو محمد ، واسم أبي مليكة بضم الميم : زهير بن عبد الله التيمي الأحول المكي القاضي على عهد ابن الزبير رضي الله تعالى عنهم . الرابع : أسماء بنت أبي بكر الصديق ، أم عبد الله بن الزبير ، وهي التي يقال لها : ذات النطاقين ، أخت عائشة أم المؤمنين ، ماتت بمكة سنة ثلاث وسبعين ، وكانت بنت مائة سنة .

( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رواته ما بين بصري ومكي ، وفيه رواية التابعي عن الصحابية . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الشرب ، عن سعيد بن أبي مريم ( قلت ) : أخرجه في باب فضل سقي الماء ، حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة : عن أسماء بنت أبي بكر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الكسوف فقال : دنت مني النار حتى قلت : أي رب ، أوأنا معهم ، فإذا امرأة حسبت أنه قال : تخدشها هرة ، قال : ما شأن هذه ؟ قالوا : حبستها حتى ماتت جوعا ، انتهى . فسنده بعين سند حديث هذا الباب ، إلا أن في المتن اقتصارا ، وبعض اختلاف ، وأخرجه النسائي في الصلاة عن إبراهيم بن يعقوب ، عن موسى بن داود ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محرز بن سلمة ، ثلاثتهم عن نافع بن عمر ، عن ابن مليكة به .

وصلاة الكسوف رويت عن أربعة وعشرين نفسا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وهم : أسماء بنت أبي بكر ، أخرجه الستة خلا الترمذي ، فاتفق عليه الشيخان من رواية فاطمة بنت المنذر ، عن أسماء بنت أبي بكر ، وأخرج أبو داود منه في الأمر بالعتاقة في كسوف الشمس ، وأخرج البخاري ، ومسلم ، وابن ماجه من رواية ابن أبي مليكة ، عن أسماء بنت أبي بكر ، ورواه مسلم من رواية صفية بنت شيبة عن أسماء . وابن عباس أخرج حديثه مسلم ، عن محمد بن المثنى ، وأبو داود عن مسدد ، والترمذي عن بندار ، والنسائي عن محمد بن المثنى ، وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، والنسائي عن يعقوب بن إبراهيم ، واتفق عليه الشيخان ، وأبو داود والنسائي من رواية عطاء بن يسار عن ابن عباس . وعلي بن أبي طالب أخرج حديثه أحمد من رواية حنش عنه .

وعائشة أخرج حديثها الأئمة الستة ، فالبخاري عن عبد الله بن محمد ، واتفق عليه الشيخان ، وأبو داود والنسائي من رواية الأوزاعي ، والنسائي من رواية عبد الرحمن بن أبي بكر ، وأخرجه خلا الترمذي من رواية يونس بن يزيد ، ورواه مسلم والنسائي من رواية شعيب بن أبي حمزة ، وعلقه البخاري من رواية سليمان بن كثير ، وسفيان بن حسين سنتهم عن الزهري ، وقد وصل الترمذي رواية سفيان بن حسين ، واتفق عليه الشيخان وأبو داود والنسائي من رواية هشام بن عروة ، عن أبيه ، وأبو داود من رواية سليمان بن يسار ، عن عروة . ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية هشام بن عروة ، عن أبيه ، وأبو داود من رواية عبيد بن عمير ، وفي رواية لمسلم عن عبيد بن عمير ، عن عائشة . وعبد الله بن عمرو أخرج حديثه البخاري ، ومسلم ، والنسائي من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو ، وله حديث آخر رواه أبو داود من رواية عطاء بن السائب عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو ، وسكت عليه .

والنعمان بن بشير أخرج حديثه أبو داود والنسائي من رواية أبي قلابة ، عن النعمان بن بشير . والمغيرة بن شعبة أخرج حديثه الشيخان من رواية زياد بن علاقة . وأبو مسعود أخرج حديثه الشيخان والنسائي وابن ماجه من رواية قيس بن أبي حازم ، قال : سمعت أبا مسعود الحديث .

وأبو بكرة أخرج حديثه البخاري والنسائي من رواية الحسن ، عن أبي بكرة . وسمرة بن جندب أخرج حديثه أصحاب السنن من رواية ثعلبة بن عباد بكسر العين وتخفيف الباء الموحدة . وابن مسعود أخرج حديثه أحمد من طريق ابن إسحاق .

وابن عمر رضي الله تعالى عنهما أخرج حديثه الشيخان والنسائي من رواية القاسم بن محمد بن أبي بكر عن ابن عمر . وقبيصة الهلالي أخرج حديثه أبو داود والنسائي من رواية أبي قلابة عنه . وجابر أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية هشام الدستوائي ، عن أبي الزبير عن جابر .

وأبو موسى أخرج حديثه الشيخان والنسائي من رواية يزيد بن عبد الله . وعبد الرحمن بن سمرة أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي . وأبي بن كعب أخرج حديثه أبو داود من رواية أبي حفص الرازي .

وبلال أخرج حديثه البزار والطبراني في الكبير والأوسط من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن بلال . وحذيفة أخرج حديثه البزار من رواية محمد بن أبي ليلى . ومحمود بن لبيد أخرج حديثه أحمد من رواية عاصم بن عمرو بن قتادة عنه .

وأبو الدرداء أخرج حديثه الطبراني في الكبير من رواية زياد بن صخر عنه . وأبو هريرة أخرج حديثه النسائي من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة . وأم سفيان أخرج حديثها الطبراني في الكبير من رواية موسى بن عبد الرحمن عنها .

وعقبة بن عامر أخرج حديثه الطبراني في الكبير بلفظ : لما توفي إبراهيم عليه السلام كسفت الشمس الحديث . ( ذكر معناه ) قوله : صلاة الكسوف روى جماعة أن الكسوف يكون في الشمس والقمر ، وروى جماعة فيهما بالخاء ، وروى جماعة في الشمس بالكاف ، وفي القمر بالخاء ، والكثير في اللغة وهو اختيار الفراء أن يكون الكسوف للشمس والخسوف للقمر ، يقال : كسفت الشمس ، وكسفها الله عز وجل ، وانكسفت ، وخسف القمر وخسفه الله ، وانخسف . وذكر ثعلب في الفصيح : انكسفت الشمس ، وخسف القمر أجود الكلام ، وفي التهذيب لأبي منصور : خسف القمر وخسفت الشمس إذا ذهب ضوؤها ، وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : خسف القمر وكسف واحد : ذهب ضوؤه ، وقيل : الكسوف أن يكسف ببعضهما ، والخسوف أن يخسف بكلهما ، قال تعالى : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ وقال ابن حبيب في شرح الموطأ : الكسوف تغير اللون ، والخسوف انخسافهما ، وكذلك تقول في عين الأعور إذا انخسفت وغارت في جفن العين ، وذهب نورها وضوؤها ، وقال القزاز : وكسف الشمس والقمر تكسف كسوفا فهي كاسفة ، وكسفت فهي مكسوفة ، وقوم يقولون : انكسفت وهو غلط .

وقال الجوهري : والعامة تقول : انكسفت ، وفي المحكم كسفها الله ، وأكسفها ، والأول أعلى ، والقمر كالشمس ، وقال اليزيدي : كسف القمر وهو يخسف خسوفا فهو خسف وخسيف وخاسف ، وانخسف انخسافا ، قال : وانخسف أكثر في ألسنة الناس . وفي شرح الفصيح : كسفت الشمس : أي اسودت في رأي العين من ستر القمر إياها عن الأبصار ، وبعضهم يقول : كسفت على ما لم يسم فاعله ، وانكسفت . قوله : ثم انصرف : أي من الصلاة بعد أن فرغ منها على هذه الهيئة ، قوله : دنت : أي قربت من الدنو .

قوله : لو اجترأت من الجراءة وهو الجسارة ، وإنما قال ذلك ؛ لأنه لم يكن مأذونا من عند الله بأخذه ، قوله : بقطاف بكسر القاف قال الجوهري : القطف بالكسر العنقود ، وبجمعه جاء القرآن : قطوفها ، والقطاف بالكسر وبالفتح : وقت القطف ، بالفتح يقال : قطفت العنب قطفا ، وقال ابن الأثير : القطف بالكسر اسم لكل ما يقطف كالذبح والطحن ، ويجمع على قطاف وقطوف ، وأكثر المحدثين يرويه بفتح القاف ، وإنما هو بالكسر ، قوله : أوأنا معهم بهمزة الاستفهام بعدها واو عاطفة في رواية الأكثرين ، وبحذف الهمزة في رواية كريمة ، وهي مقدرة ، وقال الكرماني : عطف الواو على مقدر بعد الهمزة يدل عليه السياق ، ولم يبين ذلك ولا غيره الذي أخذ منه ، وفي رواية ابن ماجه : وأنا فيهم ، وقال الإسماعيلي : والصحيح أوأنا معهم . قوله : فإذا امرأة كلمة إذا للمفاجأة ، فتختص بالجمل الاسمية ، ولا تحتاج إلى جواب ، ومعناها الحال لا الاستقبال ، نحو خرجت فإذا الأسد بالباب . قوله : حسبت أنه قال جملة معترضة بين قوله : امرأة ، وبين قوله : تخدشها : أي قال أبو هريرة : حسبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال هكذا فسره الكرماني ، وقال غيره : قائل ذلك هو نافع بن عمر راوي الحديث ، والضمير في أنه لابن أبي مليكة ، وذكر أن الإسماعيلي بينه ، كذا قوله : تخدشها من الخدش بفتح الخاء المعجمة ، وسكون الدال المهملة ، وفي آخره شين معجمة ، وهو خدش الجلد وقشره بعود أو نحوه ، وهو من باب ضرب يضرب .

قوله : هرة بالرفع فاعل لقوله : تخدشها قوله : لا أطعمتها : أي لا أطعمت المرأة الهرة ، هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : لا هي أطعمتها بالضمير الراجع إلى المرأة ، قوله : تأكل من الأحوال المنتظرة . قوله : قال نافع وهو ابن عمر راوي الحديث ، قوله : حسبت أنه قال فاعل حسبت هو نافع ، والضمير في أنه يرجع إلى ابن أبي مليكة ، قوله : من خشيش الأرض ، أو خشاش الأرض كذا وقع في هذه الرواية بالشك ، والخشيش بفتح الخاء المعجمة ، وهو حشرات الأرض وهوامها ، والخشاش بكسر الخاء هو الحشرات أيضا ، وقال ابن الأثير : تأكل من خشاش الأرض ، وفي رواية : من خشيشها ، وهي بمعناه ، ويروى بالحاء المهملة ، وهو يابس النبات ، وهو وهم ، وقيل : إنما هو خشيش بضم الخاء المعجمة تصغير خشاش على الحذف ، أو خشيش بغير حذف ، وقال الخطابي : ليس بشيء ، وإنما هو الخشاش مفتوحة الحاء ، وهو حشرات الأرض . ( ذكر ما يستنبط منه ) وهو على وجوه : الأول أن صلاة الكسوف أجمع العلماء على أنها سنة ، وليست بواجبة وهو الأصح ، وقال بعض مشايخنا : إنها واجبة للأمر بها ، ونص في الأسرار على وجوبها .

( قلت ) : الأمر فيها هو قوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا رأيتم شيئا من هذه الأفزاع فافزعوا إلى الصلاة ، وثبوتها بالكتاب ، وهو قوله تعالى : وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا والكسوف آية من آيات الله تعالى يخوف الله به عباده ؛ ليتركوا المعاصي ، ويرجعوا إلى طاعة الله تعالى التي فيها فوزهم ، وبالسنة وهو ما ذكرناه ، وبالإجماع فإن الأمة قد اجتمعت عليها من غير إنكار من أحد . الوجه الثاني : أن يصلى بها في المسجد الجامع ، أو في مصلى العيد قاله الطحاوي ، وقالت الشافعية والحنابلة : السنة في المسجد ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلها فيه ، ولأن وقت الكسوف يضيق عن الخروج إلى المصلى . الوجه الثالث : في وقت أدائها ، فأما أولها فوقت يجوز فيه أداء النافلة ، وفيه خلاف يأتي ، وآخرها فعن مالك لا يصلى بعد الزوال ، رواه ابن القاسم ، وفي رواية ابن وهب يصلى وإن زالت الشمس ، وعنه لا يصلى بعد العصر ، ومذهب أبي حنيفة إن طلعت مكسوفة لا يصلى حتى يدخل وقت الجواز ، قال ابن المنذر وبه أقول خلافا للشافعي .

وفي المحيط : لا يصلى في الأوقات الثلاثة ، وذكر ابن عمر في الاستذكار قال الليث بن سعد : حججت سنة ثلاث عشرة ومائة ، وعلى الموسم سليمان بن هشام ، وبمكة - شرفها الله - عطاء بن أبي رباح ، وابن شهاب ، وابن أبي مليكة ، وعكرمة بن خالد ، وعمرو بن شعيب ، وأيوب بن موسى ، وكسفت الشمس بعد العصر فقاموا قياما يدعون الله في المسجد ، فقلت لأيوب : ما لهم لا يصلون ؟ فقال النهي قد جاء عن الصلاة بعد العصر ، فلذلك لا يصلون ، إنما يذكرون حتى تنجلي الشمس ، وهو مذهب الحسن بن أبي الحسن ، وابن علية ، والثوري ، وقال إسحاق : يصلون بعد العصر ما لم تصفر الشمس ، وبعد صلاة الصبح ، ولا يصلون في الأوقات الثلاثة ، فلو كسفت عند الغروب لم يصل إجماعا . وقال ابن قدامة : إذا كان الكسوف في غير وقت صلاة جعل بمكان الصلاة شرعا هذا ظاهر المذهب ؛ لأن النافلة لا تفعل أوقات النهي سواء كان لها سبب ، أو لم يكن ، روي ذلك عن الحسن ، وأبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم ، وأبي حنيفة ، ومالك ، وأبي ثور ، ونص عليه أحمد . روى قتادة قال : انكسفت الشمس ونحن بمكة - شرفها الله تعالى - بعد العصر ، فقاموا قياما يدعون ، فسألت عطاء عن ذلك ؟ فقال : هكذا يصنعون ، وروى إسماعيل بن سعد ، عن أحمد أنهم يصلونها في أوقات النهي ، قال أبو بكر بن عبد العزيز : وبالأول أقول ، وهذا أظهر القولين .

الوجه الرابع : في صفتها وهي كهيئة النافلة عندنا بغير أذان ولا إقامة ، مثل صلاة الفجر والجمعة ، في كل ركعة ركوع واحد ، وبه قال النخعي ، والثوري ، وابن أبي ليلى ، وهو مذهب عبد الله بن الزبير ، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن ابن عباس ، وروي ذلك أيضا عن ابن عمر ، وأبي بكرة ، وسمرة بن جندب ، وعبد الله بن عمرو ، وقبيصة الهلالي ، والنعمان بن بشير ، وعبد الرحمن بن سمرة ، وعند الشافعي ، ومالك ، وأحمد ، وأبي ثور ، وعلماء الحجاز صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجودان ، وعن أحمد ، وإسحاق في كل ركعة ثلاث ركوعات ، واحتج الشافعي ومن معه بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها ، أخرجه الأئمة الستة في كتبهم على ما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى ، وحديث الثلاث ركوعات في كل ركعة ، أخرجه مسلم ، عن عطاء ، عن جابر ، قال : كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى ست ركعات بأربع سجدات ، وذكر في الخلاصة الغزالية : إذا انكسفت الشمس في وقت مكروه ، أو غير مكروه نودي الصلاة جامعة ، وصلى الإمام بالناس في المسجد ركعتين ، وركع في كل ركعة ركوعين ، وأوائلها أطول من أواخرها ، ثم ذكر قراءة الطوال الأربع في أول القرآن في القيام الأربع ، ثم قال : ويسبح في الركوع الأول قدر مائة آية ، وفي الثاني قدر ثمانين ، وفي الثالث قدر سبعين ، وفي الرابع قدر خمسين آية . وعند طاوس بن كيسان ، وحبيب ابن أبي ثابت ، وعبد الملك بن جريج : صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة أربع ركوعات وسجدتان ، ويحكى هذا عن علي ، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم ، واحتجوا في ذلك بحديث ابن عباس أخرجه مسلم ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى في كسوف قرأ ثم ركع ، ثم قرأ ثم ركع ، ثم قرأ ثم ركع ، ثم قرأ ثم ركع ، ثم سجد ، قال : والأخرى مثلها . وقال قتادة ، وعطاء بن أبي رباح ، وإسحاق ، وابن المنذر : صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان ، وعند سعيد بن جبير ، وإسحاق بن راهويه في رواية ، ومحمد بن جرير الطبري ، وبعض الشافعية : لا توقيت في الركوع في صلاة الكسوف ، بل يطيل أبدا يركع ويسجد إلى أن تنجلي الشمس .

وقال القاضي عياض : قال بعض أهل العلم : إنما ذلك على حسب مكث الكسوف ، فما طال مكثه زاد تكرير الركوع فيه ، وما قصر اقتصر فيه ، وما توسط اقتصد فيه ، قال : وإلى هذا نحى الخطابي ، وابن راهويه وغيرهما ، وقد يعترض عليه بأن طولها ودوامها لا يعلم في أول الحال ، ولا في الركعة الأولى . وأصحابنا احتجوا فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمرو ، وأخرجه أبو داود ، والنسائي ، والترمذي في الشمائل ، عن عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو قال : انكسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، فقام رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لم يكد يركع ، ثم ركع فلم يكد يرفع ، ثم رفع فلم يكد يسجد ، ثم سجد فلم يكد يرفع ، ثم رفع وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك الحديث . وبحديث النعمان بن بشير رواه أبو قلابة عنه ، أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : إذا خسفت الشمس والقمر فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة ، رواه النسائي ، وأحمد ، والحاكم في مستدركه ، وقال : على شرطهما ، ورواه أبو داود ، ولفظه : كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فجعل يصلي ركعتين ركعتين ، ويسأل عنها حتى انجلت .

وأخرجه النسائي ، وابن ماجه أيضا ، وقال البيهقي : هذا مرسل أبي قلابة ، لم يسمع من النعمان . ( قلت ) : صرح في الكمال بسماعه عنه ، وقال ابن حزم : أبو قلابة أدرك النعمان ، وروى هذا الخبر عنه ، وصرح ابن عبد البر بصحة هذا الحديث ، وقال : من أحسن حديث ذهب إليه الكوفيون حديث أبي قلابة عن النعمان ، فرد كلام البيهقي ، فإنه بلا دليل ؛ ولأنه ناف وغيره مثبت . وبحديث قبيصة الهلالي أخرجه أبو داود عنه ، قال : كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فخرج فزعا يجر رداءه وأنا معه يومئذ بالمدينة ، فصلى ركعتين ، فأطال فيها القيام ، ثم انصرف ، وانجلت فقال : إنما هذه الآيات يخوف الله بها ، فإذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة .

وأخرجه النسائي أيضا ، والحاكم في المستدرك ، وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وقال البيهقي بعد أن رواه : سقط بين أبي قلابة وقبيصة رجل ، وهو هلال بن عامر ، وقال النووي في الخلاصة : وهذا لا يقدح في صحة الحديث . وبحديث أبي بكرة أخرجه البخاري ، عن الحسن عنه قال : خسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد ، وثاب الناس إليه ، فصلى ركعتين فانجلت الشمس . وسيأتي هذا في بابه .

وبحديث عبد الرحمن بن سمرة ، أخرجه مسلم ، وفيه : فصلى ركعتين . وقد تكلف الخصم في الجواب عن هذين الحديثين لأجل أنهما عليهم ، فقال النووي : قوله : صلى ركعتين يعني في كل ركعة قيامان وركوعان ، وقال القرطبي : يحتمل أنه إنما أخبر عن حكم ركعة واحدة ، وسكت عن الأخرى . ( قلت ) : في هذين الجوابين إخراج اللفظ عن ظاهره بغير ضرورة ، فلا يجوز إلا بدليل ، وأيضا في لفظ النسائي : كما تصلون ، وفي لفظ ابن حبان : مثل صلاتكم ، وقال الطحاوي : أكثر الآثار في هذا الباب موافقة لمذهب أبي حنيفة ومن معه ، وهو النظر عندنا ؛ لأنا رأينا سائر الصلوات من المكتوبات والتطوع ، مع كل ركعة سجدتان ، فالنظر على ذلك أن تكون صلاة الكسوف كذلك ، وقال ابن حزم : العمل بما صح ، ورأي أهل بلده ، وقد يجوز أن يكون ذلك اختلاف إباحة وتوسعة غير سنة .

( قلت ) : الصواب أن لا يقال اختلفوا في صلاة الكسوف ، بل تحيروا فكل واحد منهم تعلق بحديث ، ورآه أولى من غيره بحسب ما أدى إليه اجتهاده في صحته ، فأبو حنيفة تعلق بأحاديث من ذكرناهم من الصحابة ؛ لموافقتها القياس في أبواب الصلاة ، وقال أبو إسحاق المروزي ، وأبو الطيب وغيرهما : تحمل أحاديثنا على الاستحباب ، وأحاديثهم على الجواز . وقال السروجي قلنا : لم يفعل ذلك بالمدينة إلا مرة واحدة ، فإذا حصل هذا الاضطراب الكثير من ركوع واحد إلى عشر ركوعات يعمل بما له أصل في الشرع انتهى . ( قلت ) : فيه نظر لأنه فعل – صلى الله عليه وسلم - صلاة الكسوف غير مرة ، وفي غير سنة ، فروى كل واحد ما شاهده من صلاته – صلى الله عليه وسلم - ، وضبطه من فعله ، وذكر النووي في شرح المهذب أن عند الشافعية لا تجوز الزيادة على ركوعين ، وبه قطع جمهورهم ، قال : وهو ظاهر نصوصه .

( قلت ) : الزيادة من العدل مقبولة عندهم ، وقد صحت الزيادة على الركوعين ولم يعملوا بها ، فكل جواب لهم عن الزيادة على الركوعين فهو جواب لنا عما زاد على ركوع واحد ، وقال السرخسي : وتأويل الركوعين فما زاد أنه – صلى الله عليه وسلم - طول الركوع فيها ، فإنه عرضت عليه الجنة والنار ، فمل بعض القوم وظنوا أنه رفع رأسه فرفعوا رؤوسهم ، ومن خلف الصف الأول ظنوا أنه ركع ركوعين ، فرووه على حسب ما وقع عندهم . ( قلت ) : وفيه نظر لا يخفى ، وقيل : رفع رأسه – صلى الله تعالى عليه وسلم - ليختبر حال الشمس هل انجلت أم لا ؟ وهكذا فعل في كل ركوع ، وفيه نظر أيضا . الوجه الخامس : في صفة القراءة فيها ، فمذهب أبي حنيفة أن القراءة تخفى فيها ، وبه قال مالك ، والشافعي ، وقال النووي في شرح مسلم : إن مذهبنا ، ومذهب مالك ، وأبي حنيفة ، والليث بن سعد ، وجمهور الفقهاء أنه يسر في كسوف الشمس ، ويجهر في خسوف القمر .

وقال أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وأحمد ، وإسحاق : يجهر فيهما ، وحكى الرافعي عن الصيدلاني مثله ، وقال محمد بن جرير الطبري : الجهر والإسرار سواء ، وما حكاه الثوري عن مالك هو المشهور ، بخلاف ما حكاه الترمذي ، وقد حكى ابن المنذر عن مالك الإسرار كقول الشافعي ، وكذا روى ابن عبد البر في الاستذكار . وقال المازري : إن ما حكاه الترمذي عن مالك من الجهر بالقراءة رواية شاذة ، ما وقفت عليها في غير كتابة ، قال : وذكرها ابن شعبان عن الواقدي عن مالك ، وقال القاضي عياض في الإكمال ، والقرطبي في المفهم : إن معن بن عيسى ، والواقدي رويا عن مالك الجهر ، قالا : ومشهور قول مالك الإسرار فيها ، وأما ما حكاه الترمذي عن الشافعي من الإسرار فهو المعروف عنه ، وهو الذي رواه البويطي ، والمزني ، وحكى الرافعي أن أبا سليمان الخطابي ذكر أن الذي يجيء على مذهب الشافعي الجهر فيهما ، وتابعه النووي في الروضة على نقله ذلك ، وتعقبه في شرح المهذب ، فقال : إن ما نقله عن الخطابي لم أره في كتاب له ، وتعقب صاحب المهمات أيضا الرافعي بأن الذي نقله الخطابي في معالم السنن الإسرار ، وقال شارح الترمذي : ما نقله الرافعي عن الخطابي موجود عنه ، وقد ذكره في كتابه أعلام الجامع الصحيح ، فقال بعد أن حكى عن مالك والشافعي وأهل الرأي : ترك الجهر لحديث ابن عباس أنه قال : فحزرنا قراءته فلو جهر لما احتاج إلى الحزر ، قال : والجهر أشبه بمذهب الشافعي ؛ لأن عائشة تثبت الجهر ، قال : ويجوز أن ابن عباس وقف في آخر الصف فلم يسمع ، واحتج الطحاوي لأبي حنيفة والشافعي ومن معهما في الإسرار بحديث ابن عباس ، أخرجه في معاني الآثار أنه قال : ما سمعت من النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الكسوف حرفا ، ورواه البيهقي ، وأحمد ، والطبراني ، وأبو يعلى في مسانيدهم ، وأبو نعيم في الحلية ، وبحديث سمرة بن جندب قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الكسوف ولا نسمع له صوتا . وأخرجه النسائي والطبراني مطولا ، ثم احتج لأبي يوسف ، ومحمد ، ومن معهما في الجهر بحديث عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى آخره ، ثم قال : يجوز أن يكون ابن عباس وسمرة لم يسمعا من النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته حرفا ، وقد جهر فيها لبعدهما عنه ، فهذا لا ينفي الجهر ، وقال أيضا : النظر في ذلك أن يكون حكمها كحكم صلاة الاستسقاء عند من يراها ، وصلاة العيدين ؛ لأن ذلك هو المفعول في خاص من الأيام فكذلك هذا .

( قلت ) : ظهر من كلامه أنه مع أبي يوسف ومحمد . ( قلت ) : اختلفت الأحاديث في الجهر والإسرار في صلاة الكسوف فعند مسلم من حديث عائشة أنه – صلى الله عليه وسلم - جهر في صلاة الكسوف وقاله البخاري في صلاة الكسوف ، وعند أبي داود من رواية الأوزاعي عن الزهري ، فذكره بلفظ : قرأ قراءة طويلة ، فجهر بها : يعني في صلاة الكسوف ، وفي رواية الترمذي من رواية سفيان بن حسين عن الزهري بلفظ : صلى صلاة الكسوف ، وجهر فيها بالقراءة ، وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وعند أصحاب السنن من حديث سمرة ، وابن عباس كما ذكرنا أنهما لم يسمعا حرفا ، ولا شك أن حديث عائشة أصرح بالجهر فيها ، وحديثها متفق عليه ، وقد أجاب عنه القائلون بالإسرار بجوابين : أحدهما ما قاله النووي في شرح مسلم : بأن هذا عند أصحابنا ، والجمهور محمول على كسوف القمر ، والثاني : ما قاله ابن عبد البر في الاستذكار من الإشارة إلى تضعيف الحديث . ( قلت ) : يرد الجواب الأول ما رواه إسحاق بن راهويه ، عن الوليد بن مسلم بإسناده إلى عائشة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم في كسوف الشمس ، وجهر بالقراءة رواه الخطابي في أعلام الجامع الصحيح من طريق ابن راهويه ، وأما تضعيف ابن عبد البر الحديث فكأنه من جهة سفيان بن حسين عن الزهري ، فإن أحمد قال : ليس بذلك في حديثه عن الزهري وعن يحيى ثقة في غير الزهري لا يدفع .

( قلت ) : قال يعقوب ابن شيبة : صدوق ثقة ، روى له مسلم في مقدمة كتابه ، واستشهد به البخاري ، وروى له عن الأربعة ، ومع ذلك فقد تابعه على ذلك ، عن الزهري عبد الرحمن بن نمر ، وسليمان بن كثير وإن كانا ليني الحديث . وقال شارح الترمذي : وعلى هذا فالمختار الجهر ، فلذلك قال الخطابي : إنه أشبه بمذهب الشافعي لقوله : إذا صح الحديث فهو مذهبي ، وقال البخاري : حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة ، وقال البيهقي في الخلافيات : لكنه ليس بأصح من حديث ابن عباس الذي قال فيه نحوا من قراءة سورة البقرة ، قال الشافعي : فيه دليل على أنه لم يسمع ما قرأ ؛ لأنه لو سمعه لم يقدره بغيره ، فإن قيل : قال الشافعي : وروي عن ابن عباس أنه قال : قمت إلى جنب النبي - صلى الله عليه وسلم - في خسوف الشمس فما سمعت منه حرفا . وأجيب بأنه لا يصح هذا عن ابن عباس ؛ لأن في إسناده ابن لهيعة ، وفي آخر الوافدي ، وفي آخر الحكم بن أبان .

الوجه السادس : في صلاة خسوف القمر قال أصحابنا : ليس في خسوف القمر جماعة ، وقيل : الجماعة جائزة عندنا ، لكنها ليست بسنة ؛ لتعذر اجتماع الناس بالليل ، وإنما يصلي كل واحد منفردا ، وعند مالك لا صلاة فيه ، وعند الشافعي يصلى للخسوف كما يصلى للكسوف بجماعة وركوعين ، وبالجهر بالقراءة ، وبخطبتين بينهما جلسة ، وبه قال أحمد وإسحاق إلا في الخطبة ، واستدل أبو حنيفة ، ومالك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع لكسوف الشمس ولما خسف القمر في جمادى الآخرة سنة أربع فيما ذكره ابن الجوزي وغيره لم يجمع فيه ، وقال مالك : لم يبلغنا ولا أهل بلدنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع لخسوف القمر ، ولا نقل عن أحد من الأئمة بعده أنه جمع فيه ، وذكر ابن قدامة أن أكثر أهل العلم على مشروعية الصلاة لخسوف القمر ، فعله ابن عباس ، وبه قال عطاء ، والحسن ، وأبو ثور ، وهو مروي عن عثمان بن عفان وجماعة المحدثين ، وعمر بن عبد العزيز ، مستدلين بقوله : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، فإذا رأيتم ذلك فصلوا . وروى الدارقطني من حديث إسحاق بن راشد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات ، وأربع سجدات ، ويقرأ في الركعة الأولى بالعنكبوت أو الروم ، وفي الثانية بيس . وفي حديث قبيصة مرفوعا : إذا انكسفت الشمس أو القمر فصلوا ، وروى الدارقطني بسند جيد من حديث حبيب بن ثابت ، عن طاوس ، عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى في كسوف الشمس والقمر ثمان ركعات في أربع سجدات ، وبوب البخاري باب الصلاة في كسوف القمر على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى .

( فائدة ) اختلفت الأحاديث الواردة في كيفية صلاة الكسوف من الاقتصار على ركوعين ، كما في حديث أبي بكرة وغيره ، وثلاث ركوعات في كل ركعة ، كما في حديث جابر ، وأربع ركوعات في ركعتين ، كما في حديث عائشة وغيره ، وست ركوعات في ركعتين ، كما في حديث جابر وغيره ، وثمان ركوعات في ركعتين كما في حديث أبي بن كعب ، وخمسة عشر ركعة في ثلاث ركوعات ، رواه الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب . ومما يستفاد من الحديث المذكور أن الجنة والنار مخلوقتان اليوم ، وهو مذهب أهل السنة والجماعة ، وفيه أن تعذيب الحيوان غير جائز ، وأن المظلوم من الحيوان يسلط يوم القيامة على ظالمه ، وفيه معجزة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - .

ورد في أحاديث6 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث