129 - بَاب فَضْلِ السُّجُودِ 806 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ النَّاسَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ ؟ قَالُوا : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقُولُ : مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا ، فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ . فَيَقُولُونَ : هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا ، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ . فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ . فَيَقُولُونَ : أَنْتَ رَبُّنَا . فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنْ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ . وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو . حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ ؛ فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ ؛ فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ ، فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ قَدْ امْتَحَشُوا ، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ ؛ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنْ النَّارِ ، قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا . فَيَقُولُ : هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ : لَا وَعِزَّتِكَ . فَيُعْطِي اللَّهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا ، سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ . فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ : أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ ؟ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ . فَيَقُولُ : فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ . فَيَقُولُ : لَا ، وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ . فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ . فَيَقُولُ اللَّهُ : وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ ، مَا أَغْدَرَكَ ! أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ ؟ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ . فَيَضْحَكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُ : تَمَنَّ . فَيَتَمَنَّى ، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَ أُمْنِيَّتُهُ ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مِنْ كَذَا وَكَذَا ، أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، لِأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ : لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَوْلَهُ : لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ : ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ السُّجُودِ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي صِفَةِ الْبَعْثِ وَالشَّفَاعَةِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ : وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ آثَارَ السُّجُودِ . وَقَدْ أَوْرَدَهُ بِتَمَامِهِ أَيْضًا فِي أَبْوَابِ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، مَعَ ذِكْرِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ رُوَاتِهِ . وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ : آثَارَ السُّجُودِ ؛ فَقِيلَ : هِيَ الْأَعْضَاءُ السَّبْعَةُ الْآتِي ذِكْرُهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرِيبًا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : الْمُرَادُ الْجَبْهَةُ خَاصَّةً ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ قَوْمًا يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ ؛ فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَخُصُّ الْعُمُومَ الَّذِي فِي الْأُولَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ السُّجُودِ · ص 341 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما يقول إذا سمع المنادي · ص 446 7 - باب ما يقول إذا سمع المنادي فيه حديثان : الحديث الأول : 611 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن . هكذا روى هذا الحديث مالك في الموطأ ، وكذا رواه الثقات من أصحابه عنه . ورواه المغيرة بن سقلاب ، عن مالك ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي سعيد . وزيادة : سعيد بن المسيب لا تصح . والمغيرة متروك . وروي عن عمرو بن مرزوق ، عن مالك ، عن الزهري ، عن أنس . وهو وهم . وقيل : إنه ممن رواه عن عمرو ، وهو محمد بن عبد الرحيم الشماخي . ورواه عبد المنعم بن بشير - وهو ضعيف جدا - عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر . ولا يصح . وتابع مالكا على روايته ، عن الزهري ، عن عطاء ، عن أبي سعيد : معمر ويونس . وقيل : وسفيان وإبراهيم بن سعد . وخالفهم عبد الرحمن بن إسحاق ، فرواه عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة . وخرجه ابن ماجه من طريقه . وقيل : عنه ، عن الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة ، عن أبي هريرة . والصحيح : قول مالك ومن تابعه - : قاله أبو حاتم الرازي والترمذي وابن عدي والدارقطني . ورواه حجاج بن نصير ، عن عباد بن كثير ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، عن [ أبي] أيوب الأنصاري . وهو وهم من حجاج أو عباد - : قاله الدارقطني .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب فضل السجود · ص 95 129 - باب فضل السجود 806 - حدثنا أبو اليمان ، نا شعيب ، عن الزهري : أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي ، أن أبا هريرة أخبرهما ، أن الناس قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : هل تمارون في القمر ليلة البدر ، ليس دونه سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله . قال : هل تمارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا : لا ، قال : فإنكم ترونه كذلك ، يحشر الناس يوم القيامة ، فيقول : من كان يعبد شيئا فليتبعه ، فمنهم من يتبع الشمس ، ومنهم من يتبع القمر ، ومنهم من يتبع الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا جاء ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله عز وجل فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا ، فيدعوهم ، ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم ، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل ، وكلام الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم ، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان ، هل رأيتم شوك السعدان ؟ قالوا : نعم . قال : فإنها مثل شوك السعدان ، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ، تخطف الناس بأعمالهم ، فمنهم من يوبق بعمله ، ومنهم من يخردل ، ثم ينجو ، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار ، أمر الله عز وجل الملائكة أن يخرجوا من النار من كان يعبد الله ، فيخرجونهم ، ويعرفونهم بآثار السجود ، وحرم الله عز وجل على النار أن تأكل أثر السجود ، فيخرجون من النار ، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود ، فيخرجون من النار قد امتحشوا ، فيصب عليهم ماء الحياة ، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل . وذكر بقية الحديث في آخر من يدخل الجنة ، وقد خرجه بتمامه - أيضا - في كتاب التوحيد ، ويأتي في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى - فإن هذا القدر من الحديث فيه هاهنا كفاية . فأما ما يتعلق برؤية الله عز وجل يوم القيامة من أول الحديث ، فقد سبق الكلام على ألفاظه ومعانيه في مواقيت الصلاة في باب : فضل صلاة العصر ، وفي باب : فضل صلاة الفجر ، فلا حاجة إلى إعادتها هاهنا . وفي الحديث : دليل على أن المشركين الذين كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله آلهة يتبعون آلهتهم التي كانوا يعبدون يوم القيامة ، فيردنهم النار ، كما قال تعالى في حق فرعون : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ويبقى من كان يعبد الله وحده ظاهرا ، مؤمنا كان أو منافقا ، فهؤلاء ينظرون من كانوا يعبدونه في الدنيا ، وهو الله وحده لا شريك له . ففي هذا الحديث : أن الله يأتيهم أول مرة فلا يعرفونه ، ثم يأتيهم في المرة الثانية فيعرفونه . وفي الحديث السابق اختصار ، وقد ساقه في مواضع أخر بتمامه . وقد دل القرآن على ما دل عليه هذا الحديث في مواضع ، كقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وقال : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ وقال : وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ولم يتأول الصحابة ولا التابعون شيئا من ذلك ، ولا أخرجوه عن مدلوله ، بل روي عنهم ما يدل على تقريره والإيمان به وإمراره كما جاء . وقد روي عن الإمام أحمد ، أنه قال في مجيئه : هو مجيء أمره . وهذا مما تفرد به حنبل عنه . فمن أصحابنا من قال : وهم حنبل فيما روى ، وهو خلاف مذهبه المعروف المتواتر عنه . وكان أبو بكر الخلال وصاحبه لا يثبتان بما تفرد به حنبل ، عن أحمد رواية . ومن متأخريهم من قال : هو رواية عنه ، بتأويل كل ما كان من جنس المجيء والإتيان ونحوهما . ومنهم من قال : إنما قال ذلك إلزاما لمن ناظره في القرآن ، فإنهم استدلوا على خلقه بمجيء القرآن ، فقال : إنما يجيء ثوابه ، كقوله : وَجَاءَ رَبُّكَ أي : كما تقولون أنتم في مجيء الله ، أنه مجيء أمره . وهذا أصح المسالك في هذا المروي . وأصحابنا في هذا على ثلاث فرق : فمنهم من يثبت المجيء والإتيان ، ويصرح بلوازم ذلك في المخلوقات ، وربما ذكروه عن أحمد من وجوه لا تصح أسانيدها عنه . ومنهم من يتأول ذلك على مجيء أمره . ومنهم من يقر ذلك ، ويمره كما جاء ، ولا يفسره ، ويقول : هو مجيء وإتيان يليق بجلال الله وعظمته سبحانه . وهذا هو الصحيح عن أحمد ، ومن قبله من السلف ، وهو قول إسحاق وغيره من الأئمة . وكان السلف ينسبون تأويل هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى الجهمية ؛ لأن جهما وأصحابه أول من اشتهر عنهم أن الله تعالى منزه عما دلت عليه هذه النصوص بأدلة العقول التي سموها أدلة قطعية هي المحكمات ، وجعلوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهات ، فعرضوا ما فيها على تلك الخيالات ، فقبلوا ما دلت على ثبوته بزعمهم ، وردوا ما دلت على نفيه بزعمهم ، ووافقهم على ذلك سائر طوائف أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم . وزعموا أن ظاهر ما يدل عليه الكتاب والسنة تشبيه وتجسيم وضلال ، واشتقوا من ذلك لمن آمن بما أنزل الله على رسوله أسماء ما أنزل الله بها من سلطان ، بل هي افتراء على الله ، ينفرون بها عن الإيمان بالله ورسوله . وزعموا أن ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك - مع كثرته وانتشاره - من باب التوسع والتجوز ، وأنه يحمل على مجازات اللغة المستبعدة ، وهذا من أعظم أبواب القدح في الشريعة المحكمة المطهرة ، وهو من جنس حمل الباطنية نصوص الإخبار عن الغيوب كالمعاد والجنة والنار على التوسع والمجاز دون الحقيقة ، وحملهم نصوص الأمر والنهي على مثل ذلك ، وهذا كله مروق عن دين الإسلام . ولم ينه علماء السلف الصالح وأئمة الإسلام كالشافعي وأحمد وغيرهما عن الكلام وحذروا عنه ، إلا خوفا من الوقوع في مثل ذلك ، ولو علم هؤلاء الأئمة أن حمل النصوص على ظاهرها كفر لوجب عليهم تبيين ذلك وتحذير الأمة منه ؛ فإن ذلك من تمام نصيحة المسلمين ، فكيف كانوا ينصحون الأمة فيما يتعلق بالأحكام العملية ويدعون نصيحتهم فيما يتعلق بأصول الاعتقادات ، هذا من أبطل الباطل . قال أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي : سمعت عبد الرحمن بن محمد ابن جابر السلمي يقول : سمعت محمد بن عقيل بن الأزهر الفقيه يقول : جاء رجل إلى المزني يسأله عن شيء من الكلام ، فقال : إني أكره هذا ، بل أنهى عنه ، كما نهى عنه الشافعي ؛ فإني سمعت الشافعي يقول : سئل مالك عن الكلام والتوحيد ، فقال مالك : محال أن يظن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه علم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد ، فالتوحيد ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ، فما عصم الدم والمال فهو حقيقة التوحيد . انتهى . وقد استوفينا الكلام على ذلك في أوائل كتاب العلم في الكلام على أول الواجبات . وقد صح عن ابن عباس أنه أنكر على من استنكر شيئا من هذه النصوص ، وزعم أن الله منزه عما تدل عليه : فروى عبد الرزاق في كتابه عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال : سمعت رجلا يحدث ابن عباس بحديث أبي هريرة : تحاجت الجنة والنار ، وفيه : فلا تمتلئ حتى يضع رجله - أو قال : قدمه - فيها . قال : فقام رجل فانتفض ، فقال ابن عباس : ما فرق هؤلاء ، يجدون رقة عند محكمه ، ويهلكون عند متشابهه . وخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن عبد الرزاق . ولو كان لذلك عنده تأويل لذكره للناس ولم يسعه كتمانه . وقد قابل هؤلاء المتكلمين طوائف آخرون ، فتكلموا في تقرير هذه النصوص بأدلة عقلية ، وردوا على النفاة ، ووسعوا القول في ذلك ، وبينوا أن لازم النفي التعطيل المحض . وأما طريقة أئمة أهل الحديث وسلف الأمة : فهي الكف عن الكلام في ذلك من الطرفين ، وإقرار النصوص وإمرارها كما جاءت ، ونفي الكيفية عنها والتمثيل . وقد قال الخطابي في الأعلام : مذهب السلف في أحاديث الصفات : الإيمان ، وإجراؤها على ظاهرها ، ونفي الكيفية عنها . ومن قال : الظاهر منها غير مراد ، قيل له : الظاهر ظاهران : ظاهر يليق بالمخلوقين ويختص بهم ، فهو غير مراد ، وظاهر يليق بذي الجلال والإكرام ، فهو مراد ، ونفيه تعطيل . ولقد قال بعض أئمة الكلام والفلسفة من شيوخ الصوفية ، الذي يحسن به الظن المتكلمون : إن المتكلمين بالغوا في تنزيه الله عن مشابهة الأجسام ، فوقعوا في تشبيهه بالمعاني ، والمعاني محدثة كالأجسام ، فلم يخرجوا عن تشبيهه بالمخلوقات . وهذا كله إنما أتى من ظن أن تفاصيل معرفة الجائز على الله والمستحيل عليه يؤخذ من أدلة العقول ، ولا يؤخذ مما جاء به الرسول . وأما أهل العلم والإيمان ، فيعلمون أن ذلك كله متلقى مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه ، ولا عدول عنه ، وأنه لا سبيل لتلقي الهدى إلا منه ، وأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله الصحيحة ما ظاهره كفر أو تشبيه ، أو مستحيل ، بل كل ما أثبته الله لنفسه ، أو أثبته له رسوله ، فإنه حق وصدق ، يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه ، فكما أن الله ليس كمثله شيء في ذاته ، فكذلك في صفاته . وما أشكل فهمه من ذلك ، فإنه يقال فيه ما مدح الله الراسخين من أهل العلم ، أنهم يقولون عند المتشابهات : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في متشابه الكتاب ، أنه يرد إلى عالمه ، والله يقول الحق ويهدي السبيل . وكلمة السلف وأئمة أهل الحديث متفقة على أن آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة كلها تمر كما جاءت ، من غير تشبيه ولا تمثيل ، ولا تحريف ولا تعطيل . قال أبو هلال : سأل رجل الحسن عن شيء من صفة الرب عز وجل ، فقال : أمروها بلا مثال . وقال وكيع : أدركت إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعرا يحدثون بهذه الأحاديث ، ولا يفسرون شيئا . وقال الأوزاعي : سئل مكحول والزهري عن تفسير هذه الأحاديث ، فقالا : أمرها على ما جاءت . وقال الوليد بن مسلم : سألت الأوزاعي ومالكا وسفيان وليثا عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة والقرآن ، فقالوا : أمروها بلا كيف . وقال ابن عيينة : ما وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره ، ليس لأحد أن يفسره إلا الله عز وجل . وكلام السلف في مثل هذا كثير جدا . وقال أشهب : سمعت مالكا يقول : إياكم وأهل البدع ، فقيل : يا أبا عبد الله : وما البدع ؟ قال : أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وعلمه وقدرته ، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان . خرجه أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي في كتاب ذم الكلام . وروى - أيضا - بأسانيده ذم الكلام وأهله عن مالك ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، وابن مهدي ، وأبي عبيد ، والشافعي ، والمزني ، وابن خزيمة . وذكر ابن خزيمة النهي عنه عن مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد وإسحاق وابن المبارك ويحيى بن يحيى ومحمد بن يحيى الذهلي . وروى السلمي - أيضا - النهي عن الكلام وذمه عن الجنيد وإبراهيم الخواص . فتبين بذلك أن النهي عن الكلام إجماع من جميع أئمة الدين من المتقدمين من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية ، وأنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم من أئمة المسلمين . ومن جملة صفات الله التي نؤمن بها ، وتمر كما جاءت عندهم : قوله تعالى : وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ونحو ذلك مما دل على إتيانه ومجيئه يوم القيامة . وقد نص على ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما . وعندهما : أن ذلك من أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بمشيئته واختياره . وكذلك قاله الفضيل بن عياض وغيره من مشايخ الصوفية أهل المعرفة . وقد ذكر حرب الكرماني أنه أدرك على هذا القول كل من أخذ عنه العلم في البلدان ، وسمى منهم : أحمد وإسحاق والحميدي وسعيد بن منصور . وكذلك ذكره أبو الحسن الأشعري في كتابه المسمى بـ - الإبانة - وهو من أجل كتبه ، وعليه يعتمد العلماء وينقلون منه ، كالبيهقي وأبي عثمان الصابوني وأبي القاسم ابن عساكر وغيرهم . وقد شرحه القاضي أبو بكر ابن الباقلاني . وقد ذكر الأشعري في بعض كتبه أن طريقة المتكلمين في الاستدلال على قدم الصانع وحدوث العالم بالجواهر والأجسام والأعراض محرمة عند علماء المسلمين . وقد روي ذم ذلك وإنكاره ونسبته إلى الفلاسفة عن أبي حنيفة . وقال ابن سريج : توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين : الشهادتان ، وتوحيد أهل الباطن من المسلمين : الخوض في الأعراض والأجسام ، وإنما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بإنكار ذلك . خرجه أبو عبد الرحمن السلمي . وكذلك ذكره الخطابي في رسالته في الغنية عن الكلام وأهله . وهذا يدل على أن ما يؤخذ من كلامه في كثير من كتبه مما يخالف ذلك ويوافق طريقة المتكلمين فقد رجع عنه ، فإن نفي كثير من الصفات إنما هو مبني على ثبوت هذه الطريقة . قال الخطابي في هذه الرسالة في هذه الطريقة في إثبات الصانع : إنما هو شيء أخذه المتكلمون عن الفلاسفة ، وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات ولا يرون لها حقيقة ، فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء ، فأما مثبتو النبوات ، فقد أغناهم الله عن ذلك ، وكفاهم كلفة المؤنة في ركوب هذه الطريقة المتعرجة التي لا يؤمن العنت على من ركبها ، والإبداع والانقطاع على سالكها . ثم ذكر أن الطريق الصحيحة في ذلك : الاستدلال بالصنعة على صانعها ، كما تضمنه القرآن ، وندب إلى الاستدلال به في مواضع ، وبه تشهد الفطر السليمة المستقيمة . ثم ذكر طريقتهم التي استدلوا بها ، وما فيها من الاضطراب والفساد والتناقض والاختلاف . ثم قال : فلا تشتغل - رحمك الله - بكلامهم ، ولا تغتر بكثرة مقالاتهم ؛ فإنها سريعة التهافت ، كثيرة التناقض ، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازيه ويفارقه ، فكل بكل معارض ، وبعضهم ببعض مقابل . قال : وإنما يكون تقدم الواحد منهم وفلجه على خصمه بقدر حظه من الثبات والحذق في صنعة الجدل والكلام ، وأكثر ما يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل على أصول مؤصلة لهم ، ومناقضات على مقالات حفظوها عليهم [. . .] تقودها وطردها ، فمن تقاعد عن شيء منها سموه من طريق [. . .] جعلوه مبطلا ، وحكموا بالفلج لخصمه عليه ، والجدل لا يقوم به حق [. . .] به حجة . وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين ، كلاهما باطل ، ويكون الحق في ثالث غيرهما ، فمناقضة أحدهما صاحبه غير مصحح مذهبه ، وإن كان مفسدا به قول خصمه ؛ لأنهما مجتمعان معا في الخطأ ، مشتركان فيه ، كقول الشاعر : حجج تهافت كالزجاج تخالها حقا ، وكل واهن مكسور ومتى كان الأمر كذلك ، فإن أحدا من الفريقين لا يعتمد في مقالته التي نصرها أصلا صحيحا ، وإنما هو أوضاع وآراء تتكافأ وتتقابل ، فيكثر المقال ، ويدوم الاختلاف ، ويقل الصواب ، كما قال تعالى : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا فأخبر تعالى أن ما كثر فيه الاختلاف فليس من عنده ، وهو من أدل الدليل على أن مذاهب المتكلمين مذاهب فاسدة ؛ لكثرة ما يوجد فيها من الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير والتضليل . وذكر بقية الرسالة ، وهي حسنة متضمنة لفوائد جليلة ، وإنما ذكرنا هذا القدر منها ليتبين به أن القواعد العقلية التي يدعي أهلها أنها قطعيات لا تقبل الاحتمال ، فترد لأجلها - بزعمهم - نصوص الكتاب والسنة ، وتصرف عن مدلولاتها ، إنما هي عند الراسخين شبهات جهليات ، لا تساوي سماعها ، ولا قراءتها ، فضلا عن أن يرد لأجلها ما جاء عن الله ورسوله ، أو يحرف شيء من ذلك عن مواضعه . وإنما القطعيات ما جاء عن الله ورسوله من الآيات المحكمات البينات ، والنصوص الواضحات ، فترد إليها المتشابهات ، وجميع كتب الله المنزلة متفقة على معنى واحد ، وإن ما فيها محكمات ومتشابهات ، فالراسخون في العلم يؤمنون بذلك كله ، ويردون المتشابه إلى المحكم ، ويكلون ما أشكل عليهم فهمه إلى عالمه ، والذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، فيضربون كتاب الله بعضه ببعض ، ويردون المحكم ، ويتمسكون بالمتشابه ابتغاء الفتنة ، ويحرفون المحكم عن مواضعه ، ويعتمدون على شبهات وخيالات لا حقيقة لها ، بل هي من وساوس الشيطان وخيالاته ، يقذفها في القلوب . فأهل العلم والإيمان يمتثلون في هذه الشبهات ما أمروا به من الاستعاذة بالله ، والانتهاء عما ألقاه الشيطان ، وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك من علامات الإيمان ، وغيرهم فيصغون إلى تلك الشبهات ، ويعبرون عنها بألفاظ مشتبهات ، لا حرمة لها في نفسها ، وليس لها معنى يصح ، فيجعلون تلك الألفاظ محكمة لا تقبل التأويل ، فيردون كلام الله ورسوله إليها ، ويعرضونه عليها ، ويحرفونه عن مواضعه لأجلها . هذه طريقة طوائف أهل البدع المحضة من الجهمية والخوارج والروافض والمعتزلة ومن أشبههم ، وقد وقع في شيء من ذلك كثير من المتأخرين المنتسبين إلى السنة من أهل الحديث والفقه والتصوف من أصحابنا وغيرهم في بعض الأشياء دون بعض . وأما السلف وأئمة أهل الحديث ، فعلى الطريقة الأولى ، وهي الإيمان بجميع ما أثبته الله لنفسه في كتابه ، أو صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أثبته له ، مع نفي التمثيل والكيفية عنه ، كما قاله ربيعة ومالك وغيرهما من أئمة الهدى في الاستواء ، وروي عن أم سلمة أم المؤمنين ، وقال مثل ذلك غيرهم من العلماء في النزول ، وكذلك القول في سائر الصفات ، والله سبحانه وتعالى الموفق . وقوله صلى الله عليه وسلم : فأكون أول من يجوز بأمته حتى يقطع الجسر بأمته ، وروي : يجيز ، وهما لغتان ، يقال : جزت الوادي وأجزته ، وهما بمعنى . وعن الأصمعي ، قال : أجزته : قطعته ، وجزته : مشيت عليه . وقوله : منهم الموبق بعمله أي : الهالك . وقوله : ومنهم المخردل ، هو بالدال المهملة والمعجمة : لغتان مشهورتان ، والمعنى : المقطع ، والمراد - والله أعلم - : أن منهم من يهلك فيقع في النار ، ومنهم من تقطعه الكلاليب التي على جسر جهنم ، ثم لا ينجو ولا يقع في النار . وقيل : معناه أنه ينقطع عن النجاة واللحاق بالناجين . والمقصود من تخريج الحديث بطوله في هذا الباب : أن أهل التوحيد لا تأكل النار منهم مواضع سجودهم ، وذلك دليل على فضل السجود عند الله وعظمته ، حيث حرم على النار أن تأكل مواضع سجود أهل التوحيد . واستدل بذلك بعض من يقول : إن تارك الصلاة كافر ؛ فإنه تأكله النار كله ، فلا يبقى حاله حال عصاة الموحدين . وهذا فيمن لم يصل لله صلاة قط ظاهر . وقوله : امتحشوا أي : احترقوا ، وضبطت هذه الكلمة بفتح التاء والحاء . وفي بعض النسخ بضم التاء وكسر الحاء . و الحبة - بكسر الحاء - قال الأصمعي : كل نبت له حب فاسم جميع ذلك الحب : الحبة . وقال الفراء : الحبة : بذور البقل . وقال أبو عمرو : الحبة نبت ينبت في الحشيش صغار . وقال الكسائي : الحبة بذر الرياحين ، واحدتها حبة ، وأما الحنطة فهو الحب لا غير - يعني : بالفتح . و الحميل : ما حمله السيل من كل شيء ، فهو حميل بمعنى محمول ، كقتيل بمعنى مقتول . ويأتي الكلام على باقي الحديث في موضع آخر إن شاء الله تعالى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل السجود · ص 82 ( باب فضل السجود ) أي هذا باب في بيان فضل السجود . 193 - ( حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا : أَنَّ النَّاسَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ ؟ . قَالُوا : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ ؟ . قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقُولُ : مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا ، فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ ، فَيَقُولُونَ : هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا ، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ ، فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ ، فَيَقُولُونَ : أَنْتَ رَبُّنَا ، فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنْ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ ، مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ ؟ . قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو ، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ ، فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ ، فَيَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ قَدْ امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ ، مُقْبِلًا بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنْ النَّارِ ، قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا ، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا ، فَيَقُولُ : هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ : لَا وَعِزَّتِكَ ، فَيُعْطِي اللَّهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ ، رَأَى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ : أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ ؟ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ ، فَيَقُولُ : فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ ؟ فَيَقُولُ : لَا وَعِزَّتِكَ ، لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ ، فَيَقُولُ اللَّهُ تعالى : وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ ، مَا أَغْدَرَكَ ! أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ ؟ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ ، فَيَضْحَكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُ : تَمَنَّ ، فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَ أُمْنِيَّتُهُ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : زد مِنْ كَذَا وَكَذَا ، أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَوْلَهُ : لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ : إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ : ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ ) . مطابقته للترجمة في قوله : " وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود " إلى قوله : " فيخرجون " . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة ، كلهم قد ذكروا غير مرة . وأبو اليمان الحكم بن نافع ، والزهري محمد بن مسلم . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وبصيغة الإخبار كذلك في موضع ، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضعين ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رواته ما بين حمصيين ومدنيين ، وفيه ثلاثة من التابعين ، وهم الزهري وسعيد وعطاء . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في صفة الجنة ، عن أبي اليمان ، عن شعيب . وأخرجه مسلم في الإيمان ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، عن أبي اليمان به . ( ذكر معناه وإعرابه ) : قوله : " هل نرى " أي هل نبصر ؛ إذ لو كان بمعنى العلم لاحتاج إلى مفعول آخر ، ولما كان للتقييد بيوم القيامة فائدة . قوله : " هل تمارون " بضم التاء والراء ، من المماراة ، من باب المفاعلة ، وهي المجادلة على مذهب الشك والريبة ، وفي رواية الأصيلي بفتح التاء والراء ، وأصله تتمارون من التماري من باب التفاعل ، فحذفت إحدى التاءين ، كما في نَارًا تَلَظَّى أصله تتلظى ، ومعنى التماري الشك من المرية بكسر الميم وضمها ، وقرئ بهما في قوله تعالى : فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ قال ثعلب : هما لغتان ، وثلاثي هذا اللفظ " مرئ " معتل اللام اليائي ، وقال الزمخشري : واشتقاقه من مرى الناقة ، وقال الجوهري : مريت الناقة مريا إذا مسحت ضرعها لندر ، وأمرت الناقة إذا أدر لبنا . قوله : " فإنكم ترونه " أي ترون الله كذلك أي بلا مرية ظاهرا جليا ، ولا يلزم منه المشابهة في الجهة والمقابلة وخروج الشعاع ونحوه ؛ لأنها أمور لازمة للرؤية عادة لا عقلا . قوله : " يحشر الناس " ابتداء كلام مستقل بذاته . قوله : " فيقول " أي فيقول الله تبارك وتعالى ، أو فيقول القائل . قوله : " فليتبعه " ويروى " فليتبع " بلا ضمير المفعول . قوله : " الطواغيت " جمع طاغوت قال ابن سيده : الطاغوت ما عبد من دون الله عز وجل ، فيقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، ووزنه فعلوت ، وإنما هو طغيوت قدمت الياء قبل الغين وهي مفتوحة وقبلها فتحة ، فقلبت ألفا . انتهى . قلت : يعكر عليه قوله : " فمنهم من يتبع الشمس ، ومنهم من يتبع القمر " ووجه ذلك أنه يلزم التكرار ، وقال القزاز : هو فاعول من طغوت ، وأصله طاغوه فحذفوا وجعلوا التاء كأنها عوض عن المحذوف ، فقالوا : طاغوت ، وإنما جاز فيه التذكير والتأنيث ؛ لأن العرب تسمي الكاهن والكاهنة طوغوتا وسئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما رواه جابر بن عبد الله عن الطاغوت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال : كانت في جهينة واحدة ، وفي أسلم واحدة ، وفي كل حي واحدة ، وقيل : الطاغوت الشيطان ، وقيل : كل معبود من حجر أو غيره فهو جبت وطاغوت ، وفي ( الغريبين ) الطاغوت الصنم ، وفي ( الصحاح ) هو كل رأس في الضلال ، وفي ( المغيث ) هو الشيطان أو ما زين الشيطان لهم أن يعبدوه ، وفي ( تفسير الطبري ) الطاغوت الساحر . قاله أبو العالية ومحمد بن سيرين . وعن سعيد بن جبير وابن جريج : هو الكاهن ، وفي ( المعاني ) للزجاج : الطاغوت مردة أهل الكتاب ، وفي ( ديوان الأدب ) تاؤه غير أصلية . قوله : " وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها " أي تبقى أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والحال أن فيهم منافقيها ، فهذا يدل على أن المنافقين يتبعون محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما انكشف لهم من الحقيقة رجاء منهم أن ينتفعوا بذلك ؛ لأنهم كانوا في الدنيا متسترين بهم فتستروا أيضا في الآخرة واتبعوهم زاعمين الانتفاع بهم حتى ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ، وقال القرطبي : ظن المنافقون أن تسترهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم ، كما نفعهم في الدنيا جهلا منهم ، فاختلطوا معهم في ذلك اليوم ، ويحتمل أن يكونوا حشروا معهم لما كانوا يظهرون من الإسلام فحفظ ذلك عليهم حتى ميز الله الخبيث من الطيب ، ويحتمل أنه لما قيل ليتبع كل أمة لما كانت تعبد والمنافقون لم يعبدوا شيئا ، فبقوا هنالك حيارى حتى ميزوا ، وقيل : هم المطرودون عن الحوض المقول فيهم " سحقا سحقا " . قوله : " فيأتيهم الله عز وجل " ، وفي رواية أخرى " فيأتيهم في غير الصورة التي يعرفون ، فيقولون : نعوذ بالله منك " الإتيان هنا إنما هو كشف الحجب التي بين أبصارنا وبين رؤية الله عز وجل ؛ لأن الحركة والانتقال لا تجوز على الله تعالى ؛ لأنها صفات الأجسام المتناهية ، والله تعالى لا يوصف بشيء من ذلك ، فلم يكن معنى الإتيان إلا ظهوره عز وجل إلى أبصار لم تكن تراه ولا تدركه ، والعادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان ، فعبر به عن الرؤية مجازا ؛ لأن الإتيان مستلزم للظهور على المأتي إليه ، وقال القرطبي : التسليم الذي كان عليه السلف أسلم ، وقال عياض : إن الإتيان فعل من أفعال الله تعالى سماه إتيانا ، وقيل : يأتيهم بعض ملائكته قال القاضي : وهذا الوجه عندي أشبه بالحديث . قال : ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدوث الظاهرة عليه ، أو يكون معناه يأتيهم في صورة لا تشبه صفات الإلهية ليختبرهم ، وهو آخر امتحان المؤمنين ، فإذا قال لهم هذا الملك أو هذه الصورة : أنا ربكم ورأوا عليه من علامات المخلوق ما ينكرونه ويعلمون أنه ليس ربهم ، فيستعيذون بالله تعالى منه ، وقال الخطابي : الرؤية التي هي ثواب الأولياء وكرامات لهم في الجنة غير هذه الرؤية ، وإنما تعريضهم هذه الرؤية امتحان من الله تعالى ؛ ليقع التمييز بين من عبد الله وبين من عبد الشمس ونحوها ، فيتبع كل من الفريقين معبوده ، وليس ينكر أن يكون الامتحان إذ ذاك بعد قائما وحكمه على الخلق جاريا ، حتى يفرغ من الحساب ، ويقع الجزاء بالثواب والعقاب ، ثم ينقطع إذا حققت الحقائق واستقرت أمور المعاد . وأما ذكر الصورة فإنها تقتضي الكيفية والله منزه عن ذلك ، فيأول إما بأن تكون الصورة بمعنى الصفة ، كقولك : صورة هذا الأمر كذا ، تريد صفته . وإما بأنه خرج على نوع من المطابقة ؛ لأن سائر المعبودات المذكورة لها صورة ، كالشمس وغيرها . قوله : " هذا مكاننا " جملة من المبتدأ والخبر ، إنما قالوا : " هذا مكاننا " من أجل أن معهم من المنافقين الذين لا يستحقون الرؤية وهم عن ربهم محجوبون ، فلما تميزوا عنهم ارتفع الحجاب فقالوا عندما رأوه : أنت ربنا ، وإنما عرفوا أنه ربهم - حتى قالوا : أنت ربنا - إما بخلق الله تعالى فيهم علما به ، وإما بما عرفوا من وصف الأنبياء لهم في الدنيا ، وإما بأن جميع العلوم يوم القيامة تصير ضرورية . قوله : " فيأتيهم الله عز وجل فيقول : أنا ربكم " إنما كرر هذا اللفظ ؛ لأن الأول ظهور غير واضح لبقاء بعض الحجب مثلا ، والثاني ظهور واضح في الغاية ، وقد يقال : أبهم أولا ، ثم فسره ثانيا بزيادة بيان قولهم ، وذكر المكان ودعوتهم إلى دار السلام ، وقال الكرماني : أو يراد من الأول إتيان الملك ففيه إضمار ، وقال : فإن قلت : الملك معصوم فكيف يقول : أنا ربكم ، وهو كذب . قلت : قيل : لا نسلم عصمته من مثل هذه الصغيرة ، ولئن سلمنا ذلك فجاز لامتحان المؤمنين ، وقال : فإن قلت : المنافقون لا يرون الله ، فما توجيه الحديث ؟ قلت : ليس فيه التصريح برؤيتهم ، وإنما فيه أن الأمة تراه ، وهذا لا يقتضي أن يراه جميعها ، كما يقال : قتله بنو تميم والقاتل واحد منهم ، ثم لو ثبت التصريح به عموما فهو مخصص بالإجماع وسائر الأدلة ، أو خصوصا فهو معارض بمثلها ، وهذا من المتشابهات في أمثالها . والأمة طائفتان ؛ مفوضة ، يفوضون الأمر فيها إلى الله تعالى ، جازمين بأنه منزه عن النقائص ، ومأولة يأولونها على ما يليق به . قوله : " فيدعوهم " أي فيدعوهم الله تعالى . قوله : " فيضرب الصراط " ويروى " ويضرب الصراط " بالواو ، وفي بعض النسخ " ثم يضرب الصراط " والصراط جسر ممدود على متن جهنم أدق من الشعر وأحد من السيف ، عليه ملائكة يحبسون العباد في سبع مواطن ، ويسألونهم عن سبع خصال ؛ في الأول عن الإيمان ، وفي الثاني عن الصلاة ، وفي الثالث عن الزكاة ، وفي الرابع عن شهر رمضان ، وفي الخامس عن الحج والعمرة ، وفي السادس عن الوضوء ، وفي السابع عن الغسل من الجنابة . قوله : " بين ظهراني جهنم " كذا في رواية العذري ، وفي رواية غيره " بين ظهري جهنم " ، وقال ابن الجوزي : أي على وسطها ، يقال : نزلت بين ظهريهم وظهرانيهم بفتح النون ، أي في وسطهم متمسكا بينهم لا في أطرافهم ، والألف والنون زيدتا للمبالغة ، وقيل : لفظ " الظهر " مقحم ، ومعناه يمد الصراط عليها . قوله : " فأكون أول من يجيز من الرسل بأمته " بضم الياء وكسر الجيم ثم زاي ، بمعنى أول من يمضي عليه ويقطعه ، يقال : أجزت الوادي وجزته لغتان بمعنى ، وقال الأصمعي : أجزته قطعته وجزته مشيت عليه ، وقال القرطبي : إذا كان رباعيا معناه لا يجوز أحد على الصراط حتى يجوز - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأمته ، فكأنه يجيز الناس ، وفي ( المحكم ) جاز الموضع جوزا وجوزا وجوازا ومجازا ، وجاوزه وأجاز جوازا ، وأجازه وأجاز غيره ، وقيل : جازه سار فيه ، وأجازه خلفه وقطعه ، وأجازه أنفذه . قوله : " ولا يتكلم يومئذ أحد " أي لشدة الأهوال . والمراد لا يتكلم في حال الإجازة ، وإلا ففي يوم القيامة مواطن يتكلم الناس فيها ، وتجادل كل نفس عن نفسها . قوله : " سلم سلم " هذا من الرسل لكمال شفقتهم ورحمتهم للخلق . قوله : " كلاليب " جمع كلوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة ، وفي ( المحكم ) الكلاب والكلوب السفود ؛ لأنه يعلق الشواء ويتحلله ، هذه عن اللحياني ، والكلاب والكلوب حديدة مقطوفة كالخطاف ، وفي ( المنتهى ) لأبي المعالي الكلوب المنشال والخطاف ، وكذلك الكلاب . قوله : " مثل شوك السعدان " قال أبو حنيفة في ( كتاب النبات ) : واحده سعدانة ، وقال أبو زياد في ( الأحرار ) السعدان ضرب المثل به " مرعى ولا كالسعدان " وهي غبراء اللون حلوة يأكلها كل شيء ، وليست كبيرة ، ولها إذا يبست شوكة مفلطحة كأنها درهم ، وهي شوكة ضعيفة ، ومنابت السعدان السهول ، وقيل : للسعدان شوك كحسك القطب مفلطح كالفلكة ، وقال المبرد : هو نبت كثير الحسك ، وقال الأخفش : لا ساق له ، وفي ( الجامع ) للقزاز شوك وحسك عريض ، وقال الكرماني : هو نبت له شوك عظيم من كل الجوانب ، مثل الحسك ، وهو أفضل مراعي الإبل ، ويقال : مرعى ولا كالسعدان . قوله : " لا يعلم قدر عظمها إلا الله " ، وفي بعض النسخ " لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله " وتوجيهه على هذا ما قال القرطبي وهو : أن يكون لفظ " قدر " مرفوعا على أنه مبتدأ ، ولفظ " ما " استفهاما مقدما خبره . قال : ويجوز أن تكون " ما " زائدة ، ويكون " قدر " منصوبا على أنه مفعول " لا يعلم " . قوله : " تخطف الناس " قال ثعلب في ( الفصيح ) : خطف بكسر العين في الماضي وفتحها في المستقبل . وحكى غلامه والقزاز عنه خطف بكسر العين في الماضي وكسرها في المستقبل ، وحكاها الجوهري عن الأخفش ، وقال : هي قليلة رديئة ، لا تكاد تعرف . قال : وقد قرأ بهما يونس في قوله تعالى : يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا وفي ( الواعي ) الخطف الأخذ بسرعة على قدر ذنوبهم . قوله : " من يوبق " قال ابن قرقول : بباء موحدة عند العذري ، ومعناه يهلك ، وهو على صيغة المجهول من وبق الرجل إذا هلك وأوبقه الله إذا أهلكه ، وفي رواية الطبري بثاء مثلثة من الوثاق . قوله : " من يخردل " أي يقطع يقال خردلت اللحم بالدال والذال ، أي قطعته قطعا صغارا ، وقال ابن قرقول : يخردل كذا هو لكافة الرواة - وهو الصواب - إلا الأصيلي ، فإنه ذكره بالجيم ، ومعناه الإشراف على السقوط والهلكة ، وفي ( المحكم ) : خردل اللحم قطع أعضاءه وأفراه ، وقيل : خردل اللحم وقطعه وفرقه ، والذال فيه لغة ، ولحم خراديل ، والمخردل المصروع ، وفي ( الصحاح ) : خردل اللحم أي قطعه صغارا ، وعند أبي عبيد الهروي : المخردل المرمي المصروع ، والمعنى أنه تقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي إلى النار ، وقال الليث وأبو عبيد : خردلت اللحم إذا فصلت أعضاءه ، وزاد أبو عبيد : وخردلته بالدال والذال قطعته وفرقته . قوله : " من أراد " كلمة " من " موصولة أي إذا أراد الله تعالى رحمة الذي أرادهم من أهل النار وهم المؤمنون الخلص ؛ إذ الكافر لا ينجو أبدا من النار ويبقى خالدا فيها . قوله : " بآثار السجود " اختلف في المراد بها فقيل : هي الأعضاء السبعة ، وهذا هو الظاهر ، وقال عياض : المراد الجبهة خاصة ، ويؤيد هذا ما في رواية مسلم : أن قوما يخرجون من النار يحترقون فيها ، إلا دارات وجوههم . قوله : " فكل ابن آدم " أي فكل أعضاء ابن آدم . قوله : " إلا أثر السجود " أي مواضع أثره . قوله : " قد امتحشوا " بتاء مثناة من فوق مفتوحة وحاء مهملة وشين معجمة ، ومعناه احترقوا ، ويروى بضم التاء وكسر الحاء ، وفي بعض الروايات صاروا حمما ، وفي ( المحكم ) المحش تناول من لهب يحرق الجلد ويبدي العظم ، وفي ( الجامع ) محشته النار تمحشه محشا إذا أحرقته ، وحكي أمحشته ، وقال الداودي : امتحشوا انقبضوا واسودوا . قوله : " ماء الحياة " هو الذي من شربه أو صب عليه لم يمت أبدا . قوله : " كما تنبت الحبة " بكسر الحاء هو بزور الصحراء مما ليس بقوت ، ووجه الشبه في سرعة النبات ، ويقال : شبه نباته بنبات الحبة لبياضها ولسرعة نباتها ؛ لأنها تنبت في يوم وليلة ؛ لأنها رويت من المياه وترددت في غثاء السيل . قوله : " في حميل السيل " بفتح الحاء المهملة وكسر الميم ، وهو ما جاء به السيل من طين ونحوه . قوله : " ثم يفرغ الله من القضاء " إسناد الفراغ إلى الله ليس على سبيل الحقيقة ؛ إذ الفراغ هو الخلاص عن المهام ، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن . والمراد منه إتمام الحكم بين العباد بالثواب والعقاب ، وقال القرطبي : معناه كمل خروج الموحدين من النار . قوله : " دخولا " نصب على التمييز ، ويجوز أن يكون حالا على أن يكون " دخولا " بمعنى داخلا . قوله : " الجنة " بالنصب على أنه مفعول " دخولا " . قوله : " مقبلا " نصب على أنه من الأحوال المترادفة أو المتداخلة ، ويروى " مقبل " بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي هو مقبل بوجهه إلى جهة النار . قوله : " قد قشبني " بفتح القاف والشين المعجمة المخففة المفتوحة وبالباء الموحدة ، وقال السفاقسي : كذا هو عند المحدثين ، وكذا ضبطه بعضهم والذي في اللغة تشديد الشين ، ومعناه سَمَّنِي ، وقال الفارابي في باب فعل بفتح العين من الماضي وكسرها من المستقبل : قشبه أي سقاه السم ، وقشب طعامه أي سمه . وفي ( المنتهى ) لأبي المعالي : القشب أخلاط تخلط للنسر ، فيأكلها ، فيموت ، فيؤخذ ريشه ، يقال له : ريش قشيب ومقشوب ، وكل مسموم قشيب . وقال أبو عمر : القشب هو السم ، وقشبه سقاه السم ، وفي ( النوادر ) للهجري : ومعنى القشب هو السم لغير الناس يقشب به السباع والطير ، فيقتلها . وفي ( المحكم ) : القشب والقشيب السم ، والجمع أقشاب ، وقشب له سقاه السم ، وقشب الطعام يقشبه قشبا إذا لطخ بالسم . وفي ( كتاب ابن طريف ) أقشب الشيء إذا خلطه بما يفسده من سم أو غيره ، وعند أبي حنيفة القشب نبات يقتل الطير ، وقال الخطابي : يقال : قشبه الدخان إذا ملأ خياشيمه وأخذ بكظمه ، وهو انقطاع نفسه ، وأصله خلط السم ، يقال : قشبه إذا سمه ، ومنه حديث عمر رضي الله تعالى عنه " أنه كان بمكة فوجد ريح طيب فقال : من قشبنا ؟ فقال معاوية : يا أمير المؤمنين ، دخلت على أم حبيبة ، فطيبتني " . قوله : " وأحرقني ذكاؤها " قال النووي : كذا وقع في جميع الروايات في هذا الحديث " ذكاؤها " بالمد وبفتح الذال المعجمة ، ومعناه لهبها واشتعالها وشدة وهجها ، والأشهر في اللغة ذكاها مقصورا ، وذكر جماعات أن المد والقصر لغتان . انتهى . قال صاحب ( التلويح ) : وفيه نظر . قلت : ذكر وجه النظر ، وهو أنه عد كتبا عديدة في اللغة وشروح دواوين الشعراء ، ثم قال : وكلهم نصوا على قصره لا يذكرون المد في ورد ولا صدر ، حاشا ما وقع في ( كتاب النبات ) لأبي حنيفة الدينوري فإنه قال في موضع السعار : " حر النار وذكاؤها " ، وفي آخر " ولهبها ذكاء لهبها " ، وفي موضع آخر " مع ذكاء وقودها " ، وفي آخر : وقد ضربت العرب المثل بجمر الغضا لذكائه ، ورد عليه أبو القاسم علي بن حمزة الأصبهاني فقال : كل هذا غلط ؛ لأن ذكا النار مقصور يكتب بالألف ؛ لأنه من الواوي من قولهم : ذكت النار تذكو وذكو النار وذكاها بمعنى ، وهو التهابها ، ويقال أيضا : ذكت النار تذكو ذكوا وذكوا ، فأما ذكاء بالمد فلم يأت عنهم بالمد في النار ، وإنما جاء في الفهم . قوله : " هل عسيت " بفتح السين ذكره صاحب ( الفصيح ) ، وفي ( الموعب ) لم يعرف الأصمعي عسيت بالكسر ، قال : وقد ذكره بعض القراء ، وهو خطأ . وعن الفراء : لعلها لغة نادرة ، وفي ( شرح المطرزي ) عن الفراء : كلام العرب العالي " عَسَيْتُ " بفتح السين ، ومنهم من يقول " عَسِيتُ " ، وقال ابن درستويه في كتابه ( تصحيح الفصيل ) : العامة تقول : عسِيت بكسر السين وهي لغة شاذة ، وقال ابن السكيت في كتابه ( فعلت وأفعلت ) : عسيت بالكسر لغة رديئة ، وقال ابن قتيبة : ويقولون : ما عسيت ، والأجود الفتح ، كذا قاله ثابت ( فيما يلحن فيه ) وقال أبو عبيد بن سلام في كتابه ( في القراءات ) : كان نافع يقرأ عسيتم بالكسر ، والقراءة عندنا بالفتح ؛ لأنها أعرب اللغتين ، ولو كانت عسيتم بالكسر لقرئ " عسي ربنا " أيضا ، وهذا الحرف لا نعلمهم اختلفوا في فتحه ، وكذلك سائر القرآن . ثم اعلم أن " عسى " من الآدميين يكون للترجي والشك ، ومن الله للإيجاب واليقين . قوله : " ذلك " إشارة إلى الصرف الذي يدل عليه قوله : " اصرف وجهي عن النار " . قوله : " فيعطي اللهُ " مفعوله محذوف أي فيعطي الرجلَ المذكورَ . قوله : " ما شاء " ويروى " ما يشاء " بياء المضارعة . قوله : " العهد والميثاق " العهد يأتي لمعان ؛ بمعنى الحفاظ ورعاية الحرمة والذمة والأمان واليمين والوصية ، والميثاق العهد أيضا ، وهو على وزن مفعال من الوثاق ، وهو في الأصل حبل أو قيد يشد به الأسير أو الدابة . قوله : " بهجتها " أي حسنها ونضارتها . قوله : " لا أكون أشقى خلقك " قال السفاقسي : كذا هنا " لا أكون " ، وفي رواية أبي الحسن " لا أكونن " والمعنى إن أنت أبقيتني على هذه الحالة ولا تدخلني الجنة ، لأكونن أشقى خلقك الذين دخلوها ، والألف زائدة ، يعني في قوله : " لا أكون أشقى خلقك " ، وقال الكرماني : قوله : " لا أكون أشقى خلقك " أي كافرا . ثم قال : فإن قلت : كيف طابق هذا الجواب لفظ " أليس قد أعطيت العهود " ؟ قلت : كأنه قال : يا رب أعطيت لكن كرمك يطمعني إذ لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون . قوله : " فما عسيت إن أعطيت ذلك " كلمة " ما " استفهامية ، واسم عسى هو الضمير ، وخبره هو قوله : " أن تسأل " . وقوله : " إن أعطيت " جملة معترضة ، وهو على صيغة المجهول وقوله : " ذلك " مفعول ثان لأعطيت أي إن أعطيت التقديم إلى باب الجنة وقوله : " غيره " مفعول " أن تسأل " أي غير التقديم إلى باب الجنة ، وكلمة " إن " في " إن أعطيت " مكسورة ، وهي شرطية ، والتي في " أن تسأل " مفتوحة مصدرية ، ويروى " أن لا تسأل " بزيادة لفظة " لا " ، ووجهها إما أن تكون زائدة ، كما في قوله تعالى : لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ وإما أن تكون على أصلها ، وتكون كلمة " ما " في قوله : " فما عسيت " نافية ، ونفي النفي إثبات . وقال الكرماني هنا : فإن قلت : كيف يصح هذا من الله تعالى ، وهو عالم بما كان وما يكون ؟ قلت : معناه أنكم يا بني آدم لما عهد عنكم نقض العهد أحقاء بأن يقال لكم ذلك ، وحاصله أن معنى " عسى " راجع إلى المخاطب لا إلى الله تعالي . قوله : " فيقول : لا " أي فيقول الرجل : لا يا رب ، لا أسأل غيره وحقِّ عزتك . قوله : " فيعطي ربه " أي فيعطي الرجل ربه ما شاء من العهد والميثاق . قوله : " فإذا بلغ بابها " أي باب الجنة . قوله : " فرأى زهرتها " عطف على " بلغ " ، وجواب " إذا " محذوف تقديره : فإذا بلغ إلى آخره سكت ، ثم بين سكوته بقوله : " فيسكت " بالفاء التفسيرية ، ثم إن سكوته بمقدار مشيئة الله تعالى إياه ، وهو معنى قوله : " فيسكت ما شاء الله أن يسكت " وكلمة " أن " هذه مصدرية أي ما شاء الله سكوته ، وقال الكلاباذي : إمساك العبد عن السؤال حياء من ربه عز وجل ، والله تعالى يحب سؤاله ؛ لأنه يحب صوته ، فيباسطه بقوله : " لعلك إن أعطيت هذا تسأل غيره " وهذه حال المقصر فكيف حال المطيع ؟! وليس نقض هذا العبد عهده وتركه إقسامه جهلا منه ، ولا قلة مبالاة ، بل علما منه بأن نقض هذا العهد أولى من الوفاء ؛ لأن سؤاله ربه أولى من إبرار قسمه ؛ لأنه علم قول نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ، فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير " . قوله : " ويحك " كلمة رحمة ، كما أن " ويلك " كلمة عذاب ، وقيل : هما بمعنى واحد . قوله : " ابن آدم " أي يا ابن آدم . قوله : " ما أغدرك " فعل التعجب ، والغدر ترك الوفاء . قوله : " أليس قد أعطيت " على صيغة المعلوم . قوله : " غير الذي أعطيت " على صيغة المجهول . قوله : " فيضحك الله منه " أي من فعل هذا الرجل . والمراد من الضحك لازمه ، وهو الرضى منه وإرادة الخير له ؛ لأن إطلاق حقيقة الضحك على الله تعالى لا يتصور ، وأمثال هذه الإطلاقات كلها يراد بها لوازمها . قوله : " تمن " أمر من التمني ويروى " تمن كذا وكذا " . قوله : " حتى إذا انقطع " ويروى " إذا انقطعت " وقد علم أن إسناد الفعل إلى مثل هذا الفاعل يجوز فيه التذكير والتأنيث . قوله : " زد من كذا وكذا " أي من أمانيك التي كانت لك قبل أن أذكرك بها . قوله : " أقبل " فعل ماض من الإقبال ، والضمير فيه يرجع إلى الله تعالى ، وكذا الضمير المرفوع في قوله : " يذكره " وقد تنازع هذان الفعلان في قوله : " ربه " . ( فإن قلت ) : ما موقع هاتين الجملتين ؟ أعني " أقبل يذكره " . قلت : بدل من قوله : " قال الله عز وجل : زد " . قوله : " الأماني " جمع أمنية . قوله : " لك ذلك " أي ما سألته من الأماني . قوله : " ومثله معه " جملة من المبتدأ والخبر وقعت حالا . قوله : " لك ذلك وعشرة أمثاله " أي وعشرة أمثال ما سألته ، وهذا في خبر أبي سعيد الخدري ، ووجه الجمع بين خبره وخبر أبي هريرة ؛ لأن في خبر أبي هريرة " ومثله " ، وفي خبر أبي سعيد " وعشرة أمثاله " - هو أنه أخبر أولا بالمثل ، ثم اطلع على الزيادة تكرما ، ولا يحتمل العكس ؛ لأن الفضائل لا تنسخ ، وقال الكرماني : أعلَمَ أولا بما في حديث أبي هريرة ، ثم تكرم الله فزادها فأخبر به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ولم يسمعه أبو هريرة . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه إثبات الرؤية للرب عز وجل نصا من كلام الشارع ، وهو تفسير قوله جل جلاله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا يعني مبصرة ، ولو لم يكن هذا القول من الشارع بالرؤية نصا لكان ما في الآية كفاية لمن أنصف ؛ وذلك أن النظر إذا قرن بذكر الوجه لم يكن إلا نظر البصر ، وإذا قرن بذكر القلوب كان بمعنى اليقين ، فلا يجوز أن ينقل حكم الوجوه إلى حكم القلوب . واعلم أن أهل السنة اتفقوا على أن الله تعالى يصح أن يرى ؛ بمعنى أنه ينكشف لعباده ويظهر لهم بحيث تكون نسبة ذلك الانكشاف إلى ذاته المخصوصة كنسبة الإبصار إلى هذه المبصرات المادية ، لكنه يكون مجردا عن ارتسام صورة المرئي ، وعن اتصال الشعاع بالمرئي ، وعن المحاذاة والجهة والمكان ؛ خلافا للمعتزلة في الرؤية مطلقا ، وللمشبهة والكرامية في خلوها عن المواجهة والمكان . احتجت المعتزلة فيما ذهبوا إليه بوجوه : الأول : بقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ والجواب عنه : أن معنى الإدراك هاهنا الإحاطة ، ونحن نقول أيضا : إن الإحاطة ممتنعة ، وقال ابن بطال : الآية مخصوصة بالسنة . قلت : فيه نظر ، والأولى ما قلنا . الثاني : بقوله تعالى : لَنْ تَرَانِي فإن " لن " نفي للتأبيد بدليل قوله : قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا ، فإذا ثبت عدم الرؤية في حق موسى عليه الصلاة والسلام ثبت في حق غيره أيضا ؛ لانعقاد الإجماع على عدم الفرق . والجواب عنه : أَنَّا لا نسلم أن " لن " تدل على التأبيد بدليل قوله : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا مع أنهم يتمنونه في الآخرة . الثالث : بقوله تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا الآية ، فإن الآية دلت على أن كل من يتكلم الله تعالى معه فإنه لا يراه ، فإذن ثبت عدم الرؤية في غير وقت الكلام ؛ ضرورة أنه لا قائل بالفصل . والجواب : أن الوحي كلام يسمع بالسرعة ، وليس فيه دلالة تدل على كون المتكلم محجوبا ، عن نظر السامع . وفيه أن الصلاة أفضل الأعمال لما فيها من السجود ، وقد قال : " أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد " ، وفيه فضيلة السجود ، والباب مترجم بذلك ، وفيه بيان كرم أكرم الأكرمين ولطفه وفضله الواسع ، وفيه أن الصراط حق والجنة حق والنار حق والحشر حق والنشر حق والسؤال حق .