باب فضل السجود
باب فضل السجود 806 - حدثنا أبو اليمان ، نا شعيب ، عن الزهري : أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي ، أن أبا هريرة أخبرهما ، أن الناس قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : هل تمارون في القمر ليلة البدر ، ليس دونه سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله . قال : هل تمارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا : لا ، قال : فإنكم ترونه كذلك ، يحشر الناس يوم القيامة ، فيقول : من كان يعبد شيئا فليتبعه ، فمنهم من يتبع الشمس ، ومنهم من يتبع القمر ، ومنهم من يتبع الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا جاء ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله عز وجل فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا ، فيدعوهم ، ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم ، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل ، وكلام الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم ، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان ، هل رأيتم شوك السعدان ؟ قالوا : نعم . قال : فإنها مثل شوك السعدان ، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ، تخطف الناس بأعمالهم ، فمنهم من يوبق بعمله ، ومنهم من يخردل ، ثم ينجو ، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار ، أمر الله عز وجل الملائكة أن يخرجوا من النار من كان يعبد الله ، فيخرجونهم ، ويعرفونهم بآثار السجود ، وحرم الله عز وجل على النار أن تأكل أثر السجود ، فيخرجون من النار ، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود ، فيخرجون من النار قد امتحشوا ، فيصب عليهم ماء الحياة ، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل .
وذكر بقية الحديث في آخر من يدخل الجنة ، وقد خرجه بتمامه - أيضا - في كتاب التوحيد ، ويأتي في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى - فإن هذا القدر من الحديث فيه هاهنا كفاية . فأما ما يتعلق برؤية الله عز وجل يوم القيامة من أول الحديث ، فقد سبق الكلام على ألفاظه ومعانيه في مواقيت الصلاة في باب : فضل صلاة العصر ، وفي باب : فضل صلاة الفجر ، فلا حاجة إلى إعادتها هاهنا . وفي الحديث : دليل على أن المشركين الذين كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله آلهة يتبعون آلهتهم التي كانوا يعبدون يوم القيامة ، فيردنهم النار ، كما قال تعالى في حق فرعون : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ويبقى من كان يعبد الله وحده ظاهرا ، مؤمنا كان أو منافقا ، فهؤلاء ينظرون من كانوا يعبدونه في الدنيا ، وهو الله وحده لا شريك له .
ففي هذا الحديث : أن الله يأتيهم أول مرة فلا يعرفونه ، ثم يأتيهم في المرة الثانية فيعرفونه . وفي الحديث السابق اختصار ، وقد ساقه في مواضع أخر بتمامه . وقد دل القرآن على ما دل عليه هذا الحديث في مواضع ، كقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وقال : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ وقال : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ولم يتأول الصحابة ولا التابعون شيئا من ذلك ، ولا أخرجوه عن مدلوله ، بل روي عنهم ما يدل على تقريره والإيمان به وإمراره كما جاء .
وقد روي عن الإمام أحمد ، أنه قال في مجيئه : هو مجيء أمره . وهذا مما تفرد به حنبل عنه . فمن أصحابنا من قال : وهم حنبل فيما روى ، وهو خلاف مذهبه المعروف المتواتر عنه .
وكان أبو بكر الخلال وصاحبه لا يثبتان بما تفرد به حنبل ، عن أحمد رواية . ومن متأخريهم من قال : هو رواية عنه ، بتأويل كل ما كان من جنس المجيء والإتيان ونحوهما . ومنهم من قال : إنما قال ذلك إلزاما لمن ناظره في القرآن ، فإنهم استدلوا على خلقه بمجيء القرآن ، فقال : إنما يجيء ثوابه ، كقوله : وَجَاءَ رَبُّكَ أي : كما تقولون أنتم في مجيء الله ، أنه مجيء أمره .
وهذا أصح المسالك في هذا المروي . وأصحابنا في هذا على ثلاث فرق : فمنهم من يثبت المجيء والإتيان ، ويصرح بلوازم ذلك في المخلوقات ، وربما ذكروه عن أحمد من وجوه لا تصح أسانيدها عنه . ومنهم من يتأول ذلك على مجيء أمره .
ومنهم من يقر ذلك ، ويمره كما جاء ، ولا يفسره ، ويقول : هو مجيء وإتيان يليق بجلال الله وعظمته سبحانه . وهذا هو الصحيح عن أحمد ، ومن قبله من السلف ، وهو قول إسحاق وغيره من الأئمة . وكان السلف ينسبون تأويل هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى الجهمية ؛ لأن جهما وأصحابه أول من اشتهر عنهم أن الله تعالى منزه عما دلت عليه هذه النصوص بأدلة العقول التي سموها أدلة قطعية هي المحكمات ، وجعلوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهات ، فعرضوا ما فيها على تلك الخيالات ، فقبلوا ما دلت على ثبوته بزعمهم ، وردوا ما دلت على نفيه بزعمهم ، ووافقهم على ذلك سائر طوائف أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم .
وزعموا أن ظاهر ما يدل عليه الكتاب والسنة تشبيه وتجسيم وضلال ، واشتقوا من ذلك لمن آمن بما أنزل الله على رسوله أسماء ما أنزل الله بها من سلطان ، بل هي افتراء على الله ، ينفرون بها عن الإيمان بالله ورسوله . وزعموا أن ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك - مع كثرته وانتشاره - من باب التوسع والتجوز ، وأنه يحمل على مجازات اللغة المستبعدة ، وهذا من أعظم أبواب القدح في الشريعة المحكمة المطهرة ، وهو من جنس حمل الباطنية نصوص الإخبار عن الغيوب كالمعاد والجنة والنار على التوسع والمجاز دون الحقيقة ، وحملهم نصوص الأمر والنهي على مثل ذلك ، وهذا كله مروق عن دين الإسلام . ولم ينه علماء السلف الصالح وأئمة الإسلام كالشافعي وأحمد وغيرهما عن الكلام وحذروا عنه ، إلا خوفا من الوقوع في مثل ذلك ، ولو علم هؤلاء الأئمة أن حمل النصوص على ظاهرها كفر لوجب عليهم تبيين ذلك وتحذير الأمة منه ؛ فإن ذلك من تمام نصيحة المسلمين ، فكيف كانوا ينصحون الأمة فيما يتعلق بالأحكام العملية ويدعون نصيحتهم فيما يتعلق بأصول الاعتقادات ، هذا من أبطل الباطل .
قال أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي : سمعت عبد الرحمن بن محمد ابن جابر السلمي يقول : سمعت محمد بن عقيل بن الأزهر الفقيه يقول : جاء رجل إلى المزني يسأله عن شيء من الكلام ، فقال : إني أكره هذا ، بل أنهى عنه ، كما نهى عنه الشافعي ؛ فإني سمعت الشافعي يقول : سئل مالك عن الكلام والتوحيد ، فقال مالك : محال أن يظن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه علم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد ، فالتوحيد ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ، فما عصم الدم والمال فهو حقيقة التوحيد . انتهى . وقد استوفينا الكلام على ذلك في أوائل كتاب العلم في الكلام على أول الواجبات .
وقد صح عن ابن عباس أنه أنكر على من استنكر شيئا من هذه النصوص ، وزعم أن الله منزه عما تدل عليه : فروى عبد الرزاق في كتابه عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال : سمعت رجلا يحدث ابن عباس بحديث أبي هريرة : تحاجت الجنة والنار ، وفيه : فلا تمتلئ حتى يضع رجله - أو قال : قدمه - فيها . قال : فقام رجل فانتفض ، فقال ابن عباس : ما فرق هؤلاء ، يجدون رقة عند محكمه ، ويهلكون عند متشابهه . وخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن عبد الرزاق .
ولو كان لذلك عنده تأويل لذكره للناس ولم يسعه كتمانه . وقد قابل هؤلاء المتكلمين طوائف آخرون ، فتكلموا في تقرير هذه النصوص بأدلة عقلية ، وردوا على النفاة ، ووسعوا القول في ذلك ، وبينوا أن لازم النفي التعطيل المحض . وأما طريقة أئمة أهل الحديث وسلف الأمة : فهي الكف عن الكلام في ذلك من الطرفين ، وإقرار النصوص وإمرارها كما جاءت ، ونفي الكيفية عنها والتمثيل .
وقد قال الخطابي في الأعلام : مذهب السلف في أحاديث الصفات : الإيمان ، وإجراؤها على ظاهرها ، ونفي الكيفية عنها . ومن قال : الظاهر منها غير مراد ، قيل له : الظاهر ظاهران : ظاهر يليق بالمخلوقين ويختص بهم ، فهو غير مراد ، وظاهر يليق بذي الجلال والإكرام ، فهو مراد ، ونفيه تعطيل . ولقد قال بعض أئمة الكلام والفلسفة من شيوخ الصوفية ، الذي يحسن به الظن المتكلمون : إن المتكلمين بالغوا في تنزيه الله عن مشابهة الأجسام ، فوقعوا في تشبيهه بالمعاني ، والمعاني محدثة كالأجسام ، فلم يخرجوا عن تشبيهه بالمخلوقات .
وهذا كله إنما أتى من ظن أن تفاصيل معرفة الجائز على الله والمستحيل عليه يؤخذ من أدلة العقول ، ولا يؤخذ مما جاء به الرسول . وأما أهل العلم والإيمان ، فيعلمون أن ذلك كله متلقى مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه ، ولا عدول عنه ، وأنه لا سبيل لتلقي الهدى إلا منه ، وأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله الصحيحة ما ظاهره كفر أو تشبيه ، أو مستحيل ، بل كل ما أثبته الله لنفسه ، أو أثبته له رسوله ، فإنه حق وصدق ، يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه ، فكما أن الله ليس كمثله شيء في ذاته ، فكذلك في صفاته . وما أشكل فهمه من ذلك ، فإنه يقال فيه ما مدح الله الراسخين من أهل العلم ، أنهم يقولون عند المتشابهات : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في متشابه الكتاب ، أنه يرد إلى عالمه ، والله يقول الحق ويهدي السبيل .
وكلمة السلف وأئمة أهل الحديث متفقة على أن آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة كلها تمر كما جاءت ، من غير تشبيه ولا تمثيل ، ولا تحريف ولا تعطيل . قال أبو هلال : سأل رجل الحسن عن شيء من صفة الرب عز وجل ، فقال : أمروها بلا مثال . وقال وكيع : أدركت إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعرا يحدثون بهذه الأحاديث ، ولا يفسرون شيئا .
وقال الأوزاعي : سئل مكحول والزهري عن تفسير هذه الأحاديث ، فقالا : أمرها على ما جاءت . وقال الوليد بن مسلم : سألت الأوزاعي ومالكا وسفيان وليثا عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة والقرآن ، فقالوا : أمروها بلا كيف . وقال ابن عيينة : ما وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره ، ليس لأحد أن يفسره إلا الله عز وجل .
وكلام السلف في مثل هذا كثير جدا . وقال أشهب : سمعت مالكا يقول : إياكم وأهل البدع ، فقيل : يا أبا عبد الله : وما البدع ؟ قال : أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وعلمه وقدرته ، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان . خرجه أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي في كتاب ذم الكلام .
وروى - أيضا - بأسانيده ذم الكلام وأهله عن مالك ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، وابن مهدي ، وأبي عبيد ، والشافعي ، والمزني ، وابن خزيمة . وذكر ابن خزيمة النهي عنه عن مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد وإسحاق وابن المبارك ويحيى بن يحيى ومحمد بن يحيى الذهلي . وروى السلمي - أيضا - النهي عن الكلام وذمه عن الجنيد وإبراهيم الخواص .
فتبين بذلك أن النهي عن الكلام إجماع من جميع أئمة الدين من المتقدمين من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية ، وأنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم من أئمة المسلمين . ومن جملة صفات الله التي نؤمن بها ، وتمر كما جاءت عندهم : قوله تعالى : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ونحو ذلك مما دل على إتيانه ومجيئه يوم القيامة . وقد نص على ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما .
وعندهما : أن ذلك من أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بمشيئته واختياره . وكذلك قاله الفضيل بن عياض وغيره من مشايخ الصوفية أهل المعرفة . وقد ذكر حرب الكرماني أنه أدرك على هذا القول كل من أخذ عنه العلم في البلدان ، وسمى منهم : أحمد وإسحاق والحميدي وسعيد بن منصور .
وكذلك ذكره أبو الحسن الأشعري في كتابه المسمى بـ - الإبانة - وهو من أجل كتبه ، وعليه يعتمد العلماء وينقلون منه ، كالبيهقي وأبي عثمان الصابوني وأبي القاسم ابن عساكر وغيرهم . وقد شرحه القاضي أبو بكر ابن الباقلاني . وقد ذكر الأشعري في بعض كتبه أن طريقة المتكلمين في الاستدلال على قدم الصانع وحدوث العالم بالجواهر والأجسام والأعراض محرمة عند علماء المسلمين .
وقد روي ذم ذلك وإنكاره ونسبته إلى الفلاسفة عن أبي حنيفة . وقال ابن سريج : توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين : الشهادتان ، وتوحيد أهل الباطن من المسلمين : الخوض في الأعراض والأجسام ، وإنما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بإنكار ذلك . خرجه أبو عبد الرحمن السلمي .
وكذلك ذكره الخطابي في رسالته في الغنية عن الكلام وأهله . وهذا يدل على أن ما يؤخذ من كلامه في كثير من كتبه مما يخالف ذلك ويوافق طريقة المتكلمين فقد رجع عنه ، فإن نفي كثير من الصفات إنما هو مبني على ثبوت هذه الطريقة . قال الخطابي في هذه الرسالة في هذه الطريقة في إثبات الصانع : إنما هو شيء أخذه المتكلمون عن الفلاسفة ، وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات ولا يرون لها حقيقة ، فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء ، فأما مثبتو النبوات ، فقد أغناهم الله عن ذلك ، وكفاهم كلفة المؤنة في ركوب هذه الطريقة المتعرجة التي لا يؤمن العنت على من ركبها ، والإبداع والانقطاع على سالكها .
ثم ذكر أن الطريق الصحيحة في ذلك : الاستدلال بالصنعة على صانعها ، كما تضمنه القرآن ، وندب إلى الاستدلال به في مواضع ، وبه تشهد الفطر السليمة المستقيمة . ثم ذكر طريقتهم التي استدلوا بها ، وما فيها من الاضطراب والفساد والتناقض والاختلاف . ثم قال : فلا تشتغل - رحمك الله - بكلامهم ، ولا تغتر بكثرة مقالاتهم ؛ فإنها سريعة التهافت ، كثيرة التناقض ، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازيه ويفارقه ، فكل بكل معارض ، وبعضهم ببعض مقابل .
قال : وإنما يكون تقدم الواحد منهم وفلجه على خصمه بقدر حظه من الثبات والحذق في صنعة الجدل والكلام ، وأكثر ما يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل على أصول مؤصلة لهم ، ومناقضات على مقالات حفظوها عليهم [ . .] تقودها وطردها ، فمن تقاعد عن شيء منها سموه من طريق [ . .] جعلوه مبطلا ، وحكموا بالفلج لخصمه عليه ، والجدل لا يقوم به حق [ .
.] به حجة . وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين ، كلاهما باطل ، ويكون الحق في ثالث غيرهما ، فمناقضة أحدهما صاحبه غير مصحح مذهبه ، وإن كان مفسدا به قول خصمه ؛ لأنهما مجتمعان معا في الخطأ ، مشتركان فيه ، كقول الشاعر : حجج تهافت كالزجاج تخالها حقا ، وكل واهن مكسور ومتى كان الأمر كذلك ، فإن أحدا من الفريقين لا يعتمد في مقالته التي نصرها أصلا صحيحا ، وإنما هو أوضاع وآراء تتكافأ وتتقابل ، فيكثر المقال ، ويدوم الاختلاف ، ويقل الصواب ، كما قال تعالى : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا فأخبر تعالى أن ما كثر فيه الاختلاف فليس من عنده ، وهو من أدل الدليل على أن مذاهب المتكلمين مذاهب فاسدة ؛ لكثرة ما يوجد فيها من الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير والتضليل . وذكر بقية الرسالة ، وهي حسنة متضمنة لفوائد جليلة ، وإنما ذكرنا هذا القدر منها ليتبين به أن القواعد العقلية التي يدعي أهلها أنها قطعيات لا تقبل الاحتمال ، فترد لأجلها - بزعمهم - نصوص الكتاب والسنة ، وتصرف عن مدلولاتها ، إنما هي عند الراسخين شبهات جهليات ، لا تساوي سماعها ، ولا قراءتها ، فضلا عن أن يرد لأجلها ما جاء عن الله ورسوله ، أو يحرف شيء من ذلك عن مواضعه .
وإنما القطعيات ما جاء عن الله ورسوله من الآيات المحكمات البينات ، والنصوص الواضحات ، فترد إليها المتشابهات ، وجميع كتب الله المنزلة متفقة على معنى واحد ، وإن ما فيها محكمات ومتشابهات ، فالراسخون في العلم يؤمنون بذلك كله ، ويردون المتشابه إلى المحكم ، ويكلون ما أشكل عليهم فهمه إلى عالمه ، والذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، فيضربون كتاب الله بعضه ببعض ، ويردون المحكم ، ويتمسكون بالمتشابه ابتغاء الفتنة ، ويحرفون المحكم عن مواضعه ، ويعتمدون على شبهات وخيالات لا حقيقة لها ، بل هي من وساوس الشيطان وخيالاته ، يقذفها في القلوب . فأهل العلم والإيمان يمتثلون في هذه الشبهات ما أمروا به من الاستعاذة بالله ، والانتهاء عما ألقاه الشيطان ، وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك من علامات الإيمان ، وغيرهم فيصغون إلى تلك الشبهات ، ويعبرون عنها بألفاظ مشتبهات ، لا حرمة لها في نفسها ، وليس لها معنى يصح ، فيجعلون تلك الألفاظ محكمة لا تقبل التأويل ، فيردون كلام الله ورسوله إليها ، ويعرضونه عليها ، ويحرفونه عن مواضعه لأجلها . هذه طريقة طوائف أهل البدع المحضة من الجهمية والخوارج والروافض والمعتزلة ومن أشبههم ، وقد وقع في شيء من ذلك كثير من المتأخرين المنتسبين إلى السنة من أهل الحديث والفقه والتصوف من أصحابنا وغيرهم في بعض الأشياء دون بعض .
وأما السلف وأئمة أهل الحديث ، فعلى الطريقة الأولى ، وهي الإيمان بجميع ما أثبته الله لنفسه في كتابه ، أو صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أثبته له ، مع نفي التمثيل والكيفية عنه ، كما قاله ربيعة ومالك وغيرهما من أئمة الهدى في الاستواء ، وروي عن أم سلمة أم المؤمنين ، وقال مثل ذلك غيرهم من العلماء في النزول ، وكذلك القول في سائر الصفات ، والله سبحانه وتعالى الموفق . وقوله صلى الله عليه وسلم : فأكون أول من يجوز بأمته حتى يقطع الجسر بأمته ، وروي : يجيز ، وهما لغتان ، يقال : جزت الوادي وأجزته ، وهما بمعنى . وعن الأصمعي ، قال : أجزته : قطعته ، وجزته : مشيت عليه .
وقوله : منهم الموبق بعمله أي : الهالك . وقوله : ومنهم المخردل ، هو بالدال المهملة والمعجمة : لغتان مشهورتان ، والمعنى : المقطع ، والمراد - والله أعلم - : أن منهم من يهلك فيقع في النار ، ومنهم من تقطعه الكلاليب التي على جسر جهنم ، ثم لا ينجو ولا يقع في النار . وقيل : معناه أنه ينقطع عن النجاة واللحاق بالناجين .
والمقصود من تخريج الحديث بطوله في هذا الباب : أن أهل التوحيد لا تأكل النار منهم مواضع سجودهم ، وذلك دليل على فضل السجود عند الله وعظمته ، حيث حرم على النار أن تأكل مواضع سجود أهل التوحيد . واستدل بذلك بعض من يقول : إن تارك الصلاة كافر ؛ فإنه تأكله النار كله ، فلا يبقى حاله حال عصاة الموحدين . وهذا فيمن لم يصل لله صلاة قط ظاهر .
وقوله : امتحشوا أي : احترقوا ، وضبطت هذه الكلمة بفتح التاء والحاء . وفي بعض النسخ بضم التاء وكسر الحاء . و الحبة - بكسر الحاء - قال الأصمعي : كل نبت له حب فاسم جميع ذلك الحب : الحبة .
وقال الفراء : الحبة : بذور البقل . وقال أبو عمرو : الحبة نبت ينبت في الحشيش صغار . وقال الكسائي : الحبة بذر الرياحين ، واحدتها حبة ، وأما الحنطة فهو الحب لا غير - يعني : بالفتح .
و الحميل : ما حمله السيل من كل شيء ، فهو حميل بمعنى محمول ، كقتيل بمعنى مقتول . ويأتي الكلام على باقي الحديث في موضع آخر إن شاء الله تعالى .