799 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ الزُّرَقِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ ، قَالَ : كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ ، قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : مَنْ الْمُتَكَلِّمُ ؟ قَالَ : أَنَا ، قَالَ : رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ . قَوْلُهُ : ( الْمُجْمِرِ ) بِالْخَفْضِ وَهُوَ صِفَةٌ لِنُعَيْمٍ وَلِأَبِيهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ يَحْيَى حَدَّثَهُ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ ، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ لِأَنَّ نُعَيْمًا أَكْبَرُ سِنًّا مِنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى وَأَقْدَمُ سَمَاعًا ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ وَهُمْ مِنْ بَيْنِ مَالِكٍ وَالصَّحَابِيِّ ، هَذَا مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ شَرَفِ الصُّحْبَةِ فَيَحْيَى بْنُ خَلَّادٍ وَالِدُ عَلِيٍّ مَذْكُورٌ فِي الصَّحَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ قِيلَ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَنَّكَهُ لَمَّا وُلِدَ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ قَوْلَ التَّسْمِيعِ وَقَعَ بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ فَيَكُونُ مِنْ أَذْكَارِ الِاعْتِدَالِ ، وَقَدْ مَضَى فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ الِانْتِقَالَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ ؛ أَيْ : فَلَمَّا شَرَعَ فِي رَفْعِ رَأْسِهِ ابْتَدَاء الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ ، وَأَتَمَّهُ بَعْدَ أَنِ اعْتَدَلَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ رَجُلٌ ) ، زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ وَرَاءَهُ ، قَالَ ابْنُ بَشْكُوَالٍ : هَذَا الرَّجُلُ هُوَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ رَاوِي الْخَبَرِ ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ يَحْيَى الزُّرَقِيِّ ، عَنْ عَمِّ أَبِيهِ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَطَسْتُ ، فَقُلْتُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ . الْحَدِيثَ ، وَنُوزِعَ تَفْسِيرُهُ بِهِ لِاخْتِلَافِ سِيَاقِ السَّبَبِ وَالْقِصَّةِ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ عُطَاسَهُ وَقَعَ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُنِّي عَنْ نَفْسِهِ لِقَصْدِ إِخْفَاءِ عَمَلِهِ ، أَوْ كَنَّى عَنْهُ لِنِسْيَانِ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِاسْمِهِ ، وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فَلَا يَتَضَمَّنُ إِلَّا زِيَادَةً لَعَلَّ الرَّاوِيَ اخْتَصَرَهَا كَمَا سَنُبَيِّنُهُ ، وَأَفَادَ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزُّهْرَانِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ يَحْيَى أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ كَانَتِ الْمَغْرِبَ . قَوْلُهُ : ( مُبَارَكًا فِيهِ ) . زَادَ رِفَاعَةُ بْنُ يَحْيَى مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى ، فَأَمَّا قَوْلُهُ مُبَارَكًا عَلَيْهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَقِيلَ : الْأَوَّلُ بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ وَالثَّانِي بِمَعْنَى الْبَقَاءِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فَهَذَا يُنَاسِبُ الْأَرْضَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ لَا الْبَقَاءُ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ التَّغَيُّرِ . وَقَالَ تَعَالَى : وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ فَهَذَا يُنَاسِبُ الْأَنْبِيَاءَ لِأَنَّ الْبَرَكَةَ بَاقِيَةٌ لَهُمْ ، وَلَمَّا كَانَ الْحَمْدُ يُنَاسِبُهُ الْمَعْنَيَانِ جَمَعَهُمَا ، كَذَا قَرَّرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى فَفِيهِ مِنْ حُسْنِ التَّفْوِيضِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا هُوَ الْغَايَةُ فِي الْقَصْدِ . قَوْلُهُ : ( مَنِ الْمُتَكَلِّمُ ) زَادَ رِفَاعَةُ بْنُ يَحْيَى فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ ؛ فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ : أَنَا . قَالَ : كَيْفَ قُلْتُ ؟ فَذَكَرَهُ . فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ كَالْجَوْهَرِيِّ أَنَّ الْبِضْعَ يَخْتَصُّ بِمَا دُونَ الْعِشْرِينَ . قَوْلُهُ : ( أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلَ ) فِي رِوَايَةِ رِفَاعَةَ بْنِ يَحْيَى الْمَذْكُورَةِ : أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا أَوَّلَ ، ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ : أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ : رُوِيَ أَوَّلُ بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ ؛ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ قُطِعَ مِنَ الْإِضَافَةِ ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ . انْتَهَى . وَأَمَّا أَيُّهُمْ فَرَوَيْنَاهُ بِالرَّفْعِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ يَكْتُبُهَا ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ تَبَعًا لِأَبِي الْبَقَاءِ فِي إِعْرَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى : يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ قَالَ : وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ( يُلْقُونَ ) وَأَيُّ اسْتِفْهَامِيَّةٌ ، وَالتَّقْدِيرُ : مَقُولٌ فِيهِمْ أَيُّهمْ يَكْتُبُهَا ، وَيَجُوزُ فِي أَيِّهِمِ النَّصْبُ بِأَنْ يُقَدَّرَ الْمَحْذُوفُ فَيَنْظُرُونَ أَيَّهُمْ ، وَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ أَيٌّ مَوْصُولَةٌ ، وَالتَّقْدِيرُ : يَبْتَدِرُونَ الَّذِي هُوَ يَكْتُبُهَا أَوَّلَ ، وَأَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ ذَلِكَ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ رِوَايَتَيْ يَكْتُبُهَا وَيَصْعَدُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَهَا ثُمَّ يَصْعَدُونَ بِهَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةَ غَيْرُ الْحَفَظَةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ الْحَدِيثَ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الطَّاعَاتِ قَدْ يَكْتُبُهَا غَيْرُ الْحَفَظَةِ ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ تَأْخِيرُ رِفَاعَةَ إِجَابَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ كَرَّرَ سُؤَالَهُ ثَلَاثًا مَعَ أَنَّ إِجَابَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ ، بَلْ وَعَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ رِفَاعَةَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْأَلِ الْمُتَكَلِّمَ وَحْدَهُ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَمْ تَتَعَيَّنِ الْمُبَادَرَةُ بِالْجَوَابِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ وَلَا مِنْ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ، فَكَأَنَّهُمُ انْتَظَرُوا بَعْضُهُمْ لِيُجِيبَ ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَبْدُو فِي حَقِّهِ شَيْءٌ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِيمَا فَعَلَ ، وَرَجَوْا أَنْ يَقَعَ الْعَفْوُ عَنْهُ . وَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا رَأَى سُكُوتَهُمْ فَهِمَ ذَلِكَ فَعَرَّفَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ يَحْيَى عِنْدَ ابْنِ قَانِعٍ ، قَالَ رِفَاعَةُ : فَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ مَالِي وَأَنِّي لَمْ أَشْهَدْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ الصَّلَاةَ . وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، قَالَ : مَنِ الْقَائِلُ الْكَلِمَةَ ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا . فَقَالَ : أَنَا قُلْتُهَا ، لَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا خَيْرًا . ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ : فَسَكَتَ الرَّجُلُ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ هَجَمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شَيْءٍ كَرِهَهُ . فَقَالَ : مَنْ هُوَ ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِلَّا صَوَابًا . فَقَالَ الرَّجُلُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتُهَا ، أَرْجُو بِهَا الْخَيْرَ . وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُصَلُّونَ لَمْ يَعْرِفُوهُ بِعَيْنِهِ إِمَّا لِإِقْبَالِهِمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ ؛ فَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ فِي حَقِّهِمْ ، وَالْعُذْرُ عَنْهُ هُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ ، وَالْحِكْمَةُ فِي سُؤَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ عَمَّنْ قَالَ أَنْ يَتَعَلَّمَ السَّامِعُونَ كَلَامَهُ فَيَقُولُوا مِثْلَهُ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ إِحْدَاثِ ذِكْرٍ فِي الصَّلَاةِ غَيْرِ مَأْثُورٍ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِلْمَأْثُورِ ، وَعَلَى جَوَازِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ مَا لَمْ يُشَوِّشْ عَلَى مَنْ مَعَهُ ، وَعَلَى أَنَّ الْعَاطِسَ فِي الصَّلَاةِ يَحْمَدُ اللَّهَ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ ، وَأَنَّ الْمُتَلَبِّسَ بِالصَّلَاةِ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ ، وَعَلَى تَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ بِالذِّكْرِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ . وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ ابْنُ بَطَّالٍ جَوَازَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّبْلِيغِ خَلْفَ الْإِمَامِ ، وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ سَمَاعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِصَوْتِ الرَّجُلِ لَا يَسْتَلْزِمُ رَفْعَهُ لِصَوْتِهِ كَرَفْعِ صَوْتِ الْمُبَلِّغِ ، وَفِي هَذَا التَّعَقُّبِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ غَرَضَ ابْنِ بَطَّالٍ إِثْبَاتُ جَوَازِ الرَّفْعِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَاسْتُدِلَّ لَهُ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْأَجْنَبِيَّ يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ وَلَوْ كَانَ سِرًّا ، قَالَ : وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ الْمَشْرُوعُ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا وَلَوْ كَانَ جَهْرًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُبَلِّغِ فِي بَابِ مَنْ أَسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ . ( فَائِدَةٌ ) : قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي اخْتِصَاصِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِهَذَا الذِّكْرِ أَنَّ عَدَدَ حُرُوفِهِ مُطَابِقٌ لِلْعَدَدِ الْمَذْكُورِ ، فَإِنَّ الْبِضْعَ مَعَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ وَعَدَدَ الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا ، وَيُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الزِّيَادَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي رِوَايَةِ رِفَاعَةَ بْنِ يَحْيَى ؛ وَهِيَ قَوْلُهُ : مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : الْمُتَبَادَرُ إِلَيْهِ هُوَ الثَّنَاءُ الزَّائِدُ عَلَى الْمُعْتَادِ ؛ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ : حَمْدًا كَثِيرًا إِلَخْ دُونَ قَوْلِهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ لِلتَّأْكِيدِ ، وَعَدَدُ ذَلِكَ سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا . وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ : ثَلَاثَةَ عَشَرَ ؛ فَهُوَ مُطَابِقٌ لِعَدَدِ الْكَلِمَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي سِيَاقِ رِفَاعَةَ بْنِ يَحْيَى وَلِعَدَدِهَا أَيْضًا فِي سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ ، لَكِنْ عَلَى اصْطِلَاحِ النُّحَاةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ · ص 333 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب القنوت · ص 80 قال البخاري رحمه الله : 799 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن نعيم بن عبد الله المجمر ، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي ، عن أبيه ، عن رفاعة بن رافع الزرقي ، قال : كنا يوما نصلي وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رفع رأسه من الركعة قال : سمع الله لمن حمده فقال رجل وراءه : ربنا ولك الحمد ، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه . فلما انصرف قال : من المتكلم ؟ قال : أنا . قال : رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها ، أيهم يكتبها أول . قوله : أول روي على وجهين : بضم اللام وفتحها . فالضم على أنه صفة لأي . وقد سبق نحوه في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة : لقد ظننت أن لا يسألني أحد أول منك . و البضع : ما بين الثلاث إلى التسع ، في الأشهر . وقال أبو عبيدة : ما بين الثلاث إلى الخمس . وقيل غير ذلك . وقد قيل في مناسبة هذا العدد : إن هذه الكلمات المقولة تبلغ حروفها بضعا وثلاثين حرفا ، فكأن الملائكة ازدحموا على كتابتها ورضوا أن يكتب كل واحد منهم حرفا منها . وفي هذا نظر ؛ فإنه ليس في الحديث ما يدل على أنهم توزعوا كتابتها . وقد دل الحديث على فضل هذا الذكر في الصلاة ، وأن المأموم يشرع له الزيادة على التحميد بالثناء على الله عز وجل ، كما هو قول الشافعي وأحمد - في رواية - وأن مثل هذا الذكر حسن في الاعتدال من الركوع في الصلوات المفروضات ؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - إنما كانوا يصلون وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلوات المفروضة غالبا ، وإنما كانوا يصلون وراءه التطوع قليلا . وفيه - أيضا - : دليل على أن جهر المأموم أحيانا وراء الإمام بشيء من الذكر غير مكروه ، كما أن جهر الإمام أحيانا ببعض القراءة في صلاة النهار غير مكروه . وقد سبق ذكر الجهر مستوفى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب · ص 74 187 - ( حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن نعيم بن عبد الله المجمر ، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي ، عن أبيه ، عن رفاعة بن رافع الزرقي قال : كنا يوما نصلي وراء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فلما رفع رأسه من الركعة قال : سمع الله لمن حمده قال رجل وراءه : ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، فلما انصرف قال : من المتكلم ؟ قال : أنا قال : رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وقد بيناه في أول الباب . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة : الأول : عبد الله بن مسلمة القعنبي . الثاني : مالك بن أنس . الثالث : نعيم - بضم النون - ابن عبد الله المجمر بلفظ الفاعل من الإجمار ، وقد مر ذكره في باب فضل الوضوء ، وهو صفة لنعيم ولأبيه أيضا . الرابع : علي بن يحيى بن خلاد - بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام وبالدال المهملة - الزرقي - بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف - الأنصاري المدني ، مات سنة تسع وعشرين ومائة . الخامس : أبوه يحيى بن خلاد بن رافع حنكه النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . السادس : عمه رفاعة - بكسر الراء وتخفيف الفاء وبعد الألف عين مهملة - ابن رافع - بالراء وبالفاء - ابن مالك الزرقي ، شهد المشاهد ، روي له أربعة وعشرون حديثا ، للبخاري ثلاثة ، مات زمن معاوية رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه العنعنة في خمسة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه عن علي بن يحيى ، وفي رواية ابن خزيمة أن علي بن يحيى حدثه ، وفيه أن رجاله كلهم مدنيون ، وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر ؛ لأن نعيما أكبر سنا من علي بن يحيى وأقدم سماعا منه ، وفيه رواية ثلاثة من التابعين في نسق واحد وهم من بين مالك والصحابي ، وفيه من وجه رواية الصحابي عن الصحابي ؛ لأن يحيى بن خلاد مذكور في الصحابة رضي الله تعالى عنهم . والحديث أخرجه أبو داود أيضا عن القعنبي ، عن مالك . وأخرجه النسائي ، عن محمد بن مسلمة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن مالك به . ذكر معناه : قوله : يوما يعني في يوم من الأيام . قوله : قال رجل وراءه أي وراء النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - ، ولفظ وراءه في رواية الكشميهني ، وليس بموجود في رواية غيره . والمراد بهذا الرجل هو رفاعة بن رافع راوي الخبر قاله ابن بشكوال . واحتج في ذلك بما رواه النسائي وغيره عن قتيبة ، عن رفاعة بن يحيى الزرقي ، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة ، عن أبيه قال : صليت خلف النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعطست فقلت : الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه ، كما يحب ربنا ويرضى ، فلما صلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - انصرف فقال : من المتكلم في الصلاة ؟ فلم يكلمه أحد ، ثم قالها الثانية : من المتكلم في الصلاة ؟ فقال رفاعة بن رافع : أنا يا رسول الله ، قال : كيف قلت ؟ قال : قلت : الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه مباركا عليه ، كما يحب ربنا ويرضى ، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - : والذي نفسي بيده لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا أيهم يصعد بها . انتهى . قيل : هذا التفسير فيه نظر ؛ لاختلاف القصة . وأجيب بأنه لا تعارض بين الحديثين ؛ لاحتمال أنه وقع عطاسه عند رفع رأس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولم يذكر نفسه في حديث الباب لقصد إخفاء عمله وطريق التجريد ، ويجوز أن يكون بعض الرواة نسي اسمه وذكره بلفظ الرجل ، وأما الزيادة التي في رواية النسائي فلاختصار الراوي إياها ، فلا يضر ذلك . فإن قلت : ما هذه الصلاة التي ذكرها رفاعة بقوله : كنا نصلي يوما ؟ - قلت : بين ذلك بشر بن عمر الزهراني في روايته عن رفاعة أن هذه الصلاة كانت صلاة المغرب . قوله : حمدا منصوب بفعل مضمر دل عليه قوله : لك الحمد . قوله : طيبا أي خالصا عن الرياء والسمعة . قوله : مباركا فيه أي كثير الخير ، وأما قوله في رواية النسائي مباركا عليه فالظاهر أنه تأكيد للأول ، وقيل : الأول بمعنى الزيادة ، والثاني بمعنى البقاء . قوله : فلما انصرف أي من صلاته . قوله : قال : من المتكلم ؟ أي قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من المتكلم بهذه الكلمات ؟ قوله : بضعة وثلاثين ملكا ويروى بضعا وثلاثين والبضع - بكسر الباء وفتحها - هو ما بين الثلاث والتسع ، تقول : بضع سنين وبضعة عشر رجلا ، وقال الجوهري : إذا جاوزت العشرة ذهب البضع لا تقول : بضع وعشرون . قلت : الحديث يرد عليه ؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفصح الفصحاء ، وقد تكلم به . ( فإن قلت ) : ما الحكمة في تخصيص هذا العدد بهذا المقدار . قلت : قد استفتح علي هاهنا من الفيض الإلهي أن حروف هذه الكلمات أربعة وثلاثون حرفا ، فأنزل الله تعالى بعدد حروفها ملائكة ، فتكون أربعة وثلاثين ملكا في مقابلة كل حرف ملك تعظيما لهذه الكلمات ، وقس على هذا ما وقع في رواية النسائي التي ذكرناها الآن ، وعلى هذا أيضا ما وقع في حديث مسلم من رواية أنس : لقد رأيت اثني عشر ملكا يبتدرونها ، وفي حديث أبي أيوب عند الطبراني ثلاثة عشر . ( فإن قلت ) : هؤلاء الملائكة غير الحفظة أم لا ؟ قلت : الظاهر أنهم غيرهم ، ويدل عليه حديث أبي هريرة ، رواه البخاري ومسلم عنه مرفوعا إن لله ملائكة يطوفون في الطريق ويلتمسون أهل الذكر ، وقد يستدل بهذا أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة . قوله : قال : أنا أي قال الرجل : أنا المتكلم يا رسول الله . ( فإن قلت ) : كرر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سؤاله في رواية النسائي ، كما مر ، والإجابة كانت واجبة عليه ، بل وعلى غيره أيضا ممن سمع رفاعة ، فإن سؤاله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكن لمعين . قلت : لما لم يكن سؤاله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعين لم تتعين المبادرة بالجواب لا من المتكلم ، ولا من غيره ، فكأنهم انتظروا من يجيب منهم . ( فإن قلت ) : ما حملهم على ذلك ؟ قلت : خشية أن يبدو في حقه شيء ظنا منهم أنه أخطأ فيما فعل ورجاء أن يقع العفو عنه ، والدليل على ظنهم ذلك ما جاء في رواية ابن قانع من حديث سعيد بن عبد الجبار ، عن رفاعة بن يحيى ، قال رفاعة : فوددت أني أخرجت من مالي وأني لم أشهد مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تلك الصلاة . قوله : يبتدرونها أي يسعون في المبادرة يقال : ابتدروا السلاح أي سارعوا إلى أخذه ، وفي رواية النسائي أيهم يصعد بها أول ، وفي رواية الطبراني من حديث أبي أيوب أيهم يرفعها . قوله : أيهم بالرفع على أنه مبتدأ وخبره هو قوله : يكتبها ، ويجوز في أيهم النصب على تقدير : ينظرون أيهم يكتبها ، وأي موصولة عند سيبويه ، والتقدير : يبتدرون الذي هو يكتبها أول . قوله : أول مبني على الضم بأن حذف المضاف إليه منه ، تقديره : أولهم ، يعني كل واحد منهم يسرع ليكتب هذه الكلمات قبل الآخر ويصعد بها إلى حضرة الله تعالى ؛ لعظم قدرها ، ويروى أول بالفتح ، ويكون حالا . ( فإن قلت ) : ما الفرق بين يكتبها أول وبين يصعد بها ؟ قلت : يحمل على أنهم يكتبونها ، ثم يصعدون بها ، وقال الجوهري : أصل «أول» «أوأل» على وزن «أفعل» مهموز الوسط ، فقلبت الهمزة واوا وأدغمت الواو في الواو ، وقيل : أصله «وول» على «فوعل» ، فقلبت الواو الأولى همزة ، وإذا جعلته صفة لم تصرفه ، تقول : لقيته عاما أول ، وإذا لم تجعله صفة صرفته نحو رأيته أولا . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه ثواب التحميد لله والذكر له ، وفيه دليل على جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش على من معه ، وفيه دليل على أن العاطس في الصلاة يحمد الله بغير كراهة ؛ لأنه لم يتعارف جوابا ، ولكن لو قال له آخر : يرحمك الله ، وهو في الصلاة فسدت صلاته ؛ لأنه يجري في مخاطبات الناس ، فكان من كلامهم ، وبعضهم خصص الحديث بالتطوع ، وهو غير صحيح ؛ لما بينا أنه كان صلاة المغرب . وروي عن أبي حنيفة أن العاطس يحمد الله في نفسه ، ولا يحرك لسانه ، ولو حرك تفسد صلاته ، كذا في ( المحيط ) . والصحيح خلاف هذا ، كما ذكرنا ، وفيه دليل على أن من كان في الصلاة فسمع عطسة رجل ، لا يتعين عليه تشميته ؛ ولهذا قلنا لو شمته تفسد صلاته .